الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دخول الملائكة البيت الذي فيه كلب أو صورة من الأحاديث النبوية. . أرجو توضيح هذه المسألة توضيحا يكشف الغموض ويكون جامعا مانعا؟ (1) .
ج: لا مانع من حفظ الكتب والصحف والمجلات المفيدة وإن كان فيها بعض الصور، لكن إن كانت الصور نسائية فالواجب طمسها، أما إن كانت من صور الرجال فيكفي طمس الرأس عملا بالأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك.
(1) نشر في كتاب فتاوى إسلامية جمع محمد المسند ج 4 ص 333.
47 -
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
من أسباب صلاح الجميع وأحذر إخواني المسلمين
من المجالس التي تعج بالجدل والخصام (1) .
س: سماحة الشيخ يكثر في بعض مجالس الناس الجدل العقيم والكلام في قضايا لا تعنيهم. ما الذي ينبغي عمله في مثل هذه المناسبات وهذه الاجتماعات جزاكم الله خيرا؟
(1) نشر في (جريدة الرياض) العدد (10763) وتاريخ 12 \ 8 \ 1418 هـ.
ج: المشروع للمؤمن الحذر من المجالس التي فيها الجدل والخصام والمراء بدون فائدة، لا يحضرها ولا يشارك فيها؛ لأنها تفضي إلى الباطل أو إلى الكذب وإلى القول بغير علم. أما المجالس التي فيها ذكر الله وفيها التعاون على الخير وفيها البحث العلمي والتفقه في الدين، هذه مجالس طيبة، أما مجالس الجدل والنزاع والخصومات والمراء فينبغي الحذر منها وعدم المشاركة فيها.
س: سماحة الشيخ هل للمؤلف أن يحتكر الكتاب المؤلف الذي ألفه؟ وهل يدخل هذا في كتم العلم؟
ج: إذا كان المؤلف قد اقتنع بأن كتابه مفيد، وأنه قد أدى فيه الواجب، فلا يجوز له عدم نشره بين الناس ولا احتكاره، بل ينشره بين الناس نصحا لله ولعباده، أما إذا كان عنده شك وعنده تردد، فله أن يمنع منه حتى يجزم بالشيء وحتى يزول عنه الإشكال وحتى يطمئن إلى أن ما قاله صواب وحق؛ لأن العلم يجب نشره بين الناس ويجب تعميمه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار (1) » . والله يقول سبحانه في كتابه العظيم:
(1) أخرجه الترمذي في سننه كتاب (العلم) برقم (2573) .
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} (1){إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (2)
فإذا كان عنده علم وبصيرة واقتنع بأن هذا مما شرعه الله ومما دل عليه الكتاب أو السنة الصحيحة فلا يكتم ولا يحتكر ولا يحتجز شيئا، بل يبثه بين الناس وينشره بين الناس رجاء أن ينفع الله به العباد.
(1) سورة البقرة الآية 159
(2)
سورة البقرة الآية 160
س: سماحة الشيخ عطل البعض من الناس فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل وجد من يخذل من يقوم بهذا العمل، هل لكم توجيه ونصيحة حول أهمية هذا الغرض؟
ج: نعم، هذه الفريضة من أهم الواجبات، فالله سبحانه أوجب على أهل الإيمان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعل ذلك من أسباب صلاح الجميع، قال تعالى:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (1) فجعله من إيمانهم كالصلاة والزكاة، قال تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (2)
(1) سورة التوبة الآية 71
(2)
سورة آل عمران الآية 110
وتوعد بني إسرائيل ولعنهم على عدم تناهيهم عن المنكر فقال سبحانه وتعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} (1){كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (2) وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم (3) » .
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه (4) » .
نسأل الله العافية، ويقول جل وعلا:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (5) يعني فرض كفاية إذا قام به في المحلة المعينة من يكفي سقط عن الباقين، إذا كان في قرية أو قبيلة أو في هجرة أو في أي محل وقام به بهذا الواجب، من يكفي، صار من حق
(1) سورة المائدة الآية 78
(2)
سورة المائدة الآية 79
(3)
أخرجه أبو داود في سننه كتاب (الملاحم) برقم (3774) .
(4)
أخرجه الإمام أحمد في (مسند العشرة المبشرين بالجنة) برقم (16) .
(5)
سورة آل عمران الآية 104
الباقين سنة، من باب التعاون على البر والتقوى؛ لأن المقصود حصل، وهو أن هذا قام به نهاهم فانتهوا، إذا نهاهم عن المنكر فانتهوا حصل المطلوب.
