الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قبيح الشعر:
ومن الشعر ما يكون امتلاء الجوف قيحا وصديدا أفضل من امتلائه منه، ألا وهو ذلك النمط من الشعر الذي لا يبشر بخير، ولا ينم عن فضيلة، شعر ساقط المعنى، خبيث الهدف، فاسد الدلالة والفكرة، وقد نهى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عن الانشغال بهذا النمط من الشعر، وإضاعة الوقت في حفظه وتدارسه، وعندما عرض له في بعض أسفاره شاعر من شعراء هذا الاتجاه أعرض عنه، وصد عن سماعه، بل وأمر أصحابه أن يبعدوه عنه، قائلا:«خذوا الشيطان، أمسكوا الشيطان (1)» .
أ- فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا (2)» .
ب - وعنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن يمتلئ جوف رجل قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا (3)» .
ج- وعن عوف بن مالك قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لأن
(1) صحيح مسلم الشعر (2259)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 41).
(2)
رواه البخاري (6154) في الأدب، باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر، ومسلم (2257) في الشعر، وأبو داود (5009) في الأدب، والترمذي (2855) في الأدب، والطيالسي (رقم 202) عن سعد بن أبي وقاص، وأحمد (2/ 288)، وابن حبان (7/ 514)، وأبو نعيم في الحلية (5/ 60)، والطحاوى في معاني الآثار (4/ 296)، والبزار في زوائده (2090) عن عمر بن الخطاب، باب الشعر وذمه، والطبراني في الكبير (6132) عن سلمان الفارسي، وقد ذكره المتقي في الكنز (9754)، واستقصى الألباني طرقه في (السلسة الصحيحة رقم / (336).
(3)
رواه البخاري (1655) في الأدب، وفي الأدب المفرد (2/ 863)، ومسلم (2257) في الشعر، وابن ماجه (3759) في الأدب، ما كره من الشعر، وابن أبي شيبة (8/ 719)، وابن حبان (7/ 514)، والترمذي (2851) في الأدب، وقال: حديث حسن صحيح، والطحاوية في شرح معاني الآثار (4/ 295)، والطبراني في الكبير (6132) عن سلمان الفارسي، وأحمد (2/ 478 و1/ 175)، وذكره الألباني في صحيح الجامع برقم (4925)، وفي السلسة الصحيحة برقم (336). والقيح: صديد يسيل من الجرح، يريه: قال في النهاية: (هو من الوري الذي هو الداء، يقال وري يورى فهو مورى إذا أصاب جوفه الداء)، ونقل الحافظ في الفتح (10/ 458) عن الأصعمي قوله: هو من الوري بوزن الرمي، وعن أبي عبيد قوله: الوري هو أن يأكل القيح جوفه.
يمتلئ جوف أحدكم من عانته إلى هامته قيحا يتخضخض خير له من أن يمتلئ شعرا (1)».
د- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج، إذ عرض شاعر ينشد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا الشيطان، أو: أمسكوا الشيطان، لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا (2)» .
وقد ذهب العلماء في توجيه هذه الأحاديث والتوفيق بينها وبين الأحاديث المبيحة لقول الشعر وروايته وإنشاده والمادحة له مذاهب شتى:
1 -
فمنهم من ذهب إلى أن المراد بهذه الأحاديث ذم الشعر الذي يشغل صاحبه عن القرآن وذكر الله، فيكون الغالب عليه، أما إذا كان القرآن وذكر الله وطلب العلم وتدارسه هو الغالب عليه فليس جوف مثل
(1) رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (4/ 295) بلفظ: (من عانته إلى لهاته قيحا يتمخض مثل السقاء)، وذكره الحافظ في الفتح (10/ 548) وقال: رواه الطحاوي والطبراني وسنده حسن، وهو في كنز العمال برقم (7971).
(2)
رواه مسلم (2259) في الشعر، والبيهقي في السنن الكبرى (10/ 244)، وأحمد (3/ 41)، وذكره المتقي في الكنز (8930) عن ابن جرير. والعرج: قرية على نحو ثمانية وسبعين ميلا من المدينة المنورة على طريق مكة، وهي من بلاد أسلم.
هذا ممن امتلأ بالشعر، ودخل تحت مضمون الذم، ولو كان يروي شعرا كثيرا أو يقوله، وممن ذهب هذا المذهب أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه (غريب الحديث)، والإمام البخاري في صحيحه، إذ عقد بابا في كتاب الأدب منه بعنوان:(باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر)، والإمام النووي في (شرح صحيح مسلم) والإمام القرطبي رحمهم الله جميعا -.
