المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الترغيب في التوبة والمبادرة بها - فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب - جـ ١٢

[حسن بن علي الفيومي]

فهرس الكتاب

- ‌الترغيب في قتل الوزَغ وما جاء في قتل الحيات وغيرها مما يذكر

- ‌الترغيب في إنجاز الوعد والأمانة والترهيب من إخلافه ومن الخيانة والغدر وقتل المعاهد أو ظلمه

- ‌القتل في سبيل الله يكفر الدنوب كلها إلا الأمانة

- ‌الترغيب في الحب في الله تعالى والترهيب من حب الأشرار وأهل البدع ونحوهم لأن المرء مع من أحب

- ‌الترهيب من السحر وإتيان الكهان والعرافين والمنجمين بالرمل والعصى أو نحو ذلك وتصديقهم

- ‌الترهيب من الطيرة

- ‌فوائد يختم بها الباب:

- ‌الترهيب من تصوير الحيوانات والطيور في البيوت وغيرها

- ‌الترهيب من اقتناء الكلب إلا لصيد أو ماشية

- ‌الترهيب من اللعب بالنرد

- ‌الترغيب في الجليس الصالح والترهيب من الجليس السيئ

- ‌الترهيب أن ينام المرء على سطح لا تحجير له أو يركب البعر عند ارتجاجه

- ‌الترهيب أن ينام الإنسان على وجهه من غير عذر

- ‌الترهيب من الجلوس بين الظل والشمس والترغيب في الجلوس مستقبل القبلة

- ‌الترهيب من سفر الرجل وحده أو مع آخر فقط وما جاء في خير الأصحاب

- ‌ترهيب المرأة أن تسافر وحدها بغير محرم

- ‌الترغيب في ذكر اللّه تعالى لمن ركب دابة

- ‌الترهيب من استصحاب الكلب والجرس في سفر وغيره

- ‌الترغيب في الدلجة وهو السّير بالليل والترهيب من السفر أوله ومن التعريس في الطرق والافتراق في المنزل والترغيب في الصلاة إذا عرس الناس

- ‌الترغيب في ذكر اللّه تعالى لمن عثرت دابته

- ‌الترغيب في كلمات يقولوهن من نزل منزلا

- ‌الترغيب في دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب سيما المسافر

- ‌[الترغيب في دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب سيما المسافر]

- ‌الترغيب في الموت في الغربة

- ‌الترغيب في سكنى الشام وما جاء في فضلها

- ‌كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة

- ‌الترغيب في التوبة والمبادرة بها

- ‌الترغيب في الفراغ للعبادة والإقبال على الله تعالى والترهيب من الاهتمام بالدنيا والإقبال عليها

- ‌الترغيب في العمل الصالح عند فساد الزمان

- ‌الترغيب في المداومة على العمل

- ‌الترغيب في الفقر وقلة ذات اليد وما جاء في فضل الفقراء والمساكين والمستضعفين وحبهم ومجالستهم

- ‌الترغيب في الزهد في الدنيا والاكتفاء منها بالقليل والترهيب من حبها والتكاثر فيها والتنافس وبعض ما جاء في عيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المأكل والملبس والمشرب ونحو ذلك

الفصل: ‌الترغيب في التوبة والمبادرة بها

‌كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة

‌الترغيب في التوبة والمبادرة بها

تقدم الكلام على الكتاب واشتقاقه في مواضع من هذا التعليق.

الترغيب في التوبة والمبادرة بها، وأصل التوبة في اللغة الرجوع، يقال تاب وثاب بالمثلثة وآب وأناب بمعنى رجع، والمراد بالتوبة هنا الرجوع عن الذنب، ولها ثلاثة أركان الإقلاع والندم على فعل تلك المعصية والعزم على أن لا يعود إليها [أبدا، فإن كانت] المعصية [بحق] آدمي [فلها ركن] رابع وهو التحلل من صاحب ذلك الحق وأصلها الندم وهو ركنها الأعظم، واتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة، وأنها واجبة على الفور ولا يجوز تأخيرها سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة، والتوبة من مهمات الإسلام وقواعده المتأكدة، والله أعلم.

ووجوبها عند أهل السنة بالشرع وعند المعتزلة بالعقل، ولا يجب على الله تعالى قبولها إذا وجدت بشروطها عقلا عند أهل السنة لأنه سبحانه وتعالى قبلها [منّة وفضلا]، وتصح التوبة من الذنب وإن كان مصرا على ذنب آخر [إذا تاب] توبة صحيحة بشروطها ثم عاود ذلك كتب عليه الذنب الثاني ولم تبطل توبته، وهذا مهذب أهل السنة في المسألتين وخالفت المعتزلة فيهما. قال أصحابنا ولو تكررت التوبة ومعاودة الذنب صحت، وتوبة الكافر من كفره مقطوع بقبولها وما [سواها] من سائر أنواع

ص: 397

التوبة فهل قبولها مقطوع به أو مظنون فيه، فيه خلاف لأهل السنة. [واختار إمام الحرمين أنه مظنون فيه، وهو الأصح

(1)

، انتهى. قاله في الديباجة].

4740 -

عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها رواه مسلم

(2)

والنسائي

(3)

.

قوله عن أبي موسى واسمه عبد الله بن قيس الأشعري تقدم ذكره.

قوله صلى الله عليه وسلم أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، الحديث هو إشارة إلى نشر رحمته وكثرة عطائه وإجابته وإسباغ نعمته

(4)

، فبسط اليد مجاز [عن الجود و] حتى قيل للملك الذي يطلق [عطاياه بالأمر] والإشارة مبسوط اليد وإن كان لم يعط منها شيئًا بيده ولا بسطها به البتة، ومنه قوله تعالى {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}

(5)

، فإن المراد به الجود والإنعام لا غير من غير تصوير يد ولا بسطها لأن قولهم مبسوط اليد وجواد معبران عن معنى واحد والمعنى أن الله جواد بالغفران يقبل التوبة من المسيئين نهارا وليلا حتى تطلع الشمس من مغربها ولا يختص قبولها بوقت

(1)

شرح النووي على مسلم (17/ 59 - 60).

(2)

صحيح مسلم (31)(2759).

(3)

السنن الكبرى للنسائي (11116).

(4)

شرح النووي على مسلم (6/ 39).

(5)

سورة المائدة، الآية:64.

ص: 398

وبسط اليد استعارة في قبول التوبة واليد [قد تطلق] في اللغة على النعمة وهذا المعنى المشهور [في] اللسان [يقارب] ما قلناه [لأن ما يفعله] سبحانه وتعالى من قبول توبة عباده [من إحدى نعمه عليه، وكذلك ما يفعله من] النعم بالتائبين

(1)

.

وقال الإمام المازري

(2)

المراد قبول التوبة [على التائب]

(3)

وإنما ورد لفظ بسط اليد لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله وإذا كرهه قبضها عنه فخوطبوا بأمر حسي يفهمونه. وأما يد الجارحة فمستحيلة على الله سبحانه وتعالى. والقبض والبسط من صفات الأجسام. قوله صلى الله عليه وسلم حتى تطلع الشمس من مغربها. غاية لهذا الأمر إذا التوبة بعدها لا تقبل والله أعلم.

[تنبيه: وفي حديث آخر

(4)

أن الله تعالى واضع يده لمسيء الليل ليتوب بالنهار ولمسيء النهار ليتوب بالليل، أراد بالوضع ها هنا البسط وقد صرح به في الرواية الأخرى أن الله باسط يده ليتوب مسيء الليل وهو مجاز في البسط واليد كوضع أجنحة الملائكة، وقيل أراد بالوضع الإمهال وترك [المعاجلة] بالعقوبة يقال وضع يده عن فلان إذا كفّ عنه وتكون اللام بمعنى عن أي

(1)

انظر الفائق (1/ 108)، وإكمال المعلم (8/ 261)، وشرح النووي على مسلم (17/ 76).

(2)

شرح النووي على صحيح مسلم ج 17 ص 76).

(3)

سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

(4)

غريب الحديث للخطابي (1/ 684)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (1/ 322)، وظلال الجنة (614).

ص: 399

يضعها عنه أو لام أجل أي يكفها لأجله والمعنى في الحديث أنه يتقاضى المذنبين بالتوبة ليقبلها منهم

(1)

والله أعلم.

4741 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه. رواه مسلم

(2)

.

قوله عن أبي هريرة تقدمت ترجمته. قوله صلى الله عليه وسلم من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه، الحديث. التوبة [الرجوع] من الذنب وأما كيفية طلوع الشمس من مغربها فروي في حديث مطول معروف قال العلماء هذا حد لقبول التوبة وقد جاء في الحديث الصحيح أن للتوبة بابا مفتوحا فلا تزال مقبولة حتى [يغلق] فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق وامتنعت التوبة على من لم يكن تاب قبل ذلك، وهو معنى قوله تعالى {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا}

(3)

الآية، ومعنى قوله [صلى الله تعالى عليه وسلم:] تاب الله عليه، قبل توبته ورضيها. قاله النووي في شرح مسلم

(4)

. وقيل بمعنى وفقه للتوبة فتاب العبد لقوله: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا}

(5)

، ومعنى التوبة عود الإنسان إلى الطاعة، اهـ]

(6)

.

(1)

النهاية (5/ 197).

(2)

صحيح مسلم (43)(2703).

(3)

سورة الأنعام، الآية:158.

(4)

شرح النووي على مسلم (17/ 25).

(5)

سورة النور، الآية:118.

(6)

حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله:(قوله وعن صفوان بن عسال تقدم الكلام على مناقبه في كتاب العلم).

ص: 400

وفي الحديث عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها، فذلك حين {لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ}

(1)

، رواه الجماعة إلا الترمذي

(2)

، معنى هذا أنها إذا طلعت ورآها الناس آمن من على وجه الأرض وصدّقوا تصديقا ضروريا بأمور الآخرة الذي لا [يكلف] به ولا ينفع صاحبه لكون أمور الآخرة معاينة وإنما كان طلوع الشمس مخصوصا [بذلك لأنه أول تغيير هذا العالم العلوي الذي لم يشاهد فيه تغيير منذ خلقه الله تعالى]. وأما ما قبله من الآيات فقد شوهد ما يقرب من نوعه فإذا كان [ذلك و] طبع على كل قلب بما فيه من كفر أو إيمان أخرج الله تعالى الدابة تُعرِّف بما في بواطن الناس من إيمان أو كفر فتكلمهم بذلك [وتَسِمُ] وجوههم به حتى يتعارف الناس بذلك فيقول المؤمن للكافر بكم سلعتك يا كافر، ويقول الكافر للمؤمن بكم سلعتك يا مؤمن، تم يبقى الناس على ذلك ما شاء الله ثم يرسل الله تعالى ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى أحد على وجه الأرض ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا [قبضته] كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو، والله أعلم. قاله في الديباجة.

(1)

سورة الأنعام، الآية:158.

(2)

صحيح البخاري (4635 - 4636 - 6506)، وصحيح مسلم (248)(157)، وابن ماجه (4068)، وأبو داود (4312)، والنسائي في السنن الكبرى (11112 - 11113) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 401

4742 -

وعن صفوان بن عسال رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من قبل المغرب لبابا مسيرة عرضه أربعون عاما أو سبعون سنة فتحه الله عز وجل للتوبة يوم خلق السموات والأرض فلا يغلقه حتى تطلع الشمس منه. رواه الترمذي

(1)

في حديث والبيهقي

(2)

، واللفظ له، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

4743 -

وفي رواية له

(3)

وصححها أيضًا، قال: زر، يعني ابن حبيش: فما برح يعني صفوان يحدثني حتى حدثني أن الله جعل بالمغرب بابا عرضه مسيرة سبعين عاما للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله:{يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا}

(4)

الآية. وليس في هذه الرواية ولا الأول تصريح برفعه كما صرح البيهقي، وإسناده صحيح أيضًا. للجنة ثمانية أبواب، الحديث.

قوله وعن صفوان بن عسال تقدم الكلام على مناقبه في كتاب العلم. قوله صلى الله عليه وسلم إن من قبل المغرب لَبَابًا مسيرة عرضه أربعون عاما أو سبعون سنة فتحه

(1)

سنن الترمذي (3535)، وأخرجه في الشعب (5/ 400/ 7076) مرفوعًا. وقوله:(أو سبعون سنة) شك من بعض الرواة، وأكثر الرواة على (أربعون عاما) كما حققته في الضعيفة تحت لفظ ثالث منكر تحت رقم (6951)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3137)، وفي صحيح الجامع (4191).

(2)

شعب الإيمان (7076).

(3)

سنن الترمذي (3536)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (1/ 423).

(4)

سورة الأنعام، الآية:158.

ص: 402

الله عز وجل للتوبة، الحديث. التوبة أحد قواعد الإسلام وهي أول مقامات سالكي طريق الآخرة. قال العلماء ولها شروط ثلاثة سيأتي ذكرها في الأحاديث بعد هذا إن شاء الله تعالى.

4744 -

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: للجنة ثمانية أبواب: سبعة مغلقة، وباب مفتوح للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه. رواه أبو يعلى

(1)

والطبراني

(2)

بإسناد جيد.

قوله وعن عبد الله بن مسعود تقدم. قوله في الحديث وباب مفتوح للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه الحديث. قال كثير بن مرة ويزيد بن شريح وغيرهما من السلف إذا طلعت الشمس من مغربها طبع على القلوب بما فيها وترفع الحفظة والعمل وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملا، وقال سفيان الثوري إذا طلعت الشمس من مغربها طوت الملائكة صحائفها ووضعت أقلامها، فالواجب على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن لا يقدر

(1)

أبو يعلى (5012).

(2)

أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (10/ 254/ 10479)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (221)، وأبو نعيم في صفة الجنة (169)، وسكت عليه الحاكم في المستدرك (4/ 261)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 198) رواه أحمد، والطبراني، وإسناده جيد، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (8/ 230) رواه أبو بكر بن أبي شيبة وأبو يعلى والطبراني والحاكم وصححه. وله شاهد من حديث صفوان بن كسال رواه الترمذي وصححه والبيهقي. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (4329)، وضعيف الترغيب والترهيب (1827).

ص: 403

عليها ويحال بينه وبينها إما بمرض أو بموت أو تدركه بعض هذه الآيات التي لا يقبل معها عمل ومتى حيل بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرة والأسف عليه وتمني الرجوع إلى حالة يتمكن فيها من العمل فلا تنفعه الأمنية، والله أعلم. قاله ابن رجب الحنبلي

(1)

.

4745 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أخطأتم حتى تبلغ السماء، ثم تبتم لتاب الله عليكم. رواه ابن ماجه

(2)

بإسناد جيد.

قوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثم تبتم لتاب الله عليكم، الحديث. قال العلماء التوبة واجبة من كل ذنب والتوبة قسمان توبة من الله تعالى على العبد وتوبة من العبد إلى الله تعالى فتوبة الله تعالى على العبد أن يحبب له الطاعة ويكره إليه المعصية ويوفقه للعمل بما حبب الله إليه، قال الله تعالى:{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}

(3)

الآية. فهذه [هي] التوبة من الله تعالى على العبد وعن هذه التوبة تنشأ توبة العبد، قال الله تعالى {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا}

(4)

، أي تاب عليهم لأجل أن يتوبوا وما لم يتب الله على العبد لم تقع من العبد التوبة وهذا معنى قولهم العناية قبل الولاية والسعادة قبل

(1)

جامع العلوم والحكم (ص 386).

(2)

أخرجه ابن ماجه (4248)، وحسنه العراقي في تخريج الإحياء (4/ 4)، والألباني في صحيح الجامع (5235)، والصحيحة (903)، وصحيح الترغيب والترهيب (3138).

(3)

سورة الحجرات، الآية:7.

(4)

سورة النور، الآية:118.

ص: 404

الولادة [واللواحق] مبنية على السوابق، وشاهد ذلك من القرآن قوله تعالى {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9)}

(1)

، أي يصرف عن الإيمان والقرآن وسماعه وفهمه من صرف في القدم [وقضي عليه بالشقاوة والحرمان] قبل أن يخلق وللتوبة من العبد شروط فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي [فلها] شروط الأول الندم على ما سلف منه في الماضي [أي وقع منه سواء ندم بعد الإقلاع أو قبله]

(2)

.

الثاني الإقلاع عنه في الحال [أي] بقلبه عن الذنب الذي هو عليه والإقلاع عن الأمر هو الكف عنه والإمساك، يقال أقلع فلان عما كان عليه أي فرغ قلبه منه.

الثالث العزم على أن لا يعاوده في المستقبل أبدًا كما لا يعود اللبن إلى الضرع، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته. [في الحاشية:] هذا محل قوله بالورقة بعده ما نصه: فإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي إلى قوله في السطر الثامن: ولو قذف و]

(3)

[يعفو لئلا يضع حقه، وهذه الشروط الأربعة مأخوذة من قوله تعالى:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ} إلى قوله: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا}

(4)

، وبيان ذلك أن العبد المسلم إذا أذنب فذكر الله تعالى ندم على ما فعل، وأما الإقلاع والعزم على ترك العودة

(1)

سورة الذاريات: الآية: 9.

(2)

سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

(3)

سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

(4)

سورة آل عمران، الآية:135.

ص: 405

[ورد الظلامة] فمأخوذ من قوله [تعالى:]{وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}

(1)

لأن من لم يقلع عن الذنب فهو مصر عليه ومن أقلع عنه وعزم على العود إليه فقد أصر على العود إليه ومن أقلع وعزم على ترك العود إلى الغصب مثلا لكنه أمسك ما غصبه فقد أصر على ما فعل، وعلى هذا فلا تصح توبة المكاس حتى يرد أموال الناس إليهم، وكذلك لا [تقبل] توبة سائر الظلمة والسارق حتى يرد أموال الناس إليهم.

الخامس أن يكون الإقلاع [والعزم] على ترك العود [خوفًا من] الله تعالى [فإن كان لأجل الخوف على سقوط منزلته عند الناس أو خوفا على عزلة من ولاية ونحوها لم تصح التوبة].

السادس أن يكون إقلاعه مع القدرة على العود [فإن عجز] على العود كالزاني إذا جبّ ذكره فتاب لأجل فقد ذكره [وذهاب] جماعه لم يتحقق بذلك صحة توبته كما ذكره الغزالي ونقله عن ابن التلمساني.

السابع شرط جماعة من الصوفية وقاله الزمخشري: [أن يفارق موضع المعصية]، وقال بعضهم والثياب التي عصى الله تعالى فيها، وقد استحسنه الشيخ في [التنبيه] حيث قال في كتاب الحج: ويستحب أن يغير ما [في المكان الذي جامعها فيه. قال الرافعي: وإنما] استحب ذلك لأن [معهد الوصال] مشوق. [والثامن:] أن لا تطلع الشمس من مغربها [لقوله]

(1)

سورة آل عمران، الآية:135.

ص: 406

تعالى {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا}

(1)

الآية، وفي الآية دليل على أن المكلف يرتفع عنه التكليف بطلوع الشمس وأن الناس لا يكلفون العمل بعد طلوعها وأن من عمل عملا لا يثاب عليه بدليل رد التوبة التي هي من أفضل الأعمال، وذكر بعضهم أن من طلعت عليه الشمس وهو مجنون قبلت توبته بعد طلوع الشمس.

التاسع أن لا تبلغ الروح الحلقوم، فإذا انتهت إلى هذه الحالة لم تقبل التوبة لقوله تعالى {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} إلى قوله {الْآنَ}

(2)

. وقال النبي صلى الله عليه وسلم تقبل توبة العبد ما لم يغرغر. وكذلك لو أخرجت حشوته وقطع بموته أو حصل في بحر يعلم أنه ينجو منه، قال الله تعالى:{فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا}

(3)

.

العاشر شرط [القاضي أبو بكر الباقلاني أنه لا يعود إلى الذنب المستقبل، فإن عاد بطلت توبته السابقة وانتقضت]، وخالفه النووي وصحح [في الروضة] أنها تقبل وتظهر فائدة الخلاف فيمن تاب وعقد له النكاح ثم عاد إلى الذنب فعلى قول القاضي يتبين بطلان النكاح لظهور الفسق حال العقد.

الحادي عشر شرط بعضهم أن يجدد التوبة كلما [ذكر الذنب] والصحيح خلافه والله أعلم.

(1)

سورة الأنعام، الآية:158.

(2)

سورة النساء، الآية:18.

(3)

سورة غافر، الآية:85.

