الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني
الفلوس وما يتعلق بها من أحكام
الفلس: لغة بسكون اللام: القشرة على ظهر السمكة.
وفي الاصطلاح هي: عملة مضروبة من غير الذهب والفضة كانت تقدر في الماضي بسدس الدرهم، وهي اليوم 1/ 1000 من الدينار في الدول التي تعتمد الدينار وحدتها النقدية كالعراق والأردن (1)، وتعادل القرش السوري، والهللة السعودية، فهي أصغر وحدات النقد، وقال الكرمللي: الفلوس جمع فلس وهي نقد يوناني كان يساوي سدس الدرهم الأتيكي، ويعادل الآن ثلاثة مليمات مصرية، ووزنه 72 سنتيغرام، ويعني عند اليونان قشرة جلد الحشرات الزاحفة (2) وقال في الصحاح: الفلس يجمع على أفلس وفلوس، وقد أفلس الرجل صار مفلسا، كأنما صارت دراهمه زيوفا أو فلوسا، ويجوز أن يراد به أنه صار إلى حال يقال فيها: ليس معه فلس (3).
ووجود أصل لغوي للكلمة يدل على وجودها ومعرفة العرب لها، وأن التعامل بها قديم، ويمكن الاستدلال على ذلك بما يلي:
1 -
قال سعيد بن منصور في سننه عن إبراهيم النخعي قال: (لا بأس بالسلف في الفلوس)، وقد أخرجه الشافعي في الأم والبيهقي في سننه استدلالا على عدم ربوية الفلوس، كما أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن مجاهد قال:(لا بأس بالفلس بالفلسين يدا بيد)، وأخرج الزهري أنه سئل عن الرجل يشتري الفلوس بالدراهم فقال: هو صرف لا تفارقه حتى تستوفيه. وفي هذا دليل على وجودها في التعامل من العصر الأول (4).
(1) المعجم الوسيط 2/ 707.
(2)
النقود العربية وعلم النميات ص67.
(3)
صحاح الجوهري فلس.
(4)
قطع المجادلة عند تغيير المعاملة للسيوطي في الحاوي ص104.
2 -
مر معنا أن من الدراهم نوعا يسمى الزيوف، وهي مصنوعة من النحاس، وقد كانت تعرف بالفلوس أحيانا، كما أن أجزاء الدراهم الصغيرة كانت تصنع من النحاس كما مر سابقا.
3 -
لقد عرفت البشرية خلال تطورها النقدي التعامل بالأرز والودع ولحاء الشجر وغيرها مما يعرفه مؤرخو النقود، وكانت الفلوس النحاسية المضروبة مرحلة متقدمة في مجال النقود الاصطلاحية، ولكن المعروف تاريخيا أنها تستخدم فقط في شراء التوافه والحاجات ذات الثمن القليل، وهو المعنى الذي يؤكده المقريزي في تعليله ضرب الفلوس بمصر أيام الكامل الأيوبي بعد أن لم تكن موجودة؛ أن امرأة تعرضت لخطيب الجامع (أبو الطاهر المحلي) تستفتيه: أيحل شرب الماء أم لا؟ فقال: يا أمة الله وما يمنع من شرب الماء؟ فقالت: إن السلطان منع شرب الماء -ضرب هذه الدراهم، وإني أشتري القربة بنصف درهم منها، ومعي درهم فيرد على الساقي نصف درهم ورقا فكأني اشتريت منه ماء ونصف درهم بدرهم، فأنكر أبو الطاهر ذلك، وتكلم مع السلطان، فأمر بضرب الفلوس (1) وهي لا تعني بالضرورة عملة نحاسية، ولو أن الشائع أنها كذلك؛ حيث تدل على السكة النحاسية التي استعارها العرب من البيزنطيين وتساوي (40) نميا، وقدر وزنه بالصنج الزجاجية المقدر بالخروب بوزن الخروبة 0. 194 والعلاقة بين الفلس والدرهم 1/ 48 منذ أوائل العصر الإسلامي (2).
ويتفق الفقهاء والمؤرخون على أنها أدنى ما يتعامل به من المال، ولهذا قال الشيخ محمد بخيت المطيعي: ويسمى في الشام قرشا، وفي العراق فلسا، وفي مصر والسودان مليما، وفي الحجاز هللة، وفي اليمن بقشة،
(1) النقود في الإسلام د. رفيق المصري.
(2)
الموسوعة العربية الميسرة، فلوس، وفي كلامها نظر.
وفي المغرب والجزائر بيزا أو بسيطة، وفي اليونان دراخما، وفي اليابان ين، وفي إنجلترا وأمريكا بنسا، ثم أحال الشيخ المطيعي القارئ إلى كتابه: تاريخ النقود الإسلامية (1).
الفلوس في النقود الإسلامية:
وجدت الفلوس إلى جانب الدراهم والدنانير حيث كانت الفلوس تصنع من البرونز والنحاس، وغالبا ما كانت الفلوس البيزنطية برونزية المعدن (2)، وأشار الدكتور عبد الرحمن فهمي محمد أن الفلوس كان يكتب عليها اسم الوالي وعامل الخراج، وقد كشفت كمية من الفلوس في حفائر الفسطاط عليها أسماء العمال - القاسم بن عبيد الله - عامل خراج مصر 116 - 124هـ، وكانت فلوس مصر برونزية بينما كانت فلوس دمشق نحاسية (3)، وقد كانت الفلوس قليلة زمن العباسيين في فترتهم المزدهرة، وظهر تأثير النقد الإسلامي المسيطر على تجارة البحر المتوسط في العملات الأوروبية (4).
تضخم الفلوس: حدث عام 630هـ أن كثرت الفلوس النحاسية، وتسمى الدراهم الفلوس حتى اكتسحت الفضة من التداول، مما سمح للنقد الأجنبي بالظهور في الأسواق، وكانت النقود المتداولة نوعان: درهم النقرة الفضي (الخالص)، ودرهم الفلوس النحاس، كل درهم نقرة بـ (6) فلوس حتى وفاة الكامل الأيوبي (5)، وذكر ابن كثير في حوادث عام 756هـ أن السلطان حسن ضرب فلوسا جديدة بقدر الدينار ووزنه جعل
(1) المطيعي، تكملة المجموع شرح المهذب 14/ 636.
(2)
النقود العربية ماضيها وحاضرها ص29، عبد الرحمن فهمي محمد.
(3)
النقود العربية ماضيها وحاضرها ص45.
(4)
بحوث في التاريخ الاقتصادي (محمود شارلمان) بلوبز ص128.
(5)
النقود العربية، الكرمللي ص60 - 61.
كل24 فلس بدرهم، وكان قبل ذلك الفلوس العتق كل رطل ونصف بدرهم، وهو صريح أن درهم النقرة بثلثي رطل من الفلوس (1).
ويذكر المؤرخون أن الدراهم النحاسية التي ضربها في القرن السادس والسابع بنو أرتق، وبنو زنكي وغيرهم من الأسر التركية التي حكمت آسيا فهي فريدة في بابها؛ إذ هي قطع نحاسية كبيرة عليها كتابة معينة، والراجح أنها ضربت بصفة خاصة للتعامل التجاري مع النصارى (2) كما ذكر القلقشندي: أنه كان إلى آخر الدولة الناصرية حسن بن محمد بن قلاوون فلوس لطاف، كل ثمانية وأربعين فلسا منها بدرهم من النقرة الصافي، كما كان يوجد فلوس غير مطبوعة من النحاس المكسر الأحمر والأصفر ويسمونها (العتق)، كل رطل منها بدرهمي نقرة (3).
وفي عام 800هـ بطل التعامل بالدينار المؤيدي (الميايدة)، وأعيد ضرب النحاس والتعامل به، ونودي على الفلوس عام 806هـ أن يتعامل بها وزنا كل رطل منها بستة دراهم، بعد أن فسدت الفلوس فسادا شديدا، حتى صار وزن الفلس منها ربع درهم بعدما كان مثقالا، ثم أمر السلطان الناصر أن تكون الفلوس كل رطل باثني عشر درهما، فغضب الناس، ووضع السيف في العامة حتى تشفع الأمراء فيهم، وشنق رجل بسبب ذلك (4)، وفي عهد السلطان برقوق ضرب استاداره محمود بن علي فلوسا كثيرة، وأبطل ضرب الدراهم، فتناقصت قيمة الفلوس حتى صارت عرضا ينادى عليه في الأسواق بـ (حراج حراج)، وغلبت الفلوس حتى قدم
(1) قطع المجادلة، السيوطي ص104.
(2)
دائرة المعارف الإسلامية ص 227 - ج9.
(3)
النقود العربية، للكرمللي ص114.
(4)
النقود العربية للكرمللي ص72.
المؤيد من دمشق عام 817 ومعه الدراهم البندقية والنوروزية نسبة لنوروز الحافظي والي دمشق، فتعامل الناس بها، وتضخم الفلوس، هذا هو الذي ألف الحافظ السيوطي بسببه رسالته "قطع المجادلة عند تغيير" المعاملة.
والمشهور تاريخيا أن عصر المماليك يعرف بعصر النحاس؛ لكثرة فلوسه النحاسية، وبسبب تضخم الفلوس وإجبار السلطان شعبه على التعامل بها أخذ الفرنجة الصليبيون يحملون النحاس الأحمر من بلادهم ويبيعونه في ديار الإسلام بدراهم الفضة، وتأخذها إلى بلاد الفرنج (1).
المقريزي عدو الفلوس:
يقول المقريزي: إن الفلوس لم يجعلها الله سبحانه نقدا في قديم الدهر وحديثه حتى راجت في أيام الناصر فرج بن برقوق 808 هـ، وكان قبيح السيرة، وقد حدث من رواج الفلوس خراب الإقليم وذهاب نعمة أهل مصر، فإن الفضة هي النقد الشرعي، أما الفلوس فهي أشبه شيء بلا شيء، فيصير المضاف مضافا إليه، إلى أن يقول ولا يعلم في خبر صحيح ولا سقيم عن أمة من الأمم اتخذوا نقدا غير الذهب والفضة، أما السفاسف والمحقرات والتوافه فقد احتاج الناس لشرائها بأقل من الدرهم وأجزائه، فكانت الفلوس وسيلة هذه المبادلات ولكنها لم تكن نقدا البتة، ولم يوجد منها إلا اليسير، ولم تقم في إقليم ما بمنزلة النقدين (2).
وهذه التعاميم من المقريزي لا تصح على إطلاقها، فقد أجازت البشرية عند مطلع حاجاتها للنقود ما هو أدنى من الفلوس قيمة كالصدف والجلود ولحاء الشجر.
فالفلوس معروفة منذ عرف الدرهم والدينار ولكنها كانت فعلا بمنزلة
(1) النقود العربية للكرمللي ص64.
(2)
النقود العربية للكرمللي ص67.
النقد الضعيف والخسيس، ولم يرتفع شأنها وتروج رواج النقدين إلا في العصر الصليبي والمملوكي المسمى بعصر النحاس، وكان التعامل بها مضطربا بين الوزن والعدد، وتارة تكون مثلية وأخرى متقومة.
ويصر المقريزي على ضرورة الاعتماد على الذهب والفضة كنقد متداول، ولا يلجأ إلى ضرب الفلوس إلا بمقدار حاجة الناس إلى شراء المحقرات، أما تداول الفلوس كنقد في شراء سائر المبيعات فهو: بدعة أحدثوها وبلية ابتدءوها، ولا أصل لها في ملة نبوية، ولا مستند لها في طريقة شرعية، ولا شبهة لمبتدعها في الاقتداء بفعل أحد ممن غير ولا ائتناسه بقول واحد من البشر سوى شيء نشأته ذهاب بهجة الدنيا وزوال زينتها، وشمول الفاقة للجمهور مع الذلة - ليقضي الله أمر كان مفعولا (1).
