المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الفوائد الربوية أعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله والصلاة والسلام - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٣٩

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌الفوائد الربوية

- ‌ثالثا: النقول عن الفقهاء:

- ‌ المسيح الدجال

- ‌ يأجوج ومأجوج

- ‌ الفرق بين أسماء الله وصفاته

- ‌ هل يمكن لأمة مهما بلغت أن تدمر أحدا ما لم يشأ الله ذلك

- ‌ هل لله صفة الهرولة

- ‌ الصلاة خلف رجل يقول: إن الله في السماء والأرض، يحل الله في الأرض خوفا من تحديد مكانه

- ‌ كيف يعبد الإنسان ربه حتى يجد الجنة

- ‌ أين كانا العرش والكرسي

- ‌ معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «يضحك الله من رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة

- ‌خلق القرآن

- ‌ معنى قوله تعالى في الحديث القدسي: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به

- ‌ الرد على القائلين: بأن (الله في كل مكان)

- ‌ حكم من مات على التوحيد الأشعري قبل بلوغ توحيد الأسماء والصفات إليه

- ‌ الذي يجب على المسلم علمه من العقيدة حتى يكون مسلما حقا

- ‌ أنواع العقائد المطلوب من المسلم الإيمان بها

- ‌ فتاوى سماحة الشيخعبد العزيز بن عبد الله بن باز

- ‌من ليس له شيخ

- ‌الخوارج ليسوا أنصار علي

- ‌الكافر ليس أخا للمسلم

- ‌شاب يتوب ثم يعود إلى المعاصي فكيف العمل

- ‌حكم أخذ العلاج عند المتصوفة

- ‌حكم نقل حجارة مسجد إلى البيت

- ‌حكم ذبح الأبقار أو الأغنام عند انتهاء بناء المسجد

- ‌طريقة السمانية الصوفية وضم الذكر بضرب الدف وغيره

- ‌الطريقة التيجانية

- ‌حكم السلام على المتحدث بالهاتف إذا كان لا يعرف هل هو مسلم أم كافر

- ‌سؤال عائشة رضي الله عنها لدخول الكعبة والجواب عنه

- ‌هذا منكر عظيم

- ‌تفصيل المقال على حديث كل أمر ذي بال

- ‌اعتناء العلماء بهذا الحديث

- ‌ألفاظ الحديث كما ورد في طرقه كلها

- ‌الحديث بين الوصل والإرسال وحكم الأئمة عليه

- ‌ أهم المواضع التي تذكر فيها البسملة والحمدلة استحبابا أو وجوبا

- ‌ في القرآن الكريم آيات تصرح بالأمر بالحمد لله

- ‌الباب الثانيالفلوس وما يتعلق بها من أحكام

- ‌إدراك السلف الصالح لأهمية الشعر ودوره:

- ‌مساهمة الشعر في حركة الدعوة:

- ‌رعاية الشعراء وتشجيعهم:

- ‌ذميم الشعر

- ‌النهي عن اتخاذ المساجد حلبات لتناشد الأشعار:

- ‌قبيح الشعر:

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌ ‌الفوائد الربوية أعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله والصلاة والسلام

‌الفوائد الربوية

أعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. . وبعد: -

بناء على ما تقرر في الدورة الخامسة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء من الموافقة على بحث الفوائد الربوية، وأن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء تعد ما تيسر من كلام أهل العلم في ذلك، وأنه يعرض في دورة قادمة، فقد جمعت اللجنة جملة من النقول في حكم الفوائد الربوية بين المسلمين، وبين المسلم والحربي. وهذه النقول نقول عن بعض المفسرين على قوله تعالى:{وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} (1) وهم: ابن جرير والقرطبي وابن كثير، ثم كلام بعض شراح الحديث على حديث:«إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا (2)» ، ثم نقول عن بعض الفقهاء في مصرف الأموال المحرمة، والتي جهل أربابها، ثم حكم الفوائد الربوية بين المسلم والحربي، وفيما يلي ذكر ذلك:

(1) سورة البقرة الآية 279

(2)

صحيح مسلم الزكاة (1015)، سنن الترمذي تفسير القرآن (2989)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 328)، سنن الدارمي الرقاق (2717).