(قال أبو عبيد: سمعت يزيد بن هارون يحدث بحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا (1)» يعني: من الشعر الذي هجي به النبي صلى الله عليه وسلم.
ولكن وجهه عندي: أن يمتلئ قلبه من الشعر حتى يغلب عليه، فيشغله عن القرآن وذكر الله، فيكون الغالب عليه من أي شعر كان، فإذا كان القرآن والعلم الغالبين عليه، فليس جوف هذا ممتلئا من الشعر عندنا (2).
وقال الحافظ في (الفتح 10/ 548) تعليقا على عنونة الإمام البخاري لهذه الأحاديث بهذه العبارة: (هو في هذا الحمل متابع لأبي عبيد، ووجهه أن الذم إذا كان للامتلاء، وهو الذي لا بقية معه، دل على أن ما دون ذلك لا يدخله الذم).
أما الإمام النووي فقد ذهب إلى القول: (هذا الحديث محمول على التجرد للشعر، بحيث يغلب عليه، فيشغله عن القرآن والذكر)(3).
ويبدو أن الحافظ ابن حجر ممن يميلون إلى هذا الوجه، فقد قال في (الفتح 10/ 550): (مناسبة هذه المبالغة في ذم الشعر، أن الذين
(1) صحيح البخاري الأدب (6154)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 96)، سنن الدارمي الاستئذان (2705).
(2)
غريب الحديث / لأبي عبيد (1/ 36).
(3)
شرح صحيح مسلم / للنووي (7/ 50).
خوطبوا بذلك كانوا في غاية الإقبال عليه والاشتغال به، فزجرهم عنه؛ ليقبلوا على القرآن، وعلى ذكر الله وعبادته، فمن أخذ من ذلك ما أمر به، لم يضره ما بقي عنده مما سوى ذلك).
ونقل المناوي في (فيض القدير 5/ 259) عن القرطبي قوله: (من غلب عليه الشعر لزمته - بحكم العادة الأدبية - الأوصاف المذمومة، وعليه يحمل الحديث).
وقد حاول الإمام الطبري جاهدا في كتابه (تهذيب الآثار) رد هذا الرأي قائلا: (لو كان هذا صحيحا لكان معناه أن امتلاء القلب من غير الشعر كأساجيع الكهان وخطب الخطباء، حتى لا يكون فيه شيء من كتاب الله ولا من علوم الدين شيء جائز، وهو قول يخرج من قاله من قول جميع الأمة، لإباحته الجهل من أمور الدين، بما لم يبح الله الجهل به).
ثم تابع قائلا: (إن الشعر كلام كسائر الكلام غيره، حسنه حسن وقبيحه قبيح، كما حسن غيره من الكلام حسن، وقبيح غيره من الكلام قبيح، غير أن له - بأنه مؤتلف النظام ومنسق الأوزان - الفضل على غيره من منثور الكلام، ولا يخرجه ذلك عن معنى غيره من الكلام أن يكون سبيله سبيله في أن ما حسن قيله وروايته من غيره حسن منه، وما قبح قيله وروايته من غير قبح منه، فأما الامتلاء من معنى منه حتى لا يخالط القلب غيره من علم القرآن وأمور الدين؛ فإن ذلك محرم من أي المعاني كان ذلك، فلا وجه لأن يخص بذلك الشعر دون غيره)(1).
3 -
ومنهم من ذهب إلى أن المقصود بذلك امتلاء جوف المرء من الشعر الذي هجا به المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحجتهم أن معناه لو كان
(1) تهذيب الآثار للطبري (2/ 23 - 24).
على الامتلاء من جميع أنواع الشعر، لما كان لقوله صلى الله عليه وسلم:«إن من الشعر لحكمة (1)» معنى معقول، لأن ذلك لو كان شاملا لكل أنواع الشعر، لا على الخاص منه؛ لكان من جوفه ممتلئا من الشعر الذي هو حكمة داخلا في حظيرة الذم.
قالوا: وذلك غير جائز إضافته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن في ذلك إضافة ذم امتلاء القلب من الحكمة إليه.
وقالوا: وقد كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: صحابة لا نشك أن الغالب عليهم الشعر وقيله، وذلك بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لذلك من أمرهم ذاما، بل كان لهم حامدا، ولهم بقيله آمرا، منهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة وغيرهم ممن يكثر عددهم.
وقد احتج بعض هذا الفريق بالحديث الذي رواه مجالد بن سعيد عن الشعبي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا هجيت به، أو قال: من شعر هجائي (2)» وهو حديث ضعيف. وقال الحافظ في الفتح عنه (10/ 549): (وفي سنده راو لا يعرف، وأخرجه الطحاوي وابن عدي من رواية الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة، وابن الكلبي واهي الحديث، وأبو صالح شيخه ما هو الذي يقال له: السمان المتفق على تخريج حديثه في الصحيح عن أبي هريرة، بل هذا آخر ضعيف يقال له: باذان).