قانون غريشام وضعه المقريزي قبل خمسة قرون:
هناك قانون في تاريخ النقود ينسب خطأ إلى (غريشام) وزير مالية الملكة فيكتوريا، ومضمونه يقول:(النقود الرديئة تطرد النقود الجيدة من التداول)، فعندما يطرح في السوق نقد رديء يسارع الناس للتعامل به والاحتفاظ بالنقد الجيد الذي يختزنه الناس لقيمته، وهذا الكلام طرحه المقريزي عندما يعزو سبب كثرة الفلوس إلى تلاشي الذهب والفضة من الأسواق أو عدم ضربها، ويكتنزها الناس حليا للترف والمباهاة، والفرنج تأخذ ما بمصر من الدراهم إلى بلادهم، وأهل البلد تسبكها طلبا للفائدة، حتى عزت وكادت تفقد، وراجت الفلوس رواجا عظيما، حتى نسب إليها سائر المبيعات، وصار يقال كل دينار: بكذا من الفلوس (2).
ثم دعا إلى إعادة الاعتبار النقدي للذهب والفضة فما عداهما لا يصلح
(1) النقود في الإسلام - د. رفيق المصري ص76 ينقل عن إغاثة الأمة لكشف الغمة.
(2)
النقود العربية للكرمللي ينقل كلام المقريزي ص 69.
أن يكون نقدا، ولا يستقيم أمر الناس إلا بحملهم على الأمر الطبيعي وهو تعاملهم في مبادلاتهم بالذهب والفضة.
الفلوس عند الفقهاء:
ذكر السيوطي الخلاف في الفلوس أهي مثلية أم متقومة؟ والراجح أنها مثلية لصدق حد المثلي عليها، وهو كل ما يغيب في مثله وحصره كيل أو وزن أو عدد، والخلاف الفقهي الخطير إنما يدور حول طبيعة صفتها النقدية، فللفقهاء فيها آراء تعتبرها حينا من النقود وحينا من عروض التجارة.
ذلك أن الفلوس تتردد بين أمرين كونها عرضا في الأصل، وكونها أثمانا بتعارف الناس، فاختلف النظر الفقهي إليها، فمن نظر إلى أصلها العرضي ميزها عن الذهب والفضة في الزكاة والربا والصرف والسلم، وأثبت لها في كل ذلك أحكام العروض التجارية، ومن نظر إلى ثمنيتها العارضة أثبت لها أحكام الأثمان، وهذا الخلاف تجده بين رجال المذهب الواحد - بعد اتفاقهم على أن العرف يمكنه إضفاء صفات النقد على النقود الاتفاقية، ولكن ذلك لا يصل إلى مرتبة الكمال النقدي، ولهذا اختلف الفقهاء في علة ربا النقدين، أهو مطلق الثمنية أو غالب الثمنية؟ وتفصيل مذاهب الفقهاء فيها كما يلي:
المالكية:
مشهور مذهب المالكية أن الفلوس تعتبر كعروض التجارة، وقد شاع في الأقطار فتوى الشيخ عليش من فقهائهم المتأخرين حول الورق النقدي، فبعد أن قرر ألا زكاة فيه قال: ويقرب من ذلك أن الفلوس النحاسية المختومة بخاتم السلطان المتعامل بها لا زكاة في عينها لخروجها عن أموال الزكاة الأربعة - قال في المدونة:
قلت: أرأيت لو كان عند رجل فلوس قيمتها 200 درهم فحال عليها الحول ما قول مالك (1) في ذلك؟ قال: لا زكاة فيها، وهذا مما لا اختلاف فيه، إلا أن يكون يدير (يتجر) فيحمل محمل العروض. وقال في منح الجليل:(وفهم من اقتصاره على الدراهم والدنانير أنه لا زكاة في الفلوس (فلوس النحاس) لذاتها - وهو المذهب - إن كانت مقتناة، فإن اتجر بها زكيت زكاة عروض التجارة) (2)، بينما نقل الدردير عن ابن عرفة أنه قال:(إن بيع أحد النقدين بالفلوس صرف يفيد حرمة التأخير جزما، مع أنه قال بعد ذلك: وفي كون الفلوس ربوية كالعين (النقدين) ثالث الروايات أنه يكره فيها، ونص في الإرشاد على كراهة التفاضل والنسأ في الفلوس، ونحوه في التلقين والتفريع، وفي موضع من المدونة، والخلاف فيها قوي جدا) (3).
وجاء في المدونة الكبرى - كتاب الزكاة - قال ابن القاسم: سألت مالكا عن الفلوس تباع بالدراهم والدنانير نظرة (مؤخرة) أو يباع الفلس بالفلسين؟ قال مالك: أكره ذلك، وما أراه مثل الذهب والورق في الكراهة.
وفي كتاب الصرف قال لي مالك في الفلوس: لا خير فيها نظرة بالذهب والورق، ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة. وقال مالك: لا يجوز فلس بفلسين، وليست بحرام، ولكن أكره التأخير فيها.
وقال مثله في السلم الأول من المدونة: (والصفر والنحاس عرض ما لم يضرب فلوسا، فإذا ضرب فلوسا جرى مجرى الذهب والورق فيما يحل ويحرم وفي الصرف بهما)(4).
(1) فتح الإله المالك، فتاوى الشيخ عليش ج1 ص 164.
(2)
منح الجليل 1/ 344، والشرح الصغير 1/ 142.
(3)
الحاوي على الصاوي بهامش الشرح الصغير (1/ 110).
(4)
المدونة الكبرى ج3 ص396.
ولفظ الكراهة هنا تورع عن التحريم والجزم به على طريقة سلفنا الصالح حين كانوا يعبرون عن التحريم بالكراهة تحرجا من مدلول الآية الكريمة: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} (1) سورة يونس: 59، وقال ابن القيم نقلا عن ابن وهب: سمعت مالكا يقول: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا، ولا أدركت أحدا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام، وما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره هذا، ونرى هذا حسنا، وينبغي هذا، ولا نرى هذا (2).
الشافعية:
يرى الشافعية ألا زكاة في الفلوس، بل لا زكاة في المغشوش من النقدين حتى يبلغ خالصه نصابا (3) كما في عبارة المنهاج، والمذهب أنه لا ربا في الفلوس؛ لأن علة الربا في الذهب والفضة عندهم جنسية الأثمان غالبا، فهم يشترطون غلبة الثمنية لا مطلق الثمنية كما سنراه في علة الربا، وليست العلة في النقدين أنهما قيم الأشياء كما جرى عليه في التنبيه؛ لأن الأواني والتبر والحلي يجري الربا فيها وليست قيم الأشياء، فلا بد من غلبة الثمنية، فلو راجت الفلوس رواج النقود أيضا لا ربا فيها (4).
وذكر النووي: أن كون العلة جنسية الأثمان غالبا، قال أصحابنا: غالبا احتراز عن الفلوس الرائجة فلا يحرم الربا فيها كما قطع به المصنف، وفيه وجه شاذ بحرمة الربا فيها حكاه الخراسانيون (5) وحيث لم تتحقق
(1) سورة يونس الآية 59
(2)
إعلام الموقعين 1/ 39، 40، ط دار الجيل.
(3)
مغني المحتاج 1/ 398.
(4)
مغني المحتاج 2/ 25.
(5)
المجموع 9/ 395.
جوهرية الأثمان في الفلوس فلا ربا فيها.
الحنفية:
ينقسم الحنفية بشأن الربا في الفلوس إلى فريقين:
فذهب الشيخان أبو حنيفة وأبو يوسف إلى جواز بيع الفلس بالفلسين بأعيانها، كما ذكره في الكنز وفي شرحه البحر الرائق، ومنع ذلك محمد بن الحسن؛ لأن الفلوس برواجها صارت أثمانا، وجاز بيع الفلس بالفلسين إذا تعينت بغير لبس؛ لأن الفلس عندهم ليس بثمن خلقة، بل صارت ثمنا بالاصطلاح، وقد اصطلحا على إبطاله فتبطل الثمنية بإبطالهما لها، واشتهر عن الكمال بن الهمام في فتح القدير: لو باع كاغدة بألف يجوز ولا يكره - (1) فالشيخان من الحنفية يشترطون التقابض في مبادلة الفلوس بمثلها؛ لأن الجنس وحده علة، ولا يشترطان التماثل، وبثمنية الفلوس عندهم اصطلاحية يمكن إلغاؤها فيحل بيع فلس بفلسين وأكثر عند الشيخين؛ لأنها غير أثمان خلقة كالعروض (2) ولكن الفلوس يثبت لها حكم النقود عند رواجها كالدراهم في كونها لا تتعين بالتعيين (3).
الحنابلة:
في زكاة الفلوس إذا كانت نافقة قال المجد ابن تيمية: تجب فيها الزكاة إذا كانت أثمانا رائجة أو كانت للتجارة وبلغت قيمتها نصابا في قياس المذهب، وقال في الحادي الكبير: والفلوس عرض فتزكى إذا بلغت قيمتها نصابا وهي نافقة، وقال ابن تميم: لا زكاة فيها، ففيها إذا وجهان:
(1) إمتاع الأحداق والنفوس في أحكام النقود والفلوس، للشيخ الفا هاشم الفوتي المدني ص 30.
(2)
رد المحتار 5/ 180.
(3)
جامع الفصولين 1/ 227.
أحدهما: وجوب زكاتها إذا قلنا إنها عروض تجارة
والثاني: لا زكاة فيها، ويجوز التفاضل فيها
ففي بيع فلس بفلسين روايتان منصوصتان أصحهما الجواز. واختار أبو الخطاب أنها أثمان بكل حال (1) وقال المرداوي في الإنصاف: لو صرف الفلوس النافقة بذهب أو فضة لم تجز النسيئة فيهما على الصحيح من المذهب، ونقل ابن منصور الجواز، وهو اختيار ابن عقيل والشيخ تقي الدين، وقال في الرعاية إن قلنا هي عروض جاز وإلا فلا (2).
وتلخيص الخلاف أن جمهور الفقهاء قال: بعرضيتها، وقال محققوهم بثمنيتها وهو الأقوى، فمذهب محمد بن الحسن من الحنفية وأبي الخطاب من الحنابلة، وهو رواية عن أحمد ذكرها صاحب كشاف القناع:(ولا يباع فلس بفلسين) على القول بثمنيتها.
(1) الفروع - لابن مفلح (4/ 151، 152).
(2)
الإنصاف 5/ 41.
وملخص الخلاف كما قال ابن تيمية.
وأما بيع الفضة بالفلوس النافقة هل يشترط فيها الحلول والتقابض كصرف الدراهم بالدنانير فيه قولان هما روايتان عن أحمد:
إحداهما: لا بد من الحلول والتقابض، فإن هذا من جنس الصرف، والفلوس تشبه الأثمان، فيكون بيعها بجنس الأثمان صرفا.
والثانية: لا يشترط الحلول والتقابض؛ لأن الفلوس من باب العروض والثمنية طارئة، وسئل رحمه الله عن الفلوس تشترى نقدا بشيء معلوم وتباع إلى أجل بزيادة فهل يجوز ذلك أم لا؟
فقال رحمه الله: في المسألة خلاف مشهور بين العلماء على قولين: هما قولان عند الحنفية وقولان أيضا
عن الحنابلة:
أحدهما - منصوص أحمد وقول مالك وإحدى روايتي أبي حنيفة: أنه لا يجوز، وقال مالك: وليس بالحرام البين.