س: سماحة الشيخ طالب العلم المبتدئ ما هو الأفضل له: أن يلتزم شيخا واحدا أم يأخذ عن أكثر من شيخ؟
ج: لا أعلم في هذا شيئا منصوصا، لكن طالب العلم يتحرى من هو أقرب على أن يفهم كلامه، ومن هو أعرف بالدين وأعلم باجتهاده بين المسلمين بأنه صاحب سنة وصاحب بصيرة وصاحب علم، يتحرى من العلماء من يظهر بين المسلمين ويشتهر بين المسلمين علمه وفضله واتباعه السنة حتى يستفيد من علمه ويستفيد من توجيهاته ولا يقتصر على واحد إذا عرف أن هذا وهذا من أهل السنة وأنهم علماء حق فالحمد لله، إذا أخذ عن هذا وعن هذا، قد يكون أخذه عن زيد أنفع من عمرو، وقد يكون من عمرو أنفع له من زيد، يعني يتحرى ويستفيد من الجميع، من زيد وعمرو، يعني من علماء زمنه ووقته وعلماء بلده فقد يستفيد من هذا أكثر من هذا وقد يكون هذا أحسن بيانا من الآخر، فلا يقتصر على واحد، ما داموا من أهل السنة وأهل الخير وسمعتهم طيبة معروفون بالعقيدة الطيبة والسمعة الحسنة والعلم فيأخذ
منهم، لا بأس أن يحضر هذا ويحضر هذا، يستفيد من هذا ويستفيد من هذا كله طيب، وهذا من باب الحيطة في الدين، كونه يسمع من هذا ومن هذا من أهل السنة والجماعة حتى لا يفوته شيء مما يجب عليه، فإن بعض الأساتذة قد يفوت عليه بعض الشيء، قد يشغل عن بعض المسائل فإذا استفاد من هذا وهذا وهم كلهم من أهل السنة فهذا أكمل وأحسن.
س: لو وجد موسوعة فقهية شاملة على المذاهب الأربعة، هل تفي بغرض المتعلم يا سماحة الشيخ؟
ج: يوجد موسوعات، لكن ما كل موسوعة تكفي، بل لا بد يحتاج إلى الدليل؛ لأن بعض الموسوعات قد يكون فيها الدليل كافيا وقد لا يكفي، فإذا وجدت موسوعة فيها إقامة الدليل استفيد وذلك خير عظيم، والمقصود أن طالب العلم لا يكتفي بموسوعة كتاب حتى يقتنع بوجود النص الكافي، إذا كان من أهل العلم، أما إذا كان من العامة فيسأل أهل العلم، لكن طالب العلم يعتني بالأدلة ويطالع الكتاب الفلاني والفلاني حتى تتم الفائدة، ولا يكتفي بموسوعة ألفها فلان أو فلان فقد يكون قصر في الأدلة، وقد يكون تساهل في الأدلة فطالب العلم يعتني، يراجع مثل صحيح البخاري، صحيح مسلم، السنن الأربعة، مسند أحمد
حتى يقف على السند الصحيح الذي تبرأ به الذمة، وإذا كان صاحب الموسوعة قد بسط الكلام وأوضح الأدلة الشرعية فهذا لا بأس به إذا اقتنع به.
س: سماحة الشيخ انتشرت بين الطلبة هذه الورقة، مكتوب عليها علاج ضيق الصدر أيام الامتحانات: نضع اليد على الصدر ونقرأ الفاتحة ثلاث مرات، يقرأ آية الكرسي ثلاث مرات، يقرأ من قوله تعالى:{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} (1) من سورة البقرة إلى آخر الآيات ثلاث مرات، ويقرأ آخر آيتين من سورة الحشر ثلاث مرات، ويقرأ أول عشر آيات من سورة الصافات، آخر آيتين من سورة القلم، سورة الكافرون والصمد والمعوذتين كل واحدة ثلاث مرات، ويقرأ الدعاء: أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما سبع مرات والدعاء: " أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيني لمدة ثلاثة أيام، هذه الدعوات وهذه الأمور هل هي واردة يا شيخ؟
(1) سورة البقرة الآية 285
ج: الترتيب ليس على هذا الترتيب، لكن يسأل ربه الشفاء، والحمد لله، يسأل ربه، الذي ورد:«أذهب الباس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما (1) » . يكرر ثلاث مرات: «بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك (2) » . إذا كررها ثلاث مرات، لا بأس، قل هو الله أحد، والمعوذتين يكررها ثلاث مرات صباحا ومساء وعند النوم، هذا وارد، طيب المقصود أنه يتحرى الوارد فقط، أما من كيسه، يرتب أشياء من كيسه. ما عليها دليل، لكن إذا تحرى الوارد بالأدلة الشرعية في كتب الأذكار وكتب الأدلة، فالحمد لله.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب (المرضى) برقم (5243) ومسلم في صحيحه كتاب (السلام) برقم (4061) .
