الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ خَلَقَ فَاعِلَ يَعْلَمُ وَالْمُرَادُ اللَّهُ تَعَالَى، وَحُذِفَ مَفْعُولُ يَعْلَمُ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ. وَالتَّقْدِيرُ: ألَا يَعْلَمُ خَالِقُكُمْ سِرَّكَمْ وَجَهْرَكُمْ وَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِلَطِيفٍ خَبِيرٍ.
وَالْعِلْمُ يَتَعَلَّقُ بِذَوَاتِ النَّاسِ وَأَحْوَالِهِمْ لِأَنَّ الْخَلْقَ إِيجَادٌ وَإِيجَادُ الذَّوَاتِ عَلَى نِظَامٍ مَخْصُوصٍ دَالٌّ عَلَى إِرَادَةِ مَا أُودِعَ فِيهِ مِنَ النِّظَامِ وَمَا يَنْشَأُ عَنْ قُوَى ذَلِكَ النِّظَامِ، فَالْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى عُمُومِ عَلْمِهِ تَعَالَى وَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ لِلْانْفِكَاكِ الظَّاهِرِ بَيْنَ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ وَتَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ.
وَجُمْلَةُ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الْأَحْسَنُ أَنْ تُجْعَلَ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ لِتُفِيدَ تَعْلِيمًا لِلنَّاسِ بِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ مُحِيطٌ بِذَوَاتِ الْكَائِنَاتِ وَأَحْوَالِهَا فَبَعْدَ أَنْ أَنْكَرَ ظَنَّهُمُ انْتِفَاءً عَلَى اللَّهِ بِمَا يُسِرُّونَ، أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَمَا هُوَ أَخْفَى مِنَ الْإِسْرَارِ مِنَ الْأَحْوَالِ.
واللَّطِيفُ: الْعَالم خبايا الْأُمُورِ وَالْمُدَبِّرُ لَهَا بِرِفْقٍ وَحِكْمَةٍ.
والْخَبِيرُ: الْعَلِيمُ الَّذِي لَا تَعْزُبُ عَنْهُ الْحَوَادِثُ الْخَفِيَّةُ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يُخْبِرَ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا بِحُدُوثِهَا فَلِذَلِكَ اشْتُقَّ هَذَا الْوَصْفُ مِنْ مَادَّةِ الْخَبَرِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
فِي الْأَنْعَامِ [103] وَعِنْدَ قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ فِي سُورَة لُقْمَان [16] .
[15]
[سُورَة الْملك (67) : آيَة 15]
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)
اسْتِئْنَافٌ فِيهِ عَوْدٌ إِلَى الْاسْتِدْلَالِ، وَإِدْمَاجٌ لِلْامْتِنَانِ، فَإِنَّ خَلْقَ الْأَرْضِ الَّتِي تَحْوِي النَّاسَ عَلَى وَجْهِهَا أَدَلُّ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلِمِهِ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ إِذْ مَا الْإِنْسَانُ إِلَّا جُزْءٌ مِنَ الْأَرْضِ أَوْ كَجُزْءٍ مِنْهَا قَالَ تَعَالَى: مِنْها خَلَقْناكُمْ [طه: 55] ، فَلَمَّا ضَرَبَ لَهُمْ بِخَلْقِ أَنْفُسِهِمْ دَلِيلًا عَلَى عِلْمِهِ الدَّالِّ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ شَفَعَهُ بِدَلِيلِ خَلْقِ الْأَرْضِ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا، مَعَ
الْمِنَّةِ بِأَنَّهُ خَلَقَهَا هَيِّنَةً لَهُمْ صَالِحَةً لِلسَّيْرِ فِيهَا مُخْرِجَةً لِأَرْزَاقِهِمْ، وَذَيَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ النُّشُورَ مِنْهَا وَأَنَّ النُّشُورَ إِلَيْهِ لَا إِلَى غَيْرِهِ.
وَالذَّلُولُ مِنَ الدَّوَابِّ الْمُنْقَادَةُ الْمُطَاوِعَةُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الذُّلِّ وَهُوَ الْهَوَانُ وَالْانْقِيَادُ،
فَعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّها بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ الْآيَةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [71] ، فَاسْتُعِيرَ الذَّلُولُ لِلْأَرْضِ فِي تَذْلِيلِ الْانْتِفَاعِ بِهَا مَعَ صلابة خلقتها تَشْبِيهًا بِالدَّابَّةِ الْمَسُوسَةِ الْمُرْتَاضَةِ بَعْدَ الصُّعُوبَةِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُصَرَّحَةِ.