والثاني: وهو قول الشافعي والرواية الثانية عن أبي حنيفة، وابن عقيل من أصحاب أحمد: أنه يجوز، ومنهم من جعل نهي أحمد للكراهة؛ فإنه قال: هو يشبه الصرف، والأظهر المنع من ذلك، فإن الفلوس النافقة يغلب عليها حكم الأثمان، وتجعل معيار أموال الناس (1)، ويبدو أنه لخلافهم، حول الثمنية في علة الربا، دور كبير في تحديد موقفهم من الفلوس؛ فالذين يرون جوهرية الأثمان وغلبتها هي العلة، قالوا: إن الفلوس لا تعد مالا ربويا، أما الذين قالوا بأن مطلق الثمنية علة في الربا، وهم المالكية، جعلوا الفلوس مالا ربويا، والذي يبدو - والله أعلم- أن القول بربويتها، حال رواجها، هو الصواب؛ لأن النقدية تثبت بالاصطلاح، ويجري على النقد الاصطلاحي الرائج ما يجري على الذهب والفضة.
وبما أن جمهور الفقهاء على اعتبارها أثمانا برواجها - فإن ذلك يستلزم ما يلي:
1 -
اشتراط الحلول والتقابض، في حال صرفها، بنقود الذهب والفضة.
2 -
يجب أن نؤكد على أن ربا القرض ثابت فيها، وفي كل الأعيان الأخرى، فلا يجوز إقراض مائة فلس بمائة وعشرين مؤجلة، باتفاق الفقهاء جميعا.
وقول النووي في المجموع: إذا راجت الفلوس رواج النقود - لم يحرم الربا
(1) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج 29 ص459، 468.
فيها؛ أي ربا الفضل، فيجوز التفاضل فيها بشرط الحلول والتقابض في المجلس، أما ربا النسيئة فهو محرم إجماعا في أماكن أخرى من المجموع.
3 -
اتفق الفقهاء على جواز التعامل فيها، وهي حال رواجها لا تتعين بالتعيين عند الحنفية، أما الكاسدة فلا بد من تعيينها؛ لأنها تصبح عروضا لا أثمانا، وللفقهاء في أحكام كسادها وانقطاعها أحكام، فصلتها في موضوع مستقل حول أثر تغير سعر العملة.
4 -
يجوز السلم في الفلوس بشرط اختلاف النوع، كفلوس شامية بمصرية، أما إذا اتحد جنسها - فإن تأخير أحد العوضين من ربا القرض المحرم بإجماع، ولكن هذا لا يعني صحة التصارف بالورق النقدي - حالة ومؤجلة، متساوية ومتفاضلة، قياسا على الفلوس، فللورق النقدي حكم آخر.
الورق النقدي في نظر الفقهاء:
اختلفت أنظار الفقهاء للورق النقدي، بعد سريان التعامل به، إلى أقوال نستعرضها بإيجاز في الصفحات التالية:
القول الأول: قياسها على سندات الديون.
اشتهر هذا القول عن المرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي؛ حيث قال: بوجوب زكاتها؛ لأنها وثائق ضمان من السلطان (1)، وهو رأي المرحوم أحمد الحسيني في كتابه:(بهجة المشتاق في حكم زكاة الأوراق)؛ حيث قال: بأن هذا الورق النقدي سندات ديون، سواء كتب عليه وجوب دفع مبلغ من الذهب أو الفضة لحاملها، من جهة إصداره، أو أن صاحبها أودع في الخزينة قيمتها من النقدين فتكون كالوديعة، ومعلوم أن الوديعة لا يصح التصرف بعينها، ولكن الحكومة تتصرف بتلك الوديعة، مما يجعلها دينا مضمونا بسبب إتلاف الحكومة لها بالتصرف في عين الوديعة (2).
ومما يدعم رأي القائلين بأنها سندات ديون:
أ- التعهد المسجل على الورق النقدي، بتسليم قيمته من الذهب لحامله عند الطلب.
ب- ضرورة تغطيتها بالذهب والفضة.
جـ- أن قيمتها مكتسبة، مما تدل عليه من العدد المرقوم عليها، لا من قيمتها الورقية.
د- ضمان جهة الإصدار لقيمتها عند إلغائها.
(1) أضواء البيان للشنقيطي 8/ 500.
(2)
الفتح الرباني في ترتيب مسند الشيباني للساعاتي 8/ 247.
وممن قاسها على الديون كتاب (الفقة على المذاهب الأربعة)؛ حيث ذكر آراء المذاهب في زكاة الديون، ثم حمل آراء المذاهب في الديون على الورق النقدي (1)، وزكاة الدين عند الفقهاء تتلخص في الأحكام التالية:
قال الحنفية: بأن الدين ثلاثة أقسام: قوي ومتوسط وضعيف.
فالقوي ما كان بسبب قرض، أو تجارة على معترف به، ولو مفلسا، والمتوسط ما ليس دين تجارة كطعام وشراب وحاجة أصلية، والضعيف ما كان مقابل غير المال كالمهر وبدل الخلع، والدين القوي تجب زكاته كلما قبض منه أربعين درهما (2).
وقال الحنابلة: إذا كان الدين على معترف به باذل له - فعلى صاحبه زكاته إذا قبضه، ويؤدي لما مضى، أما الدين على معسر وجاحد أو مماطل - ففيه روايتان (3).
وقال الشافعية: يزكى الدين إذا كان ثابتا، وكان من نوع الدراهم والدنانير وعروض التجارة، لا ماشية وطعاما، وسواء كان حالا أو مؤجلا (4).
وقال المالكية: يزكى الدين، بعد قبضه لسنة فقط، إن لم يؤخره فرارا من الزكاة، وإلا زكاه لكل عام مضى عند ابن القاسم بشروط، وهي أن يكون أصله عينا يسلفها، أو عروض تجارة يبيعها بثمن، وأن يقبضه عينا ذهبا أو فضة، ويبلغ المقبوض نصابا (5).
(1) الفقه على المذاهب الأربعة 1/ 605.
(2)
ابن عابدين رد المحتار 2/ 305، المبسوط 2/ 195.
(3)
المغني، ابن قدامة 3/ 46.
(4)
المجموع للنووي 6/ 20.
(5)
الشرح الصغير للدردير 20/ 156.
وإذا اعتبرنا الورق النقدي من الديون القوية - فجمهور الفقهاء على وجوب زكاتها، واشترط الحنابلة قبضها فعلا - ولكن الحنفية والمالكية اشترطوا القبض فعلا، ولكن لما كانت جهة الإصدار كالمدين الحاضر المليء، فالدين في حكم المقبوض تجب زكاته عند غير الحنابلة، والذي يبدو أن الشافعية وحدهم الذين يرون وجوب زكاة الدين المستقر ولو لم يقبض، إلا أنه إذا نظرنا للورق النقدي، من قبيل الحوالة بالمعاطاة على الجهة المصدرة، وعلمنا أن مشهور مذهب الشافعية عدم صحة العقود بالمعاطاة - فتكون الحوالة فاسدة لانعدام الإيجاب والقبول، فلا تزكى إلا بالقبض.
إذا علمنا ذلك فإن كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) قد تساهل في: نسبة أقوال المذاهب لأصحابها في زكاة الورق النقدي، ولكن الكتاب المذكور قد وجد المخرج من ذلك بأن عدم الإيجاب والقبول اللفظين لا يبطل الحوالة؛ حيث جرى العرف بذلك، على أن بعض الشافعية قال: المراد بالإيجاب والقبول كل ما يشعر بالرضا، وهو هنا متحقق.
ويبدو أن قياس هذه الأوراق على الدين لا يستقيم لسببين:
الأول: أن الدين في ذمة المدين لا يعد مالا ناميا، ولا يتعامل بوثيقته رسميا، ووظيفة هذه الوثيقة هي الحفظ من الضياع، بخلاف الورق النقدي فهو نام ومتداول يتعامل به الناس، فلا يمكن عده وثيقة، والفقهاء إنما حكموا بعدم زكاة الدين، حتى يقبض، لهذه العلة (1).
الثاني: أن هذه الأوراق أصبحت قيمة في ذاتها، وبعد أن أصبحت النقود الورقية إلزامية، لا يمكن استبدالها برصيدها المحفوظ من الذهب والفضة،
(1) فقه الزكاة - د. يوسف القرضاوي 1/ 273.
وإذا كانت زكاة النقدين معلولة بالثمنية، وهذه الثمنية تثبت بالاصطلاح - فلا شك في وجوب زكاتها كالفلوس.
وليس ضروريا أن يكون الغطاء الذهبي شاملا لكل أوراق الإصدار، بل إن النقد الائتماني يغطي جزء منه فقط، ويعطي الباقي بالتزام سلطاني من الحكومة يحدد بقانون.
كما أن التغطية قد لا تكون ذهبا أو فضة، فقد تغطي العملة الصادر في ميزانية الدول بمجموع الإنتاج العام كالصادرات الهامة، والعقارات وبعض المحاصيل الرئيسية كالقطن والقمح، وفي هذه الحالات يبقى الالتزام الحكومي هو الغطاء دون الذهب والفضة، فلا مجال إذا لاعتبار الورق النقدي سندات بديون، بل ما دام هذا الورق هو وسيط التبادل ومقياس القيم فلا بد من اعتباره نقدا بعينه، واعتبارها وثائق ديون يوقع الأمة في حرج كبير، والحرج مرفوع شرعا. ويكفي أن نتصور ما يستلزمه هذا القول من آثار فقهية:
إن اعتبار الورق النقدي سندات ديون يستلزم فقها:
- عدم جواز اعتبارها رأس مال في السلم؛ حيث اشترطنا فيه القبض، وتسليم سند الدين لا يعتبر قبضا، بل هو حوالة بالقيمة على جهة الإصدار.
- عدم جواز صرفها بنقد معدني من الذهب أو الفضة، ولو كان يدا بيد؛ لأن هذا الورق سند بدين غائب، ومن شروط الصرف التقابض في مجلس العقد.
- إن واقع الأمر بعدم إمكان قبض قيمة هذا الورق، من جهة الإصدار،
يستلزم عدم زكاتها مطلقا، عند القائلين باشتراط القبض في زكاة الدين.
- لا يصح بيع وشراء ما في الذمة من عروض وأثمان بهذه الأوراق؛ لكونها وثائق بديون غائبة، وقد «نهى صلى الله عليه وسلم بيع الكالئ بالكالئ» (1).
وإذا صح هذا القول باعتبار الورق النقدي دينا على جهة الإصدار، في وقت كانت سلطات الإصدار تنفذ تعهدها المكتوب بدفع قيمة البنكنوت ذهبا أو فضة، فلا يصح ذلك في زماننا، حيث يسود مبدأ النقود الإلزامية التي لا تقبل الاستبدال بالذهب أو الفضة، والتعهد المكتوب عليها مجرد نظام متبع لإصدار النقد، وإكسابه مزيدا من الثقة.
إذن فتكييفها الفقهي كديون غير سليم، بل هي دين من نوع جديد نلتمس له تكييفا آخر.
القول الثاني: اعتبار الورق النقدي كعروض التجارة.