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه كتاب (السلام) برقم (4056) .
س: سماحة الشيخ حلق جماعات تحفيظ القرآن الكريم في هذا البلد المبارك نفع الله بها نفعا عظيما. بماذا توجهون معلمي هذه الحلق وطلابها؟
ج: نوجههم ونوصيهم بتقوى الله والاستمرار في هذا الخير والصبر على هذا الخير، والإخلاص لوجه الله جل وعلا في التعلم
والتعليم؛ لأن تعلم القرآن وحفظ القرآن من أهم القربات ومن أفضل القربات، فنوصي الجميع المعلم والمتعلم، نوصيهم بتقوى الله والعمل بما علموا، والإخلاص لله في العمل حتى يبارك الله في أعمالهم، وحتى يوفقوا في أعمالهم. ألا وهي أن الطالب يتعلم لكي يستفيد ويعمل، والمعلم يقصد وجه الله في تعليم الطالب وتوجيهه إلى الخير يرجو من عند الله المثوبة، وإن أخذ أجرة، يرجو ما عند الله ويحتسب الأجر وينصح في تعليمه، ويجتهد في الأسباب التي توصل المعلومات إلى الطالب وتستقر في ذهنه، فهذا يتقي الله، وهذا يتقي الله، يكون عند كل واحد إخلاص ورغبة في الخير، وأن يتعلم ما يرضي الله ويقرب لديه، وأن يستعين بما أعطاه الله من علم على طاعة الله.
س: وقع كثير من الناس في ديون كثيرة، ما نصيحتكم للتاجر والمدين وغيرهم في هذه الأمور سماحة الشيخ؟
ج: النصيحة أن الإنسان يجتهد في الاقتصاد وعدم الدين، ويفرح بما أغناه الله عن الدين مهما أمكن، وإذا احتاج للدين فيكون عنده نية أن يسدد الدين وأنه يجتهد في سداد الدين إذا اضطر إليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أخذ أموال
الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله (1) » . فليجتهد في النية الصالحة ولا يستدين إلا إذا دعت إليه الضرورة، ولا يستكثر من الدين فإنه قد يعجز عن الأداء، فينبغي له الاقتصاد في أموره، وتحري الاقتصاد في ملبسه ومأكله ومشربه وغير ذلك، حتى لا يحتاج للدين الكثير، وإذا احتاج للدين فليجتهد في أسباب قضاء الدين بالطرق التي يستطيعها مع النية الصالحة، نيته أنه يبادر بالدين من حين يتيسر له ذلك، لا يتساهل، يعني يكون عنده نية صالحة أنه يعمل ويجتهد لقضاء الدين.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب (في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس) برقم (2212) .
س: سماحة الشيخ كثير من الناس يكتب في وصيته (وقفا) ثم تتعطل منافع هذا الوقف، ويحصل النزاع بين الورثة حول هذا الوقف، بماذا تنصحون المسلم إذا أراد أن يكتب وصيته، لا سيما إن كان من أهل الأموال؟
ج: يوصي بالشيء الذي يناسب. . يوصي بالثلث، بالربع، بالخمس في وجوه البر وأعمال الخير، وإذا كان من ذريته محتاج يعطى من الغلة حتى لا يقع النزاع، يوصي بالثلث بالربع بالخمس في وجه البر وأعمال الخير، وإذا جعل في أضحية فلا بأس، وإذا
قال: من احتاج من ذريتي يعطى قدر حاجته فلا بأس، أو من أقاربي حتى لا يقع النزاع، يكون الشيء واضحا على بصيرة للناظر الذي يتولى الوقف حتى يفرق غلته على الوجه الذي بينه في الوصية، على وجه واضح ليس فيه شبهة؛ لأن بعض الناس قد يتشدد في وصيته، وقد يقول: للورثة الباقي، ثم يحصل مشقة بينهم، قد لا يبقى إلا القليل ثم يبطن ويروح بطن ويتوالى الناس ويكثرون، فيحصل مشقة كبيرة. لكن إذا قال في غلة مثل ما قال الزبير بن العوام رضي الله عنه وجماعة في وصيتهم وابن عمر: للمحتاج من الذرية، إذا قال المحتاج من الذرية يعطى من غلة الوقف كذا وكذا، هذا لا بأس.
