الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَا أَنْقُصُهَا مِنْ مَلْءِ جِلْدِهَا ذَهَبًا، فَأَخَذُوهَا بِمَلْءِ جِلْدِهَا ذَهَبًا، فَذَبَحُوهَا فَضَرَبُوهُ بِبَعْضِهَا، فَقَامَ، فَقَالُوا:
مَنْ قَتَلَكَ؟ فَقَالَ: هَذَا، لِابْنِ أَخِيهِ، ثُمَّ مَالَ مَيِّتًا، فَلَمْ يُعْطَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا، وَلَمْ يُورَّثْ قَاتِلٌ بَعْدَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ «مَنْ عَاشَ بَعْدَ الْمَوْتِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْقَتِيلَ وُجِدَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ وَأَنَّ الْبَقَرَةَ كَانَتْ لِرَجُلٍ كَانَ يَبِرُّ أَبَاهُ فَاشْتَرَوْهَا بِوَزْنِهَا ذَهَبًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا قَصَصٌ مُخْتَلِفَةٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَثِيرُ فَائِدَةٍ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلُ لَوْ أَخَذُوا أَدْنَى بَقَرَةٍ لَأَجْزَأَهُمْ أَوْ لَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ» وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ مَا أُعْطَوْا أَبَدًا، وَلَوْ أَنَّهُمُ اعْتَرَضُوا بَقَرَةً مِنَ الْبَقَرِ فَذَبَحُوهَا لَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ الْفِرْيَابِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ يَرْفَعُهُ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ يَرْفَعُهُ أَيْضًا، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مُرْسَلَةٌ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْفَارِضُ: الْهَرِمَةُ، وَالْبِكْرُ: الصَّغِيرَةُ، وَالْعَوَانُ: النِّصْفُ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ قَالَ: بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ، وَهِيَ أَقْوَى مَا يَكُونُ وَأَحْسَنُهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها قَالَ: شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ تَكَادُ مِنْ صُفْرَتِهَا تَبْيَضُّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ: صَفْراءُ قَالَ: صَفْرَاءُ الظِّلْفِ فاقِعٌ لَوْنُها قَالَ: صافي. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: فاقِعٌ لَوْنُها أَيْ صَافٍ تَسُرُّ النَّاظِرِينَ أَيْ تُعْجِبُ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها قَالَ: سَوْدَاءُ شَدِيدَةُ السَّوَادِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ:
لَا ذَلُولٌ أَيْ لَمْ يَذِلَّهَا الْعَمَلُ تُثِيرُ الْأَرْضَ يَعْنِي ليس بِذَلُولٍ فَتُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ يَقُولُ: وَلَا تَعْمَلُ فِي الْحَرْثِ مُسَلَّمَةٌ قَالَ: مِنَ الْعُيُوبِ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ: لَا شِيَةَ فِيها لَا بَيَاضَ فِيهَا وَلَا سَوَادَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُسَلَّمَةٌ لَا عَوَارَ فِيهَا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ: قالُوا: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ قَالُوا: الْآنَ بَيَّنْتَ لَنَا: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ لِغَلَاءِ ثَمَنِهَا.
[سورة البقرة (2) : الآيات 72 الى 74]
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)
قَدْ تَقَدَّمَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي قِصَّةِ ذَبْحِ البقرة، فيكون تقدير الكلام: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً إِلَى آخَرِ الْقِصَّةِ، وَبَعْدَهَا: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها
الْآيَةَ. وَقَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: اعْلَمْ أَنَّ وُقُوعَ الْقَتْلِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا لِأَمْرِهِ تَعَالَى بِالذَّبْحِ، فَأَمَّا الْإِخْبَارُ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ الْقَتْلِ، وَعَنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُضْرَبَ الْقَتِيلُ بِبَعْضِ تِلْكَ الْبَقَرَةِ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ قِصَّةِ الْبَقَرَةِ، فَقَوْلُ مَنْ يَقُولُ هَذِهِ الْقِصَّةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً فِي التِّلَاوَةِ عَلَى الْأُولَى خَطَأٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي نَفْسِهَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْأُولَى فِي الْوُجُودِ، فَأَمَّا التَّقَدُّمُ فِي الذِّكْرِ فَغَيْرُ وَاجِبٌ لِأَنَّهُ تَارَةً يُقَدَّمُ ذِكْرُ السَّبَبِ عَلَى ذِكْرِ الْحُكْمِ، وَأُخْرَى عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُمْ لَمَّا