الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَمَالًا، وَكَانُوا يُعَيِّرُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْخَصَاصَةِ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ الْآيَات [المطففين: 29، 30]، وَقَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ [مُحَمَّد: 12] .
والنَّعْمَةِ: هُنَا بِفَتْحِ النُّونِ بِاتِّفَاقِ الْقُرَّاءِ. وَهِيَ اسْمٌ لِلتَّرَفُّهِ، وَجَمْعُهَا أَنْعُمٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْعَيْنِ.
وَأَمَّا النِّعْمَةُ بِكَسْرِ النُّونِ فَاسْمٌ لِلْحَالَةِ الْمُلَائِمَةِ لِرَغْبَةِ الْإِنْسَانِ مِنْ عَافِيَةٍ، وَأَمْنٍ وَرِزْقٍ،
وَنَحْوِ ذَلِك من الرغائب. وَجَمْعُهَا: نِعَمٌ بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ، وَتُجْمَعُ جَمْعَ سَلَامَةٍ عَلَى نِعَمَاتٍ بِكَسْرِ النُّونِ وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ لِجُمْهُورِ الْعَرَبِ. وَتُكْسَرُ الْعَيْنُ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ كَسْرَةَ إِتْبَاعٍ.
وَالنُّعْمَةُ بِضَمِّ النُّونِ اسْمٌ لِلْمَسَرَّةِ فَيَجُوزُ أَنْ تُجْمَعَ عَلَى نُعْمٍ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تُجْمَعَ عَلَى نُعَمٍ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مِثْلَ: غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ، وَهُوَ مُطَّرِدٌ فِي الْوَزْنِ.
وَجَعْلُهُمْ ذَوِي النَّعْمَةِ الْمَفْتُوحَةِ النُّونِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ قُصَارَى حَظِّهِمْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ هِيَ النَّعْمَةُ، أَيِ الِانْطِلَاقُ فِي الْعَيْشِ بِلَا ضِيقٍ، وَالِاسْتِظْلَالُ بِالْبُيُوتِ وَالْجَنَّاتِ، وَالْإِقْبَالُ عَلَى لَذِيذِ الطُّعُومِ وَلَذَائِذِ الِانْبِسَاطِ إِلَى النِّسَاءِ وَالْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْ كَمَالَاتِ النَّفْسِ وَلَذَّةِ الِاهْتِدَاءِ وَالْمَعْرِفَةِ قَالَ تَعَالَى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الْفرْقَان: 44] وَتَعْرِيفُ النَّعْمَةِ لِلْعَهْدِ.
وَالتَّمْهِيلُ: الْإِمْهَالُ الشَّدِيدُ، وَالْإِمْهَالُ: التَّأْجِيلُ وَتَأْخِيرُ الْعُقُوبَةِ، وَهُوَ مُتَرَتِّبٌ فِي الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ، أَيْ وَانْتَظِرْ أَنْ نَنْتَصِرَ لَكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الْأَحْقَاف: 35] .
وقَلِيلًا وَصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ تَمْهِيلًا قَلِيلًا. وَانْتَصَبَ عَلَى الْمَفْعُول الْمُطلق.
[12- 14]
[سُورَة المزمل (73) : الْآيَات 12 إِلَى 14]
إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (12) وَطَعاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً
(14)
وَهَذَا تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ [المزمل: 11] ، أَيْ لِأَنَّ لَدَيْنَا مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ رَدِّكَ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ أَفَادَ تَهْدِيدَهُمْ بِأَنَّ هَذِهِ النِّقَمَ أُعِدَّتْ لَهُمْ لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مِنْ خَزَائِنِ نِقْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَتْ بِحَيْثُ يَضَعُهَا اللَّهُ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُسْتَأْهِلَةِ لَهَا، وَهُمُ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، فَأَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ ضِدًّا لِأُصُولِ النِّعْمَةِ الَّتِي خُوِّلُوهَا، فَبَطِرُوا بِهَا وَقَابَلُوا الْمُنْعِمَ بِالْكُفْرَانِ.
فَالْأَنْكَالُ مُقَابِلُ كُفْرَانِهِمْ بِنِعْمَةِ الصِّحَّةِ وَالْمَقْدِرَةِ لِأَنَّ الْأَنْكَالَ الْقُيُودُ. وَالْجَحِيمُ: وَهُوَ نَارُ جَهَنَّمَ مُقَابِلُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ لَذَّةِ الِاسْتِظْلَالِ وَالتَّبَرُّدِ. وَالطَّعَامُ: ذُو الْغُصَّةِ مُقَابِلُ مَا كَانُوا مُنْهَمِكِينَ فِيهِ مِنْ أَطْعِمَتِهِمُ الْهَنِيئَةِ مِنَ الثَّمَرَاتِ وَالْمَطْبُوخَاتِ وَالصَّيْدِ. وَالْأَنْكَالُ: جَمْعُ
نَكْلٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَبِكَسْرِهَا وَبِسُكُونِ الْكَافِ. وَهُوَ الْقَيْدُ الثَّقِيلُ.
وَالْغُصَّةُ بِضَمِّ الْغَيْن: اسْم الْأَثر الْغَصِّ فِي الْحَلْقِ وَهُوَ تَرَدُّدُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي الْحَلْقِ بِحَيْثُ لَا يُسِيغُهُ الْحَلْقُ مَنْ مَرَضٍ أَوْ حُزْنٍ وَعَبْرَةٍ.
وَإِضَافَةُ الطَّعَامِ إِلَى الْغُصَّةِ إِضَافَةٌ مَجَازِيَّةٌ وَهِيَ مِنَ الْإِضَافَةِ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ، فَإِنَّ الْغُصَّةَ عَارِضٌ فِي الْحَلْقِ سَبَبُهُ الطَّعَامُ أَوِ الشُّرْبُ الَّذِي لَا يُسْتَسَاغُ لِبَشَاعَةٍ أَوْ يُبُوسَةٍ.
وَالْعَذَابُ الْأَلِيمُ: مُقَابِلُ مَا فِي النِّعْمَةِ مِنْ مَلَاذِّ الْبَشَرِ، فَإِنَّ الْأَلَمَ ضِدُّ اللَّذَّةِ. وَقَدْ عَرَّفَ الْحُكَمَاءُ اللَّذَّةَ بِأَنَّهَا الْخَلَاصُ مِنَ الْأَلَمِ.
وَقَدْ جُمِعَ الْأَخِيرُ جَمْعَ مَا يُضَادُّ مَعْنَى النَّعْمَةِ (بِالْفَتْحِ) .
وَتَنْكِيرُ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ الْأَرْبَعَةِ لِقَصْدِ تَعْظِيمِهَا وَتَهْوِيلِهَا، وَ (لَدَى) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَيُقَدَّرُ مُضَافٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُونِ الْعَظَمَةِ. وَالتَّقْدِيرُ: لَدَى خَزَائِنِنَا، أَيْ خَزَائِنِ الْعَذَابِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا فِي الْقُدْرَةِ عَلَى إِيجَادِ ذَلِكَ مَتَى أَرَادَ اللَّهُ.
وَيَتَعَلَّقُ يَوْمَ تَرْجُفُ بِالِاسْتِقْرَارِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ خَبَرُ إِنَّ فِي قَوْلِهِ إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا.
وَالرَّجْفُ: الزَّلْزَلَةُ وَالِاضْطِرَابُ، وَالْمُرَادُ: الرَّجْفُ الْمُتَكَرِّرُ الْمُسْتَمِرُّ، وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ بِهِ انْفِرَاطُ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ وَانْحِلَالُهَا.