س: فيما يتعلق في تخريج الأحاديث يا سماحة الشيخ وتعديل الرواة وتجريحهم، هناك من يرى أن باب علم الرجال مغلق أو انتهى من قديم، كيف ترون ذلك يا سماحة الشيخ؟
ج: لا. هذا ليس بصحيح، بل علم الرجال والنظر في الأحاديث باق (1) ، ولم يمض بل لا يزال، فأهل العلم عليهم أن يعتنوا بهذا ويراجعوا الأحاديث ويميزوا بين صحيحها وسقيمها
(1) لكن لا يدخل فيه إلا المختصون بهذا الفن ممن درسوا مصطلح الحديث على أهل السنن وأهل المعرفة.
ويرشدوا الناس إلى ذلك، ولا يقفوا عند ذكر فلان أو فلان، بل يتابع مثل المنتقى مثل بلوغ المرام، مثل السنن الأربعة، مثل مسند أحمد، يراجع الأسانيد ويعتني بها، ويعرف صحيحها من سقيمها حتى يستفيد من ذلك ويفيد غيره، هكذا شأن طالب العالم الذي قد وفقه الله لمعرفة الأحاديث ومعرفة أسانيدها ومعرفة أحوال الرجال واشتغل بهذا الشيء يكون فيه فائدة عظيمة له ولغيره.
س: الفتوى بغير علم سماحة الشيخ هل من كلمة لأولئك الذين يفتون الناس بغير علم؟
ج: نعم، الواجب على طالب العلم أن يحذر من الفتوى بغير علم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار (1) » . الواجب على الإنسان أن يتحرى العلم ويتحرى الدليل حتى يفتي على بصيرة، ولا يفتي على الله بغير علم، المقصود أن العلم دين، والفتوى دين، فلا بد أن الإنسان يتقيد بما أوجب الله عليه، فلا يفتي بغير علم، بل يتحرى وينظر إلى الأدلة من الكتاب والسنة، ويفتي على ضوء الأدلة، وإلا
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب (العلم) برقم (106)
فليرشدهم إلى غيره، ولا يجوز له أن يقول على الله بغير علم، الله يقول جل وعلا:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (1) فجعل القول عليه بغير علم فوق مرتبة الشرك؛ لما يترتب على القول على الله بغير علم من الفساد الكبير والشر العظيم، قد يبيح ما حرم الله، وقد يوجب ما لا يوجبه الله، فقد يقع في شرور كثيرة، وأخبر جل وعلا في آية أخرى أن هذا من أمر الشيطان:{إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ} (2) - يعني الشيطان- {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (3) فالواجب على طالب العلم أن يتحرى الحق وأن يحذر من القول على الله بغير علم، وإذا كان لا يستطيع ذلك فليرشدهم إلى غيره، ولا يتكلم ولا يقول على الله بغير علم نسأل الله السلامة.
(1) سورة الأعراف الآية 33
(2)
سورة البقرة الآية 169
(3)
سورة البقرة الآية 169
س: الدعوة إلى الله من أجل الأعمال ومن أفضلها، بماذا تنصحون الدعاة إلى الله عز وجل؟ وهل الدعوة واجبة على كل مسلم؟
ج: نعم، الدعوة واجبة على كل مسلم حسب طاقته، على أهل العلم طاقتهم، وعلى الآخرين طاقتهم، الواجب على أهل العلم أن يبلغوا دعوة الله ويرشدوا، كل مسلم عليه نصيبه حسب علمه، المسلم الذي يرى أن جاره أو قريبه مقصر في الصلاة أو لا يصلي في المسجد ينصحه؛ لأن هذا أمر عام يعلمه العامي وطالب العلم، يقول: يا أخي اتق الله، أنا ما أشوفك تصلي في الجماعة اتق الله، بادر إلى الصلاة في الجماعة، أو يراه عاقا لوالده أو لأحدهما، ينصحه هذا شيء يعلمه الخاص والعام، ما يختص بأهل العلم، أو يعرف أنه يشرب الخمر، ينصحه، أو يتعاطى التدخين ينصحه، وهكذا، أو يعرف منه الغيبة والنميمة ينصحه ويقول له اتق الله، دع هذه المعاصي وراقب الله جل وعلا، وأحذر غضبه عليك، المقصود أن كل إنسان حسب طاقته ينصح ويوجه إلى الخير.