ص: 27

أولا: من أقوال بعض المفسرين على قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} (1) الآية:

1 -

قال ابن جرير في تفسيره: يعني جل ثناؤه بذلك: إن تبتم فتركتم أكل الربا وأنبتم إلى الله عز وجل فلكم رءوس أموالكم من الديون التي لكم على الناس دون الزيادة التي أحدثتموها على ذلك ربا منكم، كما حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} (2) المال الذي لهم على ظهور الرجال جعل لهم رءوس

(1) سورة البقرة الآية 279

(2)

سورة البقرة الآية 279

ص: 27

أموالهم حين نزلت هذه الآية، فأما الربح والفضل فليس لهم، ولا ينبغي لهم أن يأخذوا منه شيئا. حدثني المثنى قال: حدثنا عمرو بن عون قال: حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك قال: وضع الله الربا وجعل لهم رءوس أموالهم.

حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله:{وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} (1) قال: ما كان لهم من دين فجعل لهم أن يأخذوا رءوس أموالهم ولا يزدادوا عليه شيئا.

حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط، عن السدي {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} (2) الذي أسلفتم وسقط الربا.

حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبة يوم الفتح: «ألا إن ربا الجاهلية موضوع كله، وأول ربا أبتدئ به ربا العباس بن عبد المطلب (3)» .

حدثنا المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته:«إن كل ربا موضوع، وأول ربا يوضع ربا العباس (4)» .

القول في تأويل قوله: {لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} (5) يعني بقوله: لا تظلمون بأخذ رءوس أموالكم التي كانت لكم قبل الإرباء على غرمائكم منهم دون أرباحهم التي زدتموها ربا على من أخذتم ذلك منه من غرمائكم، فتأخذوا منهم ما ليس لكم أخذه أو لم يكن لكم قبل، ولا تظلمون يقول: ولا الغريم الذي يعطيكم ذلك دون الربا الذي كنتم ألزمتموه من أجل الزيادة في الأجل يبخسكم حقا لكم عليه فيمنعكموه؛ لأن ما زاد على رءوس أموالكم لم يكن حقا لكم عليه، فيكون بمنعه إياكم ذلك ظالما لكم، وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن عباس يقول وغيره من أهل التأويل.

(1) سورة البقرة الآية 279

(2)

سورة البقرة الآية 279

(3)

مسند أحمد بن حنبل (5/ 73)، سنن الدارمي البيوع (2534).

(4)

مسند أحمد بن حنبل (5/ 73)، سنن الدارمي البيوع (2534).

(5)

سورة البقرة الآية 279

ص: 28

ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى قال: حدثنا أبو صالح قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:{وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ} (1) فتربون ولا تظلمون فتنقصون.

وحدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} (2) قال: لا تنقصون من أموالكم ولا تأخذون باطلا لا يحل لكم (3).

2 -

وقال القرطبي في تفسيره: روى أبو داود، عن سليمان بن عمرو، عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع: «ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (4)» وذكر الحديث، فردهم تعالى مع التوبة إلى رءوس أموالهم، وقال لهم: لا تظلمون في أخذ الربا، ولا تظلمون في أن يتمسك بشيء من رءوس أموالكم فتذهب أموالكم.

ويحتمل أن يكون لا تظلمون في مطل؛ لأن مطل الغني ظلم، فالمعنى أنه يكون القضاء مع وضع الربا، وهكذا سنة الصلح، وهذا أشبه شيء بالصلح، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار إلى كعب بن مالك في دين ابن أبي حدرد بوضع الشطر فقال كعب: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للآخر:"قم فاقضه". فتلقى العلماء أمره بالقضاء سنة في المصالحات.

وقال القرطبي أيضا في تفسير هذه الآية: تأكيد لإبطال ما لم يقبض منه، وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه، فاستدل بعض العلماء بذلك على أن كل ما طرأ على البيع قبل القبض مما يوجب تحريم العقد أبطل العقد كما إذا اشترى مسلم صيدا ثم أحرم المشتري أو البائع قبل القبض بطل البيع؛ لأنه طرأ عليه ما أوجب تحريمه قبل القبض، ولو كان مقبوضا لم يؤثر. هذا

(1) سورة البقرة الآية 279

(2)

سورة البقرة الآية 279

(3)

تفسير الطبري جـ3 ص72، المتوفى سنة 310هـ.