وقد ذكر الحافظ الهيثمي هذا الحديث في (مجمع الزوائد 8/ 120)
(1) صحيح البخاري الأدب (6145)، سنن أبو داود الأدب (5010)، سنن ابن ماجه الأدب (3755)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 125)، سنن الدارمي الاستئذان (2704).
(2)
رواه البيهقي في السنن (10/ 244)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (4/ 296)، والطبري في تهذيب الآثار (2677)، وذكره العقيلي في الضعفاء (ص435)، وابن عدي في الكامل (1/ 345)، والمتقي في كنز العمال رقم (7974).
وقال: (رواه أبو يعلى، وفيه من لم أعرفهم، والحديث مرسل، إذ أن الشعبي لم يلحق النبي صلى الله عليه وسلم، وراويه مجالد بن سعيد ضعيف). وقد أقر الإمام الطبري في (التهذيب 2/ 22) الحكم عليه بالضعف، وأنه لا يصلح للاستشهاد به.
كما ذكره الإمام ابن الجوزي في (الموضوعات 1/ 260) وقال: (هذا حديث موضوع، فيه النضر بن محرز لا يتابع على هذا، ولا يعرف إلا به، قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بالنضر، وإنما يعرف هذا الحديث بالكلبي عن أبي صالح، وليس بشيء. .).
كما ذكره الشوكاني في (الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة رقم / 928)، والألباني في (السلسلة الضعيفة رقم / 1111)، وفي (السلسلة الصحيحة رقم / 336)، وقال: لا يصح إسناده، كما ناقش فساد مدلوله، ذلك أن هذا الحديث أفاد أن النهي متوجه على الكثير من الشعر الذي فيه هجاء النبي صلى الله عليه وسلم، ومفاده أن القليل من الشعر الذي فيه هجاؤه صلى الله عليه وسلم جائز، وهذا باطل، وما لزم منه باطل فهو باطل.
وممن ذهب إلى هذا الرأي يزيد بن هارون المحدث، فيما نقله عنه تلميذه أبو عبيد في كتابه (غريب الحديث 1/ 36)، والطبري في (تهذيب الآثار 2/ 21 - 22)، وسبقهم إلى ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، إذ ذكر السهيلي - فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (10/ 549) - في غزوة ودان عن جامع بن وهب، أنه روى فيه أن عائشة رضي الله عنها تأولت هذا الحديث «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا (1)» . .) على ما هجي به النبي صلى الله عليه وسلم، وأنكرت على من حمله على العموم في جميع الشعر.
وقد رد قوم هذا الرأي محتجين بأن معنى ذم الامتلاء من الشعر الذي
(1) صحيح البخاري الأدب (6154)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 39)، سنن الدارمي الاستئذان (2705).
فيه هجاء النبي صلى الله عليه وسلم إباحة ما دون الامتلاء من ذلك، أخذا بمفهوم المخالفة، قائلين: إن من المعلوم أن قليل الشعر الذي قيل في هجاء النبي صلى الله عليه وسلم مثل كثيره سواء بسواء، ولو كان شطر بيت، وكأن حمل وجه الحديث على امتلاء القلب فيه الترخيص في القليل منه.
وممن ذهب هذا المذهب أبو عبيد القاسم بن سلام، وعبيد الله بن محمد ابن عائشة المعروف بالعيشي، فيما نقله عنهما الطحاوي في شرح معاني الآثار (4/ 300)، والطبري في التهذيب (2/ 4).
ومن المعلوم أن مفهوم المخالفة هنا هو مفهوم الصفة، والأخذ به ضعيف جدا عند المحققين من أهل العلم من الأصوليين، وخاصة إذا خرج مخرج التنفير والمبالغة، من مثل قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} (1)، فالخطاب- كما ذكر الحافظ في الفتح (10/ 549) - جاء على وصف التشنيع والمبالغة، فلا يصح أن يكون له مفهوم مخالفة أصلا.