س: الدعاء جماعة بعد الصلاة في الأيام العادية، ما حكمه إذا استمر عليه البعض من الناس؟
ج: هذا من البدع، الإنسان يدعو ربه وحده، ما يحتاج يجتمع مع مجموعة ويدعو بينه وبين ربه، أما يكون لهم إماما يدعو بهم، يرفع يديه ويدعون، ليس له أصل، هذا من المحدثات، والله يهدينا وإخواننا المسلمين.
س: نختم هذا اللقاء سماحة الشيخ بسؤال وهو: أفضل الأدعية التي يجب على المسلم أن يرددها، سواء في الصلاة أو في غيرها؟
ج: أفضلها الذكر، لا إله إلا الله، أفضل الدعاء لا إله إلا الله، لكن هناك دعوات مخصوصة. وأحسن الدعاء:{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (1) يردد هذا في أخر الصلاة، في سجوده، في أوقاته الأخرى لأنه دعاء جامع، وكذلك:«اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله وأوله وآخره، وعلانيته وسره، اللهم إني أسألك رضاك والجنة وأعوذ بك من سخطك والنار (2) » دعوات جامعة «اللهم أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول
(1) سورة البقرة الآية 201
(2)
صحيح مسلم الصلاة (483) ، سنن أبو داود الصلاة (878) .
وعمل (1) » في سجوده يقول: «اللهم اغفر لي ذنبي واغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره. اللهم اغفر لي ولوالدي ولجميع المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (2) » ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء (3) » . والحديث الآخر: «وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم (4) » . فينبغي أن يكثر من الدعوات الطيبة، سؤال الجنة، التعوذ بالله من النار، سؤال العفو:«اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني، اللهم أصلح قلبي وعملي، اللهم اغفر لي ولوالدي» يتحرى الدعوات المناسبة.
(1) مسند أحمد بن حنبل (1/183) .
(2)
صحيح مسلم الصلاة (483) ، سنن أبو داود الصلاة (878) .
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه كتاب (الصلاة) برقم (744)
(4)
أخرجه مسلم في صحيحه كتاب (الصلاة) برقم (738)
صفحة فارغة
تنويه
نظرا لرغبة وطلب كثير من أصحاب الفضيلة المشايخ من القضاة وطلاب العلم من سماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، استكمال كتاب سماحته مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، بأحكام العبادات والمعاملات، حسب أبواب الفقه بعد صدور الجزء " 9 " من كتاب سماحته، وذلك للحاجة الماسة إليها، والاستفادة من فتاوى سماحته رحمه الله.
وقد استجاب رحمه الله لرغبة أصحاب الفضيلة المشايخ، ورأى رحمه الله تأجيل بقية العقيدة وما يليها بعد الانتهاء من أحكام العبادات والمعاملات.
وبصدور الجزء " 23 " فقد تم استكمال بقية أحكام العبادات والمعاملات، ويليها كتاب العلم والتفسير والحديث وغيرها التي ستنشر تباعا إن شاء الله.
صفحة فارغة
كتاب التفسير
صفحة فارغة
48 -
الوصية بكتاب الله (القرآن الكريم)(1) .
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن كتاب الله فيه الهدى والنور، وهو حبله المتين وصراطه المستقيم وهو ذكره الحكيم، من تمسك به نجا ومن حاد عنه هلك. يقول الله عز وجل في هذا الكتاب العظيم:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (2){وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (3)
هذا كتاب الله يهدي للتي هي أقوم، يعني: للطريقة التي هي أقوم، والمسلك الذي هو أقوم، الذي هو خير الطرق وأقومها
(1) محاضرة لسماحته ألقاها في أحد مساجد جدة مساء الخميس 13 \ 8 \ 1416هـ ونشر في هذا المجموع ج 9 ص 14.