ص: 407

الثاني عشر أن يكون أهلا للعبادة فإن لم يكن أهلا للعبادة كالسكران لم تصح توبته لأن الإقلاع والندم والعزم على ان لا يعود لا يتأتي منه في حال السكر وهذا بخلاف ما لو أسلم فإنه [يصح] لأن التلفظ بالإسلام لا يحتاج إلى النية، اهـ قاله ابن العماد في كتابه تسهيل المقاصد [لزوار المساجد

(1)

، والله تعالى أعلم بالصواب]

(2)

[الرابع] فإن كانت المعصية تتعلق بآدمي [فشروطها أربعة]، الثلاثة المذكورة، ورد الظلامة إلى صاحبها أو طلب عفوه عنها والإبراء منها فإن كانت مالا أو نحوه رده إليه. [ويرد العين المغصوبة على مالكها حتى لو تلفت عنده وكان مفلسا وجب عليه الكسب والأداء لتصح التوبة كما نقله ابن الرفعة عن أبي الفضل الفزاري]. ومثله ما قاله النووي في الأذكار

(3)

أن من اغتاب إنسانا وجب عليه أن يعلمه بما قال عليه ولا يكفي أن يقول اغتبتك بل لا بد أن يبين له ما قال عنه لأن الشخص قد يسمح بالقليل دون الكثير وبعيب دون آخر والعرض كالمال ولو فرض أن إنسانا أتلف على غيره ماله وهو لا يعلمه وجب على المتلف إعلامه [بذلك لئلا يضيع حقه].

قال الرافعي: ولو قذف [إنسان إنسانا بحضرة الحاكم، وجب على

(1)

تسهيل المقاصد (لوحة 99 - 102/ الأزهرية).

(2)

حصل تأخير لهذه الصحيفة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله:(قال الرافعي ولو قذف [إنسان إنسانا بحضرة الحاكم، وجب على الحاكم إعلامه فيبعث إلى المقذوف ويخبره ليقتص أو]).

(3)

الأذكار للنووي (ص: 346).

ص: 408

الحاكم إعلامه فيبعث إلى المقذوف ويخبره ليقتص أو]، وإن كان حدّ القذف ونحوه مكّنه منه أو طلب عفوه وإن كانت غيبة استحله منها ويجب أن يتوب من جميع الذنوب فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب وبقي الباقي هكذا ذكره النووي، والله أعلم.

4746 -

وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سعادة المرء أن يطول عمره، ويرزقه الله الإنابة. رواه الحاكم

(1)

، وقال: صحيح الإسناد.

قوله وعن جابر تقدم. قوله من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله تعالى الإنابة، الإنابة هي الرجوع إلى الله، يقال أناب إلى الله تعالى أي أقبل وتاب، قال الله تعالى {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ}

(2)

، الآية، والإنابة إنابتان، إنابة لربوبيته وهي إنابة المخلوقات كلها يشترك فيها المؤمن والكافر والبر

(1)

الحاكم 4/ 240، وقال: إسناده صحيح ولم يخرجاه، والحديث، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (34421)، وأحمد (14564)، وفي الزهد (ص 29)، وعبد بن حميد (1153)، والبزار كما في كشف الأستار (3240)، (3422)، وابن عدي في الكامل (7/ 206) والبيهقي في الشعب (10105).

وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار، وإسناده حسن وقال في 10/ 334: رواه أحمد والبزار، وإسنادهما جيد. قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (2/ 420) رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، وعبد بن حميد، وأبو يعلى الموصلي، وأحمد بن حنبل، والحاكم وصححه، والبيهقي. قال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (1963): وفي إسناده ضعيف واضطراب، وبيانه في الضعيفة (4979). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2006). في السلسلة الضعيفة (885)، وضعيف الترغيب والترهيب (1828).

(2)

سورة الزمر، الآية:54.

ص: 409

والفاجر، قال الله تعالى:{وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ}

(1)

الآية

(2)

، فهذا عام في حق كل داع أصابه ضر كما هو الواقع، وهذه الإنابة لا تستلزم الإسلام بل تجامع الشرك والكفر كما قال تعالى في حق هؤلاء {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ}

(3)

فهذا حالهم بعد إنابتهم.

والإنابة الثانية إنابة [الأولياء] وهي إنابة لإلهيته عبودية ومحبة وفي اللفظة معنى الإسراع والرجوع والتقدم فالمنيب إلى الله المسرع إلى مرضاته الراجع إليه كل وقت المتقدم إلى محابه ثم نزل القلب منه منزلة التذكير

(4)

اهـ.

فائدة: الناس في التوبة على أقسام، فمنهم من لا يوفق لتوبة نصوح بل [يتيسر له عمل السيئات] من أول عمره إلى آخره حتى يموت مصرا عليها، وهذه حالة الأشقياء وأقبح من ذلك من يُسِّر له من أول عمره عمل الطاعات ثم ختم له بعمل سيء حتى مات عليه كما في الحديث الصحيح

(5)

: إن أحدكم ليعمل عمل أهل الجنة الحديث. وقسم يفني عمره في الغفلة والبطالة ثم يوفق لعمل صالح فيموت عليه وهذه [حالة] من عمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة

(1)

سورة الروم، الآية:33.

(2)

سورة الروم، الآية:33.

(3)

الروم: 33 - 34.

(4)

مدارج السالكين (1/ 433).

(5)

صحيح البخاري (7454)، وصحيح مسلم (1)(2643).

ص: 410

فيدخلها، الأعمال بالخواتيم، إذا أراد الله بعبد خيرا عسله، قالوا وما عسّله؟ قال يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه، وبقي ها هنا قسم آخر وهو أشرف الأقسام وأرفعها وهو من يفني عمره في الطاعة ثم ينبّه على قرب الأجر ليجدّ في التزود ويتهيأ للرحيل بعمل يصلح [للقاء] ويكون خاتمة للعمل، قال ابن عباس رضي الله عنهما

(1)

لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)}

(2)

نعيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه فأخذ في أشد ما كان اجتهادا في أمر الآخرة، قالت أم سلمة رضي الله عنها

(3)

كان النبي صلى الله عليه وسلم في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال سبحان الله وبحمده، فذكرت ذلك له فقال إني أمرت بذلك، وتلى هذه السورة. إذا كان سيد المحسنين يؤمر أن يختم عمره بالزيادة والإحسان فكيف يكون حال المسيء، اهـ، قاله ابن رجب

(4)

.

4747 -

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سره أن يسبق الدائب المجتهد فليكف عن الذنوب. رواه أبو يعلى

(5)

، ورواته رواة

(1)

النسائي في الكبرى (11712)، وانظر: تفسير ابن كثير (4/ 564).

(2)

سورة النصر، الآية:1.

(3)

أخرجه الثعلبي في التفسير ج 10 ص 321)، وعزاه في الدر المنثور ج 8 ص 663) لابن جرير وابن مردويه عن أم سلمة، وانظر: أطراف الغرائب والأفراد ج 5/ ص 391) ابن جرير (تفسير ابن كثير (4/ 564)، وقال: غريب.

(4)

لطائف المعارف لابن رجب (ص: 101).

(5)

أخرجه أبو يعلى (4929)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الورع (ص 41)، وفي التوبة (ص 32)، وابن المبارك في الزهد (67)، وأبو نعيم في الحلية (10/ 400)، وفي أخبار أصبهان (2/ 119)، والبيهقي في الشعب (6928 - 6929)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد =

ص: 411

الصحيح إلا يوسف بن ميمون.

[الدائب]: بهمزة بعد الألف: هو المتعب نفسه في العبادة المجتهد فيها.

قوله وعن عائشة تقدم الكلام عليها. قوله من سره أن يسبق الدائب المجتهد فليكف عن الذنوب قوله من سره أن يسبق الدائب، قال الحافظ بهمزة مكسورة بعد الألف هو المتعب نفسه في العبادة المجتهد فيها.

4748 -

وروي عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن واه راقع، فسعيد من هلك على رقعه. رواه البزار

(1)

والطبراني في

= (10/ 200) رواه أبو يعلى، وفيه يوسف بن ميمون، وثقه ابن حبان، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله رجال الصحيح. إتحاف الخيرة المهرة (7/ 417) رواه أبو يعلى بسند ضعيف لضعف يوسف بن ميمون. قال البيهقي: تفرد به يوسف بن ميمون، وهو منكر الحديث. قال أبو نعيم في الحلية: غريب، تفرد به يوسف عن عطاء. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (5338)، والضعيفة (4535)، وضعيف الترغيب والترهيب (1829) وقال: ضعيف جدًا. وروي عن عائشة رضي الله عنها، موقوفا، أخرجه ابن المبارك (ص 22) وكيع (2/ 535)، وعنه ابن أبي شيبة (13/ 360)، وأحمد في الزهد (ص 241)، وهناد (2/ 452)، وابن أبي الدنيا في الورع (ص 41)، عن إبراهيم، عن عائشة قالت: من سره أن يسبق الدائب المجتهد، فليكف نفسه عن الذنوب، فإنكم لن تلقوا الله بشيء خير لكم من قلة الذنوب. وإسناده ضعيف لانقطاعه، إبراهيم هو النخعي لم يثبت سماعه من عائشة رضي الله عنها، (انظر المراسيل ص 9).

(1)

البزار في مسنده (3236/ كشف الأستار)، وقال: لا نعلمه يروى عن النبي (ص) إلا من هذا الوجه، وسعيد فلم يكن بالقوي، وإنما نكتب من حديثه ما ليس عند غيره وأخرجه الحربي في غريب الحديث (3/ 1030)، وابن حبان في المجروحين (1/ 324)، والبيهقي في الشعب (6721). وقال ابن أبي حاتم في علل الحديث (1954): قال أبي: =

ص: 412

الصغير

(1)

والأوسط

(2)

وقال: معنى واه: مذنب، وراقع يعني تائب مستغفر.

قوله وروي عن جابر تقدم. قوله صلى الله عليه وسلم المؤمن واه راقع، قال الحافظ معنى واه يعني مذنب وراقع بمعنى تائب مستغفر، اهـ. وقال بعض العلماء المؤمن واه راقع أي مذنب تائب [شبَّهَه] بمن يهي فيرقعه وقد وهى الثوب يهي وهيا إذا بلى وتخرق والمراد بالواهي ذو الوهي ويروي المؤمن مُوهٍ راقع كأنه يوهي دينه بمعصيته ويرقعه بتوبته من رقعت الثوب إذا رممته والله أعلم. والظاهر أنه في النهاية

(3)

.

4749 -

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخيته يجول ثم يرجع إلى آخيته، وإن المؤمن يسهو ثم يرجع، فأطعموا طعامكم الأتقياء، وأولوا معروفكم المؤمنين. رواه ابن حبان

(4)

في صحيحه.

= هذا حديث منكر، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 201) رواه الطبراني في الصغير والأوسط، والبزار، وقال الطبراني: ومعنى واه: يعني مذنب، وراقع: يعني تائب مستغفر. وفيه سعيد بن خالد الخزاعي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (1830).

(1)

الطبراني في الصغير (179) وضعفه ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص 307). والعراقي في المغني عن حمل الأسفار (3328/ تخريج أحاديث الإحياء).

(2)

الطبراني في الأوسط (1856 و 1867).

(3)

النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 251).

(4)

ابن حبان (616)، وأخرجه أحمد (11355)، (11547)، (11546)، وأبو يعلى (1106)، (1332)، ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (650)، والبيهقي =

ص: 413

[الآخية] بمد الهمزة وكسر الخاء المعجمة بعدها ياء مثناة تحت مشددة: هي حبل يدفن في الأرض مثنيا، ويبرز منه كالعروة تشد إليها الدابة، وقيل: هو عود يعرض في الحائط تشد إليه الدابة.

قوله وعن أبي سعيد الخدري تقدم. قوله صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل فرس في آخيته يجول وثم يرجع الحديث. قال الحافظ الآخية بمد الهمزة وكسر الخاء المعجمة بعدها ياء مشددة مثناة [تحت] هي حبل يدفن في الأرض [مثنيا] ويبرز منه كالعروة [وتشدّ إليه] الدابة. وقيل هو عود يعرض في الحائط تشد إليه الدابة، اهـ. معنى الحديث أنه يبعد عن ربه بالذنوب وأصل إيمانه ثابت فيقرب بالآخية إليه بالندم والتوبة ويتلافى تقصيره والله أعلم. قاله في النهاية

(1)

.

4750 -

وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون. رواه الترمذي

(2)

وابن ماجه

(3)

= في شعب الإيمان (10460 و 10461)، والبغوي (3485)، والأصبهاني قوام السنة في الترغيب والترهيب (25)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 201): رواه أحمد وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصحيح غير أبي سليمان الليثي، وعبد الله بن الوليد التجيبي، وكلاهما ثقة. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (6637)، وضعيف الترغيب والترهيب (1831).

(1)

النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 29).

(2)

الترمذي (2499).

(3)

ابن ماجه (4251).

ص: 414

والحاكم

(1)

كلهم من رواية علي بن مسعدة، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.

قوله وعن أنس تقدم. قوله صلى الله عليه وسلم كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، الحديث. يقال رجل خطاء إذا كان ملازما للخطايا غير تارك لها، والله أعلم.

4751 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن عبدا أصاب ذنبا، فقال: يا رب إني أذنبت ذنبا فاغفره، فقال له ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، فغفر له، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا آخر، وربما قال، ثم أذنب ذنبا آخر، فقال: يا رب إني أذنبت ذنبا آخر فاغفره لي. قال ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، فغفر له، ثم مكث ما شاء

(1)

الحاكم (4/ 244)، وتعقبه الذهبي بقوله: علي لين. وأخرجه ابن أبي شيبة (34216)، وأحمد (13049)، وعبد بن حميد (1197)، والدارمي (2769)، وأبو يعلى (2922)، والبزار (7236)، وابن حبان في المجروحين (2/ 111)، والروياني (1366)، والبيهقي في شعب الإيمان (6725)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (774)، والمزي في تهذيب الكمال (21/ 131)، وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر. المنتخب من كتاب العلل للخلال (37)، وأخرجه ابن عدي، في الكامل 6/ 354، في ترجمة علي بن مسعدة، وقال: ولعلي بن مسعدة غير ما ذكرت عن قتادة، وكلها غير محفوظة. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (2029)، وصحيح سنن ابن ماجه (3428)، وصحيح الترغيب والترهيب (3139)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (4515)، وأخرجه أحمد بن حنبل الزهد (ص 121) عبد الوهاب الخفاف، أنبأنا سعد، عن قتادة، قال الخفاف: وسمعت موسى الأسواري أيضًا قال: أوحى الله تبارك وتعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام: إن كل بني آدم خطاءون، وخير الخطائين التوابون.

ص: 415

الله، ثم أصاب ذنبا آخر، وربما قال، ثم أذنب ذنبا آخر فقال: يا رب إني أذنبت ذنبا فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ به، فقال ربه: غفرت "6" لعبدي فليعمل ما شاء. رواه البخاري

(1)

ومسلم

(2)

.

[قوله: فليعمل ما شاء] معناه والله أعلم: أنه ما دام كلما أذنب ذنبا استغفر وتاب منه، ولم يعد إليه بدليل.

قوله: ثم أصاب ذنبا آخر فليفعل إذا كان هذا دأبه ما شاء لأنه كلما أذنب كانت توبته واستغفاره كفارة لذنبه فلا يضره، لا أنه يذنب الذنب، فيستغفر منه بلسانه من غير إقلاع ثم يعاوده، فإن هذه توبة الكذابين.

قوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله صلى الله عليه وسلم إن عبدا أصاب ذنبا فقال يا رب إني أذنبت ذنبا فاغفر لي فقال له ربه علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له ثم مكث ما شاء الله فذكر الحديث وفي آخره: فليعمل ما شاء اهـ.

وفي رواية اعمل ما شئت فقد غفرت لك، معناه ما دمت تذنب ثم تتوب غفرت لك. قوله فليعمل ما شاء.

قال الحافظ: معناه والله أعلم: أنه ما دام كلما أذنب ذنبا استغفر وتاب منه ولم [يعد] إليه بدليل قوله ثم أصاب ذنبا آخر فليفعل إذا كان هذا دأبه ما شاء لأنه كلما أذنب كانت توبته واستغفاره كفارة لذنبه فلا يضره لا لأنه يذنب الذنب فيستغفر منه بلسانه من غير إقلاع ثم يعود إليه فإن هذه توبة الكذابين، اهـ.

(1)

صحيح البخاري (7507).

(2)

مسلم (2758).

ص: 416

وقال ابن رجب

(1)

: والمعنى ما دام على هذا الحال كلما أذنب استغفر، والظاهر والله أعلم أن مراده الاستغفار المقرون بعدم الإصرار، ولهذا في حديث أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة وخرجه أبو داود

(2)

(1)

جامع العلوم والحكم (1/ 395).

(2)

أبو داود (1514)، وأخرجه أبو سعيد الأشج في حديثه (186)، والبزار (1/ 205) وابن أبي الدنيا في التوبة (172)، وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر (121 و 122)، وأسلم في تاريخ واسط (ص 57)، والطبري في تفسيره (4/ 98)، وأبو يعلى (137 و 138 و 139)، وابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 554 - 555)، وابن السني في اليوم والليلة (361)، وابن شاهين في الترغيب (182)، والقضاعي (788) والبيهقي (10/ 188) وفي الشعب (633 و 6697) وفي الدعوات (143) والواحدي في الوسيط (1/ 494) والبغوي في شرح السنة (1297) وفي تفسيره (1/ 422)، والمزي (34/ 346 - 347)، والذهبي في معجم الشيوخ (2/ 311)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث أبي نصيرة، وليس إسناده بالقوي وقال البزار: رأيت في هذا الإسناد رجلين مجهولين فتركت ذكر هذا الحديث البحر الزخار (1/ 171 - 172).

وقال أيضًا: وهذا الحديث لا نحفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه من الوجوه إلا عن أبي بكر بهذا الطريق، وعثمان بن واقد مشهور حدث عنه أبو معاوية وأبو يحيى الحِمّاني وغيرهما، وأبو نصيرة ومولى أبي بكر فلا يعرفان، ولكن لما كان هذا الحديث لا يعرف إلا من هذا الوجه لم نجد بدا من كتابته وتبيين علته 1/ 205 وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (5004). الألباني في السلسلة الضعيفة (4474).

وقال ابن حجر في فتح الباري (1/ 112) وللترمذي عن أبي بكر الصديق مرفوعا ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة إسناد كل منهما حسن، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: 371) أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر وقال غريب وليس إسناده بالقوي. وفي الباب: حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في الدعاء =

ص: 417

والترمذي

(1)

والله أعلم.

تنبيه: وأصل الغفران التغطية، يقال غفر الله لك، والمغفرة إلباس الله تعالى المغفرة للمذنبين فالمستحب للعبد أن [يكثر] الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار وحقيقة الاستغفار طلب المغفرة وهو ستر الله تعالى على العبد وإذا ستره رحمه.

وروى ابن السني

(2)

وشيخه النسائي في عمل اليوم والليلة

(3)

عن [مسلم]

= (1797) به مرفوعا.

وأخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (173) به بلفظ لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار.

وقال الذهبي في الميزان: أبو شيبة الخراساني أتى بخبر منكر. ثم ذكر له هذا الحديث.

(1)

أخرجه الترمذي (3554).

(2)

ابن السني، في عمل اليوم والليلة (371).

(3)

سنن النسائي الكبرى (10295)، وعمل اليوم والليلة (461)(463) معجم الصحابة للبغوي (5/ 313)، وهذا حديث معلول بالإرسال، والمرسل هو الصواب كما ذكر ذلك المزي في تحفة الأشراف (3521)، وقال ابن حجر في الإصابة (6/ 358): مسلم بن السائب بن خباب مختلف في صحبة أبيه وأما هو فأرسل شيئا وذكره البغوي في الصحابة وقال لا أحسب له صحبة قال وقد قيل إنه روى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى وله رواية أيضًا عن أمه وعن أم رافع وحديثه المذكور أخرجه النسائي والبغوي وغيرهما من رواية سليمان بن يسار عنه قال قالوا يا رسول الله كيف نستغفر فذكر الحديث ووقع في رواية النسائي عن سليمان عن مسلم بن السائب عن خباب بن الأرت وقوله بن الأرت خطأ والصواب حذفه ويكون الحديث لخباب جد مسلم وإليه أشار البغوي وقال أبو حاتم الرازي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وهو من التابعين وأدخله بعضهم في الحصابة ظنا منهم =

ص: 418

بن السائب عن خباب بن الأرت قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله كيف [نستغفر؟ قال: قل اللهم اغفر] لنا وارحمنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

تنبيه: هل يشترط في صحة التوبة أن لا يعود إلى الذنب أبدا أم ليس ذلك بشرط؟ شرط بعض الناس عدم معاودة الذنب، وقال متى عاد إليه تبينا أن توبته كانت باطلة غير صحيحة، والأكثرون على أن ذلك ليس بشرط وأنه إذا أقلع عن الذنب وندم وعزم على ترك العود عزما جازما صحت توبته فإذا عاوده مع عزمه حال التوبة على أن لا يعاوده صار كمن ابتدأ المعصية ولم تبطل توبته المتقدمة واحتج لهذا القول بقوله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25)}

(1)

، قال المفسرون يعلم أنهم يعودون إلى الذنب، ولكنه تعالى قبل توبتهم لأنهم تابوا توبة صحيحة بشرائطها. قالوا والله تعالى أكرم من أن يغفر لعبد ثم يعود في مغفرته. وفي المسند

(2)

مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يحب العبد

= أن له صحبة وليس كذلك وقال أبو أحمد العسكري حديثه مرسل وذكره بن حبان في ثقات التابعين وقال يروي المراسيل وكذا ذكره البخاري وغير واحد في التابعين

(1)

سورة الشورى، الآية:25.