قال الإمام الطبري في التهذيب: (والصواب القول عندنا في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا هجيت به (2)»، ولا معنى لتوهم المنكر صحة معنى هذا الخبر أن يلزمه- إن قال بتصحيحه- إباحة ما دون امتلاء الجوف من هجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا كان الظاهر منه عنده إنما يدل على النهي عن الامتلاء منه، دون الدلالة على النهي عما دون الامتلاء، وأن باطنه عنده يدل على إباحة ما دون الامتلاء منه إلا لغفلة، بل في ذلك الدليل الواضح لمن تأمله بفكر صحيح، أنه من النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن قليل ما هجي به من الشعر وكثيره، وذلك أنه لا شك أن الامتلاء من ذلك إذا كان نظير الامتلاء من القيح
(1) سورة آل عمران الآية 130
(2)
صحيح البخاري الأدب (6154)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 39)، سنن الدارمي الاستئذان (2705).
الذي يورث الوري، فإن ما دون الامتلاء منه نظير ما دون الامتلاء من القيح الذي من حكمه أن يورث الامتلاء منه الوري، وذلك لا شك كله داء مكروه، وضر على الأبدان محذور، يتقيه كل ذي نظرة صحيحة، ويهرب منه كل ذي بنية سليمة، فإذا كان نظير الشعر الذي هجي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله شبيها لتمثيل رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه به، فلا شك أنه قد دل بتمثيله إياه به عليه السلام أولي الألباب من أمته، على أن الواجب عليهم من اتقاء قليل ذلك وكثيره، والحذر منه، نظير ما في فطرتهم وبنيتهم من اتقاء قليل ما أفسد أجوافهم وكثيره، وأورثها الداء من القيح الذي يورثها الورى كثيره).
وقال: (وبعد: فإننا لم نجعل علتنا في تصحيح المعنى الذي تأولناه الخبر الذي ذكرناه عن الشعبي وحده دون غيره من المعاني)(1).
3 -
وذهب فريق إلى أن المقصود من مثل هذه الأحاديث النهي عن قيل الشعر كله وروايته قليله وكثيره، قالوا: وذلك أن القليل من القيح في الجوف مضرة، وكل أحد من الناس لقليل ذلك وكثيره كاره أن يكون في جوفه، فإذا كان الامتلاء من الشعر نظير الامتلاء من القيح، فدون الامتلاء من الشعر نظير ما هو دون الامتلاء من القيح، وكل ذلك مكروه في الجوف، فكذلك الشعر كله مكروه أن يكون في الجوف منه شيء. .
واحتجوا لذلك بمجموعة من الأخبار، سردها الإمام الطبري في كتابه تهذيب الآثار في نحو من عشرين خبرا (2)، وقد رد الإمام الطبري دعوى هذا الفريق، مبينا ضعف ما استندوا إليه من أخبار واهية الأسانيد، لا يحتج بمثلها في شيء من أمور الدين، إضافة إلى مخالفة مذهبهم هذا
(1) تهذيب الآثار (2/ 21 - 22).
(2)
انظر تهذيب الآثار (2/ 16 - 21) من الحديث رقم (2707) إلى الحديث (2727).
الذي ذهبوا إليه لمدلول آي الذكر الحكيم وصحيح الأثر النبوي الشريف.
قال رحمه الله: (وأما الذين أنكروا رواية جميع أصناف الشعر اعتلالا بالأخبار المروية في ذلك عن رسول الله، فإن الأخبار بذلك عن رسول الله واهية الأسانيد، غير جائز الاحتجاج بمثلها في الدين، والصحيح من الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك ما قدمنا ذكره من أمر حسان وغيره من شعراء أصحابه بهجاء المشركين، وإعلامه إياهم أن لهم على ذلك الثواب الجزيل، واستنشاده إياهم، وتمثله أحيانا من ذلك بالبيت بعد البيت. .).
وقال أيضا: (ويقال لجميع من أنكر قيل الشعر وروايته: أرأيت قول الله جل ثناؤه: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} (1){أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} (2){وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} (3){إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} (4) مختلف فيه حكم المستثنى والمستثنى منهم أم متفق؟ فإن زعموا أنه متفق خالفوا في ذلك نص حكم الله تعالى ذكره في كتابه، لأن الله - جل ثناؤه - خالف بين أحكامهم، فأخرج المستثنى من حكم الذين من قبلهم. وإن قالوا: بل هو مختلف. قيل لهم: فقد وضح إذا أن المذموم من الشعراء غير {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} (5) وأنهم هم الذين صفتهم خلاف هذه الصفة، فأما من آمن منهم وعمل الصالحات وذكر الله كثيرا، فغير مذمومين، بل هو محمودون) (6).
4 -
ومنهم من يرى أن الذم - في مثل هذه الأحاديث- متوجه إلى الشعر المذموم أصلا في منطق الإسلام وتصوره، ولا يشمل الشعر كافة على أي وجه كان.
(1) سورة الشعراء الآية 224
(2)
سورة الشعراء الآية 225
(3)
سورة الشعراء الآية 226
(4)
سورة الشعراء الآية 227
(5)
سورة الشعراء الآية 227
(6)
تهذيب الآثار (2/ 24 - 35).
قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر حديث: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا (1)» : (ظاهره العموم في كل شعر، لكنه مخصوص بما لم يكن مدحا حقا كمدح الله ورسوله، وما اشتمل على الذكر والزهد وسائر المواعظ، مما لا إفراط فيه، ويؤيده حديث عمرو بن الشريد عن أبيه عن جده عند مسلم، قال: «استنشدني النبي من شعر أمية بن أبي الصلت، فأنشدت حتى أنشدته مائة بيت (2)») (3).
5 -
وذهب فريق إلى إسقاط الاستدلال بالأخبار لتعارضها والقول بالاستنباط، وحجتهم أن الأخبار الموجبة للمنع قد عارضتها أخبار أخرى غيرها، مثلها في الصحة، يأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين به من شعراء الصحابة بقيل الشعر وهجاء المشركين إذا هجاهم المشركون، وتركه رواة ذلك الشعر في عصره دون الإنكار عليهم في روايتهم إياه، واستنشاده بعضهم الكثير منه، واستماعه إلى منشديه كثيرا من غير كراهة منه لذلك.
قالوا: وإذا كانت الروايتان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحتين، وكان غير جائز أن يكون ذلك منه في وقت واحد ومقام واحد، وإذا كان أحدهما دليلا على تحريم الامتلاء من الشعر، والآخر على إباحته وإطلاقه، علم أن ذلك كان منه في وقتين مختلفين، ولما لم يكن معلوما لدينا أيهما المتقدم صاحبه وجب طرحهما، والمصير أن يعرف الواجب في ذلك من جهة الاستنباط.
قالوا: وإذا كان الأمر كذلك، وكان الشعر كلاما كسائر الكلام غيره، غير أن له فضلا على غيره من الكلام المنثور بأنه موزون تستحليه الألسن وتستعذبه المسامع، ولم يكن الممتلئ جوفه خطبا ورسائل مستحقا أن
(1) صحيح البخاري الأدب (6154)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 39)، سنن الدارمي الاستئذان (2705).
(2)
صحيح مسلم الشعر (2255)، سنن ابن ماجه الأدب (3758)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 389).
(3)
فتح الباري (10/ 549).
يكون مذموما، كان كذلك الممتلئ جوفه شعرا غير مستحق أن يكون مذموما، كما غير مذموم المتلئ جوفه خطبا ورسائل، وهي كلها كلام كما الشعر كلام مثلها.
وقالوا: ولا معنى لقول من قال إنما عنى النبي صلى الله عليه وسلم بالذم أن يمتلئ قلب الرجل من الشعر حتى لا يكون فيه شئ سواه من القرآن وعلم الدين، لأن ذلك لو كان معناه لوجب أن يكون من امتلأ جوفه من الخطب والرسائل وأساجيع الكهان حتى لا يكون فيه شيء من القرآن وعلم الدين غير مذموم، باعتبار أن الذم من النبي صلى الله عليه وسلم إنما ورد علينا لمن امتلأ قلبه من الشعر خاصة، وفي إجماع المسلمين على ذم من امتلأ قلبه مما ذكرنا من الأشياء التي عددنا حتى لا يكون فيه شيء من القرآن وعلم الدين، الدليل الواضح على أن معنى قول النبي غير الذي قاله قائل هذه المقالة.
وإذا كان ذلك كذلك، فالصحيح ما قلنا، من أن ذلك كان من النبي صلى الله عليه وسلم في وقتين مختلفين، وقد سقطت حجتهما جميعا، إذ كان لا علم عندنا بالناسخ منها والمنسوخ، وصار الأمر فيه إلى الاستنباط، دل ذلك على أن الشعر لا يختلف عن غيره باعتباره كلاما كسائر الكلام، حسنه حسن كحسن الكلام، وقبيحه قبيح كقبيح الكلام، وكونه مؤتلف النظام منسق الأوزان لا يخرجه عن معنى غيره من الكلام، أن يكون سبيله سبيله، في أن ما حسن قيله وروايته من غيره حسن منه، وما قبح قيله وروايته من غيره قبح منه.
وبعد هذا الاستعراض لمجمل مذاهب العلماء في توجيه أحاديث ذم الشعر والنهي عن قيله وروايته، نخلص إلى أن الشعر- من وجهة النظر الإسلامية - يكون مذموما مرفوضا:
1 -
إذا كان في هجاء النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد صحابته الكرام البررة، أو فيه مساس بدين الله من قريب، أو بعيد، في أصوله ومنطلقاته، أو في أحكامه وشرائعه، أو في آدابه وأخلاقياته.