(4)

سنن الترمذي كتاب تفسير القرآن (3087)، سنن أبو داود البيوع (3334)، سنن ابن ماجه المناسك (3055).

ص: 29

مذهب أبي حنيفة، وهو قول لأصحاب الشافعي، ويستدل به على أن هلاك المبيع قبل القبض في يد البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد، خلافا لبعض السلف، ويروى هذا الخلاف عن أحمد، وهذا إنما يتمشى على قول من يقول: أن العقد في الربا كان في الأصل منعقدا، وإنما بطل بالإسلام الطارئ قبل القبض. وأما من منع انعقاد الربا في الأصل لم يكن هذا الكلام صحيحا، وذلك أن الربا كان محرما في الأديان، والذي فعلوه في الجاهلية كان عادة المشركين، وأن ما قبضوه منه كأنه بمثابة أموال وصلت إليهم بالغصب والسلب، فلا يتعرض له، فعلى هذا لا يصح الاستشهاد على ما ذكروه من المسائل، واشتمال شرائع الأنبياء قبلنا على تحريم الربا مشهور مذكور في كتاب الله تعالى، كما حكى عن اليهود في قوله تعالى:{وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} (1)، وذكر في قصة شعيب أن قومه أنكروا عليه وقالوا:{يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشيدُ} (2)، فعلى هذا لا يستقيم الاستدلال به، نعم يفهم من هذا أن العقود الواقعة في دار الحرب إذا ظهر عليها الإمام لا يعترض عليها بالفسخ إن كانت معقودة على فساد " (3).

3 -

وقال ابن كثير في تفسيره: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ} (4) أي بأخذ الزيادة، ولا تظلمون أي بوضع رءوس الأموال أيضا، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحسين بن إشكاب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن شبيب بن غرقدة المبارقي، عن سليمان

(1) سورة النساء الآية 161

(2)

سورة هود الآية 87

(3)

تفسير القرطبي جـ 3 ص365، 366، المتوفى سنة 671هـ.

(4)

سورة البقرة الآية 279

ص: 30

بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: «ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع عنكم كله، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأول ربا موضوع ربا العباس بن عبد المطلب (1)» موضوع كله كذا وجده سليمان بن الأحوص، وقد قال ابن مردويه: حدثنا الشافعي، حدثنا معاذ بن المثنى، أخبرنا أبو الأحوص، حدثنا شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو، عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا كل ربا من ربا الجاهلية موضوع فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (2)» ، وكذا رواه من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي حمزة الرقاشي عن عمرو هو ابن خارجة فذكره (3).

(1) مسند أحمد بن حنبل (5/ 73)، سنن الدارمي البيوع (2534).

(2)

سنن الترمذي كتاب تفسير القرآن (3087)، سنن ابن ماجه المناسك (3055).

(3)

تفسير ابن كثير جـ1 ص331 المتوفى سنة 774هـ.

ص: 31

ثانيا: من أقوال بعض شراح الحديث العاشر:

عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: الآية. وقال تعالى: ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، مطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟ (3)» رواه مسلم.

ومما جاء في شرح هذا الحديث:

وأما الصدقة بالمال الحرام فغير مقبولة كما في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول (4)» . وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما تصدق عبد بصدقة من مال طيب ولا يقبل الله إلا

(1) صحيح مسلم الزكاة (1015)، سنن الترمذي تفسير القرآن (2989)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 328)، سنن الدارمي الرقاق (2717).

(2)

سورة المؤمنون الآية 51 (1){يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}

(3)

سورة البقرة الآية 172 (2){يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}

(4)

صحيح مسلم الطهارة (224)، سنن الترمذي الطهارة (1)، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (272)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 73).

ص: 31

الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه (1)» وذكر الحديث. وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يكتسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك فيه، ولا يتصدق به فيتقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث (2)» ويروى من حديث دراج عن ابن حجيرة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كسب مالا حراما فتصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه» خرجه ابن حبان في صحيحه، ورواه بعضهم موقوفا على أبي هريرة.

وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصاب مالا من مأثم فوصل به رحمه وتصدق به أو أنفقه في سبيل الله جمع ذلك جميعا ثم قذف به في نار جهنم» .