(2)

عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (605)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية 3/ 178 - 179 وأخرجه أبو يعلى (483)، والدولابي في الكنى والأسماء (2/ 840) قال أحمد: هذا حديث منكر، وقال أبو نعيم: هذا حديث غريب، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: 1338): سند ضعيف، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 200): رواه =

ص: 419

المفتن التواب

(1)

، اهـ.

وهو الذي كلما فتن بالذنب تاب منه فلو كانت معاودته تبطل توبته لما كان محبوبا للرب ولكان ذلك أدعى إلى مقته، قالوا وقد علّق الله تعالى قبول التوبة بالاستغفار وعدم الإصرار دون المعاودة، فقال تعالى:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)}

(2)

، والإصرار عقد القلب على ارتكاب الذنب متى [ظفر]

(3)

به فهذا الذي يمنع مغفرته

(4)

، اهـ. قاله في تهذيب النفوس.

تنبيه أيضًا: هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ فيه قولان لأهل العلم وهما روايتان عن الإمام أحمد بن حنبل ولم يطلع على الخلاف من حكى الإجماع على صحتها كالنووي وغيره وسرّ المسألة أن التوبة هل تتبعض كالمعصية وقال بعض [العلماء:] والذي عندي أن التوبة لا تصح من

= عبد الله، وأبو يعلى، وفيه من لم أعرفه. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (7/ 408): رواه الحارث بن أبي أسامة وأبو يعلى الموصلي وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائده على المسند.

وله شاهد من حديث أنس بن مالك رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (96): موضوع.

(1)

مدارج السالكين (1/ 286 - 292) باختصار.

(2)

سور آل عمران، الآية:35.

(3)

هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية:(ظهر)، ولعله خطأ.

(4)

مدارج السالكين (1/ 292).

ص: 420

ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه وأما توبة من ذنب مع مباشرة آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه تصح كما إذا تاب من الزنا ولم يتب من شرب الخمر مثلا فإن توبته من الزنا صحيحة وأما إذا تاب من ربا النسيئة ولم يتب من ربا الفضل أو بالعكس أو تاب عن الحشيشة وأصرّ على الخمر أو بالعكس فهذا لا تصح توبته، وهو كمن يتوب عن الزنا بامرأة وهو مصر على الزنا بغيرها أو عن شرب مسكر عصير العنب وهو مصر على غيره من الأشربة المسكرة فهذا في الحقيقة لم يتب من الذنب وإنما عدل من نوع إلى نوع بخلاف من عدل إلى جنس آخر إما لأن وزره أخف أو لغلبة دواعي الطبع أو لغير ذلك والله أعلم. قاله في تهذيب النفوس

(1)

.

فائدة: وفي بعض الآثار أن العبد إذا أذنب فقال يا رب هذا قضاؤك وأنت قدرته عليّ وأنت حكمت عليّ وأنت كتبت عليّ فيقول الله تعالى وأنت عملت وأنت جنيت وأنت أردت واجتهدت وأنا أعاقبك عليه، وإذا قال يا رب أنا أخطأت وأنا اعتديت وأنا فعلت يقول الله عز وجل أنا قدرت عليك وقضيت وكتبت وأنا أغفر لك وإذا عمل حسنة فقال يا رب أنا عملتها وأنا تصدقت وأنا صليت وأنا أطعت يقول الله تعالى وأنا أعنتك وأنا وفقتك وإذا قال يا رب أنت أعنتني وأنت وفقتني وأنت مننت علي يقول الله تعالى وأنت عملتها وأنت أردتها وأنت كسبتها

(2)

اهـ.

(1)

مدارج السالكين (1/ 284 - 285).

(2)

مدارج السالكين (1/ 202).

ص: 421

4752 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب، ونزع، واستغفر صقل "5" منها، وإن زاد زادت (6) حتى يغلف بها قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه:[كلا بل ران على قلوبهم]. رواه الترمذي

(1)

وصححه النسائي

(2)

، وابن ماجه

(3)

وابن حبان في صحيحه

(4)

والحاكم

(5)

، واللفظ له من طريقين قال في أحدهما: صحيح على شرط مسلم. ولفظ ابن حبان وغيره: إن العبد إذا أخطأ خطيئة ينكت في قلبه نكتة، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقلت، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه الحديث.

(1)

سنن الترمذي (3334).

(2)

السنن الكبرى للنسائي (10179 - 11594).

(3)

سنن ابن ماجه (4244).

(4)

صحيح ابن حبان (930، 2787).

(5)

الحاكم في المستدرك (1/ 45)، وقال: هذا حديث صحيح لم يخرج في الصحيحين وقد احتج مسلم بأحاديث القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، وأخرجه في (2/ 562)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأخرجه أحمد (7952)، وابن أبي الدنيا في التوبة (198)، والخرائطي في اعتلال القلوب (55)، والآجري في الشريعة (212)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (974 - 1121)، وتمام في فوائد (1294)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (2/ 217)، والبيهقي في السنن الكبرى (10/ 316)، وفي شعب الإيمان (6808)، وفي الآداب (837)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: 370) أخرجه الترمذي وصححه والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه وابن حبان والحاكم. وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3141): حسن.

ص: 422

قوله عن أبي هريرة تقدم. قوله صلى الله عليه وسلم إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كان نكتة سوداء في قلبه الحديث. تقدم الكلام على النكتة في الاستغفار وأنها بالتاء المثلثة وأنه شبه [الوسخ] في المرآة.

4753 -

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا، فإن أصبح ذهبا اتبعناك، فدعا ربه فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر منهم عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: بل باب التوبة والرحمة. رواه الطبراني

(1)

، ورواته رواة الصحيح.

قوله عن ابن عباس تقدم. قوله قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا فإن أصبح ذهبا اتبعناك الحديث. قريش اسم قبيلة، أبوهم النضر ولقبه قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، قال

(1)

الطبراني في المعجم الكبير (12/ 152/ 12736)، وأخرجه أحمد (2166)، وعبد بن حميد (700)، والبزار (كشف الأستار -2224)، والبيهقي في دلائل النبوة (2/ 272)، وفي السنن الكبرى (9/ 15)، والحاكم في المستدرك (1/ 120)، (2/ 314)، (4/ 240)، وقال: هذا حديث صحيح محفوظ من حديث الثوري، عن سلمة بن كهيل وعمران بن الحكم السلمي تابعي كبير محتج به، وإنما أهملا هذا الحديث - والله أعلم - لخلاف وقع من يحيى بن سلمة بن كهيل في إسناده ويحيى كثير الوهم على أبيه -، والحاكم في المستدرك (2/ 314) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير في البداية والنهاية (4/ 131): إسناد جيد، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 196): رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (3388)، وصحيح الترغيب والترهيب (3142).

ص: 423

الجوهري

(1)

: سميت قريشا، وكنانة حمسا، والحمس جمع الأحمس لأنهم تحمسوا في [دينهم] أي تشددوا [وتصلبوا] والحماسة الشدة لأنه كانوا لا [يستظلون] أيام منى ولا يدخلون البيوت من أبوابها وغير ذلك، اهـ. والصفا جبل بمكة متصل بأبي قبيس بالقرب من باب الحرم ومن المسعى.

4754 -

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. رواه ابن ماجه

(2)

والترمذي

(3)

وقال حديث حسن.

(1)

الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (17/ 31). غريب الحديث لابن الجوزي (1/ 242) النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 440)

(2)

أخرجه ابن ماجه (4253) كذا رواه ابن ماجه، وفيه: عبد الله بن عمرو وهو ابن العاص، ولذا أورده البوصيري في مصباح الزجاجة (4/ 249). وقال الذهبي: وعند القزويني، يعني ابن ماجه: عن عبد الله بن عمرو، فلم يصنع شيئا، صوابه: ابن عمر. سير أعلام النبلاء (5/ 160) - وقال المزي، بعد أن ذكر رواية ابن ماجه: وهو وهم. تحفة الأشراف (6674)، وأخرجه أحمد (2/ 132 و 153)، وأبو يعلى (5609 و 5717) وأبو القاسم البغوي في الجعديات (3529)، والخرائطي في اعتلال القلوب (ص 56) وابن حبان (628) والطبراني في مسند الشاميين (194 و 3519) وابن عدي (4/ 1592) وأبو نعيم في الحلية (5/ 190) والحاكم (4/ 257) وأبو محمد البغوي في شرح السنة (1306) والذهبي في السير (5/ 160) وقال الحاكم: صحيح الإسناد وقال الذهبي: هذا حديث عال صحيح الإسناد، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (4/ 249): هذا إسناد ضعيف لتدليس مكحول الدمشقي، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3143)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (1903)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (2/ 459)، وتخريج المشكاة (2343).

(3)

الترمذي (3537)، وقال: هذا حديث حسن غريب.

ص: 424

[يغرغر] بغينين معجمتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وبراء مكررة: معناه ما لم تبلغ روحه حلقومه فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به.

قوله وعن عبد الله بن عمرو تقدم. قوله أن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر الحديث، ويغرغر بغينين معجمتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وبراءين مهملتين أي ما لم تبلغ روحه حلقومه فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به المريض، والغرغرة أن يجعل المشروب في الفم [ويردد] إلى أصل الحلق ولا يبلع، قاله في النهاية

(1)

، أي وعند الغرغرة وبلوغ الروح الحلقوم يعاين ما يصير إليه من رحمة أو هوان ولا ينفع حينئذ توبة ولا إيمان كما قال في محكم البيان {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا}

(2)

، وقال تعالى:{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ}

(3)

، فالتوبة مبسوطة للعبد حتى يعاين قابض الأرواح والملائكة وذلك عند غرغرته بالروح وإنما يغرغر به إذا قطع الوتين فشخص من الصدر إلى الحلق فعندها المعاينة وعندها حضور الموت فاعلم ذلك، قاله القرطبي في التذكرة

(4)

. دلّ هذا الحديث على قبول توبة الله لعبده ما دامت روحه في جسده ما لم تبلغ روحه الحلقوم والتراقي، وروى

(1)

النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 360).

(2)

سورة غافر: 85.

(3)

سورة النساء، الآية:18.

(4)

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: 212).

ص: 425

ابن أبي الدنيا

(1)

بإسناده عن الحسن قال أشد ما يكون الموت على العبد إذا بلغت الروح التراقي، قال فعند ذلك يضطرب ويعلو نفسه ثم بكى الحسن وقد دل القرآن على مثل [ذلك] أيضًا، قال الله عز وجل:{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ}

(2)

، وعمل السوء إذا انفرد يدخل فيه جميع السيئات صغيرها وكبيرها والمراد بالجهالة الإقدام على السوء وأما التوبة من قريب [فالجمهور] على أن المراد بها التوبة من قبل الموت فالعمر كله قريب والدنيا كلها قريب ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ومن مات ولم يتب فقد بعد كل البعد كما قيل:

فهم جِيرةُ الأحياء أما مزَارُهم

فدانٍ وأمّا الملتقى فبعيد

فالحي قريب والميت بعيد من الدنيا على قربه منها فإن جسمه في الأرض يبلى وروحه عند الله تنعم أو تعذب ولقاؤه لا يرجى في الدنيا، فمن تاب قبل أن يغرغر فقد تاب من قريب فتقبل توبته، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما

(3)

في قوله تعالى: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} ، قال قبل المرض والموت، وهذا إشارة إلى أفضل أوقات التوبة وهو أن يبادر الإنسان بالتوبة في صحته قبل نزول المرض به حتى يتمكن حينئذ من العمل الصالح، وأيضا

(1)

لطائف المعارف لابن رجب (ص: 337).

(2)

سورة النساء، الآية:17.

(3)

تفسير القرطبي (5/ 92) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: 212). لطائف المعارف لابن رجب (ص: 335).

ص: 426

فالتوبة في الصحة ورجاء الحياة تشبه الصدقة بالمال في الصحة ورجاء البقاء والتوبة في المرض عند حضور أمارات الموت تشبه الصدقة بالمال عند الموت فكأن من لا يتوب إلا في مرضه قد استفرغ صحته وقوته في شهوات نفسه وهواه ولذات دنياه فإذا أيس من الدنيا والحياة فيها تاب حينئذ وترك ما كان عليه فأين توبة هذا من توبة من يتوب وهو صحيح قوي قادر على المعاصي فيتركها خوفا من الله عز وجل ورجاء لثوابه وإيثارا لطاعته على معصيته.

دخل قوم على بشر الحافي

(1)

وهو مريض [فقالوا] له ماذا عزمت؟ قال عزمت أني إذا عوفيت تبت، فقال له رجل منهم فهلا تبت الساعة، فقال يا أخي أما علمت أن الملوك لا تقبل الأمان ممن في رجله القيد وفي رقبته الغل، إنما يقبل الأمان ممن هو راكب الفرس والسيف مجرد بيده، فبكى القوم جميعا، ومعنى هذا [أن] التائب في صحته بمنزلة من هو راكب على متن جواده وبيده سيف مشهور فهو يقدر على الكرّ والفرّ والقتال والهرب من الملك وعصيانه فإذا جاء على هذه الحال إلى بين يدي الملك ذليلا له طالبا [لأمانه] صار بذلك من خواص الملك وأحبابه لأنه جاء طائعا مختارا له راغبا في قربه وخدمته وأما من هو في أسر الملك وفي رجله قيد وفي رقبته غل فإذا طلب الأمان من الملك فإنما طلبه خوفا على نفسه من الهلاك وقد لا يكون محبا للملك ولا مؤثرا لرضاه فهذا مثل من لا يتوب إلا في مرضه عند

(1)

لطائف المعارف لابن رجب (ص: 336).

ص: 427

موته والأول بمنزلة من يتوب في صحته وقوته وشبيبته لكن ملك الملوك [جل جلاله وعزّ سلطانه] أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين وكل خلقه أسير في قبضته لا يعجزه هارب ولا يفوته ذاهب ومع هذا فكل من طلب من عذابه من عباده أمنه على أي حال كان إذا علم منه الصدق في طلبه. شعر:

الأمان الأمان وزري ثقيل

وذنوبي إذا عددت تطول

أوبقتني وأوثقتني ذنوبى

فتُرى لي إلى الخلاص سبيل

وقوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ}

(1)

الآية، المراد بالتوبة عند الموت التوبة عند انكشاف الغطاء ومعاينة المحتضر أمور الآخرة ومشاهدة الملائكة فإن الإيمان والتوبة وسائر الأعمال إنما تنفع بالغيب فإذا كشف الغطاء وصار الغيب شهادة لم ينفع الإيمان ولا التوبة في تلك الحال.

وروى ابن أبي الدنيا

(2)

بإسناده عن علي رضي الله عنه قال لا يزال العبد في مهل من التوبة ما لم يأته ملك الموت يقبض روحه فإذا نزل ملك الموت فلا توبة حينئذ. وبإسناده عن الثوري قال: قال ابن عمر

(3)

التوبة مبسوطة ما لم ينزل سلطان الموت، وعن الحسن رضي الله عنه قال التوبة معروضة لابن آدم ما لم يأخذ الموت بكظمه، وعن بكر المزني قال

(4)

لا تزال التوبة للعبد مبسوطة ما لم

(1)

سورة النساء، الآية:18.

(2)

محمد بن مفلح المقدسي الفروع وتصحيح الفروع (4/ 497).

(3)

محمد بن مفلح المقدسي الفروع وتصحيح الفروع (4/ 497).

(4)

عزاه السيوطي في شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور (ص 96). لابن أبي الدنيا.

ص: 428

تأته الرسل فإذا عاينهم انقطعت المعرفة، وعن أبي مجلز

(1)

قال لا يزال العبد في توبة ما لم يعاين الملائكة، وروي أيضًا في كتاب الموت بإسناده عن أبي موسى الأشعري قال إذا عاين الميت الملك ذهبت المعرفة، وعن حصين قال بلغني أن ملك الموت إذا غمز وريد الإنسان حينئذ يشخص بصره ويذهل عن الناس، وخرج ابن ماجه حديث أبي موسى الأشعري

(2)

مرفوعًا قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم متى تنقطع معرفة العبد من الناس قال إذا عاين وفي إسناده مقال [والموقوف] أشبه وقد قيل أنه إنما منع من التوبة حينئذ لأنه إذا انقطعت معرفته وذهل عقله لم يتصور منه ندم ولا عزم فإن الندم والعزم إنما يصح مع حضور العقل وهذا ملازم لمعاينة الملائكة كما دلت عليه الأخبار، والله أعلم. وقد أحسن محمود الوراق حيث يقول:

قدّم لنفسك توبة مذخورة

قبل الممات وقبل حبس الألسن

(1)

الزهد لأبي حاتم الرازي (1/ 72)، وعزاه السيوطي في شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور (ص 96). لابن أبي الدنيا.

(2)

سنن ابن ماجه (1453)، وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (8/ 408). وقال ابن رجب في لطائف المعارف (ص: 337) وفي إسناده مقال والموقوف أشبه، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (2/ 23) هذا إسناد ضعيف نصر بن حماد كذبه ابن معين وغيره واتهم بالوضع.

وأخرجه عبد الرزاق (6068) عن الثوري، عن محمد بن قيس، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي موسى الأشعري، قال: إذا عاين المريض الملك، ذهبت المعرفة، يعني معرفة الناس. موقوف. والحديث؛ أخرجه الخطيب، في المتفق والمفترق (575). وقال الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه (3/ 453): ضعيف جدا.

ص: 429

بادر بها فوت النفوس فإنها

ذخر وغنم للمنيب المحسن

(1)

اهـ

تنبيه: توبة الشاب أحسن وأفضل من توبة الشيخ في حديث مرفوع خرجه ابن أبي الدنيا

(2)

: أن الله يحب الشاب التائب، قال عمير بن هاني

(3)

تقول التوبة للشاب أهلًا ومرحبًا وتقول للشيخ نقبلك على ما كان منك، الشاب ترك المعصية مع قوة الداعي إليه والشيخ قد ضعفت [قوته]

(4)

شهوته وقل داعيه فلا يستويان. في بعض الآثار

(5)

يقول الله تعالى: أيها الشاب التارك

(1)

لطائف المعارف (ص 337).

(2)

ابن أبي الدنيا في التوبة (ص 313)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (2/ 983) ابن أبي الدنيا في التوبة وأبو الشيخ في كتاب الثواب من حديث أنس بسند ضعيف.

(3)

أبو علي عبد الجبار بن عبد الله الخولاني تاريخ داريا (1/ 76)، وتاريخ مدينة دمشق (46/ 502).

(4)

سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

(5)

رواه ابن عدي في الكامل (4/ 397)، وعنه الجرجاني (332) عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا. وقال ابن عدي: سعد بن سعيد يلقب سعدويه كان رجلًا صالحًا حدث عن الثوري وغيره بما لا يتابع عليه، ولم يكن ذلك من تعمد منه فيها أو ضعف في نفسه، إلا لغفلة كانت تدخل عليه، وهكذا الصالحون، ولم أر للمتقدمين فيه كلاما وهو من أهل بلدنا ونحن أعرف به.