2 -
إذا كان يطغى على صاحبه، ويأخذ عليه زمام أمره، ويشغل منه وقته، بحيث يصرفه عن القرآن الكريم تلاوة وتدبرا وحفظا، ويشغله عن طلب علم الدين الذي فيه نجاته وسعادته، فيغدو منقطع الصلة بحبل الله، منصرف الهمة عن دينه، فارغ القلب من خشية ربه ورجاء عفوه، معطل الجوارح عن تمثل آداب هذا الدين والانضباط بضوابط أخلاقه وسلوكياته.
3 -
إذا كان - في مجمله - لا يخرج عن دائرة الكلام المذموم والقول القبيح، كأن يكون غزلا فاحشا يلوك الأعراض المصونة، ويهتك الحرمات الطاهرة، وينزل بالحس البشري إلى مستوى البهيمية المتدنية، أو يكون هجاء مقذعا جائرا، لا يرعوي قائله عن إلصاق أبشع الصفات وأقبح الخصال بمن هم أرفع من أن تنالهم أصابع الاتهام، وتدنس ثيابهم قذارات البذاءة، أو يكون مدحا كاذبا، لا يخرج عن دائرة النفاق، ولا يتعدى نطاق التزلف والمداجاة والتملق السمج الباهت.
ذلكم هو الشعر المذموم المستبعد من دائرة الحس الإسلامي وتصوره، وتلك هي صفاته وتوجهاته.
أما إذا كان الشعر نظيفا من كل ما ذكرنا، فإنه لا يخرج - بحال - عن دائرة الشعر المباح الذي تشمله جملة الأحاديث النبوية الشريفة بالمدح، أو تكتنفه بعين الرضا والقبول.
إن كل شعر لا يصادم شيئا من المفاهيم الإيمانية من قريب أو بعيد، - كأن يحسن الشر، ويقبح الخير ويدعو إلى منكر أو ينهى عن خير - لا
يمكن أن يكون مذموما مستبعدا مرفوضا، في منطق الإسلام أو تصوره.
ذلك أن دين الله ما نزل به وحيه الأمين على نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، ليكم أفواه البشر عن الكلام، ويعطل طاقاتهم المنتجة عن العمل، وإبداعهم عن الاستكشاف.
إن الله تبارك وتعالى يبارك كل يد نظيفة ولسان عف، وجهد نافع وفكر سليم، ومن قال بغير هذه المقولة، لا شك أن الدليل ينقصه، ورحابة الصدر وطلاقة الفكر تعوزه، وأعتقد أنه يكفينا للتدليل على ما نقول نقل قول من قال في بيان مدى اهتمام رجال الصدر الأول بالشعر رواية وقولا:
(وبعد، فإنه لم يكن واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان - من العرب إلا وهو للشعر قائل، أو هو له راو الرواية الغزيرة الكثيرة)(1).
(1) انظر: تهذيب الآثار / للطبري (2/ 13).
صفحة فارغة
حول توظيف النساء في الدوائر الحكومية
لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم واقتفى آثارهم إلى يوم الدين أما بعد: -
فقد اطلعت على ما نشر في الصحف المحلية في الأول من شهر رمضان عام 1400هـ من اعتزام فرع ديوان الخدمة المدنية بالمنطقة الشرقية على توظيف النساء في الدوائر الحكومية للقيام بأعمال النسخ والترجمة والأعمال الكتابية الأخرى، ثم قرأت ما كتبه الأخ الناصح محمد أحمد حساني في صحيفة الندوة في عددها الصادر في 8/ 9 / 1400 هـ. تعقيبا على ذلك الخبر، وكان صادقا وناصحا للأمة في تعقيبه، فشكر الله له وأثابه، ذلك أن من المعلوم أن نزول المرأة للعمل في ميدان الرجال يؤدي إلى الاختلاط، وذلك أمر خطير جدا، له تبعاته الخطيرة، وثمراته المرة، وعواقبه الوخيمة، وهو مصادم للنصوص الشرعية التي تأمر المرأة بالقرار في بيتها، والقيام بالأعمال التي تخصها في بيتها ونحوه، مما تكون فيه بعيدة عن مخالطة الرجال.
والأدلة الصريحة الصحيحة الدالة على تحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم النظر إليها، وتحريم الوسائل الموصلة إلى الوقوع فيما حرم الله: أدلة كثيرة محكمة قاضية بتحريم الاختلاط المؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.
