الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يُوَفِّقِ بَيْنَ الْحَكَمَيْنِ فِي اتِّحَادِ كَلِمَتِهِمَا وَحُصُولِ مَقْصُودِهِمَا وَقِيلَ: كِلَا الضَّمِيرَيْنِ لِلزَّوْجَيْنِ، أَيْ: إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الشِّقَاقِ أَوْقَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا الْأُلْفَةَ وَالْوِفَاقَ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْحَكَمَانِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُمَا، وَلَا يَلْزَمُ قَبُولُ قَوْلِهِمَا، بِلَا خِلَافٍ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما قَالَ: هَذَا الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ إِذَا تَفَاسَدَ الَّذِي بَيْنَهُمَا أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تَبْعَثُوا رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَهْلِ الرَّجُلِ وَرَجُلًا مِثْلَهُ من أهل المرأة فينظران أيهما المسيئ، فإن كان الرجل هو المسيئ حَجَبُوا امْرَأَتَهُ عَنْهُ وَقَسَرُوهُ عَلَى النَّفَقَةِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُسِيئَةُ قَسَرُوهَا عَلَى زَوْجِهَا وَمَنَعُوهَا النَّفَقَةَ، فَإِنِ اجْتَمَعَ رَأْيُهُمَا عَلَى أَنْ يُفَرِّقَا أَوْ يَجْمَعَا فَأَمْرُهُمَا جَائِزٌ، فَإِنْ رَأَيَا أَنْ يَجْمَعَا فَرَضِيَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَكَرِهَ الْآخَرُ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَإِنَّ الَّذِي رَضِيَ يَرِثُ الَّذِي كَرِهَ، وَلَا يَرِثُ الْكَارِهُ الرَّاضِيَ إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً قَالَ: هُمَا الْحَكَمَانِ يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما وَكَذَلِكَ كَلُّ مُصْلِحٍ يُوَفِّقُهُ لِلْحَقِّ وَالصَّوَابِ. وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي الْمُصَنَّفِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ إِلَى عَلِيٍّ وَمَعَهُمَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَأَمَرَهُمْ عَلِيٌّ فَبَعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، ثُمَّ قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ: تَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا؟ عَلَيْكُمَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا أَنْ تَجْمَعَا، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا أَنْ تُفَرِّقَا، قَالَتِ الْمَرْأَةُ: رَضِيتُ بِكِتَابِ اللَّهِ بِمَا عَلَيَّ فِيهِ وَلِي، وَقَالَ الرَّجُلُ:
أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا، فَقَالَ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ حَتَّى تُقِرَّ مِثْلَ الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بُعِثْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ حَكَمَيْنِ، فَقِيلَ لَنَا: إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا، وَالَّذِي بَعَثَهُمَا عُثْمَانُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: إِنَّمَا يُبْعَثُ الْحَكَمَانِ لِيُصْلِحَا وَيَشْهَدَا عَلَى الظَّالِمِ بِظُلْمِهِ، فَأَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَيْسَتْ بِأَيْدِيهِمَا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إِذَا حَكَمَ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ وَلَمْ يَحْكُمِ الْآخَرُ فَلَيْسَ حكمه بشيء حتى يجتمعا.
[سورة النساء (4) : آية 36]
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (36)
قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَعْنَى الْعِبَادَةِ. وَشَيْئًا إِمَّا مَفْعُولٌ بِهِ، أَيْ: لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ، مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ حَيٍّ وَمَيِّتٍ، وَجَمَادٍ وَحَيَوَانٍ، وَإِمَّا مَصْدَرٌ، أَيْ: لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الْإِشْرَاكِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ، وَالْوَاضِحِ وَالْخَفِيِّ. وَقَوْلُهُ: إِحْساناً مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: أَحْسِنُوا بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ، وَقَدْ دَلَّ ذِكْرُ الْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْإِشْرَاكِ بِهِ عَلَى عِظَمِ حَقِّهِمَا، ومثله: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ «1» فَأَمَرَ سُبْحَانَهُ بِأَنْ يُشْكَرَا مَعَهُ. قَوْلُهُ: وَبِذِي الْقُرْبى
(1) . لقمان: 14.