قلت: قال الذهبي عقب الحديث: فهذا موضوع على سفيان. وأقره الحافظ في اللسان. رواه ابن المبارك في الزهد (575)، وأحمد الزهد (ص 132)، وأبو نعيم في الحلية (5/ 237) عن يزيد بن ميسرة قال:. . . فذكره، قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: 274) أخرجه ابن عدي من حديث ابن مسعود بسند ضعيف. لطائف المعارف لابن رجب (ص: 346). وروى أبو نعيم في الحلية (4/ 138) عن يحيى بن أيوب، عن عبد الجبار بن وهب، عن عبد الله السلمي عن شريح، قال: حدثني البدريون منهم عمر بن =

ص: 430

شهوته المبتذل شبابه من أجلي أنت عندي كبعض ملائكتي، قال عمر رضي الله عنه إن الذين يشتهون المعاصي ولا يعملون بها أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم. الشيخ قد تركته الذنوب فلا حمد له على تركها، كما قيل:

تاركَك الذنب فتاركته

بالفعل والشهوة في القلب

فالحمدُ للذنب على تركِه

لا لكَ في تركِك للذنب

مات شيخ كان مفرطا فرُئي في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟ قال قال لي لولا أنك شيخ لعذبتك. وقف شيخ بعرفة والناس يجضّون بالدعاء وهو ساكت ثم قبض على لحيته وقال يا رب شيخ يا رب شيخ

(1)

اهـ.

4755 -

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أوصني؟ قال: عليك بتقوى الله ما استطعت، واذكر الله عند كل حجر وشجر، وما عملت من سوء فأحدث له توبة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية. رواه الطبراني

(2)

= الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من شباب يدع لذة الدنيا ولهوها ويستقبل بشبابه طاعة الله تعالى إلا أعطاه الله تعالى أجر اثنين وسبعين صديقا، ثم قال: يقول الله تعالى: أيها الشاب التارك شهوته من أجلي، المبتذل شبابه لي، أنت عندي كبعض ملائكتي، وقال أبو نعيم في الحلية (4/ 138): غريب من حديث شريح، تفرد به يحيى. وقال ابن كثير في البداية والنهاية (9/ 33) وهذا حديث غريب.

(1)

لطائف المعارف (ص 347).

(2)

الطبراني في المعجم الكبير (20/ 159/ 331)، وأخرجه ابن حنبل في الزهد (ص 26) والكلاباذي في بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار (1/ 363) عن عطاء بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا.

ص: 431

بإسناد حسن إلا أن عطاء لم يدرك معاذا، ورواه البيهقي

(1)

، فأدخل بينهما رجلا لم يسم.

قوله: وعن معاذ بن جبل تقدم. قوله صلى الله عليه وسلم: عليك بتقوى الله ما استطعت واذكر الله عند كل حجر وشجر وما عملت من سوء فأحدث له توبة السرّ بالسرّ والعلانية بالعلانية اهـ. قال الله تعالى {وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ}

(2)

، وقال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}

(3)

، واعلم أن التقوى هو الاتقاء مأخوذ من وقاية الشيء وهو أن يجعل نفسه وقاية نفسه فيجتنب

(1)

البيهقي في الشعب (544)، وابن السري في الزهد (1075) عن الحسن عن معاذ، وابن أبي شيبة في المصنف (34325) من طريق أبي معاوية قال قال معاذ بن جبل. قلت: وهو معضل شديد.

وأخرجه البيهقي في الزهد الكبير (956)، ومن طريقه ابن عساكر (58/ 408)، وقال البيهقي: ورواه أسد بن موسى عن سلام بن سليم عن إسماعيل بن رافع عن ثعلبة الحمصي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قلت: ورواه في الحلية (1/ 240) من طريق إبراهيم بن عيينة، عن إسماعيل بن رافع، عن ثعلبة بن صالح، عن رجل من أهل الشام، عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه.

قلت: ثعلبة بن صالح هو الحمصي قال الأزدي نقله النباتي غير حجة لا يصح إسناد حديثه انظر: ميزان الاعتدال (1/ 371) لسان الميزان (2/ 83). وأخرجه البيهقي في الزهد الكبير (957) عن محمد بن جبير رضي الله عنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (3320)، وصحيح الترغيب والترهيب (3144).

(2)

سورة البقرة، الآية:197.

(3)

سورة آل عمران، الآية:102.

ص: 432

هواه ومناه في الحال ليصل إلى راحته في المآل، وأول التقوى تقوى الشرك والكفر [بالله عز وجل] عقدا وقولا وذلك أول باب في الهداية، ثم تقوى البدع كلها عقدا وقولا واتباع السنن قولا وفعلا ثم تقوى المحرمات كلها وقيل حقيقة التقوى مجانبة كل ما بعّدك عن الله عز وجل، وقيل حقيقتها الوقوف عند الشبهات والفرار من المحظورات، اهـ. قاله الهروي، ولما كان العبد مأمورا بالتقوى في السر والعلانية مع أنه لا بد أن يقع منه أحيانا تفريط في التقوى إما بترك المأمورات أو بارتكاب بعض المحظورات فأمره بأن يفعل ما يمحو به السيئة وهو أن يتبعها بالحسنة، قال الله تعالى:{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}

(1)

، الآية. قيل الطرفان الصبح والمغرب، قاله ابن عباس والحسن ورجحه الطبري والمراد بالحسنات الصلوات الخمس وإليه ذهب عثمان بن عفان وهو مذهب مالك وقال مجاهد الحسنات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وهذا كله من جهة المثال في الحسنات، وقد يراد بالحسنة التوبة من تلك السيئة وقد ورد ذلك صريحا في حديث مرسل خرجه ابن أبي الدنيا

(2)

من مراسيل محمد بن جبير أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن قال يا معاذ اتق الله ما استطعت واعمل بقوتك لله عز وجل ما أطقت واذكر الله عند كل شجرة وحجر وإن أحدثت ذنبا فأحدث

(1)

سورة هود، الآية:114.

(2)

البيهقي في الزهد الكبير (957).

ص: 433

عنده توبة إن سرا فسرّ وإن علانية فعلانية. وقال قتادة

(1)

قال سلمان إذا أسأت سيئة في سريرة فأحسن حسنة في سريرة وإذا أسأت سيئة في علانية فأحسن [حسنة] في علانية لكي تكون هذه بهذه وهذا يحتمل أنه أراد بالحسنة التوبة أو أعم منها، قاله ابن رجب في شرح النواوية

(2)

.

لطيفة فيها تنبيه: قوله في الحديث السر بالسر والعلانية بالعلانية، مراده بالسر والعلانية حيث يراه الناس وحيث لا يروه، فإن من علم أن الله تعالى يراه حيث كان وأنه مطلع على ظاهره وباطنه وسره وعلانيته واستحضر ذلك في خلواته أوجب ذلك ترك المعاصي في السر وإلى هذا المعنى الإشارة في القرآن

(3)

{وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}

(4)

اهـ.

4756 -

وروي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا تاب العبد من ذنوبه أنسى الله عز وجل حفظته ذنوبه، وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض حتى يلقى الله يوم القيامة وليس عليه شاهد من الله بذنب. رواه الأصبهاني

(5)

.

(1)

ابن أبي الدنيا التوبة (ص 260).

(2)

جامع العلوم والحكم (ص 411 - 416) باختصار.

(3)

جامع العلوم والحكم (ص 407 - 408).

(4)

سورة النساء، الآية:1.

(5)

الأصبهاني قوام السنة في الترغيب والترهيب (778) وابن عساكر في التوبة (12)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (2418)، وضعيف الترغيب والترهيب (1832).

ص: 434

قوله: وعن أنس تقدم. قوله صلى الله عليه وسلم إذا تاب العبد من ذنوبه أنسى الله تعالى حفظته ذنوبه، المراد بالحفظة الذين يكتبون الحسنات والسيئات ولا يفارقون الإنسان في حال من الأحوال. وتقدم الكلام على التوبة وشروطها في أوائل الباب.

4757 -

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: النادم ينتظر من الله الرحمة، والمعجب ينتظر المقت، واعلموا عباد الله أن كل عامل سيقدم على عمله، ولا يخرج من الدنيا حتى يرى حسن عمله، وسوء عمله، وإنما الأعمال بخواتيمها، والليل والنهار مطيتان، فأحسنوا السير عليهما إلى الآخرة، واحذروا التسويف، فإن الموت يأتي بغتة، ولا يغترن أحدكم بحلم الله عز وجل، فإن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)}

(1)

. رواه الأصبهاني

(2)

من رواية ثابت بن محمد الكوفي العابد.

(1)

سورة الزلزلة، الآية: 7 - 8.

(2)

الترغيب والترهيب لقوام السنة (779)، وأخرجه ابن عدي في الكامل (6/ 430)، وابن حبان في المجروحين (1/ 136)، والطبراني في المعجم الصغير (520)، وأبو نعيم في صفة الجنة (36)، وتمام في الفوائد (1634)، وابن بشران في الأمالي (996)، (1586)، والثقفي في الأربعين (ص 191) والشجري في أماليه (1/ 167)، وقال ابن حبان: إسحاق بن بشر الكاهلي كنيته أبو حذيفة القرشي أصله من بلخ ومنشأه ببخارى سكن بغداد مدة وحدثهم بها كان يضع الحديث على الثقات ويأتي بما لا أصل له عن الاثبات مثل ذلك وغيره روى عنه البغداديون وأهل خراسان لا يحل كتب حديثه إلا على جهة =

ص: 435

قوله وعن ابن عباس تقدم. قوله صلى الله عليه وسلم والليل والنهار مطيتان فأحسنوا السير عليهما إلى الآخرة، الحديث. [المطيتان تثنية]

(1)

مطية وهي الناقة التي تصلح للركوب، سميت بذلك لأنه يركب مطاها وهو ظهرها، وقال الأصمعي

(2)

المطية التي تمطو في سيرها أي تمُدّ فهي مشتقة من المطو وهو المد وجمعها مطايا ومطيّ اهـ، ولما رأى الشيخ أبو الفضل الجوهري مدينة النبي صلى الله عليه وسلم أنشد:

رُفع الحجاب لنا فلاح [لناظري]

قمر تقطّع دونه الأوهام

[وإذا المطيّ بنا بلغن محمدا

فظهورهن على الرجال حرام]

قربننا من خير من وطئ الثرى

فلها علينا حرمة وذمام

الذمام بالذال المعجمة، الحرمة.

قوله [صلى الله تعالى عليه وسلم:] فأحسنوا السير عليهما إلى [آخره] يعني أن الليالي والأيام تسير بالإنسان إلى الآخرة وهو غافل عن ذلك كما قال بعض الحكماء مثل العبد في عمره مثل رجل في سفينة تسير وهو قاعد والليل والنهار يبليان كل جديد.

= التعجب فقط. قال ابن عدي: هذا بهذا الإسناد منكر، وقال الثقفي: حديث غريب فرد عن سفيان عن أبيه، ما كتبنا إلا من هذا الوجه. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 199): رواه الطبراني في الصغير، وفيه مطرف بن مازن، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (722)، (5257)، وضعيف الترغيب والترهيب (1833).

(1)

سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

(2)

انظر: المحكم والمحيط الأعظم (9/ 248)، ولسان العرب (15/ 285).

ص: 436

قوله يبليان أي يخلقان وقد نظم ابن دريد هذا المعنى فقال:

إذا استوليا على جديد أدنياه للبلى

والجديدان الليل والنهار

قاله شارح الأربعين الودعانية.

قوله واحذروا التسويف فإن الموت يأتي بغتة ولا يغترنّ أحدكم بحلم الله الحديث، التسويف هو التأخير من وقت إلى وقت والبغتة الغفلة.

قوله صلى الله عليه وسلم فإن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله شراك النعل معروف وهو السير الذي يكون على ظهر القدم.

قوله رواه الأصبهاني من رواية ثابت بن محمد الكوفي العابد صدوق احتج به البخاري وغيره وفيه مقال.

4758 -

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له. رواه ابن ماجه

(1)

والطبراني

(2)

كلاهما من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ولم يسمع منه، ورواة الطبراني رواة

(1)

أخرجه ابن ماجه (4250).

(2)

الطبراني في المعجم الكبير (10/ 150/ 10281) وعنه أبو نعيم في الحلية (4/ 210)، وأخرجه الدارقطني في العلل (5/ 297)، والسهمي في تاريخ جرجان (ص 399)، والقضاعي في مسند الشهاب (108)، والبيهقي (10/ 154)، والخطيب في الموضح (1/ 210)، والشجري في أماليه (1/ 198)، وقال أبو نعيم: غريب من حديث عبد الكريم لم يصله عن معمر إلا وهيب قال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 200): رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. وقال ابن حجر في فتح الباري (13/ 471) وسنده حسن، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3008)، وصحيح الترغيب والترهيب (3145)، والضعيفة تحت الحديث (615 - 616).

ص: 437

الصحيح، ورواة ابن أبي الدنيا والبيهقي

(1)

مرفوعًا أيضًا من حديث ابن عباس، وزاد: والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه، وقد روي بهذه الزيادة موقوفا، ولعله أشبه.

قوله وعن عبد الله بن مسعود تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: الموت غنيمة والمعصية مصيبة والفقر راحة و [الغنى] عقوبة والعقل هدية من الله والجهل ضلالة والظلم ندامة والطاعة قرة العين والبكاء من خشية الله النجاة من النار والضحك هلاك [البدن] والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. وتقدم الكلام على التوبة وشروطها.

4759 -

وعن حميد الطويل قال: قلت لأنس بن مالك رضي الله عنه: أقال النبي صلى الله عليه وسلم: الندم توبة؟ قال: نعم. رواه ابن حبان في صحيحه

(2)

.

(1)

أخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (85)، ومن طريقه البيهقي في الشعب (6780)، وفي الكبرى (10/ 154)، وقال البيهقي: هذا إسناد فيه ضعف وقال السخاوي: وسنده ضعيف فيه من لا يعرف، وروي موقوفا قال المنذري: ولعله أشبه. بل هو الراجح انظر: الأجوبة المرضية (1/ 77 - 78)، المقاصد (ص 152)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2498)، والضعيفة (616).

(2)

أخرجه ابن حبان (613)، وأخرجه البزار (كشف 3239)، وابن عدي (1/ 203)، والسهمي في تاريخ جرجان (ص 73)، والحاكم (4/ 272)، والبيهقي في الشعب (7028) وقال البزار: لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه، ولا رواه عن حميد إلا يحيى، وعمرو حدّث عن ابن وهب بأحاديث ذكر أنّه سمعها بالحجاز، وأنكر أصحاب الحديث أن يكون حدّث بها إلا بالشام أو بمصر، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وتعقبه الذهبي فقال: قلت: هذا من مناكير يحيى قال العراقي في المغني عن حمل =

ص: 438

قوله وعن حميد الطويل هو أبو عبيدة، وقيل: أبو عبيد حميد بن أبي حميد، واسم أبى حميد تيرويه، وقيل: تير، وقيل: ذا ذويه، وقيل: طرخان، وقيل: مهران، ويقال: عبد الرحمن، ويقال: داود، وهو تابعى بصرى، سمع أنس بن مالك، وسمع جماعات من التابعين. روى عنه يحيى الأنصاري التابعى، وعبيد الله العمرى، ومالك، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، وهشيم، والحمادان، وابن المبارك، وابن علية، ويحيى القطان، وخلائق، قيل: إنه كان قصيرًا، طويل اليدين، فقيل: حميد الطويل، قيل: كان يقف عند الميت فتصل إحدى يديه رأسه والأخرى رجليه. قال البخاري: قال الأصمعى: رأيت حميدا لم يكن طويلا، لكن طويل اليدين، وهو مولى طلحة الطلحات الخزاعي، وقيل: كان في جيرانه رجل يقال له: حميد القصير، فقيل له: حميد الطويل؛ ليتميز. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة

(1)

.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: الندم توبة قال نعم الحديث الندم هو أحد أركان التوبة وأعظمها لقوله صلى الله عليه وسلم الحج عرفة

(2)

.

= الأسفار (ص: 1337) ورواه ابن حبان والحاكم من حديث أنس وقال صحيح على شرط الشيخين. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 199) رواه البزار عن شيخه: عمرو بن مالك الرواسي، وضعفه غير واحد، ووثقه ابن حبان، وقال: يغرب ويخطئ، وبقية رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع (6801)، وصحيح الترغيب والترهيب (3146).

(1)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 170).

(2)

أخرجه ابن سعد (2/ 179) وأحمد (4/ 309 و 310) وعبد بن حميد (310) والدارمي (1894) ومسلم في التمييز (76)، (77)، والحميدي (899) وابن أبي شيبة في المسند =

ص: 439

قال الجوهري

(1)

يقال [ندم على] ما فعل ندما وندامة وتندم مثله وأندمه الله تعالى فندم ورجل ندمان أي نادم.

4760 -

وعن عبد الله بن معقل قال: دخلت أنا وأبي على ابن مسعود رضي الله عنه فقال له أبي: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الندم توبة؟ قال: نعم. رواه الحاكم

(2)

، وقال: صحيح الإسناد.

= (731) والبخاري في الكبير (1/ 2/ 111 و 3/ 1/ 243) وأبو داود (1949) وابن ماجه (3015) والترمذي (889 و 890 و 2975) وابن أبي عاصم في الآحاد (957) والنسائي (5/ 206 و 214) وفي الكبرى (4011 و 4012 و 4050) وابن خزيمة (2822) وابن حبان (3892) والحاكم (2/ 278)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث بكير بن عطاء. وقال الترمذي (3/ 238): وقال بن أبي عمر سفيان بن عيينة وهذا أجود حديث رواه سفيان الثوري. . . قال أبو عيسى: قال وكيع: هذا الحديث أم المناسك. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح وقال ابن عبد البر في الاستذكار (4/ 294) هذا حديث أشرف ولا أحسن من هذ ونقل البيهقي في معرفة السنن والآثار (7/ 375) 3206 - قال سفيان بن عيينة: قلت لسفيان الثوري: ليس عندكم بالكوفة حديث أشرف من هذا. وصححه الألباني في صحيح الجامع (3172).

(1)

الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (5/ 2040).

(2)

الحاكم (4/ 243) وأخرجه الحميدي (105)، وابن أبي شيبة (9/ 361) وفي المسند (179) أحمد (1/ 376)(1/ 422)، والبخاري في التاريخ الكبير (3/ 373 - 374) وابن ماجه (4252)، والحسين بن الحسن المروزي في زيادات الزهد لابن المبارك (1044) والبزار (1926) وأبو يعلى (4969 و 5129) والطحاوي في شرح المعاني (4/ 291) وفي المشكل (1465)، وأبو القاسم البغوي في الصحابة (2161) والحاكم (4/ 271) والقضاعي (13) والبيهقي في الشعب (6629) وفي الآداب (1164) =

ص: 440

قوله وعن عبد الله بن معقل هو عبد الله بن معقل بالعين المهملة والقاف ابن مقرن أبو الوليد، قال أحمد العجلي: كوفي ثقة من خيار التابعين، وقال ابن الأثير في جامع الأصول: يعدّ في الطبقة الثانية من تابعي الكوفة، قال ابن حبان: مات سنة بضع وثمانين بالبصرة، فأسند عنه [أنه] صلى بالناس في شهر رمضان فأرسل إليه بحُلّة وخمسمائة فردها، وقال إنا لا نأخذ على القرآن أجرا

(1)

، اهـ.

قوله: دخلت أنا وأبي على ابن مسعود فقال له إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول الندم توبة، قال نعم، وتقدم لهذا الحديث نظائر في الأحاديث قبله وكذلك حديث عائشة الذي بعده.

4761 -

وعن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر له قبل أن يستغفره منه. رواه الحاكم

(2)

من رواية

= والخطيب في الموضح (1/ 248 - 249)، والمزي في تهذيب الكمال (9/ 511)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: 1337) أخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وصحح إسناده من حديث ابن مسعود. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (4/ 248) هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال ابن حجر في فتح الباري (13/ 471): حديث حسن من حديث بن مسعود أخرجه بن ماجه وصححه الحاكم وأخرجه بن حبان من حديث أنس وصححه. وصححه الألباني في صحيح الجامع (6802)، وصحيح الترغيب والترهيب (3147).

(1)

جامع الأصول (12/ 680).

(2)

أخرجه الحاكم في المستدرك (4/ 253)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال الذهبي في التلخيص: بل هشام بن زياد متروك، والحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في =

ص: 441

هشام بن زياد، وهو ساقط

(1)

، وقال: صحيح الإسناد.

قوله: رواه الحاكم من رواية هشام بن زياد أبو المقدام بن أبي هشام البصري، أخو الوليد بن أبي هشام، مولى آل عثمان بن عفان ضعفوه قال النسائي وغيره متروك.

4762 -

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش، وليس أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب، وأرسل الرسل. رواه مسلم

(2)

.

قوله: وعن ابن مسعود تقدم. قوله صلى الله عليه وسلم ليس أحد أحبّ إليه المدح من الله تعالى من أجل ذلك أثنى على نفسه الحديث، وفي حديث آخر لا أحد [أحبذ] إليه المدحة من الله، المدحة [الثناء و] الذكر الحسن، بكسر الميم فإذا أزلت التاء فتحت الميم فقلت المَدح ومعنى ذلك أنه يريدها ويأمر بها

= الشكر (47)، والخرائطي في فضيلة الشكر لله (40)، والطبراني في المعجم الأوسط (2676 - 4503)، وأبو بكر الشافعي في الفوائد الشهير بالغيلانيات (769)، والبيهقي في شعب الإيمان (4069 - 4070)، وقال الهيثمي في المجمع (10/ 199): رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين، في أحدهما بزيع بن حسان أبو الخليل، وفي الآخر سليمان بن داود المنقري، وكلاهما ضعيف. وأورده الألباني في ضعيف الجامع (5110)، والضعيفة (323)، وضعيف الترغيب والترهيب (1835)، وقال: موضوع.

(1)

انظر ميزان الاعتدال (7/ 80)، والمغني في الضعفاء (2/ 710)، والكاشف (2/ 336).

(2)

صحيح مسلم (35)(2760).

ص: 442

ويثيب، هذا ما قاله عياض

(1)

وحقيقة هذا مصلحة للعباد لأنهم يثنون عليه سبحانه وتعالى فيثيبهم فينتفعون وهو سبحانه وتعالى عن العالمين لا ينفعه مدحهم ولا يضره تركهم ذلك وفيه تنبيه على فضل الثناء عليه سبحانه وتسبيحه وتهليله وتحميده وتكبيره وسائر الأذكار. قوله صلى الله عليه وسلم ليس أحد أغير الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، الحديث.

قال العلماء: الغيرة بفتح الغين وأصلها المنع، والرجل الغيور على أهله أي يمنعهم من التعلق بأجنبي بنظر أو حديث أو غيره والغيرة صفة كمال وما يدخل في الغيرة قوله تعالى {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45)}

(2)

، وقال السري لأصحابه تدرون ما هذا الحجاب، حجاب الغيرة ولا أحد أغير من الله، إن الله تعالى لم يجعل الكفار أهلا لفهم كلامه ولا أهلا لمعرفته وتوحيده ومحبته [عز وجل فجعل] بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجابا مستورا عن العيون غيرة عليه أن يناله من ليس أهلا له والغيرة منزلة شريفة عظيمة المقدار وتنقسم قسمين غيرة من الشيء وغيرة عليه فالغيرة من الشيء كراهة مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك والغيرة على الشيء هي شدة حرصك على المحبوب أن يفوز به غيرك دونك أو يشاركك في الفوزيَّة ثم الغيرة نوعان غيرة الحق تعالى على عبده وغيرة العبد لربه فأما غيرة الرب سبحانه وتعالى

(1)

مشارق الأنوار على صحاح الآثار (1/ 375).

(2)

سورة الإسراء، الآية:45.

ص: 443

على عبده فهي أن لا يجعله للخلق بل يجعله لنفسه [عبدا ولا يجعل له فيه شركاء متشاكسين بل يفرده لنفسه]

(1)

[ويضن به] على غيره وهذا أعلى الغيرتين والغيرة في حق الله تعالى [فقد] فسرها في حديث عمر رضي الله عنه بقوله صلى الله عليه وسلم غيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه أي غيرة منعه وتحريمه والله أعلم. قوله صلى الله عليه وسلم ليس أحد أحبّ إليه العذر من الله تعالى من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل الحديث يعني أنه ليس أحد أحب إليه الإعذار من الله فالعذر هنا بمعنى الإعذار والإنذار قبل أخذهم بالعقوبة ولهذا بعث المرسلين كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}

(2)

وبه يصح المعنى فقد جاءت المعاذير في الكتاب والسنة بمعنى الإعذار فوجب قبوله وهو جمع معذور بمعنى العذر، فالمعذور على هذا مصدر فكذا المعذور بمعنى العذر فالمعاذير جمع معذور، قاله النووي

(3)

. وقال القاضي عياض

(4)

يحتمل أن يكون المراد به الإعذار أي اعتذار العباد إليه من تقصيرهم وتوبتهم من معاصيهم فيغفر لهم كما قال تعالى {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}

(5)

اهـ.

(1)

سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

(2)

سورة الإسراء، الآية:15.

(3)

تهذيب الأسماء واللغات (4/ 11).

(4)

شرح النووي على مسلم (17/ 78).

(5)

سورة الشورى، الآية:25.

ص: 444

4763 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم. رواه مسلم

(1)

وغيره.

قوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده الحديث، هذا قسم من النبي صلى الله عليه وسلم.

قوله صلى الله عليه وسلم لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم الحديث، والظاهر والله أعلم أن مراده بالاستغفار الاستغفار المقرون بعدم الإصرار على الذنب كما تقدم ذكره عن الشيخ زين الدين بن رجب ويؤيده أيضًا ما رواه ابن أبي الدنيا

(2)

والبيهقي

(3)

مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس، والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه عز وجل، تقدم هذا الحديث أيضًا والله أعلم.

4764 -

وعن عمران بن الحصين رضي الله عنه أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله أصبت حدا، فأقمه علي، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم، وليها فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها، ففعل، فأمر بها

(1)

صحيح مسلم (11)(2749).

(2)

أخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (85).

(3)

البيهقي في الكبرى (10/ 154)، وفي الشعب (6780)، وقال البيهقي: هذا إسناد فيه ضعف وقال السخاوي: وسنده ضعيف فيه من لا يعرف، وروي موقوفا قال المنذري: ولعله أشبه. بل هو الراجح الأجوبة المرضية (1/ 77 - 78)، المقاصد (ص 152)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2498)، والضعيفة (616).

ص: 445

نبي الله صلى الله عليه وسلم، فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا رسول الله، وقد زنت؟ قال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل. رواه مسلم

(1)

.

قوله وعن عمران بن الحصين كنيته: أبو نُجَيد بضم النون وفتح الجيم الخزاعي تقدم ذكره. قوله أن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا فقالت يا رسول الله أصبت حدا فأقمه عليّ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها ففعل الحديث.

وفي لفظ لمسلم

(2)

أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن رجم ماعزا الذي أقرّ عنده بالزنا بثلاثة أيام جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجعي واستغفري الله وتوبي إليه فقالت أراك تريد ترددني كما رددت ماعز بن مالك قال وما ذاك قالت إنها حبلى من الزنا، فقال أنت؟ قالت نعم. فقال لها حتى تلدي، فلما ولدت أتت بالصبي في خرقة قالت ها قد ولدته قال اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت يا نبي الله ها قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فرماها خالد بحجر في رأسها فنضح بالدم على وجهها فسبَّها فسمع النبي صلى الله عليه وسلم سبّه

(1)

صحيح مسلم (24)(1696).

(2)

صحيح مسلم (1695).

ص: 446

إياها فقال مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة [لو تابها] صاحب مكس لغفر له، ثم أمر بها فصلى [عليها] ودفنت هذه المرأة الغامدية وغامد بطن [من] جهينة وغامد بغين معجمة ودال مهملة والغامدية قيل اسمها سبيعة وقيل آمنة بنت فرح حكاهما الخطيب وغيره.

وروى [البيهقي

(1)

أن] عمر أمر برجم حامل من الزنا [فقال له علي رضي الله تعالى عنه:] لا سبيل لك على ما في بطنها فقال عمر لولا عليّ [لهلك] عمر، وقيل القائل ذلك لعمر معاذ بن جبل فتحبس الحامل في القصاص إلى أن يمكن الاستيفاء ولو كان عليها الرجم أو غيره من حدود الله تعالى لم تحبس على الصحيح لأنه مبني على التخفيف، وقيل [تحبس] كالقصاص، [وتؤخر] أيضًا وجوبا إلى أن يسقى الولد اللبأ لأنه لا يعيش بدونه غالبا.

قال ابن الرفعة: [ولا بد] بعد الولادة من انقضاء [النفاس] أيضًا ثم إن كان هناك غيرها يرضع فلا كلام وإن لم يوجد إلا هي فعن ابن خيران أنها تقتل ولا يبالى بالطفل كما [لو] كان للقاتل عيال [يضيعون] ظاهرا بموته [والصحيح أنها تؤخر] إلى أن توجد مرضع تتم رضاعه أو ما يعيش به ولد البهيمة لكن الأولى أن يؤخر الاستيفاء لأن الولد يتضرر باختلاف اللبن عليه وبشرب لبن البهائم [ويخالف] الرجم فإنه يؤخر حتى يوجد من يكفل ولدها لأن الرجم مختص بحق الله تعالى وليس [في] تأخيره

(1)

انظر: منهاج السنة النبوية (6/ 41).

ص: 447

ضرر وهنا بخلاف ذلك

(1)

قاله في الديباجة.

وفيه أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب [الموبقات] وذلك لكثرة مطالبات الناس له وظلاماتهم عنده وتكرر ذلك منه [وانتهاكه] للناس [وأخذ] أموالهم بغير حقها وصرفها في غير وجهها. وفيه أن توبة الزاني لا تسقط عنه حد الزنا وكذا حكم حد السرقة والشرب وهذا أصح القولين في مذهبنا ومذهب مالك، والثاني أنها تسقط ذلك

(2)

، والله أعلم.

قوله من جهينة بضم الجيم وفتح الهاء وسكون التحتانية وبالنون اسم قبيلة، وغامد هي بطن من جهينة. قولها أصبت حدا فأقمه علي، أي أصبت ذنبا أوجب علي حدا أي عقوبة. قوله فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها، الحديث. هذا الإحسان له سببان:

أحدهما الخوف عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة ولحوق العار بهم أن يؤذوها فأوصى بالإحسان إليها [تحذيرا لهم من ذلك.

والثاني أمر صلى الله تعالى عليه وسلم بح رحمة لها إذ قد تابت، وحرّض على الإحسان إليها] لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها [وإسماعه] الكلام المؤذي ونحو ذلك، فنهى عن هذا كله

(3)

.

قوله [صلى الله تعالى عليه وسلم:] فإذا وضعت فأتني بها الحديث، وفي

(1)

النجم الوهاج (8/ 428).

(2)

شرح النووي على مسلم (11/ 203 - 204).

(3)

شرح النووي على مسلم (11/ 205).

ص: 448

هذا الحديث أن من وجب عليها قصاص وهي حامل لا يقتص منها حتى تضع، وهذا مجمع عليه، ثم لا ترجم الحامل الزانية ولا يقتص منها بعد وضعها حتى يسقى ولدها اللباء ويستغني عنها بلبن غيرها.

قوله فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها، أي جمعت. وقال أبو غالب بن هارون معناه أرسلت عليها ثيابها [أي جمعت]. قاله صاحب المغيث

(1)

، وفي بعض النسخ فشكت عليها ثيابها أي جمعت عليها ولفت لئلا تنكشف كأنها نظمت وزرت عليها بشوكة أو خلال، وقيل معناه أرسلت عليها ثيابها، والشكّ الاتصال [واللصوق]، قاله ابن الأثير

(2)

. وفي هذا استحباب جمع ثيابها عليها وشدها بحيث لا تنكشف في تقلبها وتكرر اضطرابها

(3)

. واتفق العلماء على أن المرأة لا ترجم إلا قاعدة، وأما الرجل فجمهور العلماء على أنه يرجم قائما. وقال مالك قاعدا، وقال غيره يتخير الإمام بينهما

(4)

.

قوله ثم أمر بها فرجمت، وفيه أن المرأة ترجم إذا زنت وهي محصنة كما يرجم الرجل الحديث، وهذا الحديث محمول على أنها كانت محصنة لأن الأحاديث الصحيحة والإجماع متطابقان على أنه لا يرجم غير المحصن وفيه أن الحبلى لا ترجم حتى تضع سواء كان حملها من زنا أو

(1)

المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (2/ 215).

(2)

النهاية في غريب الأثر (2/ 495).

(3)

شرح النووي على مسلم (11/ 205).

(4)

شرح النووي على مسلم (11/ 205).

ص: 449

غيره وهذا مجمع عليه لئلا يقتل جنينها وكذا لو كان حدها الجلد وهي حامل لم تجلد بالإجماع حتى تضع، وفيه أن الحمل يعرف ويحكم به، وهذا هو الصحيح في مذهبنا، واعلم أن مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والمشهور من مذهب مالك أنها لا ترجم حتى تجد من يرضعه فإن لم تجد أرضعته حتى تفطمه ثم رجمت. وقال أبو حنيفة ومالك في رواية عنه إذا وضعت رجمت ولا تنتظر حصول من يرضعه

(1)

، والله أعلم.

قوله: فرجمت ثم صلى عليها اختلف العلماء في الصلاة على المرجوم، فكرهها مالك والإمام أحمد للإمام وأهل الفضل دون باقي الناس، [قالا: ويصلي عليه غير الإمام وغير أهل الفضل]، وقال الشافعي وآخرون يصلي عليه الإمام وأهل الفضل وغيرهم والخلاف بين الشافعي ومالك إنما هو في الإمام وأهل الفضل فأما غيرهم فاتفقا على أنه يصلي وبه قال جماهير العلماء، قالوا فيصلى على الفساق والمقتولين في الحدود والمحاربة وغيرهم. وقال الزهري لا يصلي أحد على المرجوم وقاتل نفسه، وقال قتادة لا يصلى على ولد الزنا، واحتج الجمهور بهذا الحديث وفيه دلالة [للشافعي] أن الإمام وأهل الفضل يصلون على المرجوم كما يصلي عليه غيرهم

(2)

وفيه أن توبة الزاني لا تسقط عنه حد الزنا، وكذا حكم حد السرقة والشرب وهذا أصح القولين في مذهبنا ومذهب مالك، والثاني أنها تسقط

(1)

شرح النووي على مسلم (11/ 201 - 202).

(2)

شرح النووي على مسلم (11/ 204).

ص: 450

ذلك وأما توبة المحارب قبل القدرة عليه فتسقط حد المحاربة بلا خلاف عندنا. وعن ابن عباس وغيره أنها لا تسقط

(1)

، [وفيه أن الحمل يعلم ويحكم به [وهذا هو الصحيح في مذهبنا

(2)

]

(3)

. قوله فأمر بها فرجمت، كذا في بعض الروايات وفي بعضها فأمر الناس فرجموها.

تتمة: فإن قيل فما بال ماعز والغامدية وهذه المرأة التي [من جهينة التي]

(4)

أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا لم يقنعوا بالتوبة وهي [محصلة] لغرضهم وهو سقوط الإثم بل أصروا على الإقرار واختاروا الرجم؟ فالجواب: أن تحصيل البراءة بالحد وسقوط الإثم متيقن على كل حال لا سيما وإقامة الحد بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وأما التوبة فيخاف أن لا تكون نصوحا وأن يخل بشيء من شروطها فتبقى المعصية وإثمها دائما عليه فأرادوا حصول البراءة بطريق متيقن دون ما يتطرق إليه احتمال

(5)

، والله أعلم.

4765 -

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عد سبع مرات، ولكن سمعته أكثر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله،

(1)

شرح النووي على مسلم (11/ 203 - 204).

(2)

شرح النووي على مسلم (11/ 201).

(3)

حصل تقديم لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله:(وكذا حكم حد السرقة والشرب وهذا أصح القولين في مذهبنا ومذهب مالك).

(4)

سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

(5)

شرح النووي على مسلم (11/ 199).

ص: 451

فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت، فقال: ما يبكيك أكرهتك؟ قالت لا، ولكنه عمل ما عملته قط، وما حملني عليه إلا الحاجة، فقال: تفعلين أنت هذا، وما فعلته قط، اذهبي فهي لك، وقال: لا والله لا أعصي الله بعدها أبدا، فمات من ليلته، فأصبح مكتوبا على بابه: إن الله قد غفر للكفل. رواه الترمذي

(1)

وحسنه، واللفظ له، وابن حبان في صحيحه

(2)

إلا أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرين مرة يقول: فذكر بنحوه، والحاكم

(3)

والبيهقي

(4)

من طريقه

(1)

سنن الترمذي (2496).

(2)

ابن حبان (387).

(3)

المستدرك (4/ 283)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه والحديث؛ أخرجه الضبي في الدعاء (146)، وابن أبي شيبة في المصنف (34209)، وأحمد (4747)، والبزار (5388)، وأبو يعلى الموصلي (5726)، والخرائطي في اعتلال القلوب (104)، وابن الأعرابي في المعجم (2295)، والطبراني (13942 و 13943)، وأبو بكر الإسماعيلي في معجم أسامي شيوخه (1/ 365)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (4/ 298) وقال: غريب من حديث سعيد لم يروه عنه إلا الأعمش، ولا عنه إلا أبو بكر بن عياش وأسباط. ورواه غيرهما عن الأعمش، فقال بدل سعيد: عن سعد مولى طلحة، وقال الترمذي في العلل الكبير (618): سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: بعض أصحاب الأعمش رووا هذا الحديث فأوقفوه، وأكثرهم رفعوه. والصحيح أنه مرفوع. قلت له: روى أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر. فقال: أبو بكر بن عياش يهم فيه، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (1836)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (4150)، وضعيف سنن الترمذي (448).

(4)

البيهقي في شعب الإيمان (6706 و 6707).

ص: 452

وغيرها، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.

قوله عن ابن عمر تقدم. قوله كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله. الكفل قال بعضهم أنه النبي الذي ذكر الله وكبرت كلمة وهذا فاسد من أوجه "الأول" أن هذا الكفل وذاك ذو الكفل "الثاني" أن ذلك نبي وهذا رجل أدركته توبة بعد اقتحام الذنب "الثالث" أن هذا رجل متهم في الذنوب وهذه الأوجه تحل عندها مرتبة النبوة فإن قيل كانت النبوة بعد التوبة قلنا لا يصح سمعًا أن يكون بمثل هذه الصفة نبي "الرابع" أن هذا الحديث قد كشف القناع بقوله إن الله غمر للكفل ولو كانت نبوة لكان الفضل في أن يكون بدله أن الله قد نبأ الكفل وبنو إسرائيل هم أولاد يعقوب عليه السلام وتقدم هذا الحديث في الزنا، وتقدم الكلام على بعض ألفاظه والله أعلم.

4766 -

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كانت قريتان إحداهما صالحة، والأخرى ظالمة، فخرج رجل من القرية الظالمة يريد القرية الصالحة، فأتاه الموت حيث شاء الله، فاختصم فيه الملك والشيطان، فقال الشيطان: والله ما عصاني قط فقال الملك: إنه قد خرج يريد التوبة، فقضي بينهما أن ينظر إلى أيهما أقرب، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر فغفر له. قال معمر: وسمعت من يقول: قرب الله إليه القرية الصالحة. رواه الطبراني

(1)

بإسناد

(1)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (9/ 190/ 8851)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 213) رواه الطبراني موقوفا، ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (6690): منكر جدا بذكر: (اختصام الشيطان)، وفي ضعيف الترغيب والترهيب (1837).

ص: 453

صحيح، وهو هكذا في نسختي غير مرفوع.

قوله وعن ابن مسعود تقدم. قوله فاختصم فيه الملك والشيطان، الحديث. الاختصام الاختلاف.

4767 -

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فأتاه، فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم من يحول بينه وبين التوبة. انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق، فأتاه ملك الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيرا قط فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة.

وفي رواية: فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها.

وفي رواية: فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقربي، وقال: قيسوا بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له.

وفي رواية: قال قتادة قال الحسن: ذكر لنا أنه لما أتاه ملك الموت نأى

ص: 454

بصدره نحوها. رواه البخاري

(1)

ومسلم

(2)

وابن ماجه

(3)

بنحوه.

قوله وعن أبي سعيد الخدري تقدم. قوله كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُلّ على راهب فأتاه فقال أنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة فقال لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال أنه قتل مائة نفس فهل له من توبة، فقال نعم، من يحول بينك وبين التوبة. الراهب واحد رهبان النصارى وهو الخائف والمتعبد والراهب مأخوذ من الرهبة وهي الخوف قال الشيخ أبو العباس القرطبي

(4)

قول الراهب لقاتل التسعة والتسعين أنه لا توبة له دليل على قلة علم ذلك الراهب وعدم فطنته حيث لم يُصِب وجه الفتيا ولا [سلك] طريق التحرز على نفسه ممن كان له القتل عادة معتادة فقد صار مثل الأسد الذي لا يبالي بمن يفترسه فكان حقه أن لا يشافهه [لمنع التورية] مداراة لدفع القتل عن نفسه كما يُدارى الأسد الضاري، لكنه أعان على نفسه فإنه لما أيأسه من التوبة قتله [بحُكم سبْعِيَّته] ويأَّسه من رحمة الله تعالى وتوبته عليه ولما لطف الله به بقي في نفسه الرغبة على السؤال عن حاله فما زال يبحث إلى أن ساقه الله تعالى إلى هذا الرجل

(1)

صحيح البخاري (3470).

(2)

صحيح مسلم (46)(2766).

(3)

سنن ابن ماجه (2622).

(4)

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (22/ 128).

ص: 455

العالم الفاضل فلما سأله نطق بالحق والصواب فقال له ومن يحول بينك وبينها ثم إنه دلّه على ما [ينفعه] وهو مفارقته لأرضه التي كانت غلبت عليه بحكم عادة أهلها الفاسدة ولقومه الذين كانوا يعينونه على ذلك ويحملونه عليه وبهذا يعلم فضل العلم على العبادة فإن الأول غلبت عليه الرهبانية واغتر بوصف الناس له بالعلم فأفتى بغير علم فهلك في نفسه وأهلك [غيره، والثاني] كان مشتغلا بالعلم ومعتنيا به فوفق للحق فأحياه الله وفي نفسه وأحيا به، اهـ.

أجمع أهل العلم على صحة توبة القاتل عمدا ولم يخالف فيه إلا ابن عباس وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمراد قائله الزجر والتورية لا أنه يعتقد بطلان توبته وهذا الحديث ظاهر فيه وهو وإن كان شرعا لمن قبلنا وفي الاحتجاج به خلاف فليس هذا موضع الخلاف وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره فإن ورد كان شرعا لنا بلا شك، وقد ورد به شرعنا وهو قوله تعالى:{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} إلى قوله: {إِلَّا مَنْ تَابَ}

(1)

الآية، وأما قوله تعالى:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا}

(2)

الآية فالصواب من معناها أن جزاءه جهنم وقد يجازى [به] وقد يجازى بغيره وقد لا يجازى بل يعفى عنه، فإن قتل متعمدا مستحلا له بغير

(1)

سورة الفرقان، الآية:68.

(2)

سورة النساء، الآية:93.

ص: 456

حق ولا تأويل فهو كافر مرتد يخلد في جهنم بالإجماع وإن كان غير مستحل بل متعمدا تحريمه فهو فاسق عاص مرتكب كبيرة جزاؤه جهنم خالدا [فيها] لكن [بفضل] الله سبحانه وتعالى أخبر أنه [لا يخلد] في النار من مات موحدا فيها فلا يخلد هذا وقد يعفى عنه فلا يدخل النار أصلا وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر عصاة الموحدين ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد في النار هذا هو الصواب في معنى الآية ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن يتحتم ذلك الجزاء وليس للآية إخبار بأنه يخلد في جهنم وإنما فيها أنها جزاؤه أي يستحق أن يجازى بذلك، وقيل المراد من قتل مستحلا وقيل وردت الآية في رجل بعينه وقيل المراد بالخلود طول المدة لا الدوام.

وقيل معناها هذا جزاؤه لمن جازاه وهذه الأقوال كلها ضعيفة أو فاسدة لمخالفتها حقيقة لفظ الآية وأما [هذا القول] فإنه شائع على ألسنة كثير من الناس وهو فاسد لا [يقتضي] أنه إذا عفا عنه خرج عن كونها كانت جزاء وهي جزاء [له] لكن ترك الله سبحانه وتعالى مجازاته عفوا عنه وكرما، فالصواب ما قدمناه والله أعلم. قوله:"انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله" الحديث.

قال العلماء رضي الله عنهم: في هذا استحباب مفارقة التائب البلدة التي أصاب فيها الذنوب والأخلاء المساعدين له على ذلك ومقاطعتهم ما داموا على حالهم وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح والعلماء والمتعبدين الورعين

ص: 457

ومن يقتدي به وينتفع بصحبته وتتأكد بذلك توبته والله أعلم.

قوله: "فانطلق حتى إذا نصف الطريق" وهو بتخفيف الصاد أي بلغ نصفها، قوله:"أدركه الموت"، أي في الطريق، والمراد إدراك أمارات الموت، قوله:"فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم" أي حكما، قوله:"قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له" أي أقرب. قوله: "فقاسوا فوجوده أدنى إلى الأرض التي أراد" أي أقرب. قوله: "وفي رواية: فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي" الحديث، والمراد بهذه أولا القرية المتوجه إليها وبهذه ثانيا القرية المتوجه منها، وقوله:"تقربي" أي إلى الميت، وتباعدي أي عنه، فانظر يا أخي بصَّرك الله تعالى إلى اتساع فضل الله ورحمته وتب إلى الله سبحانه وتعالى فإن التوبة تجبّ ما قبلها وابسط رجاءك وعلّق أطماعك بمنة الله سبحانه وتعالى فهو الذي منّ عليك بالإيمان وهداك إلى الإسلام ويسّر لك خصالا من الخير جعلها أسبابا لفكاكك من النار وسلامتك من أهوال يوم القيامة وسلما لدخول الجنة والظفر بما أعد الله فيها من النعيم المقيم فهذا هو الفوز العظيم ولمثل هذا فليعمل العاملون.

[قوله:] قال قتادة وقال الحسن ذكر لنا أنه لما أتاه ملك الموت ناء بصره نحوها الحديث، أي نهض وتقدم ليقرب بذلك القدر من الأرض الصالحة، ويجوز في نآى تقديم الهمزة على الألف وعكسه وتقدم مثل ذلك في حديث الغار في أول هذا التعليق. وهذا الحديث دال على أن توبة القاتل عمدا

ص: 458

مقبولة. وقول ابن عباس لا تقبل توبة قاتل النفس هذا محمول منه على الاقتداء بسنة الله تعالى في التغليظ والتشديد وإلا فكل ذنب قابل للتوبة.

4768 -

وعن أبي عبد ربه أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر يحدث أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن رجلا أسرف على نفسه فلقي رجلا فقال: إن الآخر قتل تسعة وتسعين نفسا كلهم ظلما، فهل تجد لي من توبة؟ فقال: إن حدثتك أن الله لا يتوب على من تاب كذبتك، ههنا قوم يتعبدون، فأتهم تعبد الله معهم، فتوجه إليهم، فمات على ذلك فاجتمعت ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب فبعث الله إليهم ملكا فقال: قيسوا ما بين المكانين، فأيهم كان أقرب فهو منهم، فوجدوه أقرب إلى دير التوابين بأنملة فغفر له. رواه الطبراني

(1)

بإسنادين أحدهما جيد، ورواه

(2)

أيضًا بنحوه بإسناد لا بأس به عن عبد الله بن عمرو، فذكر الحديث إلى أن قال: ثم أتى راهبا آخر فقال: إني قتلت مائة نفس فهل تجد لي من توبة؟ فقال: لقد أسرفت وما أدري، ولكن ههنا قريتان قرية يقال لها: نصرة، والأخرى يقال لها: كفرة، فأما أهل

(1)

المعجم الكبير للطبراني (19/ 369/ 867)، وفي مسند الشاميين (606)، وأخرجه ابن أبي عاصم في الديات (ص 183)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (5/ 163)، وذكره الهيثمي في المجمع (10/ 211)، ثم قال: رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، غير أبي عبد رب، وهو ثقة، ورواه أبو يعلي بنحوه كذلك.

(2)

أخرجه أبو يعلى (7361)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (7/ 412): رواه أبو يعلى الموصلي والطبراني بإسنادين أحدهما جيد. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (1838).

ص: 459

نصرة فيعملون عمل أهل الجنة لا يثبت فيها غيرهم، وأما أهل كفرة، فيعملون عمل أهل النار لا يثبت فيها غيرهم، فانطلق إلى أهل نصرة، فإن ثبت فيها، وعملت عمل أهلها، فلا شك في توبتك، فانطلق يؤمها حتى إذا كان بين القريتين أدركه الموت، فسألت الملائكة ربها عنه، فقال: انظروا إلى أي القريتين كان أقرب، فاكتبوه من أهلها، فوجدوه أقرب إلى نصرة بقيد أنملة فكتب من أهلها.

قوله: "وعن أبي عبد ربٍّ" الدمشقي الزاهد، ويقال: أبو عبد ربه، ويقال: أبو عبد رب العزة، مولى ابن غيلان الثقفي، ويقال: مولى بني عذرة، قيل: اسمه عبد الجبار بن عبيد الله بن سلمان، وقيل: عبد الرحمن بن أبي عبد الله، وقيل: قسطنطين، وقيل: فلسطين، وليس بشيء ال أبو زرعة الدمشقي عن أبي مسهر كان روميا اسمه قسطنطين فلما أسلم سمي عبد الرحمن روى عن معاوية وفضالة بن عبيد واويس القرني وتبيع الحميري وأبي الأحوص مولى خالد بن يزيد وأم الدرداء الصغرى وعنه ثابت بن ثوبان وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر وعبد الله بن بجير ومحمد بن عمر الطائي الحربي وسعيد بن عبد العزيز قال أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز عن أبي عبد رب الزاهد لو أن بردا سأل ذهبا وفضة ما أتيتها لآخذ منها شيئا ولو قيل لي من احتضن هذا العمود مات لقمت إليه حتى احتضنته قال سعيد ونحن نعلم أنه صادق وقال أبو حفص التنيسي عن سعيد بن عبد العزيز خرج أبو عبد رب من عشرة آلاف دينار ومن مائة ألف وقال أبو مسهر عن سعيد مات قبل الجراح ومات

ص: 460

مكحول بعد الجراح وقال معاوية بن صالح عن أبي مسهر مات سنة اثنتي عشرة ومائة قلت وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان من أيسر أهل دمشق فخرج من ماله كله.

قوله: "أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر يحدث" معاوية كذا. قوله: "أن رجلا أسرف على نفسه" أي أخطأ وأكثر من الذنوب وجاوز القصد في ذلك، والسرف الخطأ، والسرف مجاوزة الحد. قوله:"فلقي رجلا فقال إن الآخر قتل تسعة وتسعين نفسا كلهم ظلما" الحديث، الآخر هو بهمزة مقصورة وخاء مكسورة، هكذا رويناه عن كافة شيوخنا وبعض المشايخ يمد الهمزة وهو خطأ وكذا فتح الخاء هنا خطأ ومعناه الأرذل والأبعد والأدنى على الذم، وقيل اللئيم، وقيل الشقي، وكله متقارب، ومرداه نفسه فحقّرها وعابها لا سيما وقد فعل هذه الفاحشة، وقيل إنها كناية يكني بها عن نفسه وغيره إذا أخبر عنه بما يستقبح والله أعلم.

قوله: "قيسوا ما بين المكانين فأيهم كان أقرب فهو منهم" الحديث، وأما قياس الملائكة ما بين القريتين وحكم الملك الذي جعلوه بينهم بذلك فهذا محمول على أن الله تعالى أمرهم عند اشتباه أمره عليهم أو اختلافهم فيه أن يُحكِّموا رجلا ممن يمرّ بهم فمر الملك في صورة رجل فحكم بذلك، قاله القرطبي

(1)

. وفيه على أن الأرض فيها الطيب والخبيث والصالح وضده وبذلك جاءت السنة.

(1)

شرح النووي على مسلم (17/ 84).

ص: 461

قوله: "فوجوده أقرب إلى دير التوابين بأنملة"، وفي الرواية الأخرى: بقيد أنملة، "فغفر له"، أي بقدر أنملة والأنملة طرف الإصبع والله أعلم. مسألة لها تعلق بحديث قاتل النفس: اختلف العلماء هل في الذنوب ذنب لا تقبل توبته أم لا؟ فقال الجمهور التوبة تأتي على كل ذنب وتقبل، وقالت طائفة لا تقبل توبة القاتل، وهذا مذهب ابن عباس وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وقد ناظر ابن عباس

(1)

في ذلك أصحابه فقالوا له أليس قد قال الله تعالى في سورة الفرقان {إِلَّا مَنْ تَابَ}

(2)

، فقال: كانت هذه الآية في الجاهلية وذلك أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وزنوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل:{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}

(3)

إلى قوله: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ}

(4)

، فهذه في أولئك، وأما التي في سورة النساء وهي قوله:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا}

(5)

الآية، فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم. وقال زيد بن ثابت

(6)

لما نزلت التي في

(1)

صحيح البخاري (4532)، وصحيح مسلم (122)، والناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (1/ 423)، ومدارج السالكين (1/ 393).

(2)

سورة الفرقان، الآية:68.

(3)

سورة الفرقان، الآية:68.

(4)

سورة الفرقان، الآية:68.

(5)

سورة النساء، الآية:93.

(6)

الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (1/ 427)، وتفسير البغوي (1/ 465).

ص: 462

الفرقان عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللينة فنسخت اللينة، وأراد بالغليظة هذه الآية، آية النساء، وباللينة آية الفرقان. قال ابن عباس رضي الله عنهما

(1)

آية الفرقان مكية وآية النساء مدنية نزلت ولم ينسخها شيء، قال هؤلاء: ولأن التوبة من قتل النفس عمدا متعذرة إذ لا سبيل إليها إلا باستحلاله أو إعادة نفسه التي فوتها عليه إذ التوبة من حق الآدمي لا تصح إلا بأحدهما وكلاهما متعذر على القاتل فكيف تصح توبته من حق آدمي لم يصل إليه ولم يستحله منه وقد تعذر. واحتج الجمهور بقوله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ}

(2)

الآية، فهذه الآية في حق التائب، وبقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}

(3)

، فهذه في حق غير التائب لأنه لا فرق بين الشرك وما دونه وعلّق المغفرة بالمشيئة [فخصّص] وعلق وفي التي قبلها عمَّم وأطلق، وبقوله:{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82)}

(4)

، فإذا تاب هذا القاتل وآمن وعمل صالحًا فالله عز وجل غفار له. قالوا: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث الذي قتل مائة نفس ثم تاب

(1)

مدارج السالكين (1/ 393)، وحياة الحيوان الكبرى (1/ 422)، ونيل الأوطار (7/ 210).

(2)

سورة الزمر، الآية:53.

(3)

سورة النساء، الآية:48.

(4)

سورة طه، الآية:82.

ص: 463

فنفعته توبته وألحق بالقرية الصالحة التي خرج [إليها] وصح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عبادة بن الصامت

(1)

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا [تسرقوا] ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك. وفي حديث الشفاعة

(2)

: أخرجوا من النار من في قلبه مثقال حبة من خردل، وفيه: فيقول الله عز وجل وعزتي وجلالي لأخرجنّ من النار من قال لا إله إلا الله. وأضعاف هذه النصوص كثيرة تدل على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد. قالوا: وأما هذه الآية التي في النساء فهي نظائر أمثالها من نصوص الوعيد كقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا}

(3)

الآية، وقوله:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا}

(4)

الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده، الحديث. ونظائره كثيرة، وقد اختلف العلماء في هذه النصوص على طرق: أحدها: القول بظاهرها

(1)

صحيح البخاري (18).

(2)

صحيح البخاري (22، 6560)، وصحيح مسلم (304)(184) عن أبي سعيد الخدري.

(3)

سورة النساء، الآية:14.

(4)

سورة النساء، الآية:10.

ص: 464

وتخليد أرباب هذه الجرائم في النار، وهو قول الخوارج والمعتزلة. ثم اختلفوا: فقالت الخوارج هم كفار لأنه لا يخلد في النار إلا الكفار، وقالت المعتزلة ليسوا بكفار بل فسّاق ومخلدون في النار. هذا كله إذا لم يتوبوا. وقالت فرقة: هذا الوعيد في حق المستحل لها لأنه كافر وأما من فعلها لا يعتقد تحريمها لم يلحقه هذا الوعيد، وعيد الخلود، اهـ.

مسألة ثانية: واختلف العلماء أيضًا فيما إذا تاب القاتل وسلم نفسه فقتل قصاصا هل يبقى عليه للمقتول يوم القيامة حق؟ فقالت طائفة: لا يبقى عليه شيء لأن القصاص حده والحدود كفارة لأهلها، وقد استوفى ورثة المقتول حق موروثهم وهم قائمون مقامه في ذلك فكأنه قد استوفاه بنفسه إذ لا فرق بين استيفاء الرجل حقه بنفسه أو بنائبه ووكيله. وقالت طائفة: المقتول قد ظلم وفاتت نفسه ولم يستدرك ظلامته، والوارث إنما أدرك ثأر نفسه وشفى غيظ نفسه وأي منفعة حصلت له ذلك وأي ظلامة استوفاها من القاتل، قالوا: فالحقوق في القتل ثلاثة: حق لله، وحق للمقتول، وحق للوارث. فحق الله لا يزول إلا بالتوبة، وحق الوارث قد استوفاه بالقتل وهو مخير بين ثلاثة أشياء من القصاص والعفو مجَّانا أو إلى مال فلو أحلّه وأخذ منه مالا لم يسقط حق المقتول بذلك فكذلك إذا [اقتص] منه لأنه أحد الطرق الثلاثة في استيفاء حقه فكيف يسقط حق المقتول بواحد منها دون الآخرين؟ قالوا: ولو قال القتيل لا تقتلوه لأطالبه بحقي يوم القيامة فقتلوه لكان يسقط حقه ولم يسقطه فإن قلتم يسقط فباطل لأنه لم يرض بإسقاطه، وإن قلتم لا

ص: 465

يسقط فكيف تسقطونه إذا اقتص منه مع عدم العلم برضا المقتول بإسقاط حقه، وهذه حجج كما ترى [قوية] لا تندفع إلا بأقوى منها وأمثالها.

فالصواب والله أعلم أن يقال: إذا تاب القاتل وسلم نفسه طوعا إلى الوارث يستوفي منه حق مورِّثه سقط عنه الحقان [وبقي] حق الموروث لا يضيعه الله ويجعل من تمام مغفرته للقاتل تعويض المقتول فإن مصيبته لم تنجبر بقتل قاتله والتوبة تهدم ما قبلها فيعوض هذا عن مظلمته ولا يعاقب هذا لكمال توبته وصار هذا كالكافر المحارب [لدين]

(1)

[لله تعالى] ورسوله إذا قتل مسلمًا في الصف ثم أسلم وحسن إسلامه فإن الله سبحانه وتعالى يعوض هذا الشهيد المقتول ويغفر للكافر بإسلامه ولا يؤاخذه بقتل المسلم ظلما فإن هدم التوبة لما قبلها كهدم الإسلام لما قبله وعلى هذا إذا سلم نفسه وانقاد [فعفا] عنه الولي وتاب القاتل توبة نصوحا فإن الله يقبل توبته ويعوض هذا المقتول، فهذا الذي يمكن أن يصل إليه نظر العالم واجتهاده والحكم بعد ذلك لله، {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ}

(2)

، وهاتان المسألتان ذكرهما المسعودي الحنفي في كتابه تهذيب النفوس.

4769 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من

(1)

سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

(2)

سورة النمل، الآية:78.

ص: 466

أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول. رواه مسلم

(1)

، واللفظ له، والبخاري

(2)

بنحوه.

قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله: "قال الله عز وجل أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني"، قوله:"أنا عند ظن عبدي بي"، قال القرطبي

(3)

: قيل معناه ظن الإجابة عند الدعاء وظن القبول عند التوبة وظن المغفرة عند الاستغفار وظن قبول الأعمال عند فعلها على [شروطها] تمسكا بصادق وعده وجزيل فضله، [قال:] ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، وكذلك ينبغي للتائب والمستغفر وللعامل أن يجتهد في القيام بما عليه من ذلك موقنا أن الله تعالى يقبل عمله ويغفر ذنبه فإنه سبحانه وتعالى قد وعد بقبول التوبة الصادقة والأعمال الصالحة، فأما لو عمل هذه الأعمال وهو يعتقد أو يظن [أنّ] الله تعالى لا يقبلها وأنها لا تنفعه فذلك هو القنوط من رحمة الله تعالى واليأس من روح الله تعالى، وهو من أعظم الكبائر.

وقال النووي

(4)

: أنا عند ظن عبدي بي: قال القاضي معناه بالغفران له إذا استغفرني والقبول إذا تاب والإجابة إذا دعا والكفاية إذا طلبها، وقيل

(1)

صحيح مسلم (2)(2675).

(2)

صحيح البخاري (7405).

(3)

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (22/ 67).

(4)

شرح النووي على صحيح مسلم (17/ 2).

ص: 467

المراد به الرجاء وتأميل [العفو] وهذا وضح.

قوله: "وأنا معه حين يذكرني" أي معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية والإعانة، وأما قوله:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}

(1)

، فمعناه بالعلم [والإحاطة]، وفي [حديث آخر: فإن] ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، قال المازري النفس تطلق في اللغة على معان منها الدم ومنها نفس الحيوان وهما مستحيلان في حق الله تعالى ومنها الذات والله تعالى له ذات حقيقة وهو المراد بقوله تعالى في نفسي ومنها الغيب وهو أحد الأقوال في قوله تعالى:{تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ}

(2)

أي ما في غيبي فيجوز أيضًا أن يكون مراد الحديث أي إذا ذكرني [غالبا أثابه] الله وجازاه بما [سبق] مما لا يطلع عليه أحد.

قوله: "وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم"، هذا مما استدلت به المعتزلة ومن وافقهم على تفضيل الملائكة على [الأنبياء، صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين، واحتجوا أيضًا بقوله تعالى:]{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} الآية إلى قوله {تَفْضِيلًا}

(3)

، [فالتقييد] بالكثير احتراز من الملائكة ومذهب أصحابنا وغيرهم أن الأنبياء عليهم السلام أفضل من الملائكة لقوله

(1)

سورة الحديد، الآية:4.

(2)

سورة المائدة، الآية:116.

(3)

سورة الإسراء، الآية:70.

ص: 468

تعالى في بني إسرائيل {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}

(1)

، ويتأولون هذا الحديث على أن [الناكرين غالبا] يكونون طائفة [لا] نبي فيهم فإذا ذكر الله تعالى في خلائق [من الملائكة] كانوا خيرًا [من تلك الطائفة] اهـ، قاله في الديباجة. قوله صلى الله عليه وسلم:"والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة" الحديث، اللام في لله هي لام الابتداء.

قال النووي

(2)

: قال العلماء: فرح الله تعالى هو رضاه، فالفرح ها هنا وفي أمثالها كناية عن الرضا وسرعة القبول وحسن الجزاء لتعذر إطلاق ظاهر الفرح على الله تعالى، والمعنى لله أرضى بالتوبة وأقبل لها. قال الإمام المازري

(3)

: الفرح ينقسم على وجوه منها: السرور والسرور يقارنه الرضا بالمسرور به، قال: والمراد هنا أن الله تعالى يرضى توبة عبده أشدّ مما يرضى واجد ضالته بالفلاة، فعبر عن الرضا بالفرح تأكيدا لمعنى الرضا في نفس السامع ومبالغة في تقريره.

قوله: "يجد ضالته بالفلاة"، والفلاة الأرض الفضاء التي لا ماء بها.

[تتمة: قال الزمخشري

(4)

في تفسير قوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}

(5)

: هذا دليل على أن الرجل إذا كان ببلد لا يتمكن

(1)

سورة الجاثية، الآية:16.

(2)

انظر: النهاية في غريب الأثر (3/ 424)، ولسان العرب (2/ 541).

(3)

شرح النووي على صحيح مسلم (17/ 60).

(4)

الكشاف (1/ 587).

(5)

سورة النساء، الآية:97.

ص: 469

فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب والعوائق من عليه الدين، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله تعالى وأدوم على العبادة حقت عليه الهجرة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم

(1)

: "من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب له الجنة وكان رفيق إبراهيم ونبيه محمد"، وقال في آخر سورة العنكبوت في قوله تعالى:{يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56)}

(2)

، معنى الآية: أن المؤمن إذا لم تتسهل له العبادة في بلد هو فيه ولم يتمشى له أمر دينه كما يجب فليهاجر عنه إلى بلد آخر يقدر أنه فيه أسلم قلبا وأصح دينا وأكثر عبادة وأحسن خشوعا، ولعمري أن البقاع تتفاوت في ذلك التفاوت الكثير، ولقد جربنا وجرّب أولونا فلم يجدوا فيما درنا وداروا أعون على قهر النفس وعصيان الشهوة وأجمع للقلب المتلتفت وأجم وأضبط للأمر الديني في الجملة من سكنى حرم الله تعالى وجوار بيت الله تعالى، فلله الحمد على ما سهّل ذلك وقدر ورزق من الصبر وأورع من الشكّ، انتهى]

(3)

.

قوله: "ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت به باعا"، [الحديث، هذا الحديث من أحاديث الصفات ويستحيل إرادة ظاهره، ومعناه من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي. و] الباع والبوع [بضم الباء

(1)

أخرجه الثعلبي في تفسير الثعلبي (3/ 372) عن الحسن مرسلا انظر: تخريج الأحاديث والآثار (1/ 351)، (3/ 50).

(2)

سورة العنكبوت، الآية:56.

(3)

سقطت هذه الفقرة من الأصل، وأثبتت من النسخة الهندية.

ص: 470

والبوع بفتحها، كله بمعنى] سواء هو طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره، قال الباجي: هو قدر أربعة أذرع، وهو ها هنا مثل لقرب ألطاف الله من العبد إذا تقرّب إليه بالإخلاص والطاعة، قاله في النهاية

(1)

.

قوله: "وإذا أقبل إليّ يمشي أقبلت إليه هرولة" الهرولة المشي [والعدو] وهو كناية عن سرعة إجابة الله تعالى وقبول توبة العبد ولطفه ورحمته ومعنى الحديث: من تقرّب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي، [وتوفيقي وعنايتي]، وإن زاد زدت، فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة، أي صببت عليه رحمتي وسبقته بها ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود، اهـ، قاله النووي في الرياض

(2)

. [والمراد أنّ جزاءه يكون تضعيفه على حسب تقرّبه].

4770 -

وعن يزيد بن نعيم قال: سمعت أبا ذر الغفاري رضي الله عنه، وهو على المنبر بالفسطاط يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من تقرب إلى الله عز وجل شبرا تقرب إليه ذراعا، ومن تقرب إليه ذراعا تقرب إليه باعا، ومن أقبل إلى الله عز وجل ماشيا أقبل إليه مهرولا، والله أعلى وأجل، والله أعلى وأجل، والله أعلى وأجل. رواه أحمد

(3)

والطبراني

(4)

، وإسنادهما حسن.

(1)

النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 162).

(2)

رياض الصالحين (ص: 158).

(3)

أحمد (21374) وأخرجه البغوي في معجم الصحابة (2/ 505)، وقال: ولم يرو زياد الغفاري فيما أعلم غير هذا.

(4)

الطبراني في المعجم الكبير (2/ 155/ 1646)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 197) رواه أحمد والطبراني، وإسنادهما حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (1840).

ص: 471

قوله: "وعن يزيد بن نعيم" هو زياد بن ربيعة بن نعيم بن ربيعة بن عمرو الحضرمي قال ابن يونس: وينسب إلى جده روى عن زياد بن الحارث الصدائي وحبان بن بح الصدائي وأبي ذر وأبي أيوب وابن عُمر وغيرهم. وعنه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وبكر بن سوادة والحارث بن يزيد الحضرمي ويزيد بن عمرو المعافري قال العجلي: تابعي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات قال ابن يونس: عن الحسن بن العدّاس مات سنة خمس وتسعين كذا قال قلت حديثه في زياد بن الحارث ووثقه يعقوب بن سفيان أيضًا.

قوله: "سمعت أبا ذر الغفاري وهو على المنبر بالفسطاط" وأبو ذر تقدم الكلام عليه، توفي: بالربذة وهي قرية معروفة بها [قبر أبي ذر، منها إلى المدينة مسيرة تلاثة أيام، والله تعالى أعلم]، والفسطاط تقدم الكلام عليه في فضل سُكنى الشام قوله:"من تقرب إلي شبرا" الحديث، تقدم الكلام عليه.

4771 -

وعن شريح هو ابن الحرث قال: سمعت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: يا ابن آدم قم إلي أمش إليك، وامش إلي أهرول إليك. رواه أحمد

(1)

بإسناد صحيح.

(1)

مسند أحمد (15925)، ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة (5/ 424)، وأخرجه المخلصيات (2254)(99)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (7226)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 196): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير شريح بن الحارث، وهو ثقة. وصححه الألباني في صحيح الجامع (4340)، والصحيحة (2287)، وفي صحيح الترغيب والترهيب (3153)، وأخرجه مسدد موقوفا - كما في إتحاف الخيرة =

ص: 472

قوله: "وعن شريح" هو ابن قيس بن الجهم بن معاوية بن عامر بن الرائش بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة الكندي الكوفى التابعى، ويقال: شريح بن شرحبيل، ويقال: ابن شراحيل، ويقال: إنه من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، والصحيح الأول. أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلقه، وقيل: لقيه، والمشهور الأول. قال يحيى بن معين: كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه، روى عن عمر بن الخطاب، وعلى، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعروة البارقى، رضى الله عنهم.

وروى عنه قيس بن أبي حازم، ومحمد، وأنس ابنا سيرين، ومرة، والنخعى، والشعبي، وآخرون، قال الأكثرون: استقضاه عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، على الكوفة، وأقروه بعده، فبقى على قضائها ستين سنة، وقضى بالبصرة سنة. قالوا: وولى القضاء لعمر رضي الله عنه، من سنة ثنتين وعشرين. روى عن حفص بن عمر، قال: قضى شريح ستين سنة.

وروى ميسرة، عن شريح، قال: وليت القضاء لعمر، وعثمان، وعلى، ومعاوية، ويزيد بن معاوية، ولعبد الملك إلى أيام الحجاج، فاستعفيت الحجاج، وكان له يوم استعفائه مائة وعشرون سنة، وعاش بعد استعفائه سنة، وقال على بن المديني: ولى شريح البصرة سبع سنين في زمن زياد،

= المهرة (7332) موقوفا، والمطالب العالية (3146) عن شريح، حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل تلاطخ هذه الأحاديث، أنه قال: قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم، قم إلي امش إليك، [وامش] إلي، أهرول إليك.

ص: 473

وولى الكوفة ثلاثا وخمسين سنة. وقال على بن أبي طالب لشريح، رضى الله عنه: أنت أقضى العرب. وقال أبو الشعثاء: قدم علينا شريح البصرة، فقضى فينا سنة، فما رأينا مثله قبل ولا بعد، وقال ابن قتيبة في المعارف، والشيخ أبو إسحاق في طبقاته: ولى شريح القضاء خمسا وسبعين سنة. وروى البيهقي في كتابه في مناقب الشافعي في باب الجرح والتعديل، أن الشافعي قال: لم يكن شريح قاضيا لعمر بن الخطاب.

قال البيهقي: وقد اختلفوا فيه. قال: وبهذا قال جماعة من أهل العلم، وأنكر آخرون قول الشافعي. قالوا: وتوليته القضاء لعمر فمن بعده مشهور، واتفقوا على توثيق شريح، ودينه، وفضله، والاحتجاج برواياته، وذكائه، وأنه أعلمهم بالقضاء

(1)

. وتقدم معنى هذا الحديث أيضًا.

4772 -

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره، وقد أضله بأرض فلاة. رواه البخاري

(2)

ومسلم

(3)

.

4773 -

وفي رواية لمسلم

(4)

: لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت عنه، وعليها طعامه وشرابه،

(1)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 243 - 244).

(2)

صحيح البخاري (6309).

(3)

صحيح مسلم (1)(2675).

(4)

صحيح مسلم (7)(2747).

ص: 474

فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح.

قوله: "وعن أنس بن مالك" تقدم. قوله صلى الله عليه وسلم: "لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم. . . بأرض فلاة"، [أي فقده وأضاعه ولم يجده بموضعه، رباعي، وضللت الشيء بفتح اللام وكسرها نسيته، والفتح أشهر. وفي الرواية الأخرى:"كان على راحلته بأرض فلاة"، والفلاة المفازة أي أن الله تعالى أرضى بتوعيده من واجد ضالته بالفلاة، قاله الكرماني

(1)

]، الحديث، الراحلة من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال النجيب التام الخلق الحسن المنظر [المدرّب على الركوب والسير والحمل ومثاله في الإبل قلبك، وكذلك النجيب، وقد سمي الجمل أيضًا راحلة، قاله عياض

(2)

]، وقال ابن [قتيبة

(3)

]: الراحلة النجيبة المختارة من الإبل للركوب وغيره فهي كاملة الأوصاف، فإذا كانت في الإبل عرفت وسميت الراحلة لأنها ترحل أي يجعل عليها الرحل فهي فاعلة بمعنى مفعولة.

وقال الأزهري: الراحلة عند العرب الجمل النجيب والناقة النجيبة والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيه للمبالغة كما يقال نسابة وعلامة [حق الله

(1)

الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (22/ 127).

(2)

مشارق الأنوار على صحاح الآثار (1/ 285).

(3)

شرح النووي على صحيح مسلم (16/ 101).

ص: 475

تعالى]. قوله: "فأخذ بخطامها": الخطام ما يقاد به الدابة. قوله: "ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح".

فائدة: في شعب البيهقي

(1)

: عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعبَّد رجل في صومعة فمطرت السماء وأعشبت الأرض فرأى حمارا يرعى فقال يا رب لو كان لك حمار رعيته مع حماري، فبلغ ذلك نبيا من أنبياء بني إسرائيل فأراد أن يدعو عليه فأوحى الله تعالى إليه إنما أجازي العباد على قدر عقولهم، اهـ.

4774 -

وعن الحارث بن سويد عن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام فاستيقظ، وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش، أو ما شاء الله تعالى: قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ، فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته. رواه البخاري

(2)

ومسلم

(3)

.

(1)

شعب الإيمان (4640)، وأخرجه ابن عدي في الكامل (1/ 165)، وقال: هذا حديث منكر لا يرويه بهذا الإسناد غير أحمد بن بشير قال يحيى بن معين: أحمد بن بشير متروك. انظر: الموضوعات (1/ 121)، واللآلئ المصنوعة (1/ 122).

(2)

صحيح البخاري (6308).

(3)

صحيح مسلم (3)(2744).

ص: 476

[الدوية] بفتح الدال المهملة، وتشديد الواو والياء جميعا: هي الفلاة القفر والمفازة

قوله: "وعن الحارث بن سويد" هو أبو عائشة الحارث بن سويد التيمي الكوفي من تيم الرباب. من كبار تابعي الكوفة وثقاتهم. قال أحمد بن حنبل - وقد سئل عنه -: مثل هذا يسأل عنه، يعني الجلالة قدره وعلو منزلته. روى عن ابن مسعود، روى عنه: إبراهيم التيمي، مات في آخر أيام عبد الله بن الزبير

(1)

.

قوله: "لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دَويَّة مُهلِكة" الحديث. قال العلماءُ: فرح الله تعالى رضاه، قال المازري

(2)

: الفرح ينقسم على وجوه منها: السرور والسرور يقارنه الرضا بالمسرور به، قال: والمراد هنا أن الله تعالى يرضى توبة عبده أشدّ مما يرضى واجد الضالة بالفلاة، فعبر عن الرضا بالفرح تأكيدا للمعنى في نفس السامع ومبالغة في تقريره. وأما الدوية فقال الحافظ بفتح الدال المهملة وتشديد الواو والياء جميعا هي الفلاة القفر والمفازة، اهـ. قال العلماء: الأرض القفر هي الخالية لا ماء به والجمع قفار بالكسر، والقفار بالفتح أيضًا، القفر، وأقفر فلان من [أهله] والمكان من سكانه والجسد من اللحم والرأس من الشعر إذا انفرد وخلا، قاله صاحب المغيث. وقال الإمام القرطبي

(3)

في قوله: في أرض دوية مهلكة،

(1)

جامع الأصول (12/ 300).

(2)

شرح النووي على صحيح مسلم (17/ 60).

(3)

انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (17/ 61).

ص: 477

أما دوية فاتفق العلماء على أنها بفتح الدال وبتشديد الواو والياء جميعا كما ذكره الحافظ، وذكر مسلم في الرواية وهي رواية أبي بكر بن أبي شيبة أرض داوية بزيادة ألف وهي بتشديد الياء أيضًا وكلاهما صحيح. قال أهل اللغة: الدوية الأرض القفر والفلاة الخالية.

وقال الخليل: هي المفازة. قالوا: ويقال دوية وداوية فأما الدوية فمنسوبة إلى الدو بتشديد الواو وهي التربة التي لا نبات بها وأما الداوية فهي على إبدال إحدى الواوين ألفا كما قيل في النسب إلى طيء طائي وأما المهلكة فهي بفتح الميم وبفتح اللام وكسرها وهي موضع خوف الهلاك ويقال لها مفازة وقيل أنه من [قولهم] فوز الرجل إذا هلك، اهـ. [ومهلكة أي يهلك سالكها بغير زاد ولا ماء ولا راحلة].

4775 -

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحسن فيما بقي غفر له ما مضى، ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وما بقي. رواه الطبراني

(1)

بإسناد حسن.

قوله: "وعن أبي ذر" تقدم. قوله صلى الله عليه وسلم: "من أحسن فيما بقي غفر له ما مضى" الحديث، يعني من أحسن فيما بقي من عمره بالطاعات وكثرة الخيرات غفر له ما مضى من ذنوبه السالفات. قوله:"ومن أساء فيما بقي"

(1)

أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (6802)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 202) رواه الطبراني في الأوسط، واسناده حسن. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (3389)، وصحيح الترغيب والترهيب (3156).

ص: 478

أي من عمره أي بكثرة المعاصي القبيحات، "أخذ بما مضى وما بقي" أي حوسب على ما مضى من ذنوبه وما سيفعله من الخطيئات.

4776 -

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن مثل الذي يعمل السيئات، ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته، ثم عمل حسنة فانفكت حلقة، ثم عمل حسنة أخرى، فانفكت أخرى حتى تخرج إلى الأرض. رواه أحمد

(1)

والطبراني

(2)

بإسنادين، رواة أحدهما رواة الصحيح.

قوله: "وعن عقبة بن عامر" تقدم. قوله: "إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل عليه درع ضيقة"، الحديث. الدرع واحدة الدروع وهي قميص النساء وهو أيضًا لبوس الحديد.

4777 -

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن معاذ بن جبل أراد سفرا فقال يا رسول الله: أوصني. قال: اعبد الله ولا تشرك به شيئا، قال: يا رسول الله زدني، قال: إذا أسأت فأحسن وليحسن خلقك. رواه ابن حبان في صحيحه

(3)

،

(1)

مسند أحمد (17307).

(2)

المعجم الكبير للطبراني (17/ 284/ 783 و 784)؛ وأخرجه نعيم بن حماد في زياداته على الزهد لعبد الله بن المبارك (170)، والروياني (165)، والبغوي في شرح السنة (4149)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 202) أحمد والطبراني، وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2854)، وصحيح الترغيب والترهيب (3157)، وصحيح الجامع الصغير (2192).

(3)

ابن حبان (1922).

ص: 479

والحاكم

(1)

وقال: صحيح الإسناد.

4778 -

ورواه الطبراني

(2)

بإسناد، ورواته ثقات: عن أبي سلمة عن معاذ قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: اعبد الله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله عند كل حجر، وعند كل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة السر بالسر، والعلانية بالعلانية. وأبو سلمة لم يدرك معاذا.

(1)

المستدرك (4/ 272) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وعنه رواه البيهقي في الشعب (8027)، وأخرجه الدولابي في الكنى والأسماء (1127)، والخرائطي في المنتقى من كتاب مكارم الأخلاق ومعاليها (4)، والطبراني في الأوسط (8747)، والخطيب في المتفق والمفترق (1/ 95).

وقال ابن حجر في الأمالي الحلبية (ص 37): "هذا حديث حسن أخرجه الحاكم من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح بهذا الإسناد ورواته مصريون موثوقون لكن في عبد الله بن صالح مقال ولم ينفرد به وله شاهد من حديث أبي ذر أخرجه الترمذي ولفظه اتق الله حيث كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن". قلت: هذه المتابعة رواها البيهقي في الشعب (8028). وقال الهيثمي (8/ 23): رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الله بن صالح وقد وثق وضعفه جماعة وأبو السميط سعيد بن أبي مولى المهري لم أعرفه. قلت: سعيد بن أبي سعيد مولى المهري يكنى أبا السميط بمهملتين مصغر مصرى، روى عنه حرملة بن عمران التجيبي قال بن يونس لم يحدث عنه غيره كذا قال وقد ذكر البخاري وابن حبان في الثقات أنه روى عنه أيضًا أسامة بن زيد وأخرج حديثه المذكور الحاكم وصححه قلت وهذا أحد الأربعة التي ذكر بن عبد البر أنها لا توجد لها أصل من بلاغات مالك. انظر: لسان الميزان (3/ 31).

(2)

الطبراني (20/ 175/ 274)، وأخرجه هناد (1092)، وابن أبي الدنيا في الصمت (22) والهيثم بن كليب (1400). وقال العراقي: رجاله ثقات وفيه انقطاع تخريج أحاديث الإحياء (4/ 1630).

ص: 480

ورواه البيهقي في كتاب الزهد

(1)

من رواية إسماعيل بن رافع المدني عن ثعلبة بن صالح عن سليمان بن موسى عن معاذ قال: أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمشى قليلا، ثم قال يا معاذ: أوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، ووفاء العهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، ورحم اليتيم، وحفظ الجوار، وكظم الغيظ، ولين الكلام، وبذل السلام، ولزوم الإمام والتفقه في القرآن، وحب الآخرة، والجزع من الحساب، وقصر الأمل وحسن العمل، وأنهاك أن تشتم مسلما، أو تصدق كاذبا، أو تكذب صادقا، أو تعصي إماما عادلا، وأن تفسد في الأرض. يا معاذ اذكر الله عند كل شجر وحجر، وأحدث لكل ذنب توبة. السر بالسر، والعلانية بالعلانية.

قوله: "وعن عبد الله بن عمرو" تقدم. قوله: "أن معاذ بن جبل أراد سفرا فقال يا رسول الله أوصني، قال: إذا أسأت فأحسن، وليحسن خلقك"، الحديث. وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حسن الخلق أحسن خلق الإيمان كما أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا.

(1)

البيهقي في الزهد الكبير (956)، ومن طريقه ابن عساكر (58/ 408) قال البيهقي: ورواه أسد بن موسى عن سلام بن سليم عن إسماعيل بن رافع عن ثعلبة الحمصي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قلت: ورواه في الحلية (1/ 240) من طريق إبراهيم بن عيينة، عن إسماعيل بن رافع، عن ثعلبة بن صالح، عن رجل من أهل الشام، عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، قلت: ثعلبة بن صالح هو الحمصي قال الأزدي نقله النباتي غير حجة لا يصح إسناد حديثه انظر: ميزان الاعتدال (1/ 371)، لسان الميزان (2/ 83).

ص: 481

وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم

(1)

أن صاحب الخلق الحسن يبلغ بخلقه درجة الصائم القائم. [قوله صلى الله تعالى عليه وسلم:]"اعبد الله كأنك تراه" هذا من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى لم يترك شيئا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به فقال صلى الله عليه وسلم اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان فإن التتميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد باطلاع الله سبحانه وتعالى عليه فلا يقدم العبد على تقصير في هذا الحال للاطلاع عليه وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد فينبغي أن يعمل بمقتضاه فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه تبارك وتعالى في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك.

قوله: "واعدد نفسك في الموتى" أي اقطع أطماعك في الدنيا وأهلها واخمل ذكرك واخف شأنك كما أن الموتى قد انقطعت أطماعهم من الدنيا وأهلها واشهد مشاهد القيامة وعد نفسك ضيفا في بيتك وروحك عارية في بدنك خاشع القلب متواضع النفس بريء من الكبر تنظر إلى الليل والنهار

(1)

أخرجه أحمد (6/ 64 و 90 و 133 و 187) وأبو داود (4798) وابن حبان (480) والحاكم (1/ 60) والبيهقي في الشعب (7631 و 7632 و 7633) وفي الآداب (205) والخطيب في الموضح (2/ 285) والبغوي في شرح السنة (3500 و 3501) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (1201)، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2643)، والصحيحة (522، 795).

ص: 482

فتعلم أنها في هدم عمرك ومن عقد قلبه على ذلك استراح من الهموم وانزاحت عنه الغموم.

قوله: "يا معاذ أوصيك بتقوى الله تعالى" الحديث، فهذه الوصية وصية عظيمة جامعة لحقوق الله تعالى وحقوق عباده، فإنّ حقّ الله على عباده أن يتقوه حق تقاته، والتقوى وصية الله للأولين والآخرين، وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه وتارة تضاف التقوى إلى اسم الله عز وجل لقوله {وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}

(1)

.

وفيها آيات كثيرة فإذا أضيفت التقوى إليه سبحانه وتعالى فالمعنى اتقوا سخطه وغضبه وهو أعظم ما يتقى وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأخروي. وقال تعالى: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} ، فهو سبحانه أهل أن يُخشى ويهاب ويجل ويعظم في صدور عباده حتى يعبدوه ويطيعوه لما يستحقه من الإجلال والإكرام وصفات الكبرياء والعظمة وقوة البطش وشدة البأس وتارة تضاف التقوى إلى عقاب الله [و] إلى مكانه كالنار أو إلى زمانه كيوم القيامة، قاله ابن رجب الحنبلي

(2)

.

(1)

سورة المجادلة، الآية:9.

(2)

جامع العلوم والحكم (1/ 399).

ص: 483

قوله صلى الله عليه وسلم: "اذكر الله عز وجل عند كل حجر وعند كل شجرة وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة" تقدم الكلام على ذلك.

4779 -

وعن أبي ذر ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن. رواه الترمذي

(1)

، وقال: حديث حسن.

4780 -

وروى أحمد

(2)

بإسناد جيد عن أبي ذر ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ستة أيام، ثم اعقل يا أبا ذر ما يقال لك بعد، فلما كان اليوم السابع قال: أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته، وإذا أسأت فأحسن،

(1)

الترمذي (1987)، وقال: حديث حسن صحيح وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (8/ 328 - 329)، أحمد (21354)، والدارمي (2791) والخرائطي في مكارم الأخلاق (3)، والطبراني في مكارم الأخلاق (39)، والحاكم 1/ 54، وأبو نعيم في الحلية 4/ 378، والبيهقي في الشعب (8026)، وفي الزهد الكبير (869)، (874)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (1184)، السمعاني في أدب الإملاء (37) والقضاعي في مسند الشهاب (652)، وابن الآبار في معجم أصحاب أبي علي (24) وصححه الحاكم في المستدرك على شرط الشيخين [1/ 54]، وأقره الذهبي في التلخيص، وكان قد حسنه في المهذب، أما أبو نعيم فقال في الحلية: غريب من حديث ميمون، عن أبي ذر.

ورواه أحمد (21988)، والترمذي (1987) من حديث معاذ. والحديث حسنه الألباني في صحيح الترغيب (2655، 3160)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (97).

(2)

مسند أحمد (21573 و 21574)، وأخرجه ابن زنجويه، في الأموال (3/ 1109)، وابن الحكم في فتوح مصر والمغرب (ص: 315)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (46)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ 93) رواه كله أحمد، ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (2544)، وصحيح الترغيب والترهيب (3161) وقال: حسن لغيره.

ص: 484

ولا تسألن أحدا شيئا، وإن سقط سوطك، ولا تقبض أمانة.

قوله: "وعن أبي ذر ومعاذ بن جبل" تقدم الكلام عليهما رضي الله عنهما. قوله صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيث ما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها" الحديث، قال بعض السلف لمن ودعه للحج: أوصيك بما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم معاذا حين ودعه: اتق الله حيث ما كنت، الحديث. وهذه وصية جامعة [لخصال] البر كلها، لأبي الدرداء [شعر]:

يريد المرء أن يؤتى مناه

ويأبى الله إلا ما أرادا

يقول المرء فائدتي ومالي

وتقوى الله أفضل ما استفادا

قاله ابن رجب

(1)

.

قوله: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها"، ظاهر الحديث أن السيئات تمحى بالحسنات وأن السيئة تمحى من صحف الملائكة بالحسنة إذا عملها بعدها، قال عطية العوفي: بلغني أن من بكى على خطيئته محيت عنه وكتبت له حسنة فإن الإنسان إذا أتى بسيئة بقلبه أو لسانه أو جارحته أتبعها بحسنة من صلاة ركعتين أو صدقة وإن قلت أو ذكر الله عز وجل ولو أن يقول سبحان الله وبحمده فإنه أحب الكلام إلى الله عز وجل، والحمد لله تملأ الميزان، وفي الصحيح

(2)

: كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده [سبحان الله العظيم]، فلا تعجزن عن إتباع

(1)

لطائف المعارف لابن رجب (ص: 235).

(2)

صحيح البخاري (6406 - 6682)، وصحيح مسلم (31)(2694).

ص: 485

السيئة بنحو هذا الكلام المبارك تمحها إن شاء الله تعالى فإن كانت السيئة صغيرة كفاها الحسنة اليسيرة والذكر اليسير وإن كانت السيئة كبيرة فأكثِر مما يمحوها من ذلك والله أعلم. قوله: "وخالق الناس بخلق حسن" هذا من خصال التقوى، ولا تتم التقوى إلا به وإنما أفرده بالذكر للحاجة إلى بيانه فإن كثيرا من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده فنص له بالأمر بإحسان العشرة للناس فإن معاذا كان بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن معلِّما لهم ومفقها وقاضيا ومن كان كذلك فإنه [يحتاج] إلى مخالقة الناس بخلق حسن [مما] لا يحتاج إليه غيره ممن لا حاجة للناس به؛ والجمع بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيز جدا لا يقوى عليه إلا الكُمَّل من الأنبياء والصديقين، ذكره ابن رجب

(1)

.

4781 -

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: أوصني. قال: إذا عملت سيئة، فأتبعها حسنة تمحها. قال: قلت: يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: هي أفضل الحسنات. رواه أحمد

(2)

عن شمر بن عطية عن

(1)

جامع العلوم والحكم (1/ 454).

(2)

مسند أحمد (21487)، وفي الزهد (27)، وأخرجه هناد في الزهد (1071)، والطبري التفسير (8/ 81)، وابن أبي حاتم (572 و 1215)، والطبراني في الدعاء (1498: 1501)، والحاكم (1/ 54)، وأبو نعيم في الحلية (4/ 217)، والبيهقي في الأسماء والصفات (1/ 182)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 81) رواه أحمد، ورجاله ثقات، إلا أن شمر بن عطية حدث به عن أشياخه، عن أبي ذر، ولم يسم أحدا منهم. قوله:(وعن أبي الدرداء) إنما هو أبو ذر انظر: إتحاف المهرة (17683) إطراف المسند =

ص: 486

بعض أشياخه عنه.

قوله: "وعن أبي الدرداء" تقدم، وتقدم أيضًا معنى الحديث. قوله:"وعن شمر بن عطية"، شمر بن عطية هو الأسدي الكاهلي الكوفي روى عن خريم بن فاتك ولم يدركه وزر بن حبيش وأبي وائل وشهر بن حوشب والمغيرة بن سعيد بن الأخرم وأبي حازم البياضي وسعيد بن جبير وغيرهم روى عنه أبو إسحاق السبيعي وهو أكبر منه والأعمش وعاصم بن بهدلة وفطر بن خليفة وعمرو بن مرة وغيرهم قال الآجري: قلت لأبي داود كان عثمانيًا قال جدًّا وقال النسائي: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. قلت: وسمى جده عبد الرحمن وقال: مات في ولاية خالد على العراق وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث صالحة ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير وابن معين والعجلي

(1)

.

4782 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رجلا أصاب من امرأة قبلة وفي رواية: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا فاقض في ما شئت، فقال له عمر لقد سترك الله لو سترت نفسك. قال: ولم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئا،

= المعتلي (8136)، وصححه الحاكم على شرط الشيخين. وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (1618)، وفي السلسلة الصحيحة (1373)، وصحيح الترغيب والترهيب (3162).

(1)

تهذيب التهذيب (4/ 364 - 365).

ص: 487

فقام فانطلق، فأتبعه النبي صلى الله عليه وسلم رجلا فدعاه، فتلا عليه هذه الآية {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)}

(1)

. فقال رجل من القوم: يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة. رواه مسلم

(2)

وغيره.

قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله: "أن رجلا أصاب من امرأة قبلة"، وفي رواية: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني عالجت امرأة في أقصا المدينة وإني أصبتها منها ما دون أن أمسّها، الحديث. والقبلة معروفة.

وقوله: "إني عالجت امرأة في أقصى المدينة"، معنى عالجها أي تناولها واستمتع بها ولكن بمدافعة ومشقة، والمعالجة المسارعة.

[وقال عياض

(3)

: المعالجة الملاطفة في المراودة بالقول والفعل، ومعالجة المريض بالدواء حتى يقبل عليه، انتهى.

وفي رواية: "عافست امرأة" الحديث، المعافسة المعالجة والممارسة والملاعبة، قاله في النهاية

(4)

].

وقوله: "وإني أصبت منها ما دون أن أمسها" المراد به الجماع، يريد أنه لم يجامعها، ومعناه [استمتاع] بها بالقبلة والمعانقة وغيرهما من جميع أنواع الاستمتاع إلى الجماع والمس والمساس الجماع. قال الله تعالى: {وَإِنْ

(1)

سورة هود، الآية:114.

(2)

صحيح مسلم (42)(2763).

(3)

انظر: عمدة القاري (1/ 71).

(4)

النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 263).

ص: 488

طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ}

(1)

، اهـ. قاله النووي في شرح مسلم

(2)

: يقال مسستُ الشيء أمسّه مسًّا إذا لمسته بيدك ثم استعير للأخذ والضرب لأنهما باليد واستُعير للجماع لأنه لمس وللمجنون كأن الجنّ لمسته يقال به مس من جنون، اهـ. قاله في النهاية

(3)

.

قوله: "فقام الرجل فانطلق فاتبعه النبي صلى الله عليه وسلم فدعاه فتلى عليه هذه الآية {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}

(4)

. الآية". المراد بقوله {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} صلاة الصبح والظهر والعصر، والمراد بقوله {وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} المغرب والعشاء، وقيل الطرف الأول الصبح والثاني الظهر والثالث العصر والرابع المغرب والعشاء، وقيل الطرف الأول الصبح والثاني العصر، قاله الحسن وقتادة والضحاك، وقيل الطرفان الصبح والمغرب، قاله ابن عباس والحسن ورجّحه الطبري. [واختلف الناس في]

(5)

قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} ، فعن جماعة من الصحابة والتابعين أن المراد بالحسنات الصلوات الخمس، واختاره ابن جرير وغيره من الأئمة.

(1)

سورة البقرة، الآية:237.

(2)

شرح النووي على مسلم (17/ 80).

(3)

النهاية في غريب الحديث والأثر (4/ 329).

(4)

سورة هود، الآية:114.

(5)

سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

ص: 489

وقال مجاهد هي قول العبد: سبحان الله والحمد لله ولا إله الله والله أكبر. ويحتمل أن المراد الحسنات مطلقًا، وفي هذا الحديث تصريح بأنّ الحسنات تكفر السيئات. تنبيه: وفي حديث آخر جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أصبتُ حدا فأقمه عليّ وحضرت الصلاة فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء ثم شهدت الصلاة معنا، فقال في آخر الحديث فقد غفر لك.

قال النووي

(1)

فقوله: أصبت حدا أي أصبت معصية من المعاصي الموجبة للتعزير وهي هنا من الصغائر [لأنها] كفرتها الصلاة وليس المراد أنه أتى بما يوجب الحدّ كالزنا وشرب الخمر ونحوهما فإنّ هذه الحدود لا تكفرها الصلاة، فقد أجمع العلماء على أن المعاصي الموجبة للحد لا تسقط حدودها بالصلوات، هذا هو الصحيح في تفسير هذا الحديث، ولا يجوز للإمام أن يدعها كذا قال العلماء في هذا الحديث، فقد جاء مبينا في غير هذا الحديث، فالمراد تكفير الصغائر دون الكبائر كما هو مبين في الحديث الصحيح

(2)

من قوله صلى الله عليه وسلم: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن ما لم يغش الكبائر، انتهى. قاله الحافظ الدمياطي وغيره.

تنبيه: الرجل المذكور في الحديث هو عمرو بن غزية بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري [الخزرجي] والد الحجاج بن عمرو بن غزية [هكذا قاله] ابن

(1)

شرح النووي على مسلم (17/ 81).

(2)

صحيح مسلم (16)(233).

ص: 490

عباس وقيل أنه [نبهان] اليمان وهو مروي عن ابن عباس [أيضًا]، وقيل [نزلت في] أبي اليسر [كعب بن عمرو وقيل] اسمه [كذا] والله أعلم.

[وحكى]

(1)

القاضي عياض

(2)

عن بعضهم: أن المراد به الحد المعروف. قال: وإنما لم يحد لأنه لم يفسر موجب الحد ولم يستفسره النبي صلى الله عليه وسلم عنه إيثارا للستر بل استحب تلقين الرجوع عن الإقرار بموجب الحد صريحا بقوله لعلك قبلت أو لمست مبالغة في الستر على المسلمين فقد كان بهم رءوفا رحيما صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين. قاله في الحواشي.

قوله في حديث أبي هريرة فقال رجل من القوم يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة. قال الجوهري

(3)

: والكافة الجميع من الناس يقال لقيتهم كافة أي كلهم وذكر أنها خففت في الشعر ضرورة. وقال الهروي: ومعنى كافة في اللغة الإحاطة ولا تثنى كافة ولا تجمع، اهـ. وقال غيره وهكذا تستعمل كافة حالا أي كلهم ولا [تضاف] فيقال كافة الناس ولا الكافة بالألف واللام وهو معدود في تصحيف العوام ومن أشبههم.

4783 -

وعن أبي طويل شطب الممدود أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت من عمل الذنوب كللها، ولم يترك منها شيئا، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا أتاها، فهل لذلك من توبة؟ قال: فهل أسلمت؟ قال: أما أنا فأشهد أن

(1)

سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

(2)

شرح النووي على مسلم (17/ 81).

(3)

الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (4/ 1422).

ص: 491

لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. قال: تفعل الخيرات، وتترك السيئات، فيجعلهن الله لك خيرات كلهن. قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: نعم قال: الله أكبر، فما زال يكبر حتى توارى.

رواه البزار

(1)

والطبراني

(2)

واللفظ له، وإسناده جيد قوي، وشطب قد ذكره غير واحد في الصحابة

(3)

إلا أن البغوي ذكر في معجمه

(4)

أن الصواب عن عبد

(1)

البزار (كشف الأستار 3244).

(2)

الطبراني في المعجم الكبير (7/ 314)(7235)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (3809) - ومن طريقه ابن حجر في الأمالي المطلقة (ص 144) - وابن الأثير في أسد الغابة (2/ 524).

وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2718) ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة (2/ 372)، والبغوي في معجم الصحابة (3/ 322)، وابن قانع في معجم الصحابة (1/ 349)، والخطابي في غريب الحديث (1/ 254)، والخطيب في تاريخه 3/ 352 والحديث صححه ابن منده كما في الإصابة (2/ 152)، وعلي بن سعيد العسكري، فيما ذكر ابن حجر في الأمالي المطلقة قال: هذا حديث حسن صحيح غريب وقال في الإصابة (3/ 350): هو على شرط الصحيح.

قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 32) رواه الطبراني والبزار بنحوه، ورجال البزار رجال الصحيح غير محمد بن هارون أبي نشيط، وهو ثقة.

قال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 202) رواه الطبراني، والبزار بنحوه، إلا أنه قال: تعمل الخيرات، وتسبر السبرات. ورجال البزار رجال الصحيح غير محمد بن هارون أبي نشيط، وهو ثقة. وأورده الألباني في الصحيحة (3391)، وصحيح الترغيب والترهيب (3164).

(3)

معجم الصحابة لابن قانع (1/ 349).

(4)

معجم الصحابة (3/ 322) قال أبو القاسم: روى هذا الحديث عن محمد بن هارون عن أبي المغيرة عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم طويل شطب الممدود وأحسب أن محمد بن هارون صحف فيه والصواب ما قال غيره.

ص: 492

الرحمن بن جبير بن نفير مرسلا. أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم طويل شطب. والشطب في اللغة: الممدود، فصحفه بعض الرواة، وظنه اسم رجل، والله أعلم.

قوله: "وعن طويل شطب الممدود"، وشطب قد تكلم الحافظ عليه فقال: قد ذكره غير واحد في الصحابة إلى آخره. قوله: "أرأيت من عمل الذنوب كلها ولم يترك منها شيئًا وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا أتاها" الحديث. هكذا جاء في رواية بالتشديد. قال الخطابي

(1)

: الحاجّة القاصدون البيت، والداجّة الراجعون، والمشهور [التخفيف] وأراد بالحاجة الحاجة الصغيرة وبالداجة الحاجة الكبيرة. قاله ابن الأثير، ومعناه ما تركت شيئا دعتني نفسي إليه من المعاصي إلا وقد ركبته وداجة اتباع لحاجة والألف فيها منقلبة عن الواو، قاله في النهاية

(2)

.

قوله: "وغدراتي وفجراتي"، الغدرات جمع غدرة وهي نقض العهد. والفجرات جمع فجرة وهي الميل إلى الفساد وقيل الانبعاث في المعاصي وهو جامع للشرور.

(1)

غريب الحديث (1/ 255).

(2)

النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 101).

ص: 493