منها قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (1){وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} (2)
(1) سورة الأحزاب الآية 33
(2)
سورة الأحزاب الآية 34
وقال سبحانه:. . . {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} (1) الآية. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (2)، وقال الله - جل وعلا -:{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (3){وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ} (4) إلى أن قال سبحانه: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (5) وقال صلى الله عليه وسلم: «إياكم والدخول على النساء - يعني الأجنبيات - قال رجال من الأنصار: (أفرأيت الحمو) قال الحمو الموت (6)» ، ونهى الإسلام عن الخلوة بالمرأة الأجنبية على الإطلاق إلا مع ذي محرم، وعن السفر إلا مع ذي محرم، سدا لذريعة الفساد، وإغلاقا لباب الإثم، وحسما لأسباب الشر، وحماية للنوعين من مكايد الشيطان، ولهذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء (7)» ، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:«اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء (8)» ، وقال صلى الله عليه وسلم:«لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما (9)» . وهذه الآيات والأحاديث صريحة الدلالة في وجوب القرار في البيت، والابتعاد عن
(1) سورة الأحزاب الآية 53
(2)
سورة الأحزاب الآية 59
(3)
سورة النور الآية 30
(4)
سورة النور الآية 31
(5)
سورة النور الآية 31
(6)
صحيح البخاري النكاح (5232)، صحيح مسلم السلام (2172)، سنن الترمذي الرضاع (1171)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 149)، سنن الدارمي الاستئذان (2642).
(7)
صحيح البخاري النكاح (5096)، صحيح مسلم الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2741)، سنن الترمذي الأدب (2780)، سنن ابن ماجه الفتن (3998)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 210).
(8)
صحيح مسلم الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2742)، سنن ابن ماجه الفتن (4000)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 22).
(9)
سنن الترمذي الفتن (2165)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 18).
الاختلاط المؤدي إلى الفساد، وتقويض الأسر، وخراب المجتمعات، فما الذي يلجئنا إلى مخالفتها، والوقوع فيما يغضب الله ويحل بالأمة بأسه وعقابه، ألا نعتبر فيما وقع في المجتمعات التي سبقت إلى هذا الأمر الخطير، وصارت تتحسر على ما فعلت وتتمنى أن تعود إلى حالنا التي نحن عليها الآن. . لماذا لا ننظر إلى وضع المرأة في بعض البلدان الإسلامية المجاورة، كيف أصبحت مهانة، مبتذلة بسبب إخراجها من بيتها، وجعلها تعمل في غير وظيفتها، لقد نادى العقلاء هناك وفي البلدان الغربية بوجوب إعادة المرأة إلى وضعها الطبيعي الذي هيأها الله له وركبها عليه جسميا ونفسيا وعقليا، ولكن بعدما فات الأوان.
ألا فليتق الله المسئولون في ديوان الخدمة المدنية، والرئاسة العامة لتعليم البنات، وليراقبوه سبحانه فلا يفتحوا على الأمة بابا عظيما من أبواب الشر، إذا فتح كان من الصعب إغلاقه.
وليعلموا أن النصح لهذا البلد حكومة وشعبا هو العمل على ما يبقيه مجتمعا متماسكا قويا سائرا على نهج الكتاب والسنة، وسد أبواب الضعف والوهن ومنافذ الشرور والفتن، ولا سيما ونحن في عصر تكالب الأعداء فيه على المسلمين، وأصبحنا أشد ما نكون حاجة إلى عون الله، ودفعه عنا شرور أعدائنا ومكائدهم، فلا يجوز لنا أن نفتح أبوابا من الشر مغلقة.
ولعل في كلمتي هذه ما يذكر المسئولين في ديوان الخدمة المدنية والرئاسة العامة لتعليم البنات بما يجب عليهم من مراعاة أمر الله ورسوله، والنظر فيما تمليه المصلحة العامة لهذه الأمة، والاستفادة مما قاله الأخ محمد أحمد حساني من أن عملية نقص الموظفين لا تعالج بالدعوة إلى إشراك النساء في وظائف الرجال سدا للذريعة، وقفلا لباب المحاذير، بل إن العلاج الصحيح يكون بإيجاد الحوافز لآلاف الشبان الذين لا يجدون في العمل الحكومي ما يشجع للالتحاق به،
فيتجهون إلى العمل الحر، أو إلى المؤسسات والشركات، ومن هنا منطلق العلاج الصحيح، وهو تبسيط إجراءات تعيين الموظفين، وعدم التعقيد في الطلبات، وإعطاء الموظف ما يستحق مقابل جهده، وعندها سوف يكون لدى كل إدارة فائض من الموظفين.