القول بعرضية الورق النقدي وقياسه على الفلوس مشهور في مذهب المالكية، فقد ذكر صاحب [التعليق الحاوي لبعض البحوث على الصاوي] أن الشيخ محمد بن علي بن حسين المكي له كتاب في حكم الورق المتعامل به في عصرنا:[شمس الإشراق في التعامل بالأوراق] تناول الخلاف الفقهي حوله، كما سئل عنها الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي فأجاب بما يلي:
بعد أن تحدث عن جواز التعامل بها؛ لأنها مما له قيمة وثمن معتبر شرعا وعادة؛ إذ القيمة تابعة للرغبات، ذكر فساد قياسها على السفاتج (الحوالات والديون) لعدم المساواة في العلة الجامعة بين المقيس والأصل.
(1) الورق النقدي عبد الله بن سليمان بن منيع ص54.
فمسألة الأنواط ليست من القياس في شيء، بل هي من باب إدخال الجزئيات تحت الكليات، ولا يمتنع مثل هذا القياس على المقلد؛ لأن إلحاق الجزئيات، بكلية نص عليها الفقهاء، مما يتمكن كثير من الناس أن يفعله.
إننا لو رجعنا إلى تعريف العروض عند الفقهاء - لما خرجت الأنواط عن كونها عرضا، فالعرض قيل فيه:(ما عدا العين والطعام - ما سوى النقد - كل ما لا زكاة في عينه، ومنهم من قال: هو كل ما عدا الحيوان والطعام والنقد).
هذا استقراء حد العرض عندهم، وكلها تعتبر الأنواط عرضا فلا صحة لقول من يمنع كونها عرضا، وهي ليست مسألة قياسية، بل جزئية تندرج في كلية العروض: كالفلوس والجلود وغيرها مما تداوله الناس من المسكوكات غير الذهب والفضة - ثم لخص مذهب المالكية في الفلوس والخلاف في كونها نقدا أو عرضا، وكراهة مالك النسيئة فيها كما تقدم - ومنعه ذلك منع كراهة لا منع تحريم، ويجوز التفاضل فيها مطلقا، ولكن المناجزة فيها أولى وأسلم من النسيئة، خروجا من الخلاف وفرارا من الكراهة.
وإذا عرفنا أن هذا الرأي مدون عام (1) 1339 هـ 1918م؛ حيث كان العالم قد خرج من الحرب العالمية الأولى، وما تزال ذكريات الناس متعلقة بالنقد الذهبي والفضي المتداول قبل الحرب، وعرفنا نفور الناس من النقد الورقي - علمنا واقعية هذا الرأي في زمانه، ولكنه لا ينطبق على واقعنا المعاصر.
(1) الحاوي على الصاوي بحاشية الشرح الصغير ج 4 ص42 - 86.
وممن قال بعرضية الورق النقد علامة القصيم الشيخ عبد الرحمن آل سعدي، رحمه الله، فقد قال في فتاويه: (أنه يجب بها الواجبات الشرعية: كالزكاة، والنفقات، والكفارات المالية، ولكنه لم يجر عليها أحكام الربا كالنقدين؛ حيث علل ذلك بأن التعامل يقع على نفس القرطاس والورق، فهو المقصود لفظا ومعنى، وهو ليس ذهبا ولا فضة، فلا يدخل في أعيان الربا الستة، وهذا الورق، وإن اتصف بالثمنية كالنقدين، لكنه يخالفهما في ذاته ومعدنه، فلا يعطى حكم الذهب والفضة بإطلاق، كما أن أنواع الجواهر الثمينة لا يحكم لها بأحكام النقدين، وإلا لأدخلنا في كلام الشارع ما ليس منه.
والشيخ، كما يبدو، يرى علة الأعيان الربوية قاصرة، كما هو قول ابن عقيل من الحنابلة، والمشهور عند الحنابلة أن الوزن هو العلة، ولا يتحقق الوزن في النقد الورقي، فتعين أنه بمنزلة العروض والفلوس المعدنية يجوز التفاضل فيها ويحرم النسيئة (1)؛ فالورق النقدي مال متقوم مرغوب فيه مدخر، يخالف النقدين ذاتا ومعدنا، وهو ليس مكيلا ولا موزونا ولا من جنس الأعيان الربوية الستة.
ولكن إذا اعتبرنا الورق النقدي من عروض التجارة - فسيترتب على قولنا الأحكام التالية:
أ- عدم جواز السلم بها، فلا تكون رأس مال سلم عند من اشترط كونه نقدا؛ لأنها ليست أثمانا، وإنما هي عروض تجارة.
ب- عدم جريان الربا بنوعيه فيها، وتحرزهم من النسيئة إنما هو بسبب
(1) الفتاوى السعدية ص319 - 324.
الثمنية الاصطلاحية، التي يمكن رفعها عند الحنفية، كما تقدم في الفلوس.
جـ- عدم وجوب الزكاة فيها إلا إذا اتخذت بنية التجارة.
وهذا يعني فتح باب الربا على مصراعيه، ويتسع الخرق أكثر مما نحن فيه، فيجب تدارك الأمر بالاعتراف للنقد الورقي أنه صار من جنس الأثمان، ولو بالغلبة، وغلبة الثمنية علة كافية عند المالكية، فلا يمكن أبدا تجاهل صفة الورق النقدي، كنقود وأثمان، قياسا على الذهب والفضة، كيف لا وقد اختفى الذهب والفضة من التداول، وحل محله هذه الأوراق؟.
القول الثالث: إلحاقها بالفلوس.
عرفنا في مبحث الفلوس أنها ليست ذهبا ولا فضة، بل هي في الغالب من النحاس والبرونز، وأنها لا زكاة فيها عند بعض المذاهب، إلا إذا اتخذت للتجارة، فتزكى كالعروض بقيمتها، وعرفنا أن من رأي الشيخ عبد الرحمن آل سعدي قياسها على الفلوس، فأثبت لها حرمة النسيئة مع جواز التفاضل، واستدل الشيخ لرأيه (1) أن الأصل في المعاملات الحل، وأن ربا الفضل حرم سدا للذرائع، وأبيح منه ما تستلزمه الضرورة، كما أوضحه ابن القيم في إعلام الموقعين.
وقد ذهب الشافعية إلى جواز التفاضل فيها، إذا كان يدا بيد؛ لعموم الحديث:«فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد (2)» ، والورق النقدي يشبه الفلوس في بعض هذه الأمور، فيعد بمنزلة الفلوس، ولو تعددت جهات إصداره، ولكن التفرقة بين ربا الفضل والنسيئة على رأي الإمام ابن القيم
(1) المختارات الجلية، عبد الرحمن آل سعدي ص368.
(2)
صحيح مسلم المساقاة (1587)، سنن الترمذي البيوع (1240)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 320).
لا يسلم به العلماء، فالجنس الربوي الواحد، يحرم الفضل والنسيئة فيه كالذهب بالذهب، فكذا الورق النقدي يجب أن يكون كذلك.
والقائسون على الفلوس، يرون وجه الشبه كون الفلوس يتجاذبها عاملان - أصلها العرضي وواقعها النقدي، فهي وسط بينهما، وهذه الإجابة مردودة؛ لأن الشيء إذا تنازعه حاظر ومبيح - قدم الحظر مطلقا للاحتياط، ولا بد من الجزم بأحد الحكمين.
ولكن هل تصح دعوى قياس الورق النقدي على الفلوس، وهل الصفة النقدية في الأنواط المعاصرة كالصفة النقدية للفلوس؟ فالفلوس تاريخيا تستخدم لشراء التوافه، للمعاملة مع النصارى، فهل النقد الورقي كذلك؟ ومن صار أكثر ماله الفلوس عد مفلسا، فهل يعد من جمع الملايين من الورق النقدي مفلسا في عرفنا المعاصر؟ فالواقع يرفض قياس الورق النقدي على الفلوس. ثم إن القياس الأصولي لا تتحقق أركانه هنا، بل يعد قياس الورق النقدي على الفلوس من القياس الفاسد لسببين:
الأول: يشترط في المقيس عليه - الأصل- أن يكون له حكم ثابت بنفسه، فإن لم يوجد له حكم ثابت من الكتاب والسنة والإجماع - فلا يصح جعله أصلا يقاس عليه؛ لعدم وجود حكم الأصل.
الثاني: من شروط حكم الأصل أن يثبت بغير القياس في أشهر أقوال الأصوليين، أما الحكم الثابت بالقياس - فلا يقاس عليه؛ لاستلزامه وجود قياسين أحدهما لإثبات حكم الأصل، والثاني لإثبات حكم الفرع، فإذا اتحد القياسان في العلة - فلا حاجة للقياس الثاني، فالفلوس مقيسة على النقدين، والورق النقدي يجب أن يقاس عليهما لا على الفلوس بجامع الثمنية.
وحكم الفلوس ثابت عند المالكية، بقياسها على الذهب والفضة، فيمكن قياس الورق النقدي على الأصل المقيس عليه - الذهب والفضة - ثم إن الصفة النقدية (جوهر الثمنية روح الثمنية) في الورق النقدي أكبر بكثير من الصفة النقدية في الفلوس، التي تعد ضعيفة الثمنية بالنسبة للورق النقدي الذي يصرف كرواتب للعمال، ومهور للزواج، وديات، وأروش ضمان، وسائر المعاملات.
فقياس الورق النقدي على الفلوس غير صحيح؛ لأن هذا الورق موغل في الثمنية إيغالا شديدا، بل أصبح اليوم ثمنا للذهب والفضة نفسهما، ويشترى به كل ما يحتاجه المجتمع من الزبدة إلى الطائرات.
والقياس الحق أن يقاس الورق على الذهب والفضة الثابت حكمهما بالنص، وعلة الثمنية متوفرة في الأصل والفرع، وبهذا القياس يصبح الورق النقدي مالا ربويا؛ لوجود مناط الحكم فيه.
وهناك فارق آخر لم ينتبه إليه القائسون على الفلوس، وهو أن الفلوس إذا كسدت تفقد قيمتها كنقود، وتعود عروض تجارة، ولكن الورق النقدي بانتقاله من العرض إلى الثمنية لا يمكنه الرجوع إلى العرضية، إذا سلبت صفته النقدية بإبطاله، بل يفقد كل قيمة نهائيا، ويصبح ورقا تافها.
القول الرابع: اعتبار الورق النقدي نقدا، بديلا عن الذهب والفضة.
ذهب جمهور الفقهاء المعاصرين أن الورق النقدي بديل عن الذهب والفضة، والبدل له حكم المبدل منه تماما في كل الأحكام؛ ومن الفقهاء القائلين بذلك الشيخ: حسنين مخلوف في رسالته: (التبيان في زكاة
الأثمان) قال: (ولو فرض أنه ليس في البنك شيء من النقود - الرصيد - ونظر إلى تلك الأوراق في ذاتها، بقطع النظر عما يعادلها من الذهب وعن الالتزام المرقوم عليها، واعتبر فقط إصدار الحكومة لها ورواجها أثمانا - لكانت كالنقدين تجب زكاتها لمجرد الثمنية، ولو لم تكن خلقية (كالفلوس والجلود والكواغد)، وقد رجح هذا الرأي صاحب الفتح الرباني (1) والدكتور القرضاوي في فقه الزكاة (2) والشيخ رشيد رضا - صاحب المنار - حيث سئل عن القراطيس المالية، فأجاب بأنها من قبيل النقود الذهبية، نقدا لا عروض تجارة، تجب فيها الزكاة، ويحرم فيها الربا؛ لأنها تروج في الأسواق كالنقدين تماما (3) واستمع إلى أحد شيوخ المالكية يلخص رأيه فيها فيقول (4):
للمالكيين اختلاف في الفلوس
…
هل عين أو عرض كلاهما مقيس
وألحقوا بها الكواغد التي
…
بها التعامل بكل دولة
قال الرهوني الاختلاف في الفلوس
…
جدا قوي فاكفنا شر النفوس
فمن يقل بالعين أوجب الزكاة
…
ومنع الصرف مؤخرا ثبات (جماعات)
وقال هي بدل عن عين
…
لذاك راجت برواج العين
(1) الفتح الرباني في ترتيب مسند الشيباني، عبد الرحمن البنا 8/ 250 ط دار إحياء التراث العربي.