وروي عن أبي الدرداء ويزيد بن ميسرة أنهما جعلا مثل من أصاب مالا من غير حله فتصدق به، مثل من أخذ مال يتيم وكسا به أرملة. وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عمن كان على عمل فكان يظلم ويأخذ الحرام ثم تاب، فهو يحج ويعتق ويتصدق منه؟ فقال: إن الخبيث لا يكفر الخبيث. وكذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن الخبيث لا يكفر الخبيث، ولكن الطيب يكفر الخبيث. وقال الحسن: أيها المتصدق على المسكين ترحمه ارحم من قد ظلمت.

واعلم أن الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين:

أحدهما: أن يتصدق به الخائن أو الغاصب ونحوهما على نفسه، فهذا هو المراد من هذه الأحاديث أنه لا يتقبل منه، يعني أنه لا يؤجر عليه بل يأثم بتصرفه في مال غيره بغير إذنه، ولا يحصل للمالك بذلك أجر لعدم قصده ونيته. كذا قاله جماعة من العلماء، منهم ابن عقيل من أصحابنا.

وفي كتاب عبد الرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي أنه سأل سعيد بن المسيب

(1) صحيح البخاري الزكاة (1410)، صحيح مسلم الزكاة (1014)، سنن الترمذي الزكاة (661)، سنن النسائي الزكاة (2525)، سنن ابن ماجه الزكاة (1842)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 538)، موطأ مالك الجامع (1874)، سنن الدارمي الزكاة (1675).

(2)

مسند أحمد بن حنبل (1/ 387).

ص: 32

قال: وجدت لقطة أفأتصدق بها؟ قال: لا يؤجر أنت ولا صاحبها. ولعل مراده إذا تصدق بها قبل تعريفها الواجب، ولو أخذ السلطان أو بعض نوابه من بيت المال ما لا يستحقه فتصدق منه أو أعتق أو بنى به مسجدا أو غيره مما ينتفع به الناس، فالمنقول عن ابن عمر أنه كالغاصب إذا تصدق بما غصبه. كذلك قيل لعبد الله بن عامر أمير البصرة، وكان الناس قد اجتمعوا عنده في حال موته وهم يثنون عليه ببره وإحسانه وابن عمر ساكت، فطلب منه أن يتكلم، فروى له حديثا:«لا يقبل الله صدقة من غلول (1)» ، ثم قال له: وكنت على البصرة.

وقال أسد بن موسى في كتاب الورع: حديث الفضيل بن عياض، عن منصور، عن تميم بن مسلمة قال: قال ابن عامر لعبد الله بن عمر: أرأيت هذا العقاب التي نسهلها والعيون التي نفجرها ألنا فيها أجر؟ فقال ابن عمر: أما علمت أن خبيثا لا يكفر خبيثا قط؟

حدثنا عبد الرحمن بن زياد، عن أبي مليح، عن ميمون بن مهران قال: قال ابن عمر لابن عامر وقد سأله عن العتق، فقال: مثلك مثل رجل سرق إبل حاج ثم جاهد بها في سبيل الله، فانظر هل يقبل منه؟

وقد كان طائفة من أهل التشديد في الورع كطاوس ووهيب بن الورد يتوقون الانتفاع بما أحدثه مثل هؤلاء الملوك. وأما الإمام أحمد رحمه الله فإنه رخص فيما فعلوه من المنافع العامة كالمساجد والقناطر والمصانع، فإن هذه ينفق عليها من مال الفيء، اللهم إلا أن يتيقن أنهم فعلوا أشياء من ذلك بمال حرام كالمكوس والغصوب ونحوهما، فحينئذ يتوقى الانتفاع بما عمل بالمال الحرام. ولعل ابن عمر رضي الله عنهما إنما أنكر عليهم أخذهم لأموال بيت المال لأنفسهم، ودعواهم أن ما فعلوه منها بعد ذلك فهو صدقة منهم، فإن هذا شبيه بالمغصوب. وعلى مثل هذا يحمل إنكار من أنكر من العلماء على الملوك بنيان المساجد.

قال

(1) صحيح مسلم الطهارة (224)، سنن الترمذي الطهارة (1)، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (272)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 73).