وَالْمَنَاكِبُ: تَخْيِيلٌ لِلْاسْتِعَارَةِ لِزِيَادَةِ بَيَانِ تَسْخِيرِ الْأَرْضِ لِلنَّاسِ فَإِنَّ الْمَنْكَبَ هُوَ مُلْتَقَى الْكَتِفِ مَعَ الْعَضُدِ، جَعَلَ الْمَنَاكِبَ اسْتِعَارَةً لِأَطْرَافِ الْأَرْضِ أَوْ لِسَعَتِهَا.
وَفُرِّعَ عَلَى هَذِهِ الْاسْتِعَارَةِ الْأَمْرُ فِي فَامْشُوا فِي مَناكِبِها فَصِيغَةُ الْأَمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعْنَى الْإِدَامَةِ تَذْكِيرًا بِمَا سَخَّرَ اللَّهُ لَهُم من الْمَشْيِ فِي الْأَرْضِ امْتِنَانًا بِذَلِكَ.
وَمُنَاسَبَةُ وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ أَنَّ الرِّزْقَ مِنَ الْأَرْضِ. وَالْأَمْرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِدَامَةِ أَيْضًا لِلْامْتِنَانِ، وَبِذَلِكَ تَمَّتِ اسْتِعَارَةُ الذَّلُولَ لِلْأَرْضِ لِأَنَّ فَائِدَةَ تَذْلِيلِ الذَّلُولِ رُكُوبُهَا وَالْأَكْلُ مِنْهَا. فَالْمَشْيُ عَلَى الْأَرْضِ شَبِيهٌ بِرُكُوبِ الذَّلُولِ، وَالْأَكْلُ مِمَّا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ شَبِيهٌ بِأَكْلِ الْأَلْبَانِ وَالسَّمْنِ وَأَكْلِ الْعُجُولِ وَالْخِرْفَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَجَمْعُ الْمَنَاكِبِ تَجْرِيدٌ لِلْاسْتِعَارَةِ لِأَنَّ الذَّلُولَ لَهَا مِنْكِبَانِ وَالْأَرْضُ ذَاتُ مُتَّسَعَاتٍ كَثِيرَةٍ.
وَكُلُّ هَذَا تَذْكِيرٌ بِشَوَاهِدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِنْعَامِ لِيَتَدَبَّرُوا فَيَتْرُكُوا الْعِنَادَ، قَالَ تَعَالَى: كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [النَّحْل: 81] .
وَأَمَّا عَطْفُ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ فَهُوَ تَتْمِيمٌ وَزِيَادَة عبر أسطر لِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِ الْأَرْضِ فَإِنَّهَا مَثْوَى النَّاسِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَالْمَعْنَى: إِلَيْهِ النُّشُورُ مِنْهَا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفًا، أَيْ وَفِيهَا تَعُودُونَ.
وَتَعْرِيفُ النُّشُورُ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ فَيَعُمُّ أَيْ كُلُّ نُشُورٍ، وَمِنْهُ نُشُورُ الْمُخَاطَبِينَ فَكَانَ قَوْلُهُ: وَإِلَيْهِ النُّشُورُ بِمَنْزِلَةِ التَّذْيِيلِ.
وَالْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ تَعْرِيفِ جُزْأَيْ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَصْرُ قَلْبٍ بِتَنْزِيلِ الْمُخَاطَبِينَ مَنْزِلَةِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَصْنَامَ خَلَقَتِ الْأَرْضَ لِأَنَّ اعْتِقَادَهُمْ إِلَهِيَّتِهَا يَقْتَضِي إِلْزَامَهُمْ بِهَذَا الظَّنِّ الْفَاسِدِ وَإِنْ لَمْ يَقُولُوهُ.
وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ فِي جُمْلَةِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ لِلْاهْتِمَامِ.
وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ النُّشُورِ هُوَ ذِكْرُ خَلْقِ الْأَرْضِ فَإِنَّ الْبَعْثَ يَكُونُ من الأَرْض.