(2)
فقه الزكاة، د. القرضاوي 1/ 257.
(3)
مجلة المنار مجلد 12 ص 909.
(4)
نظم مبحث في حكم زكاة الفلوس والكاغد، محمد الحسن الشنقيطي، مطابع الأمل، عمان الأردن
أو هي مثل العين في التعارف
…
لذاك صارت قيمة المتالف
وهي حقيقة مع العين عروض
…
وهل تقوم العروض بالعروض
فإن تكن قد أفردت صارت ثمن
…
أغلبيا وذاك في الربا استكن
فعمل النائب في فقد المنوب
…
كتب في الكاغد معنى لينوب
إذ شهر العدوي علة الربا
…
في النقد بالتثمين الأغلب اطلبا
وقيل بل مطلق تثمين ربا
…
فتدخل الفلوس في الخرشي الربا
فالشيء إن يقم مقام الشيء
…
فحكم الأول لذاك الشيء
في مسلم بيع صكاك ذي طعام
…
من قبل قبضه كبيع للطعام
يؤخذ من ذا أن حكم العين
…
للكاغد الرايج حكم العين
لا سيما والمال في هذا الزمان
…
كثر جدا بالكواغد الثمان
وملخص رأيه أن الكاغد مقيس على الفلوس، وأنها بمقابلتها بالذهب والفضة تعتبر عروضا، فإذا انفردت أصبحت ثمنا مستقلا، ينوب عن النقدين الغائبين عن مجال التداول، ويثبت للنائب أحكام المنوب عنه، وعلة
الربا الثمينة مختلف في طبيعتها؛ فغلبة الثمنية هي المناط في حاشية العدوي، وقال الخرشي: يكفي مطلق الثمنية في تحقيق العلة، وحيث قامت الثمنية ولو قليلة في الكاغد والفلوس تدخل الأموال الربوية.
واستدل على أن للنائب حكم المنوب، بما روى مسلم في صحيحه، وهو في الموطأ: قال مالك: أنه بلغه أن صكوكا خرجت للناس في زمن مروان بن الحكم من طعام (الجار)[مكان بساحل البحر الأحمر يجمع فيه الطعام]، فتبايع الناس تلك الصكوك قبل أن يستوفوها، فدخل زيد بن ثابت ورجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم صرح مسلم في روايته أنه أبو هريرة رضي الله عنهم على مروان بن الحكم فقالا: أتحل الربا يا مروان؟ فقال أعوذ بالله وما ذلك؟ فقالا: هذه الصكوك تبايعها الناس، ثم باعوها قبل أن يستوفوها، فبعث مروان بن الحكم الحرس ليتبعونها ينزعونها من أيدي الناس ويردونها إلى أهلها (1).
والصكوك رقاع مكتوب فيها أعطيات الناس من الطعام، والظاهر أنها راجت كرواج النقد الورقي المعاصر، ولكن المنع الذي فرضه الصحابة إنما كان على بيع الطعام قبل قبضه، ولكن يستدل منها أن ما ناب عن الطعام له حكم الطعام، فكذلك ما ناب عن الذهب له حكم الذهب.
القول الخامس: الورق النقدي نقد مستقل.
انطلاقا من التعليل بالثمنية قررت هيئة كبار العلماء، في المملكة العربية السعودية، في فتواها الخاصة بشأن الورق النقدي ما يلي:
(وحيث إن القول باعتبار مطلق الثمنية علة في جريان الربا في النقدين
(1) الزرقاني على الموطأ 3/ 284، والباجي في المنتقى 4/ 284.
هو الأظهر دليلا والأقرب إلى مقاصد الشريعة، وهو إحدى الروايات عن الأئمة مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وغيرهما، وحيث إن الثمنية متحققة بوضوح في الأوراق النقدية؛ لذلك كله فإن هيئة كبار العلماء تقرر بأكثريتها: أن الورق النقدي يعتبر نقدا قائما بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان، وأنه أجناس تتعدد بتعدد جهات الإصدار، بمعنى أن الورق النقدي السعودي جنس، والأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، وأنه يترتب على ذلك الأحكام الشرعية الآتية:
أولا: جريان الربا بنوعيه فيها، كما يجري الربا بنوعيه في الذهب والفضة وفي غيرهما من الأثمان كالفلوس، وهذا يقتضي ما يلي:
أ- لا يجوز بيع بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى، من ذهب أو فضة أو غيرهما، نسيئة مطلقا، فلا يجوز مثلا بيع الدولار الأمريكي بخمسة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر نسيئة.
ب- لا يجوز بيع الجنس الواحد منه ببعضه متفاضلا [يدا بيد أو نسيئة]، فلا يباع عشرة أريلة بأحد عشر ريالا سعوديا ورقا.
ج- يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه، إذا كان يدا بيد، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية بريال سعودي ورقا أو فضة أو أقل أو أكثر يدا بيد، ومثل ذلك بيع الريال السعودي الفضة بثلاثة أريلة سعودية من الورق أو أقل أو أكثر يدا بيد؛ لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه، ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة.
ثانيا: وجوب زكاتها إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من الذهب أو
الفضة، أو كملت النصاب مع غيرها من الأثمان وعروض التجارة، إذا ملكها أهل وجوبها.
ثالثا: جواز جعلها رأس مال للسلم والشركات) (1).
(1) مجلة مجمع البحوث الإسلامية، المجلد الأول [رجب شعبان رمضان] 1395هـ.
تحديد النصاب من النقد الورقي المعاصر:
ناقش الفقهاء المعاصرون هذه المسألة، واشتجر الخلاف بينهم في تحديد نصاب العملة الورقية، ولم ينتهوا جميعا إلى رأي واحد يجزمون به، وكلهم مجتهد مأجور، إن شاء الله، في مسألة اجتهادية جديدة، ونستعرض هنا بعض هذه المحاولات.
تقدير الدكتور محمد شوقي الفنجري [20000] عشرون ألف ريال سعودي:
ذكر الدكتور الفنجري تقديره في مقابلة صحفية أجرتها معه (اليمامة) السعودية، في عددها رقم 802 تاريخ 8 شعبان 1404هـ، حيث قال ردا على سؤال المجلة، كيف نحدد نصاب الزكاة بعملة اليوم الورقية، فأجاب فضيلته:
نصاب الزكاة هو حد الكفاية، أو هو الحد الأدنى الموجب للزكاة؛ فمن زاد عليه وجبت الزكاة في حقه، ومن نقص عنه كان ممن يستحق الزكاة بقدر ما يصله إلى النصاب، وقد ورد في السنة النبوية أن نصاب الزكاة في الغنم هو ما زاد عن أربعين شاة، وما زاد على عشرين مثقال ذهب، أو مائتي درهم فضة، وكانت هذه الأنصبة متساوية، وكل منها تكفي معيشة أسرة كاملة لسنة كاملة، وحيث كانت الأربعين شاة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم
تساوي مائتي درهم، فالشاة ثمنها خمسة دراهم، وبما أن متوسط سعر الشاة اليوم [500] ريال فنصاب الزكاة، بالعملة الورقية السعودية، يساوي عشرون ألف ريال، فمن كان عنده أكثر من عشرين - وجبت عليه الزكاة بواقع 2. 5% (1).
ويقول الدكتور الفنجري في كتابه (المذهب الاقتصادي في الإسلام): ولكن التعامل اليوم أصبح بالعملة الورقية، وهذه تختلف من مكان إلى آخر، ومن زمان إلى آخر، كما أن النصاب الشرعي من الفضة أصبح لا يساوي شيئا يذكر بجانب الأنصبة الشرعية الأخرى من الذهب أو الأنعام وغيرها، وهذا ما يدعونا اليوم إلى ضرورة تحديد نصاب الزكاة بالعملات السائدة في كل بلد باعتبار الأساس الشرعي، وهو ما يلزم من عملة هذا البلد لمعيشة أقل أسرة لمدة سنة كاملة (2).
تقدير الدكتور يوسف القرضاوي في فقه الزكاة:
إن الأسس التي انطلق منها التقدير السابق للدكتور الفنجري هي نفسها الأسس التي ينطلق منها الدكتور القرضاوي، في كتابه القيم (فقه الزكاة)، وموجز كلامه في المسألة كما يلي:
بماذا نحدد النصاب في عصرنا بالذهب أم بالفضة؟ فالنصاب هو الحد الأدنى للغنى الموجب للزكاة - قال العلامة ولي الله الدهلوي: (إنما قدر النصاب بخمس أواق من الفضة؛ لأنها مقدار يكفي أهل بيت سنة كاملة، إذا كانت الأسعار موافقة في أكثر الأقطار، واستقرئ عادات البلاد المعتدلة في الرخص والغلاء - تجد ذلك)(3).
(1) مجلة اليمامة السعودية عدد (802)، 8 شعبان 1404هـ.
(2)
المذهب الاقتصادي في الإسلام / دار عكاظ د. محمد شوقي الفنجري ص 175.
(3)
فقه الزكاة - د. يوسف القرضاوي ج1 ص 265، والنص من حجة الله البالغة للدهلوي.
لقد مال كثير من المعاصرين إلى تقدير النصاب بالفضة؛ لكونه مجمعا عليه، والتقدير به أنفع للفقراء، بينما يرى آخرون تقديره بالذهب؛ لتغير قيمة الفضة بعد عصر الصحابة، بينما ظل الذهب ثابتا، والتقدير بالذهب أقرب إلى موافقة بقية أنصبة الزكاة: الأنعام، الزروع، ولكن التقدير بالذهب أو الفضة لا يحقق النصاب المقدر بها كفاية أسرة لمدة سنة كاملة، وقيمة النقود حقيقة إنما تكمن في قوتها الشرائية، أما عينها فلا تؤكل، ولا تغني عن البشر شيئا، ولشدة تغير قيمة النقدين يرى بعض الفقهاء أن يقدر النصاب بالأنصبة الأخرى التي لا تتغير تغير النقود.
فهل نقدر النصاب بقيمة الأوسق الخمسة؟ ولكن قيمة الأوسق هذه تقل كثيرا عن نصاب الأنعام، ولعل الشارع قصد تقليل نصاب الزروع لعدة معان منها:
أن نعمة الله أظهر في الزروع منها في أي شيء آخر، وجهد الإنسان فيها أقل من جهده في الثروات الأخرى، كما لا يستغني البشر عما أخرجت الأرض من نبات، وإن استغنوا إلى حد ما عن الحيوان، ولهذا قصد الشارع إلى تقليل نصابها؛ لأنها كلها نماء للأرض، كما زاد نسبة الواجب فيها، فلم يبق إلا التقدير بالنصاب الحيواني. وحيث اختلف الفقهاء في نصاب البقر، من خمس إلى ثلاثين إلى خمسين، فليس إلا التقدير بالإبل والغنم، فهل نقدر بها؟ الجواب نعم، إذا كان نصاب الغنم يساوي 200 درهم فضة، ثم نقل نص السرخسي في المبسوط الذي يفيد: أن ثمن الشاة خمسة دراهم، وثمن بنت المخاض وهي أدنى الأسنان الواجبة في الإبل (40) درهما، ولكن جاء في البخاري ما يفيد أن ثمن الشاة:(10) دراهم، في حديث الجبران «من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة -
فإنها تقبل منه ومعها شاتان، أو عشرين درهم (1)»، وإن حدث العكس بأن وجبت عليه حقة، وليس عنده إلا جذعة، فتقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين (2)، وحيث ثبت شرعا أن ثمن الشاة عشرة دراهم، فنصاب الغنم 40 × 10=400 درهم، كان نصاب الفضة نصف نصاب الغنم تماما، فيمكننا تقدير نصاب الورق النقدي المعاصر، بما يوازي متوسط نصف قيمة خمس من الإبل أو أربعين من الغنم في أوسط البلاد وأعدلها؛ لأن الثروة الحيوانية قد تندر في بلد وتكثر في بلد آخر، ولا بد أن يقوم بالتقدير أهل الرأي والخبرة.