وَقَعَتْ لَهُمْ تِلْكَ الْوَاقِعَةُ أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ، فَلَمَّا ذَبَحُوهَا قَالَ: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا مِنْ قَبْلُ، وَنَسَبَ الْقَتْلَ إِلَيْهِمْ بِكَوْنِ الْقَاتِلِ مِنْهُمْ، وَأَصْلُ ادَّارَأْتُمْ تَدَارَأْتُمْ، ثُمَّ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الدَّالِ، وَلَمَّا كَانَ الِابْتِدَاءُ بِالْمُدْغَمِ السَّاكِنِ لَا يَجُوزُ زَادُوا أَلِفَ الْوَصْلِ وَمَعْنَى ادَّارَأْتُمْ: اخْتَلَفْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ، لِأَنَّ الْمُتَنَازِعِينَ يَدْرَأُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا:
أَيْ يَدْفَعُهُ، وَمَعْنَى مُخْرِجٌ مُظْهِرٌ: أَيْ مَا كَتَمْتُمْ بَيْنَكُمْ مِنْ أَمْرِ الْقَتْلِ فَاللَّهُ مُظْهِرُهُ لِعِبَادِهِ وَمُبَيِّنُهُ لَهُمْ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْكَلَامِ: أَيْ فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا فَقُلْنَا. وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ الْبَعْضِ الَّذِي أُمِرُوا بِأَنْ يَضْرِبُوا الْقَتِيلَ بِهِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَيَكْفِينَا أَنْ نَقُولَ: أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِأَنْ يَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا، فَأَيَّ بَعْضٍ ضَرَبُوا بِهِ فَقَدْ فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، وَمَا زَادَ عَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ فُضُولِ الْعِلْمِ إِذَا لَمْ يَرِدْ بِهِ بُرْهَانٌ. قَوْلُهُ: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى
فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها
فأحياه الله كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى
أَيْ إِحْيَاءٌ كَمِثْلِ هَذَا الْإِحْيَاءِ. وَيُرِيكُمْ آياتِهِ
أَيْ عَلَامَاتِهِ وَدَلَائِلَهُ الدَّالَّةَ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِمَنْ حَضَرَ الْقِصَّةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْمَوْجُودِينَ عِنْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ. وَالْقَسْوَةُ: الصَّلَابَةُ وَالْيُبْسُ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ خُلُوِّهَا مِنَ الْإِنَابَةِ وَالْإِذْعَانِ لِآيَاتِ اللَّهِ مَعَ وُجُودِ مَا يَقْتَضِي خِلَافَ هَذِهِ الْقَسْوَةِ مِنْ إِحْيَاءِ الْقَتِيلِ وَتَكَلُّمِهِ وَتَعْيِينِهِ لِقَاتِلِهِ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلِينِ الْقُلُوبِ وَرِقَّتِهَا. قِيلَ: أَوْ فِي قَوْلِهِ: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً بِمَعْنَى الْوَاوِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: آثِماً أَوْ كَفُوراً «1» وَقِيلَ هِيَ بِمَعْنَى بَلْ، وَعَلَى أَنَّ «أَوْ» عَلَى أَصْلِهَا أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، فَالْعَطْفُ عَلَى قَوْلِهِ: كَالْحِجارَةِ أَيْ هَذِهِ الْقُلُوبُ هِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ هِيَ أَشَدُّ قَسْوَةً مِنْهَا، فَشَبِّهُوهَا بِأَيِّ الْأَمْرَيْنِ شِئْتُمْ فَإِنَّكُمْ مُصِيبُونَ فِي هَذَا التَّشْبِيهِ. وَقَدْ أَجَابَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ وُقُوعِ «أَوْ» هَاهُنَا مَعَ كَوْنِهَا للترديد- وهو لَا يَلِيقُ لِعَلَّامِ الْغُيُوبِ- بِثَمَانِيَةِ أَوْجُهٍ. وَإِنَّمَا توصل إلى أفعل التفضيل بأشدّ مَعَ كَوْنِهِ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ وَأَقْسَى مِنَ الْحِجَارَةِ، لِكَوْنِهِ أَبْيَنَ وَأَدَلَّ عَلَى فَرْطِ الْقَسْوَةِ، كَمَا قَالَهُ فِي الْكَشَّافِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ «أَوْ أَشَدَّ» بِنَصْبِ الدَّالِ، وَكَأَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى الْحِجَارَةِ، فَيَكُونُ أَشَدُّ مَجْرُورًا بِالْفَتْحَةِ. وَقَوْلُهُ: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ إِلَى آخِرِهِ، قَالَ فِي الْكَشَّافِ: إِنَّهُ بَيَانٌ لِفَضْلِ قُلُوبِهِمْ عَلَى الْحِجَارَةِ فِي شِدَّةِ الْقَسْوَةِ وَتَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ:
أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ مَجِيءَ الْبَيَانِ بِالْوَاوِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَلَا مَأْلُوفٍ، وَالْأَوْلَى جَعْلُ مَا بَعْدَ الْوَاوِ تَذْيِيلًا أَوْ حَالًا. التَّفَجُّرُ: التَّفَتُّحُ، وَقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ. وَأَصْلُ يَشَّقَّقُ يَتَشَقَّقُ، أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الشين،
(1) . الإنسان: 24.