أَيْ: صَاحِبِ الْقَرَابَةِ، وَهُوَ مَنْ يَصِحُّ إِطْلَاقُ اسْمِ الْقُرْبَى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا. وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ: قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُمْ، وَالْمَعْنَى: وَأَحْسِنُوا بِذِي الْقُرْبَى إِلَى آخِرِ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى أَيِ: الْقَرِيبُ جِوَارُهُ وَقِيلَ: هُوَ مَنْ لَهُ مَعَ الْجِوَارِ فِي الدَّارِ قُرْبٌ فِي النَّسَبِ وَالْجارِ الْجُنُبِ: الْمُجَانِبِ، وَهُوَ مُقَابِلٌ لِلْجَارِّ ذِي الْقُرْبَى، وَالْمُرَادُ: مَنْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمَّى الْجِوَارِ مَعَ كَوْنِ دَارِهِ بَعِيدَةً، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى تَعْمِيمِ الْجِيرَانِ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، سَوَاءٌ كَانَتِ الدِّيَارُ مُتَقَارِبَةً أَوْ مُتَبَاعِدَةً، وَعَلَى أَنَّ الْجِوَارَ حُرْمَةٌ مَرْعِيَّةٌ مَأْمُورٌ بِهَا. وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْجَارَ مُخْتَصٌّ بِالْمُلَاصِقِ دُونَ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حَائِلٌ، أَوْ مُخْتَصٌّ بِالْقَرِيبِ دُونَ الْبَعِيدِ وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْجَارِ الْجُنُبِ هُنَا: هُوَ الْغَرِيبُ وَقِيلَ: هُوَ الْأَجْنَبِيُّ الَّذِي لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُجَاوِرِ لَهُ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَالْمُفَضَّلُ: وَالْجارِ الْجُنُبِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ، أَيْ: ذِي الْجَنْبِ، وَهُوَ النَّاحِيَةُ، وَأَنْشَدَ الْأَخْفَشُ:
النَّاسُ جَنْبٌ وَالْأَمِيرُ جَنْبُ «1» وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى: الْمُسْلِمُ، وَبِالْجَارِ الْجُنُبِ: الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمِقْدَارِ الَّذِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمَّى الْجِوَارِ وَيَثْبُتُ لِصَاحِبِهِ الْحَقُّ، فَرُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَالْحَسَنِ: أَنَّهُ إِلَى حَدِّ أَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوُهُ وَقِيلَ: مَنْ سَمِعَ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَقِيلَ: إِذَا جَمَعَتْهُمَا مَحَلَّةٌ وَقِيلَ: مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُرْجَعَ فِي مَعْنَى الْجَارِ إِلَى الشَّرْعِ، فَإِنْ وُجِدَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي بَيَانَهُ وَأَنَّهُ يَكُونُ جَارًا إِلَى حَدِّ كَذَا مِنَ الدُّورِ، أَوْ مِنْ مَسَافَةِ الْأَرْضِ، كَانَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ مُتَعَيِّنًا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ رُجِعَ إِلَى مَعْنَاهُ لُغَةً أَوْ عُرْفًا. وَلَمْ يَأْتِ فِي الشَّرْعِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْجَارَ هُوَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَارِهِ مِقْدَارُ كَذَا، وَلَا وَرَدَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ أَيْضًا مَا يُفِيدُ ذَلِكَ، بَلِ الْمُرَادُ بِالْجَارِ فِي اللُّغَةِ: الْمُجَاوِرُ، وَيُطْلِقُ عَلَى مَعَانٍ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالْجَارُ: الْمُجَاوِرُ، وَالَّذِي أَجَرْتَهُ مِنْ أَنْ يُظْلَمَ، وَالْمُجِيرُ، وَالْمُسْتَجِيرُ، وَالشَّرِيكُ فِي التِّجَارَةِ، وَزَوْجُ الْمَرْأَةِ، وَهِيَ جَارَتُهُ، وَفَرْجُ الْمَرْأَةِ، وَمَا قَرُبَ مِنَ الْمَنَازِلِ، وَالِاسْتُ، كَالْجَارَةِ، وَالْقَاسِمُ، وَالْحَلِيفُ، وَالنَّاصِرُ. انْتَهَى. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَرُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي نَزَلْتُ مَحَلَّةَ قَوْمٍ، وَإِنَّ أَقْرَبَهُمْ إِلَيَّ جِوَارًا أَشَدُّهُمْ لِي أَذًى، فَبَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيًّا يَصِيحُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ: أَلَا إِنَّ أَرْبَعِينَ دَارًا جَارٌ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» . انْتَهَى. وَلَوْ ثَبَتَ هَذَا لَكَانَ مُغْنِيًا عَنْ غَيْرِهِ، وَلَكِنَّهُ رَوَاهُ كَمَا تَرَى مِنْ غَيْرِ عَزْوٍ لَهُ إِلَى أَحَدِ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفَةِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ إِمَامًا فِي عِلْمِ الرِّوَايَةِ، فَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِمَا يَرْوِيهِ بِغَيْرِ سَنَدٍ مَذْكُورٍ وَلَا نَقْلٍ عَنْ كِتَابٍ مَشْهُورٍ، ولا سيما وَهُوَ يَذْكُرُ الْوَاهِيَاتِ كَثِيرًا، كَمَا يَفْعَلُ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسَاكَنَةَ فِي مَدِينَةٍ مُجَاوِرَةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ إِلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ لَا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا «2» فجعل اجتماعهم
(1) . كأن الأمير عدل بجميع الناس.