فالنصاب نصف ثمن أربعين شاة، فيكون عشرة آلاف ريال إذا كان سعر الشاة [500 ريال]. ويفهم من خلال كلام فضيلة الدكتور القرضاوي أن نصاب العملة الورقية يكون تقديرا ثابتا، فلا يعقل كون النصاب اليوم مائة ريال، وبعد سنة خمسمائة ريال.
هذه خلاصة التقدير، ويلاحظ أنه، بالرغم من اتحاد الأسس التي بنى عليها العالمان الجليلان، قد انتهوا إلى أرقام أحدها ضعفي الآخر، فأيهما الصواب؟
تقدير الدكتور شوقي إسماعيل شحاته:
شرح الدكتور شحاته رأيه في كتابه (التطبيق المعاصر للزكاة)، وهو يقرر مبدأ تساوي أنصبة الزكاة، فأثبت (نص العناية على الهداية) للبابرتي الذي يفيد أن سعر الشاة خمسة دراهم، وسعر بنت المخاض أربعون درهما، فتتساوى أنصبة الإبل والغنم والدراهم، بل قرر أن الأضحية تكون
(1) صحيح البخاري الزكاة (1453)، سنن النسائي كتاب الزكاة (2455)، سنن أبو داود كتاب الزكاة (1567)، سنن ابن ماجه الزكاة (1800)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 12).
(2)
فقه الزكاة د يوسف القرضاوي ج1 بتصرف الصفحات 263 - 268.
بالشاة، ويصح اشتراك سبعة في ناقة أو بقرة (1)، ثم قال إن قيمة الوسق أيضا (ستون صاعا) تعادل أربعين درهما، ولم يذكر مرجعه في ذلك، كما لم يذكر نوع الوسق أهو وسق حنطة أم شعير أم قطن أم ملوخية. وقدر الدينار الشرعي بطريقة حسابية، بسطتها في بحث لي عن المقادير الشرعية، بما يعادل (2)[4. 45714] غرام، وانطلاقا من وزن الدينار المذكور، فإن نصاب النقد الورقي، من أي عملة كانت، يحدد بحساب تعادل العملة المذكورة من الذهب مع وزن الدينار الشرعي؛ فمثلا إذا كان سعر غرام الذهب عام 1396هـ يساوي (17) ريال، فتكون قيمة الدينار الشرعي 4. 45714 غرام × 17 = 75. 77138 ريال سعودي، فيكون نصاب الأريلة الورقية 75 × 20 = 1500 ريال سعودي، وقد أحسن صنعا عندما قدر قيمة العملة الورقية بالذهب، دون اللجوء إلى تقديره بالأنصبة الأخرى.
مناقشة الأسس التي بنيت عليها التقديرات السابقة:
يلاحظ، من خلال عرض الآراء الثلاثة السابقة، اتفاقها على مبدأ تساوي الأنصبة الزكوية جميعا، وينطلق التقدير الأول والثاني من مبدأ آخر، وهو ربط النصاب بحد الكفاية لمدة سنة كاملة، والتقدير بالذهب والفضة لا يحقق هذه الكفاية، ونناقش الآن هاتين الفكرتين.
المبدأ الأول: مبدأ تساوي أنصبة الزكاة.
اتفق الفقهاء جميعا على أن أنصبة الزكاة توقيفية، لا مجال فيها لزيادة أو
(1) التطبيق المعاصر للزكاة، د. شوقي إسماعيل شحاته، دار الشروق ص102.
(2)
التطبيق المعاصر للزكاة، د. شوقي إسماعيل شحاته، دار الشروق ص 110.
نقص؛ فهي مقدرة من الشارع بدقة حكيمة، ولا يشترط تساويها في القيمة، ولو كانت القيمة معتبرة في تحديدها - لأمكن للشارع الحكيم ضم ممتلكات الرجل من أنواع الأموال لتشكل نصابا، ولم يقل أحد ممن يقتدى به أن من يملك أربعة جمال، وعشرين بقرة، وثلاثين شاة يجب أن يضمها إلى بعض بالقيمة ويخرج زكاتها، ولم يعتبروا القيمة إلا في نصاب العروض التجارية التي تقدر بالنقدين.
ولو كان تساوي قيمة الأنصبة مقصودا شرعا - لردت الأنصبة جميعا إلى الذهب والفضة، لتقدير قيمتها وفق هذا النصاب.
ولو افترضنا، جدلا، تساوي الأنصبة جميعا في عصر من العصور، فلا ينبغي تعميم ذلك وسحبه على أنه حكم شرعي، بل هو اتفاق بقدر الله جل وعلا، ولا أثر له في الحكم بعد تحديد النصاب عينا وعددا. واستطاع الدكاترة الأفاضل سرد أمثلة، من السنة النبوية، على دعوى تساوي قيمة الأنصبة، وأهمها وأصحها حديث الجبران، عند البخاري، الذي استدل به الدكتور القرضاوي على أن ثمن الشاة عشرة دراهم، وقال الدكتور الفنجري: أن سعر الشاة خمسة دراهم استنادا إلى تقدير السرخسي في المبسوط، والذي أورده بصيغة ضعيفة، وتعقبه فيها ابن الهمام في فتح القدير؛ مستدلا بحديث البخاري في الجبران، وقد جاءت أدلة أخرى تنقض هذا الاستدلال؛ منها:
1 -
حديث عروة البارقي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا ليشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح به (1)» رواه البخاري وأحمد
(1) صحيح البخاري المناقب (3643)، سنن الترمذي البيوع (1258)، سنن أبو داود البيوع (3384)، سنن ابن ماجه الأحكام (2402).
وأبو داود، وجاء مثله تماما عن حكيم بن حزام رضي الله عنه (1)؛ ففي الحديث ما يدل على أن الشاة ثمنها دينار، أو نصف دينار في سوق المدينة؛ أي ما يعدل: 5 - 10 دراهم، إذا كان الدينار عشرة دراهم، وقد يكون ثمنها ستة دراهم أو سبعة أو ثمانية أو تسعة، وقد تفوق الدينار، فهل يمكن الاستدلال بهذا على ثمن الشاة المقدر بها النصاب.
2 -
روى البخاري في كتاب الحدود - السرقة - عن ابن عمر رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم (2)» ، وهي ربع دينار، كما فسرته أحاديث الباب الأخرى عند البخاري، ولم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم في أقل من ثمن المجن (3)، وهذه الأحاديث تدل على أن ربع الدينار ثلاثة دراهم، فالدينار اثنا عشر درهما، والحديث أصح من كل الأحاديث الأخرى.
3 -
حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «كان يبيع الإبل بالبقيع "فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير آخذ هذه من هذه. . . "، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا، وليس بينكما شيء (4)» ، وسعر يومها يدل على اختلاف السعر في اليوم الواحد، وليست قيمة تعادلها ببعضها حكما شرعيا لا بد من الالتزام به.
4 -
اختلف الفقهاء في دية النفس فهي: مائة من الإبل، أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، ثم إن عمر رضي الله عنه جعلها اثني عشر ألف درهم، وهذا يدل على أن الدينار يعادل (12) درهما، بل جاء عن عكرمة
(1) نيل الأوطار للشوكاني 6/ 5.
(2)
صحيح البخاري الحدود (6795)، صحيح مسلم الحدود (1686)، سنن الترمذي الحدود (1446)، سنن النسائي قطع السارق (4908)، سنن أبو داود الحدود (4385)، سنن ابن ماجه الحدود (2584)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 64)، موطأ مالك الحدود (1572)، سنن الدارمي الحدود (2301).
(3)
فتح الباري شرح البخاري 12/ 97.
(4)
عون المعبود، شرح سنن أبي داود 3/ 259، وتحفة الأحوذي 2/ 240.
عن ابن عباس: «أن رجلا قتل، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألف (1)» .
5 -
الراجح عند جمهور الفقهاء أن الدية مائة من الإبل، وتساوي من الأموال الأخرى 100 جمل - 200 بقرة - 2000 شاة - 1000 دينار - 10000 درهم، أو 12000 درهم، والإبل هي الأصل في الدية، وبقية الأصناف مصالحة وتقدير شرعي، فهل تتناسب مع تقديرات الزكاة؟
سعر الجمل في الدية 1000 دينار ÷ 100 جمل = 10 دنانير.
سعر الجمل في الزكاة 20 دينار ÷ 5 جمل = 4 دنانير، فأين اتحاد الأنصبة، وقس بقية أسعار الماشية بالدراهم والدنانير - تجد الفرق شاسعا، ولا صحة لدعوى اتفاق الأنصبة.
وهذا جدول بأسعار السائمة بالدرهم والدينار في الزكاة والدية.
الصنف
…
الدية
…
الزكاة
دينار ــ درهم
…
دينار ــ درهم
…
ــ
إبل
…
10 ــ 100
…
4 ــ 40
بقر
…
5 ــ 50
…
0. 65 ــ 6. 5
غنم
…
0. 5 ــ 5
…
0. 5 ــ 5
ويتضح من الجدول أن الغنم وحدها ثابتة السعر في الدية والزكاة، أما البقر والإبل - فلها سعر مستقل في الحالتين.
6 -
وقد ذهب الدكتور شحاته إلى القول بأن ثمن الشاة خمس دراهم، وهذا يعني أن ثمن الجمل أربعون درهما في نصاب الزكاة، ولهذا أجزأت الناقة
(1) نيل الأوطار ج7/ 240، 241.
عن ثمانية أشخاص في الأضحية؛ لأنها تعدل ثمان شياه، والبقر أيضا نصابه واحد يعادل نصاب الغنم، وقد علم الناس جميعا أن الصحيح الراجح أن البدنة والبقرة تجزئ عن سبعة أشخاص، لا عن ثمانية؛ لحديث جابر، عند مسلم:«نحرنا، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة (1)» .
7 -
وتأتي الداهية الدهياء إذا اعتبرنا الأوسق الخمسة، وهي نصاب الزروع، تساوي 200 درهم فضة، ومن المعلوم أن البر أغلى من الشعير، وكلاهما أغلى من الذرة، والسمسم أغلى منهما، فأي الأوسق هذه التي تساوي نصاب النقود.
وقد علم السادة الأفاضل أن الأنصبة تراعى في تدرجها تكاليفها الملقاة على عاتق المسلم الذي يقوم بحيازة هذه الأموال، فالنقود باعتبارها نامية قدر لها النصاب المعروف، بينما الزروع كلها نماء، ولا عناء فيها كتربية الماشية، فكان نصابها أقل، وكانت زكاة الماشية تتناقص عكسا بزيادة الكمية؛ لتشجيع تنمية الثروة الحيوانية، فكل نصاب في الأموال الزكوية محدد مستقل، ساوى الأنصبة الأخرى أم لم يساويها، فهذا المبدأ الافتراضي بمساواة الأنصبة مرفوض ومطروح، ولا علاقة له بالحكم الشرعي.