(2)
سورة الإسراء الآية 9
(3)
سورة الإسراء الآية 10
وأهداها فهو يهدي إليه، يعني: يرشد إليه ويدل عليه، ويدعو إليه، وهو توحيد الله وطاعته، وترك معصيته والوقوف عند حدوده، هذا هو الطريق الأقوم، وهو المسلك الذي به النجاة أنزله الله جل وعلا تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، كما قال سبحانه في سورة النحل:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (1) فهو تبيان لكل شيء، وهدى إلى طريق السعادة ورحمة وبشرى، ويقول جل وعلا:{قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} (2) هدى لقلوبهم للحق وشفاء لقلوبهم من أمراض الشرك والمعاصي والبدع والانحرافات عن الحق، وشفاء للأبدان من كثير من الأمراض.
وهو بشرى للإنس والجن لكنه سبحانه ذكر المؤمنين؛ لأنهم هم الذين اهتدوا به وانتفعوا به، وإلا فهو شفاء للجميع كما قال جل وعلا:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (3) فالقرآن شفاء ودواء للقلوب من جميع الأدواء المتنوعة؛ أدواء الشرك، والمعاصي، والبدع، والمخالفات، وهو شفاء لأمراض
(1) سورة النحل الآية 89
(2)
سورة فصلت الآية 44
(3)
سورة الإسراء الآية 9
الأبدان أيضا وأمراض المجتمعات، شفاء لأمراض المجتمع، وأمراض البدن لمن صلحت نيته وأراد الله شفاءه، يقول جل وعلا:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (1) فهو كتاب يخرج الله به الناس من الظلمات؛ من ظلمات الشرك والمعاصي والبدع والفرقة والاختلاف إلى نور الحق والهدى والاجتماع على الخير، والتعاون على البر والتقوى، وهذا هو صراط الله المستقيم وهو توحيد الله، وأداء فرائضه، وترك محارمه، والتواصي بحقه والحذر من معاصيه، ومن مخالفة أمره. هذا هو صراط الله المستقيم، وهذا هو النور والهدى، وهذا هو الطريق الأقوم، وقال سبحانه في سورة الأنبياء:{وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} (2) وقال سبحانه في سورة يس: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} (3){لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} (4)
والمقصود أن الله جل وعلا جعل كتابه ذكرا، وجعله نذارة، وجعله شفاء، وجعله هدى، فالواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس أن يهتدوا به، وأن
(1) سورة إبراهيم الآية 1
(2)
سورة الأنبياء الآية 50
(3)
سورة يس الآية 69
(4)
سورة يس الآية 70
يستقيموا عليه، وأن يحذروا مخالفته، قال جل وعلا:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (1) وقال سبحانه: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (2) وقال جل وعلا: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (3) وسئلت عائشة رضي الله عنها فقيل لها: يا أم المؤمنين ماذا كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: «كان خلقه القرآن (4) » قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (5) والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم كان يتدبر القرآن، ويكثر من تلاوته، ويعمل بما فيه، فكان خلقه القرآن تلاوة وتدبرا، وعملا بأوامره، وتركا لنواهيه، وترغيبا في طاعة الله ورسوله، ودعوة إلى الخير، ونصيحة لله ولعباده. إلى غير ذلك من وجوه الخير.
وقال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} (6) فالقرآن هو أحسن القصص، وهو خلق النبي صلى الله عليه وسلم. ونصيحتي لجميع المسلمين رجالا ونساء، جنا وإنسا، عربا وعجما
(1) سورة ص الآية 29
(2)
سورة الأنعام الآية 155
(3)
سورة محمد الآية 24
(4)
سنن النسائي قيام الليل وتطوع النهار (1601) ، سنن أبو داود الصلاة (1342) ، مسند أحمد بن حنبل (6/91) .
(5)
سورة القلم الآية 4
(6)
سورة يوسف الآية 3
علماء ومتعلمين، نصيحتي للجميع أن يعتنوا بالقرآن الكريم وأن يكثروا من تلاوته بالتدبر والتعقل بالليل والنهار، ولا سيما في الأوقات المناسبة التي فيها القلوب حاضرة للتدبر والتعقل، والذي لا يحفظه يقرؤه من المصحف، والذي لا يحفظ إلا البعض يقرأ ما تيسر منه. قال تعالى:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} (1) وإذا كان يعرف الحروف يتهجى ويقرأ من المصحف حتى يتعلم زيادة، والذي لا يعلم يتعلم من أمه، أو أبيه، أو ولده، أو زوجته إن كانت أعلم منه، والتي لا تعرف يعلمها أبوها، أو أخوها، أو زوجها، أو أختها، أو غيرهم.