هذا وإنني مطمئن - إن شاء الله - إلى أن المسئولين بعد قراءتهم لهذه الكلمة سيرجعون عما فكروا فيه من تشغيل المرأة بأعمال الرجال إذا علموا أن ذلك محرم بالكتاب والسنة، ومصادم للفطرة السليمة، ومن أقوى الأسباب في تخلخل المجتمع وتداعي بنيانه، وهو مع ذلك أمنية غالية لأعداء المسلمين يعملون لها منذ عشرات السنين، وينفقون لتحقيقها الأموال الطائلة، ويبذلون لذلك الجهود المضنية، ونرجو أن لا يكون أبناؤنا وإخواننا معينين لهم، أو محققين لأغراضهم.
أسأل الله أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من مكائد الأعداء، ومخططاتهم المدمرة، وأن يوفق المسئولين فيها إلى حمل الناس على ما يصلح شئونهم في الدنيا والآخرة، تنفيذا لأمر ربهم وخالقهم والعالم بمصالحهم، وأن يوفق المسئولين في ديوان الخدمة المدنية والرئاسة العامة لتعليم البنات لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد في أمر المعاش والمعاد، وأن يعيذنا وإياهم وسائر المسلمين من مضلات الفتن وأسباب النقم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعهم بإحسان.
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
وجوب نصر المسلمين المظلومين في البوسنة وغيرها
على جميع المسلمين وغيرهم حسب الاستطاعة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فإن من عرف أحوال المسلمين في البوسنة والهرسك، وما جرى عليهم من الظلم من الكروات والصرب وأنصارهم يتألم كثيرا ويحزن كثيرا لخذلان إخوانهم لهم، وعدم نصرهم النصر الكافي الذي يمكنهم من الدفاع عن أنفسهم واستعادة ما أخذه عدوهم من أرضهم، وقد أوجب الله سبحانه نصر المظلومين وردع الظالمين من المسلمين وغيرهم، كما قال الله عز وجل:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} (1) الآية.
فإذا كانت الطائفة المؤمنة الباغية يجب أن تقاتل حتى تفيء إلى الحق فالظالمة الكافرة من باب أولى، وقال تعالى:{وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} (2)، والمعنى: يجب أن لا يتولاهم أحد ولا ينصرهم، وقال تعالى:{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (3)
(1) سورة الحجرات الآية 9
(2)
سورة الشورى الآية 8
(3)
سورة الشورى الآية 42
وقال سبحانه: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} (1).
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة الأمر بنصر المظلوم، فقال عليه الصلاة والسلام:«انصر أخاك ظالما أو مظلوما. قيل: يا رسول الله، نصرته مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال: تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه (2)» ، فنصر المظلوم وردع الظالم من أي جنس كان واجب شرعا وعقلا وفطرة، فالواجب على جميع الدول الإسلامية وعلى مجلس الأمن وعلى مجلس هيئة الأمم أن ينصروا المظلومين في البوسنة وغيرها بالمال والسلاح والرجال، وأن يردعوا الظالمين بجميع الوسائل الرادعة حتى يقف الظالم عند حده، وحتى يعطى المظلوم جميع حقوقه، وبذلك تبرأ الذمة ويستحق الثواب الجزيل من الله عز وجل من فعل ذلك ابتغاء وجهه، وبذلك أيضا يأمن العباد، وتستوفى الحقوق، ويقف الظالمون عند حدودهم، وقد قال الله عز وجل في كتابه العظيم:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (3) وقال سبحانه:
(1) سورة الأنفال الآية 72
(2)
صحيح البخاري الإكراه (6952)، سنن الترمذي الفتن (2255)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 99).
(3)
سورة المائدة الآية 2
{وَالْعَصْرِ} (1){إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (2){إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (3)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة (4)» ، وقال صلى الله عليه وسلم:«يقول الله عز وجل: يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا (5)» .
وقال عليه الصلاة والسلام: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته (6)» ، والآيات والأحاديث في وجوب نصر المظلوم وردع الظالم والتعاون على الخير والتواصي بالحق والصبر عليه كثيرة معلومة. والله المسئول أن ينصر المظلومين في كل مكان، وأن يذل الظالمين ويخذلهم، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا، وأن يولي عليهم خيارهم، ويصلح قادتهم، وأن ينصرهم بالحق وينصر الحق بهم، وأن يعيذ الجميع من مضلات الفتن ونزغات الشيطان، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه. .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
(1) سورة العصر الآية 1
(2)
سورة العصر الآية 2
(3)
سورة العصر الآية 3
(4)
صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2578)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 323).
(5)
صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2577)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 160).
(6)
صحيح البخاري المظالم والغصب (2442)، صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2580)، سنن الترمذي الحدود (1426)، سنن أبو داود الأدب (4893)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 91).