ص: 33

أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله: رأيت بعض المتقدمين يسأل عمن كسب حلالا أو حراما من السلاطين والأمراء ثم بنى الأربطة والمساجد هل له ثواب؟ فأفتى بما يوجب طيب قلب المنفق وأن له في إنفاق ما لا يملكه نوع سمسرة؛ لأنه لا يعرف أعيان المغصوبين فيرد عليهم، قال: فقلت: واعجبا من متصدرين للفتوى لا يعرفون أصول الشريعة، ينبغي أن ينظر في حال هذا المنفق أولا، فإن كان سلطانا فما يخرج من بيت المال فقد عرفت وجوه مصارفه، فكيف يمنع مستحقيه ويشغله بما لا يفيد من بناء مدرسة أو رباط؟ وإن كان من الأمراء أو نواب السلاطين فيجب أن يرد ما يجب رده إلى بيت المال، وإن كان حراما أو غصبا فكل شيء يصرف فيه حرام، والواجب رده على من أخذ منه أو ورثته، فإن لم يعرف رده إلى بيت المال يصرف في المصالح وفي الصدقة ولم يحظ آخذه بغير الإثم. انتهى.

وإنما كلامه في السلاطين الذين عهدهم في وقته؛ الذين يمنعون المستحقين من الفيء حقوقهم ويتصرفون فيه لأنفسهم تصرف الملاك ببناء يبنونه إليهم من المدارس والأربطة ونحوهما مما قد لا يحتاج إليه، ويخص به قوما دون قوم، فأما لو فرض إمام عادل يعطي الناس حقوقهم من الفيء ثم يبني لهم ما يحتاجون إليه من مسجد أو مدرسة أو مارستان ونحو ذلك كان ذلك جائزا، فلو كان بعض من يأخذ المال لنفسه من بيت المال بنى بما أخذ منه بناء محتاجا إليه في حال، فيجوز البناء فيه من بيت المال لكنه ينسبه إلى نفسه، فقد يتخرج على الخلاف في الغاصب إذا رد المال إلى المغصوب منه على وجه الصدقة والهبة هل يبرأ بذلك أم لا؟ وهذا كله إذا بنى على قدر الحاجة من غير سرف ولا زخرفة. وقد أمر عمر بن عبد العزيز بترميم مسجد البصرة من بيت المال، ونهاهم أن يتجاوزوا ما تصدع منه وقال: إني لم أجد للبنيان في مال الله حقا. وروي عنه أنه

ص: 34

قال: لا حاجة للمسلمين فيما أضر بيت مالهم.

واعلم أن من العلماء من جعل تصرف الغاصب ونحوه في مال غيره موقوفا على إجازة مالكه، فإن أجاز تصرفه فيه جاز، وقد حكى بعض أصحابنا رواية عن أحمد أنه من أخرج زكاته من مال مغصوب ثم أجازه المالك جاز وسقطت عنه الزكاة. وكذلك خرج ابن أبي الدنيا رواية عن أحمد أنه إذا أعتق عبد غيره عن نفسه ملتزما ضمانه في ماله ثم أجازه المالك جاز ونفذ عتقه، وهو خلاف نص أحمد. وحكى عن الحنفية أنه لو غصب شاة فذبحها لمتعته وقرانه ثم أجازها المالك أجزأت عنه.

الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب: أن يتصدق به على صاحبه إذا عجز عن رده إليه وإلى ورثته، فهذا جائز عند أكثر العلماء: منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم. قال ابن عبد البر: ذهب الزهري ومالك والثوري والأوزاعي والليث إلى أن الغال إذا تفرق أهل العسكر ولم يصل إليهم أنه يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي، روي ذلك عن عبادة بن الصامت ومعاوية والحسن البصري، وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه، وقال: قد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها، وجعلوه إذا جاء مخيرا بين الأجر والضمان، وكذلك المغصوب. انتهى.

وروي عن مالك بن دينار قال: سألت عطاء بن أبي رباح عمن عنده مال حرام ولا يعرف أربابه ويريد الخروج منه؟ قال: يتصدق به ولا أقول أن ذلك يجزي عنه. قال مالك: كان هذا القول من عطاء أحب إلي من زنة ذهب.

وقال سفيان فيمن اشترى من قوم شيئا مغصوبا: يرده إليهم، فإن لم يقدر عليهم يتصدق به كله ولا يأخذ رأس ماله. وكذا قال فيمن باع شيئا ممن

ص: 35