وهكذا يتواصى الناس، ويتعاونون؛ الزوج يعين زوجته، والزوجة تعين زوجها، والأب يعين ولده، والولد يعين أباه، والأخ يعين أخاه، والخال والخالة، وهكذا الكل يتعاونون، ويتواصون بهذا الكتاب العظيم تدبرا، وتعقلا، وعملا؛ لقول الله عز وجل:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (2) وقوله سبحانه: {وَالْعَصْرِ} (3){إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (4){إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (5) ولما رواه مسلم في صحيحه
(1) سورة المزمل الآية 20
(2)
سورة المائدة الآية 2
(3)
سورة العصر الآية 1
(4)
سورة العصر الآية 2
(5)
سورة العصر الآية 3
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للناس في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع: «إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به؛ كتاب الله (1) » . هكذا يوصيهم عليه الصلاة والسلام بكتاب الله ويخبرهم أنهم لن يضلوا إذا اعتصموا به. وفي اللفظ الآخر: «كتاب الله وسنتي (2) » . وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم من كتاب الله؛ لأن الله سبحانه يقول: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (3) فكتاب الله يأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، قال تعالى:{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} (4) ويقول جل وعلا: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا} (5) ويقول: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (6)
(1) رواه مسلم في الحج برقم 2137، ورواه الترمذي في المناقب برقم 3718
(2)
رواه الحاكم في المستدرك 1 \ 93 عن أبي هريرة، وفي فيض القدير للمناوي 3 \ 3282، وفي كنز العمال برقم 876.
(3)
سورة المائدة الآية 92
(4)
سورة النور الآية 54
(5)
سورة المائدة الآية 92
(6)
سورة النساء الآية 80
فالرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بالقرآن، فوصيته بالقرآن وصية بالسنة وهي أقواله وأفعاله وتقريراته كما تقدم.
ويروى عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تكون فتن. فقيل له: يا رسول الله: فما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم (1) » . . . . الحديث.
فهو المخرج من جميع الفتن، وهو الدال على سبيل النجاة، وهو المرشد إلى أسباب السعادة والمحذر من أسباب الهلاك، وهو الداعي إلى جمع الكلمة وهو المحذر من الفرقة والاختلاف، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} (2) ويقول جل وعلا في هذا الكتاب العظيم: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} (3) ويقول سبحانه
(1) رواه الترمذي في فضائل القرآن برقم (2831) والدارمي في فضائل - القرآن برقم (3197)
(2)
سورة الأنعام الآية 159
(3)
سورة آل عمران الآية 105
وتعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (1) فهو يدعو إلى الاجتماع على الحق، والتواصي بالحق، كما قال سبحانه:{وَالْعَصْرِ} (2){إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (3){إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (4) وهذه السورة العظيمة القصيرة قد جمعت الخير كله ما أبقت شيئا من الخير إلا ذكرته ولا شيئا من الشر إلا وحذرت منه.
وهؤلاء المستثنون فيها هم الرابحون؛ من الجن والإنس من الذكور والإناث، من العرب والعجم، من التجار والفقراء، من الأمراء وغيرهم، هم الرابحون وهم الناجون من الخسران، وهم الذين اتصفوا بأربع صفات: وهي الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
وهؤلاء هم السالمون من الخسران ومن عداهم خاسر على حسب ما فاته من هذه الصفات الأربع فمن آمن بالله ورسوله وصدق الله في أخباره وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه وآمن بكل ما أخبر الله به ورسوله من أمر الآخرة والجنة والنار والحساب والجزاء وغير ذلك وآمن بأن الله سبحانه هو
(1) سورة آل عمران الآية 103
(2)
سورة العصر الآية 1
(3)
سورة العصر الآية 2
(4)
سورة العصر الآية 3
المستحق للعبادة وأنه واحد لا شريك له وأن العبادة حقه، وأنه لا تجوز العبادة لغيره وصدق بهذا، كما أخبر الله في كتابه العظيم حيث قال سبحانه:{فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} (1) وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} (2) وقال سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (3) وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} (4) وقال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (5) وقال سبحانه: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (6) وقال سبحانه {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (7) وقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} (8)
فهذا هو أصل الدين وأساس الملة أن تؤمن بأن الله هو الخالق والرازق وأنه هو المعبود بالحق، وأنه سبحانه له الأسماء