المبدأ الثاني: أن النصاب يعني حد الكفاية لسنة واحدة لأسرة متوسطة، وقد أخذ هذا المبدأ من كلام المرحوم شاه ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة، كما نقله الدكتور القرضاوي، فهو إذن ليس دليلا شرعيا ملزما، وإنما هي اجتهاد فردي نرجو الله أن يثيبه عليه ثواب المجتهدين.
(1) المجموع شرح المهذب 8/ 398.
ولكن تحديد الكفاية يختلف بين أسرة صغيرة ومتوسطة وكبيرة، كما يختلف أسلوب المعيشة بين بادية بسيطة ومدنية معقدة، ومراعاة عرف المجتمع في طريقة حياته لا ينكره الفقهاء، ضمن دائرة الحلال؛ فالمبلغ الذي كان والدي يعيلنا به في صغري لا يكفيني اليوم لأسبوع واحد، وقد كان يكفينا شهرا، فحد الكفاية يختلف بين زمن وآخر، وشخص وآخر، وأسرة وأخرى، والنصاب الزكوي المحدد ليس كفاية سنة، بل هو الزائد عن حاجات الأسرة الضرورية والحاجية، وتحديد كفاية السنة لا يمكن ضبطه برقم أو استقراء إحصائي، بل هو عائد لضمير المسلم وسلوكه وأخلاقياته، فما زاد عن حاجة الحول وبلغ النصاب المحدد زكاه صاحبه.
وزكاة النقدين ثابتة بالنص، أما نصاب النقد الورقي فهو متغير يوميا تبعا لاختلاف القوة الشرائية للنقود، ومن المستحيل ضبطه برقم ثابت طيلة العام، إلا إذا ضمنا ثبات أسعار العملات جميعا بما فيها الذهب والفضة، وأخيرا هل يمكن اعتبار نصاب الغنم (40) شاة كافيا لضمان حياة سنة لأسرة متوسطة في حياتنا المعاصرة؟ وكيف نقدر نصاب النقد الورقي؟
إن تقدير النصاب في النقد الورقي بجعله تابعا لقيمة نصاب بهيمة الأنعام أو نصفه لا يصح؛ لأن المقياس يجب أن يكون ثابتا لا متغيرا، وسعر الغنم لا يثبت، حتى ولا في أوسط البلاد وأكثرها اعتدالا، فعدا عن اختلاف السعر من بلد لآخر - يختلف السعر في الشتاء عن الصيف، وفي سني الجدب عن سني الخصب، وفي موسم التوالد عن المواسم الأخرى، وكلها متغيرات أبعد ما تكون عن حقيقة الثبات المنشودة في الحكم الشرعي، ولا بد لتقدير النصاب من العودة إلى مجموع أنصبة الزكاة، لنرى
أنصبة الأموال الزكوية الأربعة: [السائمة من بهيمة الأنعام - النقدان - الزروع والثمار - عروض التجارة]، فنجد ثلاثة منها محددة تحديدا دقيقا، وتزكى من أعيانها، دون النظر إلى قيمتها التي قد تختلف عبر العصور، ولا أثر لتغير قيمتها في زكاتها التي تخرج من أعيانها بالذات وهي [الأنعام - الزروع - النقدان]، ويبقى نصاب واحد مقدر بالقيمة وهو عروض التجارة، فبماذا قومه الفقهاء؟ فبمثله نقوم نصاب النقد الورقي؛ لأنه نصاب الأصل في تحديده القيمة، ويقاس عليه كل ما يلزمنا تقويمه مما يحدث من أموال.
ولا يعني هذا أنني رجعت عن تكييف الورق النقدي كنقد مستقل إلى اعتباره عروض تجارة. كلا. . بل هو نقد مستقل، ولا نص يرشدنا إلى تحديد نصابه، وليس زكاته في عينه، بل في قيمته، وهناك نصاب منصوص على اعتبار القيمة فيه، وهو عروض التجارة، فليكن مصير تقويم النقد الورقي بما تقوم به عروض التجارة.
زكاة عروض التجارة ثابتة بالإجماع خلافا للظاهرية، ورجح الإجماع الشوكاني في نيل الأوطار، نقله عن ابن المنذر (1)، فقد أخرج أبو داود، في سننه، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع (2)» وقد سكت عنه أبو داود دليل تحسنه، وحسنه ابن عبد البر، وقال ابن حجر: في إسناده جهالة، وروى البيهقي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته (3)» قاله بالزاي، ولا خلاف أن الزكاة
(1) نيل الأوطار 4/ 197.
(2)
سنن أبو داود الزكاة (1562).
(3)
مسند أحمد بن حنبل (5/ 179).
لا تجب في عين البز، وثبت أنها في قيمته (1).
وحيث ثبت أن زكاة التجارة بقيمة عروضها، فلنستمع إلى فقهائنا في تقويمها.
قال النووي: أجمع الفقهاء على تقويم نصاب التجارة بالنقدين، واختلفوا في كيفية التقويم؛ فالشافعي يرى تقويمها بالنقد الذي اشتريت به، فلو نقص النصاب به، وبلغ بنقد البلد - فلا زكاة (2)، وذهب الحنفية إلى تقويمها بما هو أنفع للفقراء، وتفسيره أن يقومها بما تبلغ به نصابا؛ أي بأقل النصابين من الذهب أو الفضة، وهو قول الإمام.
وقال أبو يوسف: يقومها بما اشتراها به إن كان نقدا، وهو قريب من قول الشافعي، وقال محمد: يقومها بغالب نقد البلد، كما في المغصوب والمتلف، وقال الكمال بن الهمام المعنى أن يقومها بالأنفع مطلقا، وبما تبلغ به نصابا دون مالا يبلغ، ولو بلغ بكليهما قوم بالأروج، وتعتبر القيمة عند الإمام يوم الوجوب، وعندهما يوم الأداء (3).
والزكاة دائما بالقيمة دون العين عند الحنابلة، وقول الشافعي الراجح، خلافا للحنفية، واستدل الحنابلة بأن النصاب معتبر بالقيمة، فكانت الزكاة منها كالعين في سائر الأموال، ولا نسلم أن الزكاة تجب في المال، وإنما وجبت في قيمته (4)، ورجح ابن تيمية جواز الإخراج من عين العروض أو قيمتها، بحسب الحاجة (5).
(1) المغني 3/ 31، ابن قدامة.
(2)
المجموع شرح المهذب، النووي 6/ 64.
(3)
فتح القدير ابن الهمام 2/ 220، والمبسوط 2/ 191.
(4)
المغني ابن قدامة 3/ 31.
(5)
مجموع فتاوى شيخ الإسلام 1/ 299.
ونعود إلى النقد الورقي:
كان هذا النقد قبل الحرب العالمية الأولى لا يتمتع بصفة الإلزام، بل هو سند بدين، على بنك الإصدار، يمكن لحامله استبداله بقيمة من الذهب والفضة إذا أراد، ولكن سيطرة مبدأ النقود الإلزامية بعد الحرب العالمية الأولى - جعلت الأمر يختلف، فقد أوغل النقد الورقي إيغالا شديدا في النقدية، وأصبح هو المتداول في السوق، ولا نكاد نرى الذهب والفضة إلا عند صاغة الحلي؛ ولهذا أفتى مجمع البحوث الإسلامية بأنه جنس نقد مستقل له كل أحكام الذهب والفضة في الربا والزكاة وغيرها من الأحكام، ويجب أن يفرغ الفقهاء من هذه المسألة نهائيا، ولا بد من التسليم بنقديته المستقلة التي اكتسبها بالعرف والاصطلاح، ومطلق الثمنية كافية في التعليل والله أعلم.
وفي مرحلة النقود الاختيارية، كان الفقهاء يفتون بوجوب زكاته إذا بلغ نصاب أحد النقدين المغطى به، وفق سعر التعادل، وقد أفتى المرحوم أبو زهرة وخلاف بتقديره بنصاب الذهب، كما ذهب صاحب الفتح الرباني إلى تقديره بالفضة.
وبعد أن صار النقد إلزاميا لا يمكن استبداله، كان الصواب والله أعلم أن يقدر بأقل النصابين لمصلحة الفقراء، وهذا يعني أن نصاب النقد الورقي لا يمكن أن يكون رقما ثابتا، بل هو تابع لعوامل متعددة، يعرفها الراسخون في علم اقتصاد النقود.
وبما أن البحث الفقهي والتاريخي قد انتهى إلى تقدير نصاب الذهب الشرعي بـ85 غرام، ونصاب الفضة بـ595 غرام (1)، وهو التقدير الصحيح فيما
(1) فقه الزكاة، د. القرضاوي 1/ 259.
أظن والله أعلم، فما علينا إلا أن نحسب ثمن نصاب الذهب ونصاب الفضة من نقدنا المعاصر، ثم نأخذ بالنصاب الأقل ونخرج الزكاة، ولا حاجة لتقدير النصاب بسعر الغنم؛ لأن الغنم نفسها مقومة بالنقدين، فلماذا إطالة الطريق إذا كان المآل إلى الذهب والفضة، وهذا يستلزم اختلاف نصاب النقد الورقي بين فترة وأخرى، ولا حرج في ذلك إذا كان ارتفاع الذهب والفضة أو انخفاضهما يجري على المزكي والفقير معا، وعلى الإبل والبقر والغنم، وعلى كل مال متقوم في الكون، وكمثال تطبيقي:
إذا كان سعر الذهب في غرة رمضان 40 ريال للغرام، واعتبرنا ما غالبه ذهبا كالذهب، فالنصاب بالريال السعودي (85 × 40 = 3400 ريال سعودي)، فمن ملك هذا المبلغ، فاضلا عن حاجته الأصلية، وقد مر عليه حول قمري دفع زكاته 2. 5%، بمقدار ربع العشر، بعد مقارنة المبلغ المذكور بالنصاب المقدر بالفضة، وأخذ أقل النصابين.
[595 × سعر غرام الفضة =].
وإذا كان الذهب مغشوشا - فيحتسب منه مقدار الغش وتسقط قيمته من المبلغ، والنصاب عند من اشترط النصاب الذهبي والفضي، خاليا من شوائب المعادن الأخرى والله أعلم.
المراجع
القرآن الكريم:
تفسير فتح القدير للشوكاني - ط دار الفكر.
تفسير القرآن العظيم - ابن كثير الدمشقي.
تفسير أضواء البيان - محمد الأمين الشنقيطي - مطبعة المدني.
المراجع الحديثية:
فتح الباري شرح البخاري - ابن حجر العسقلاني - طبعة رئاسة إدارات البحوث.
شرح مسلم للنووي.
نيل الأوطار للشوكاني طبعة إدارة البحوث.
سبل السلام للصنعاني طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
عون المعبود شرح سنن أبي داود - شمس الحق العظيم الآبادي - الطبعة الهندية.
شرح السنة للبغوي - تحقيق شعيب الأرناءوط - المكتب الإسلامي.
سنن الترمذي تحقيق عزت عبيد الدعاس رحمه الله.
الفتح الرباني وشرحه بلوغ الأماني على مسند الإمام أحمد - تأليف أحمد عبد الرحمن البنا - دار الحديث بالقاهرة.
شرح الزرقاني على موطأ مالك.