وَقَدْ قَرَأَ الْأَعْمَشُ يَتَشَقَّقُ عَلَى الْأَصْلِ. وَقَرَأَ ابْنُ مُصَرِّفٍ يَنْشَقُّ بِالنُّونِ، وَالشَّقُّ: وَاحِدُ الشُّقُوقِ، وَهُوَ يَكُونُ بِالطُّولِ أَوْ بِالْعَرْضِ، بِخِلَافِ الِانْفِجَارِ، فَهُوَ الِانْفِتَاحُ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مَعَ اتِّسَاعِ الْخَرْقِ. وَالْمُرَادُ:
أَنَّ الْمَاءَ يَخْرُجُ مِنَ الْحِجَارَةِ مِنْ مَوَاضِعِ الِانْفِجَارِ وَالِانْشِقَاقِ، وَمِنَ الْحِجَارَةِ مَا يَهْبِطُ: أَيْ يَنْحَطُّ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ إِلَى أَسْفَلَ مِنْهُ مِنَ الْخَشْيَةِ لِلَّهِ الَّتِي تُدَاخِلُهُ وَتَحِلُّ بِهِ وَقِيلَ: إِنَّ الْهُبُوطَ مَجَازٌ عَنِ الْخُشُوعِ مِنْهَا، وَالتَّوَاضُعِ الْكَائِنِ فِيهَا انْقِيَادًا لِلَّهِ عز وجل، فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ «1» وَقَدْ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ فِرْقَةٍ: أَنَّ الْخَشْيَةَ لِلْحِجَارَةِ مُسْتَعَارَةٌ كَمَا اسْتُعِيرَتِ الْإِرَادَةُ لِلْجِدَارِ «2» ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَوَاضَعَتْ
…
سُورُ الْمَدِينَةِ وَالْجِبَالُ الْخُشَّعُ
وَذَكَرَ الْجَاحِظُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّ مِنْها رَاجِعٌ إِلَى الْقُلُوبِ لَا إِلَى الْحِجَارَةِ، وَهُوَ فَاسِدٌ، فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنْ سِيَاقِ هَذَا الْكَلَامِ هُوَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ قُلُوبَ هَؤُلَاءِ بَلَغَتْ فِي الْقَسْوَةِ وَفَرْطِ الْيُبْسِ الْمُوجِبَيْنِ لِعَدَمِ قَبُولِ الْحَقِّ وَالتَّأَثُّرِ لِلْمَوَاعِظِ إِلَى مَكَانٍ لَمْ تَبْلُغْ إِلَيْهِ الْحِجَارَةُ، الَّتِي هِيَ أَشَدُّ الْأَجْسَامِ صَلَابَةً وَأَعْظَمُهَا صَلَادَةً، فَإِنَّهَا ترجع إلى نوع من اللين، وهي تَفَجُّرُهَا بِالْمَاءِ وَتَشَقُّقُهَا عَنْهُ وَقَبُولُهَا لِمَا تُوجِبُهُ الْخَشْيَةُ لِلَّهِ مِنَ الْخُشُوعِ وَالِانْقِيَادِ بِخِلَافِ تِلْكَ الْقُلُوبِ. وَفِي قَوْلِهِ: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ مِنَ التَّهْدِيدِ وَتَشْدِيدِ الْوَعِيدِ مَا لَا يَخْفَى، فَإِنَّ اللَّهَ عز وجل إِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَا يَعْمَلُونَهُ مُطَّلِعًا عَلَيْهِ غَيْرَ غَافِلٍ عَنْهُ كَانَ لِمُجَازَاتِهِمْ بِالْمِرْصَادِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قوله: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ قَالَ: اخْتَلَفْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قَالَ: مَا تُغَيِّبُونَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: مَا عَمِلَ رَجُلٌ حَسَنَةً فِي سَبْعَةِ أَبْيَاتٍ إِلَّا أَظْهَرَهَا اللَّهُ، وَمَا عَمِلَ رِجْلٌ سَيِّئَةً فِي سَبْعَةِ أَبْيَاتٍ إِلَّا أظهرها، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمِلَ عَمَلًا فِي صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَا بَابَ لَهَا وَلَا كُوَّةَ خَرَجَ عَمَلُهُ إِلَى النَّاسِ كَائِنًا مَا كَانَ» وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَتْ لَهُ سَرِيرَةٌ صَالِحَةٌ أَوْ سَيِّئَةٌ أَظْهَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْهَا رِدَاءً يُعْرَفُ بِهِ» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا بِنَحْوِهِ مِنْ قَوْلِ عُثْمَانَ قَالَ: وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا حَدِيثًا طَوِيلًا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ يُلْبِسُ كُلَّ عَامِلٍ عَمَلَهُ حَتَّى يَتَحَدَّثَ بِهِ النَّاسُ وَيَزِيدُونَ، وَلَوْ عَمِلَهُ فِي جَوْفِ بَيْتٍ إِلَى سَبْعِينَ بَيْتًا عَلَى كُلِّ بَيْتٍ بَابٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَيْضًا مَرْفُوعًا:
«إِنَّ اللَّهَ مُرْدٍ كُلَّ امْرِئٍ رِدَاءَ عَمَلِهِ» . وَلِجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَلِمَاتٌ تُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها
قال: ضرب
(1) . الحشر: 21.
(2)
. في هذا إشارة إلى قوله تعالى في سورة الكهف [الآية: 77] : فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ....