الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
طبخ، وبين ما أُنقع، فإنَّهم غَلَوا في القول جدًا، ونَحَلُوا قومًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم البدريين، وقومًا من خيار التابعين، وأئمة من السلف المتقدمين، شربُ الخمر، وزينوا ذلك بأن قالوا: شربوها على التأويل، وغلطوا في ذلك، فاتهموا القومَ، ولم يتهموا نظرهم، ونحلوهم الخطأ، وبرَّءوا أنفسَهم منه.
فعجبتُ منه، كيف يَعِيبُ هذا المذهب، ثم يتقلده، ويطعنُ على قائله، ثم يقول به. إلا أني نظرتُ إلى كتابه، فرأيته قد طال جدًا، فأحسبه أُنسي في آخره، ما ذهب إليه في أوله، والقول الأول من قوله، هو المذهب الصحيح، الذي تأنس إليه القلوب، وتقبله العقول، لا قوله الآخر الذي غلط فيه - «العقد الفريد» .
ومن احتجاج المحلين للنبيذ
ما رواه مالك بن أنس في «موطئه» من حديث أبي سعيد الخُدري أنه قدمَ من سفر، فقُدِّم إليه لحم من لحوم الأضاحي، فقال:«ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاكم عن هذا بعد ثلاثة أيام؟» فقالوا: «قد كان بعدك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها أمر» ، فخرج إلى الناس فسألهم، فأخبروه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«كنت نهيتُكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام، فكلوا وادَّخِروا، وتصدَّقوا، وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الدُّباء، والمُزَفَّت، فانتبذوا، وكل مسكر حرام، وكنت نهيتُكم عن زيارة القبور، فزوروها، ولا تقولوا هجرًا» ، والحديثان صحيحان، رواهما مالك بن أنس، وأثبتهما في «موطئه» وإنما هو ناسخ ومنسوخ.
وإنما كان نهيه أن ينتبذوا في الدُّباء والمُزَفَّت، نهيًا عن النبيذَ الشديد، لأن الأشربة فيهما تشتد، ولا معنى للدباء، والمزفت غير هذا «وقوله بعد هذا:«كنت نهيتكم عن الانتباذ، فانتبذوا، وكل مسكر حرام» إباحة لما كان حَظَّر عليه من النبيذ الشديد، وقوله صلى الله عليه وسلم «كل مسكر حرام» ينهاكم بذلك أن تشربوا حتى تسكروا، وإنما المُسكر ما أسكرك، ولا يُسمَّى القليلُ الذي لا يُسكرُ مسكرًا، ولو كان ما يُسكر كثيره يسمى قليله مسكرًا، ما أباح لنا منه شيئًا.
والدليل على ذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم شربَ من سِقاية العباس، فوجده شديدًا، فقطَّب بين حاجبيه، ثم دعا بذنوب من ماء زمزم، فصب عليه، ثم قال:«إذا اغتلمت أشربتكم، فأكسروها بالماء» ولو كان حرامًا لأراقه، ولما صب عليه ماءً، ثم شربه. وقالوا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل خمر مسكر، هو ما أسكر الفَرْقُ منه، فملء الكف حرام» : هذا كله منسوخٌ، نَسَخَه شربه للصُّلب يوم حجة الوداع.
قالوا: ومن الدليل على ذلك أنه كان ينهى وفدَ عبد القيس عن شرب المُسكر،
فوفدوا إليه بعد، فرآهم مصفرةً ألوانهم، سيئةً حالهم، فسألهم عن قِصتهم، فأعلموه أنه كان لهم شرابٌ فيه قِوَام أبدانهم، فمنعهم من ذلك، فأذن لهم في شُربه. وأن ابن مسعود قال:«شهدنا التحريم، وشهدتم، وشهدنا التحليل، وغتبتم» ، وأنه كان يشربُ الصُّلب من نبيذ التمر، حتى كثرت الروايات به عنه، واشتهرت، وأذيعت، واتبعه عامة التابعين من الكوفيين، وجعلوه أعظم حججهم، وقال في ذلك شاعرهم:
* مَنْ ذا يُحرِّم ماءَ المُزْن خالطَة
…
في جوفِ خابية، ماء العناقيد
* إني لأكرَه تشديدَ الرواةِ لنا
…
فيه، ويعجبني قولَ ابن مسعود
وإنما أراد أنهم كانوا يعمدون إلى الرُّبِّ الذي ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه، فيزيدون عليه من الماء قدر ما ذهب منه، ثم يتركونه حتى يغلي، ويسكن جأشه، ثم يشربونه، وكان عمر يشرب على طعامه الصُّلب، ويقول:«يقطع هذا اللحم في بطوننا» ؛ واحتجوا بحديث زيد بن أخرم عن أبي داود، عن شعبة، عن مِسْعَر بن كَدَام، عن ابن عون الثقفي، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس أنه قال:«حُرِّمت الخمرُ بعينها، والمسكر من كل شراب» ، وبحديث رواه عبد الرحمن بن سليمان، عن يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة، عن ابن عباس:«أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف، وهو شاكٍ على بعيرٍ، ومعه مِحْجَن، فلما مر بالحجر استلمه بالمحجن، حتى إذا انقضى طوافه، نزل فصلى ركعتين ثم أتى السقاية» ، فقال:«أسقوني من هذا» ، فقال له العباس:«ألا نسقيك مما يصنع في البيوت؟» قال: «ولكن أسقوني مما يشرب الناس» ، فأتي بقَدَح من نبيذ، فذاقه، فقطَّب، وقال:«هلموا، فصبوا فيه الماء» ، ثم قال:«زد فيه مرة، أو مرتين، أو ثلاثًا» ، ثم قال:«إذا صنع أحد منكم هكذا، فانصعوا به هكذا» .
والحديث رواه يحيى بن اليمان، عن الثوري، عن منصور بن خالد، عن سعيد عن أبي مسعود الأنصاري، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عطش، وهو يطوف بالبيت، فأتي بنبيذ من السِّقاية، فشمَّه، فقطَّب، ثم دعا بِذَنُوب من ماء زمزم، فصب عليه، ثم شربه، فقال له رجل:«أحرام هذا يا رسول الله؟» فقال: «لا» ، وقال الشَّعبي: شربَ أعرابيٌّ من إِذَاوة عمر، فأغشى، فحدَّه عمر، وإنما حده للسَّكر لا للشرب.
ودخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على قوم يشربونَ، ويوقدون في الأخصاص، فقال:«نهيتكم عن معاقرَة الشراب، فعاقرتم، وعن الإِيقاد في الأخصاص، فأوقدتم» ، وهم بتأديبهم، فقالوا:«يا أمير المؤمنين، نَهاك الله عن التجسس، فتجسَّست، ونهاك عن الدخول بغير إذن فدخلت، فقال: «هاتان بهاتين» ، وانصرف، وهو يقول:«كل الناس أفقه منك يا عمر» . وإنما نهاهم عن المُعَاقرة، وإدمان الشراب حتى يَسكروا، ولم ينههم عن الشَراب. وأصل المعاقرة مِن عقر الحوض، وهو مقام الشاربة. ولو كان عنده