الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَ (بَلْ) لِلْاضْرَابِ أَوِ الْإِبْطَالِ عَمَّا تَضْمَّنَهُ الْاسْتِفْهَامَانِ السَّابِقَانِ أَوْ لِلْانْتِقَالِ مِنْ غَرَضِ التَّعْجِيزِ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنْ عِنَادِهِمْ.
يُقَالُ: لَجَّ فِي الْخُصُومَةِ مِنْ بَابِ سَمَّعَ، أَيِ اشْتَدَّ فِي النِّزَاعِ وَالْخِصَامِ، أَيِ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْعِنَادِ يَكْتَنِفُهُمُ الْعُتُوُّ وَالنُّفُورُ، أَيْ لَا يَتْرُكُ مَخْلَصًا لِلْحَقِّ إِلَيْهِمْ، فَالظَّرْفِيَّةُ مَجَازِيَّةٌ، وَالْعُتُوُّ: التَّكَبُّرُ وَالطُّغْيَانُ.
وَالنُّفُورُ: هُوَ الْاشْمِئْزَازُ مِنَ الشَّيْءِ وَالْهُرُوبُ مِنْهُ.
وَالْمَعْنَى: اشْتَدُّواْ فِي الْخِصَام متلبسين بِالْكِبْرِ عَنِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ حِرْصًا عَلَى بَقَاءِ سِيَادَتِهِمْ وَبِالنُّفُورِ عَنِ الْحَقِّ لِكَرَاهِيَةِ مَا يُخَالِفُ أَهْوَاءَهُمْ وَمَا أَلِفُوهُ من الْبَاطِل.
[22]
[سُورَة الْملك (67) : آيَة 22]
أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)
هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ أَوْ لِرَجُلَيْنِ: كَافِرٍ وَمُؤْمِنٍ، لِأَنَّهُ جَاءَ مُفَرَّعًا عَلَى قَوْلِهِ: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ [الْملك: 20] وَقَوْلِهِ: بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ [الْملك: 21] وَمَا اتَّصَلَ ذَلِكَ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي سِيقَ مَسَاقَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ:
أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ [الْملك: 20] أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ [الْملك: 21] ، وَذَلِكَ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى اخْتِلَافِ مَنَاحِيهِمْ وَلَكِنْ لَمْ يُعَرِّجْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى بَيَانِ كَيْفَ يَتَعَيَّنُ التَّمْثِيلُ الْأَوَّلُ لِلْكَافِرِينَ وَالثَّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَظْهَرَ وَجْهُ إِلْزَامِ اللَّهِ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْمَثَلِ الْأَوَّلِ مَثَلِ السَّوْءِ، فَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ مِنَ الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهَةِ لَمْ يَتَّضِحْ إِلْزَامُ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ حَالَهُمْ حَالُ التَّمْثِيلِ الْأَوَّلِ، فَيَخَالُ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ أَنَّ خَصْمَهُ هُوَ مَضْرِبُ الْمَثَلِ السُّوءِ. وَيَتَوَهَّمُ أَنَّ الْكَلَامَ وَرَدَ عَلَى طَرِيقَةِ الْكَلَامِ الْمُنْصِفِ نَحْوُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ: 24] بِذَلِكَ يَنْبُو عَنْهُ الْمَقَامُ هُنَا لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا وَارِدٌ فِي مَقَامِ الْمُحَاجَّةِ وَالْاسْتِدْلَالِ وَهُنَالِكَ فِي مَقَامِ الْمُتَارَكَةِ أَوِ الْاسْتِنْزَالِ.
وَالَّذِي انْقَدَحَ لِي: أَنَّ التَّمْثِيلَ جَرَى عَلَى تَشْبِيهِ حَالِ الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ بِحَالَةِ مَشْيِ إِنْسَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَعَلَى تَشْبِيهِ الدِّينِ بِالطَّرِيقِ الْمَسْلُوكَةِ كَمَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ مَشْيِ الْمُكِبِّ عَلَى وَجْهِهِ مَشْيًا عَلَى صِرَاطٍ مُعْوَجٍّ، وَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ: مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ اسْتِعَارَةٌ أُخْرَى بِتَشْبِيهِ حَالِ السَّالِكِ
صِرَاطًا مُعْوَجًّا فِي تَأَمُّلِهِ وَتَرَسُّمِهِ آثَارَ السَّيْرِ فِي الطَّرِيقِ غَيْرِ الْمُسْتَقِيمِ خَشْيَةَ أَنْ يَضِلَّ فِيهِ، بِحَالِ الْمُكِبِّ عَلَى وَجْهِهِ يَتَوَسَّمُ حَالَ الطَّرِيقِ وَقَرِينَةُ ذَلِكَ مُقَابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: سَوِيًّا الْمُشْعِرِ بِأَنَّ مُكِبًّا أُطْلِقَ عَلَى غَيْرِ السَّوِيِّ وَهُوَ المنحني المطاطئ يَتَوَسَّمُ الْآثَارَ اللَّائِحَةَ مِنْ آثَارِ السَّائِرِينَ لَعَلَّهُ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ الْمُوَصِّلَةَ إِلَى الْمَقْصُودِ.