(2)
. الأحزاب: 60.
فِي الْمَدِينَةِ جِوَارًا. وَأَمَّا الْأَعْرَافُ فِي مُسَمَّى الْجِوَارِ فَهِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَهْلِهَا، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ الْقُرْآنِ عَلَى أَعْرَافٍ مُتَعَارَفَةٍ وَاصْطِلَاحَاتٍ مُتَوَاضِعَةٍ. قَوْلُهُ: وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ قِيلَ: هُوَ الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: هُوَ الزَّوْجَةُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُوَ الَّذِي يَصْحَبُكَ وَيَلْزَمُكَ رَجَاءَ نَفْعِكَ. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَتَنَاوَلَ الْآيَةُ جَمِيعَ مَا فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَعَ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا، وَهُوَ كُلُّ مَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَاحِبٌ بِالْجَنْبِ، أَيْ: بِجَنْبِكَ، كَمَنْ يَقِفُ بِجَنْبِكَ فِي تَحْصِيلِ عِلْمٍ أَوْ تَعَلُّمِ صِنَاعَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةِ تِجَارَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: وَابْنِ السَّبِيلِ قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الَّذِي يَجْتَازُ بِكَ مَارًّا، وَالسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ، فَنُسِبَ الْمُسَافِرُ إِلَيْهِ لِمُرُورِهِ عَلَيْهِ وَلُزُومِهِ إِيَّاهُ، فَالْأَوْلَى تَفْسِيرُهُ بِمَنْ هُوَ عَلَى سَفَرٍ، فَإِنَّ عَلَى الْمُقِيمِ أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِ وَقِيلَ: هُوَ الْمُنْقَطِعُ بِهِ وَقِيلَ: هو الضعيف. قَوْلُهُ:
وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أَيْ: وَأَحْسِنُوا إِلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِحْسَانًا، وَهُمُ الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ، وَقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: بِأَنَّهُمْ يَطْعَمُونَ مِمَّا يَطْعَمُ مَالِكُهُمْ، وَيَلْبَسُونَ مِمَّا يَلْبَسُ. وَالْمُخْتَالُ: ذُو الْخُيَلَاءِ، وَهُوَ الْكِبْرُ وَالتِّيهُ، أَيْ:
لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُتَكَبِّرًا تَائِهًا عَلَى النَّاسِ مُفْتَخِرًا عَلَيْهِمْ. وَالْفَخْرُ: الْمَدْحُ لِلنَّفْسِ، وَالتَّطَاوُلُ، وَتَعْدِيدُ الْمَنَاقِبِ، وَخَصَّ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا يَحْمِلَانِ صَاحِبَهُمَا عَلَى الْأَنَفَةِ مِمَّا نَدَبَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى يَعْنِي: الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ وَالْجارِ الْجُنُبِ يَعْنِي: الَّذِي لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ قَالَ: الْجَارُ ذِي الْقُرْبَى: الْمُسْلِمُ، وَالْجَارُ الْجُنُبِ: الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ قَالَ: الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ الحكيم، والترمذي فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ قَالَ: هُوَ جَلِيسُكَ فِي الْحَضَرِ، وَرَفِيقُكَ فِي السَّفَرِ، وَامْرَأَتُكَ الَّتِي تُضَاجِعُكَ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: هُوَ الْمَرْأَةُ. وَأَخْرَجَ هَؤُلَاءِ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ قَالَ: مِمَّا خَوَّلَكَ اللَّهُ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُ كُلُّ هذا أوصى بِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُقَاتِلٍ نَحْوَهُ، وَقَدْ وَرَدَ مَرْفُوعًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَفِي صِلَةِ الْقَرَابَةِ، وَفِي الْإِحْسَانِ إِلَى الْيَتَامَى، وَفِي الْإِحْسَانِ إِلَى الْجَارِ، وَفِي الْقِيَامِ بِمَا يَحْتَاجُهُ الْمَمَالِيكُ، أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا كُتُبُ السُّنَّةِ لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى بَسْطِهَا هُنَا، وَهَكَذَا وَرَدَ فِي ذَمِّ الْكِبْرِ وَالِاخْتِيَالِ وَالْفَخْرِ مَا هُوَ معروف.