المنتقى شرح الموطأ - للباجي.
المراجع الفقهية:
فتح القدير على الهداية - كمال الدين بن الهمام - دار الفكر.
المبسوط للسرخسي - دار المعرفة لبنان.
المختارات الجلية، والفتاوى السعدية - عبد الرحمن آل سعدي.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد - ابن رشد القرطبي، دار المعرفة لبنان.
المغني - ابن قدامة المقدسي، مكتبة الرياض الحديثة.
المجموع شرح المهذب للنووي وتكملته للسبكي. طبعة المنيرية.
رد المحتار على الدر المختار- حاشية ابن عابدين، دار الفكر.
الوجيز للغزالي، وشرحه فتح العزيز للرافعي بهامش المجموع.
الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع - للخطيب الشربيني، دار المعرفة.
مغني المحتاج في شرح المنهاج - للخطيب الشربيني، دار الفكر.
الفقه على المذاهب الأربعة - عبد الرحمن الجزيري، دار الفكر.
حاشية النجدي على الروض المربع - عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير - محمد عرفة الدسوقي، دار الفكر.
القوانين الفقهية - ابن جزيء، دار الفكر.
الشرح الصغير على أقرب المسالك - أحمد الدردير، طبعة الشيخ راشد آل مكتوم.
الكافي - أبو عمر بن عبد البر تحقيق د. محمد ولد ماديك الموريتاني، مكتبة الرياض الحديثة.
المحلى - ابن حزم الأندلسي، دار الآفاق الجديدة.
فقه الزكاة - د. يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة.
اللباب شرح الكتاب - عبد الغني الغنيمي، دار السلام.
نهاية التدريب شرح نظم الغاية والتقريب - للعمريطي بتحقيق الشيخ حسن حبنكة الميداني.
شرح خطط السداد والرشاد للتتائي المالكي، وهو بحاشية الدر الثمين.
شرح المورد المعين لمياره - ابن عاشر المالكي، دار الفكر.
الدر الثمين شرح المورد المعين لمياره - علي بن عاشر، دار الفكر.
الفروع لابن مفلح الحنبلي وتصحيح الفروع للمرداوي، عالم الكتب، مراجعة عبد الستار فراج.
كشاف القناع عن متن الإقناع - الشيخ منصور البهوتي، عالم الكتب.
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد - للمرداوي، دار إحياء التراث العربي.
السلسبيل في معرفة الدليل - الشيخ صالح البليهي، الطبعة الثالثة.
التلخيصات لجل أحكام الزكاة - عبد العزيز المحمد السلمان.
فتح الإله المالك - فتاوى الشيخ عليش.
منح الجليل شرح مختصر خليل - الشيخ عليش.
المدونة الكبرى - رواية سحنون.
إعلام الموقعين عن رب العالمين - ابن قيم الجوزية، دار الجيل.
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية - جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم النجدي.
مراجع في الاقتصاد الإسلامي والنقود:
الأحكام السلطانية - للماوردي.
الإيضاح والتبيان في الأكيال والأوزان - ابن الرفعة تحقيق د. محمد الخاروف، ط جامعة أم القرى.
الخراج والنظم المالية في الدولة الإسلامية - د. محمد ضياء الدين الريس.
النظم الإسلامية - د. صبحي الصالح.
الأموال - أبو عبيد القاسم بن سلام.
التراتيب الإدارية - عبد الحي الكتاني، دار الكتاب العربي.
قطع المجادلة عن تغيير المعاملة - الجلال السيوطي، في كتابه الحاوي للفتاوى.
تنبيه الرقود إلى أحكام النقود - ابن عابدين ضمن مجموعة رسائله.
النقود العربية وعلم النميات للأب - إنستاس ماري الكرمللي.
أبحاث المقريزي والبلاذري والذهبي وابن خلدون في كتاب الكرمللي.
دائرة المعارف الإسلامية.
فتوح البلدان للبلاذري.
تاريخ الحضارة الإسلامية من نفوذ الأتراك حتى القرن الخامس - د. محمد جمال الدين سرور، دار الفكر العربي.
النقود وصنج السكة في الإسلام - د. عبد الرحمن فهمي.
التطبيق المعاصر للزكاة- د. شوقي إسماعيل شحاته، دار الشروق.
بحوث في التاريخ الاقتصادي - لعدد من المستشرقين، تعريب توفيق اسكندر.
بعض النظم النقدية والمصرفية - د. فؤاد دهمان، طبعة جامعة دمشق.
النقود في الإسلام - د. رفيق المصري بحث مقدم لندوة اقتصاديات النقود، طبع المركز العالمي للاقتصاد الإسلامي.
الموسوعة العربية الميسرة.
إمتاع الأحداق والنفوس في أحكام النقود والفلوس - الشيخ ألفا هاشم الفوتي المدني.
الورق النقدي - الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع.
الفوائد المصرفية والربا - د. حسن عبد الله الأمين، مطبوعات الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية.
نظم مبحث حكم زكاة الفلوس والكاغد - محمد الحسن الشنقيطي، مطابع الأمل الأردن.
المذهب الاقتصادي في الإسلام - د. محمد شوقي الفنجري، دار عكاظ.
المجلات:
الحرس الوطني - اليمامة - المنار، مجمع البحوث الإسلامية، البلاغ.
صفحة فارغة
ذميم الشعر في التصور الإسلامي
بقلم: مصطفى عيد الصياصنة
ما دام الشعر، في جوهره وحقيقة صنعته ودلالته، لا يعدو أن يكون، بأبسط المفاهيم وأقربها، تعبيرا عن تجربة شعورية في صورة موحية، ميزته على سواه من سائر الكلام وضروبه، تكمن في روعة الصورة، وظلال العبارة، وعمق اللمسة، ودفق الخيال.
فقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم، أن الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، وأن مدار الحكم فيه إنما يكون على المدلول والأثر، لا على صورة الشكل وكنه الصنعة:
أ- فعن عبد الله بن عمرو بن العاص وعائشة رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام (1)» .
ب- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو كلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح (2)» .
ج- وقد نقل عنها أنها كانت تقول: (الشعر منه حسن ومنه قبيح، خذ الحسن، ودع القبيح)(3).
د- كما نقل عن الإمام الشافعي قوله: (الشعر كلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيحه، غير أنه كلام باق سائر، فذلك فضله على الكلام)(4).
(1) رواه البخاري في (الأدب المفرد 2/ 868 مدني)، والدارقطني رقم / 490، وذكره المتقي في كنز العمال (3/ 577 رقم 7979)، والهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 122)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وقال: لا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد، قال الهيثمي: وإسناده حسن، وقد ذكره الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (448) وصححه لمجموع طرقه، كما ذكره في صحيح الجامع الصغير رقم (3627).
(2)
رواه الدارقطني (4/ 155) في كتاب (خبر الواحد يوجب العمل)، وذكره التبريزي في مشكاة المصابيح (رقم / 4807) في الآداب، وقال عنه الألباني في تخريجه له: وإسناده حسن، ورواه أبو يعلى في مسنده 8/ 4760.
(3)
أخرجه البخاري في الأدب المفرد (رقم 2/ 869 مدني)، وقال الحافظ في (الفتح 10/ 539): وسنده حسن.
(4)
الأم (6/ 212)، ومناقب الشافعي للبيهقي (2/ 60).
امتداحه صلى الله عليه وسلم الشعر ودوره:
وقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم الشعر، ونبه إلى خطورة فن صناعة الكلمة، في توجيه مسيرة الحياة، والتأثير في الناس، وإبلاغهم صوت الدعوة ونصاعة الحق:
أ- فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يتكلم بكلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة (1)» وفي رواية "حكما"، وعند ابن ماجه حكما).
ب- وعن أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الشعر لحكمة (2)» .
قال الحافظ ابن حجر: (إن من الشعر لحكمة معناه: أي قولا صادقا مطابقا للحق، وقيل: أصل الحكمة المنع، فالمعنى: إن من الشعر كلاما نافعا يمنع من السفه، ونقل عن ابن التين قوله: مفهومه أن بعض الشعر ليس كذلك؛ لأن (من) تبعيضية).
ج- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «البيان من الله، والعي من الشيطان، وليس البيان كثرة الكلام، لكن البيان الفصل في الحق، وليس العي قلة الكلام، ولكن من سفه
(1) رواه الترمذي (2848) في الأدب، وأبو داود (5011)، وابن ماجه (3756) فيه، ومالك في (الموطأ / 1806) في كتاب الجامع، والحاكم (3/ 613) في معرفة الصحابة، وابن حبان (7/ 515)، والبخاري في الأدب المفرد (2/ 875)، وأحمد (1/ 269)، والطحاوي في (شرح معاني الآثار 4/ 297)، والطبراني في (الكبير / 756)، وذكره المتقي في الكنز (3/ 579 رقم 7985)، وذكره الألباني في (الصحيحة / 1731)، وفي (صحيح الجامع / 2211)، والطياليسي (2670).
(2)
أخرجه البخاري (6145) في الأدب، وأبو داود (5010)، والترمذي (2844، 2845)، وابن ماجه (3755) فيه، وأحمد (3/ 456)، والطحاوي (شرح معاني الآثار 4/ 296)، والبخاري في الأدب المفرد (2/ 867)، والطبراني في (الكبير 17/ 19)، وأبو نعيم في (الحلية 7/ 269)، والطيالسي في مسنده (556 و 557)، وابن حبان (7/ 514).
الحق (1)» ولا شك أن الشعر من أرفع أساليب البيان وأقدرها على إبراز المخبوء من أوجه الحق ونصرته.
(1) رواه ابن حبان في صحيحه (7/ 520 رقم / 5766).
امتداحه صلى الله عليه وسلم شعراء الفضيلة والطهارة:
كما امتدح عليه الصلاة والسلام شعراء بأسمائهم، وذلك لما في شعرهم من الحكمة والحث على الفضيلة والخير، والترهيب من الرذيلة والفساد، أو لما عهد منهم من نصرة أهل الحق وطهارة اللسان:
أ - فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم (1)».
ب- وعن الهيثم بن أبي سنان، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه في قصصه يذكر النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أخا لكم لا يقول الرفث - يعني عبد الله بن رواحة - قال:
وفينا رسول الله يتلو كتابه
…
إذا انشق معروف من الفجر ساطع (2)
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا
…
به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه
…
إذا استثقلت بالكافرين المضاجع
»
(1) رواه البخاري (6147) في الأدب، ومسلم (2256) في الشعر، والترمذي (2853)، وابن ماجه (3758) في الأدب، وأحمد (2/ 470)، وابن أبي شيبة في المصنف (8/ 694)، والحميدي في مسنده (2/ 454)، وابن حبان (7/ 516) بلفظ:"أشعر بيت قالته العرب"، والمتقي في الكنز (3/ 557 رقم 7977 و 7978)، وذكره الألباني في صحيح الجامع (رقم / 1015).
(2)
رواه البخاري (6151) في الأدب، باب هجاء المشركين، والبيهقي (10/ 239)، والطبري في تهذيب الآثار (رقم / 2746) موقوفا، وقد نقل الحافظ في الفتح (10/ 547) عن ابن بطال قوله:" فيه أن الشعر إذا اشتمل على ذكر الله والأعمال الصالحة كان حسنا، ولم يدخل فيما ورد فيه الذم "، كما نقل عن الكرماني قوله:" في البيت الأول إشارة إلى علمه، وفي الثالث إلى علمه، وفي الثاني إلى تكميله غيره، فهو كامل مكمل ".