فَالْمُشْرِكُ يَتَوَجَّهُ بِعِبَادَتِهِ إِلَى آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا يَدْرِي لَعَلَّ بَعْضَهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ وَأَعْطَفَ عَلَى بَعْضِ الْقَبَائِلِ مِنْ بَعْضٍ، فَقَدْ كَانَتْ ثَقِيفٌ يَعْبُدُونَ الْلَّاتَ، وَكَانَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ يَعْبُدُونَ مَنَاةَ وَلِكُلِّ قَبِيلَةٍ إِلَهٌ أَوْ آلِهَةٌ فَتَقَّسَمُوا الْحَاجَاتِ عِنْدَهَا وَاسْتَنْصَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِآلِهَتِهِمْ وَطَمِعُوا فِي غَنَائِهَا عَنْهُمْ وَهَذِهِ حَالَةٌ يَعْرِفُونَهَا فَلَا يَمْتَرُونَ فِي أَنَهُمْ مَضْرَبُ الْمَثَلِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ حَالُ أَهْلِ الْإِشْرَاكِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، أَلَا تَسْمَعُ مَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْ يُوسُفَ عليه السلام مِنْ قَوْلِهِ: أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [يُوسُف: 39] . وَيُنَوِّرُ هَذَا التَّفْسِيرَ أَنَّهُ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الْأَنْعَام: 153] وَقَوْلُهُ: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يُوسُف: 108] ، فَقَابَلَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ الْمُشَبَّهَ بِهِ الْإِسْلَامُ بِالسُّبُلِ الْمُتَفَرِّقَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا تَعْدَادُ الْأَصْنَامِ، وَجَعَلَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ الْإِسْلَامَ مُشَبَّهًا بِالسَّبِيلِ وَسَالِكُهُ يَدْعُو بِبَصِيرَةٍ ثُمَّ قَابَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ:
وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يُوسُف: 108] .
فَالْآيَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثِ اسْتِعَارَاتٍ تَمْثِيلِيَّةٍ فَقَوْلُهُ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ تَشْبِيه لحَال الْمُشرك فِي تَقَسُّمِ أَمْرِهِ بَيْنَ الْآلِهَةِ طَلَبًا لِلَّذِي يَنْفَعُهُ مِنْهَا الشَّاكِّ فِي انْتِفَاعِهِ بِهَا، بِحَالِ السَّائِرِ قَاصِدًا أَرْضًا مُعَيَّنَةً لَيْسَتْ لَهَا طَرِيقٌ جَادَّةٌ فَهُوَ يَتَتَبَّعُ بِنْيَاتِ الطَّرِيقِ الْمُلْتَوِيَةِ وَتَلْتَبِسُ عَلَيْهِ وَلَا يُوقِنُ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تُبَلِّغُ إِلَى مَقْصِدِهِ فَيَبْقَى حَائِرًا مُتَوَسِّمًا يَتَعَرَّفُ آثَارَ أَقْدَامِ النَّاسِ وَأَخْفَافِ الْإِبِلِ فَيَعْلَمُ بِهَا أَنَّ الطَّرِيقَ مَسْلُوكَةٌ أَوْ مَتْرُوكَةٌ.
وَفِي ضِمْنِ هَذِهِ التَّمْثِيلِيَّةِ تَمْثِيلِيَّةٌ أُخْرَى مَبْنِيَّة عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ بِتَشْبِيهِ حَالِ الْمُتَحَيِّرِ الْمُتَطَلَّبِ لِلْآثَارِ فِي الْأَرْضِ بِحَالِ الْمُكِبِّ عَلَى وَجْهِهِ فِي شِدَّةِ اقْتِرَابِهِ مِنَ الْأَرْضِ.
وَقَوله: أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا تَشْبِيهٌ لِحَالِ الَّذِي آمَنَ بِرَبٍّ وَاحِدٍ الْوَاثِقُ بِنَصْرِ رَبِّهِ وَتَأْيِيدِهِ وَبِأَنَّهُ مُصَادِفٌ لِلْحَقِّ، بِحَالِ الْمَاشِي فِي طَرِيقٍ جَادَّةٍ وَاضِحَةٍ لَا يَنْظُرُ إِلَّا إِلَى اتِّجَاهِ وَجْهِهِ فَهُوَ مُسْتَوٍ فِي سَيْرِهِ.