(1) سورة الزمر الآية 2
(2)
سورة الإسراء الآية 23
(3)
سورة الفاتحة الآية 5
(4)
سورة البينة الآية 5
(5)
سورة البقرة الآية 163
(6)
سورة الزمر الآية 62
(7)
سورة الذاريات الآية 56
(8)
سورة البقرة الآية 21
الحسنى والصفات العلا لا شبيه له، ولا كفو له، ولا شريك له في العبادة، ولا في الملك والتدبير، كما قال سبحانه:{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} (1) وقال سبحانه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (2){اللَّهُ الصَّمَدُ} (3){لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} (4){وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (5) وقال سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (6) وقال سبحانه في سورة الحج {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} (7) وقال سبحانه: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} (8) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
والخلاصة أن الواجب على كل مكلف من الجن والإنس أن يخص الله بالعبادة، وأن يؤمن إيمانا قاطعا بأنه الخالق الرزاق، لا خالق إلا الله، ولا رب سواه، وأنه سبحانه المستحق للعبادة لا يستحقها أحد سواه، وهو المستحق لأن يعبد بالدعاء، والخوف
(1) سورة البقرة الآية 255
(2)
سورة الإخلاص الآية 1
(3)
سورة الإخلاص الآية 2
(4)
سورة الإخلاص الآية 3
(5)
سورة الإخلاص الآية 4
(6)
سورة الشورى الآية 11
(7)
سورة الحج الآية 62
(8)
سورة الجن الآية 18
والرجاء، والصلاة والصوم، والذبح والنذر وغيرها، كل لله وحده لا شريك له، قال تعالى:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (1) وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (2) وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها لا معبود بحق إلا الله كما قال تعالى {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} (3) يعني: فاعلم أنه لا معبود بحق إلا الله، فهو المستحق أن يعبد، ومن عبد الأصنام، أو أصحاب القبور، أو الأشجار، أو الأحجار، أو الملائكة، أو الأنبياء، فقد أشرك بالله وقد نقض قول لا إله إلا الله وخالفها، وقد خالف قوله تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (4) وخالف قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (5) فصار من جملة المشركين عباد القبور، والأصنام، والأشجار، والأحجار، الذين يستغيثون بأصحاب القبور، ويتبركون بقبورهم، ويدعونهم، أو يطوفون بقبورهم
(1) سورة الروم الآية 30
(2)
سورة البينة الآية 5
(3)
سورة محمد الآية 19
(4)
سورة البينة الآية 5
(5)
سورة الذاريات الآية 56
يرجون نفعهم وثوابهم، أو يستغيثون بهم، أو يطلبون منهم الولد أو المدد أو ما أشبه ذلك مما يفعله عباد القبور، وعباد الأصنام، أو يستغيثون بالنجوم، أو بالجن، أو بالملائكة، أو بالأنبياء، أو بغيرهم من المخلوقات، كل هذا نقض لقول لا إله إلا الله، وشرك بالله ينافي التوحيد ويضاده، ومخالف لقول الله جل وعلا:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (1) وقوله تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (2) ولقوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (3){بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (4) وقوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (5) وقوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (6) فلا بد من توحيد الله والإخلاص له في صلاتك، وصومك، وسائر عباداتك، وفي ذبحك، ونذرك، وخوفك، ورجائك، لا بد في كل
(1) سورة البينة الآية 5
(2)
سورة الأنعام الآية 88
(3)
سورة الزمر الآية 65
(4)
سورة الزمر الآية 66
(5)
سورة النساء الآية 48
(6)
سورة لقمان الآية 13
ذلك من ترك الإشراك بالله والحذر منه مع الإيمان بالله ربك وأنه خالقك لا خالق غيره ولا رب سواه مع الإيمان بأسمائه وصفاته، وأنه سبحانه ذو الصفات العلا والأسماء الحسنى لا شبيه له ولا كفو له ولا ند له، كما قال سبحانه وتعالى:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (1) وقال تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} (2) والمراد أشباه ونظراء، وقال تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (3) وقال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (4){اللَّهُ الصَّمَدُ} (5){لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} (6){وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (7) وعليه أيضا أن يؤمن بأن كل إنسان مكلف يجب أن يؤمن بأن الله سبحانه هو خالقه، وموجده، وأنه خالق كل شيء ومالكه وأنه هو المستحق أن يعبده، وأنه هو الإله الحق، وهو المعبود بالحق، ولا يكون المرء مؤمنا إيمانا كاملا إلا إذا اعتقد أنه سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وأن أسماءه كلها حسنى وصفاته كلها على، وأنه لا شبيه له، ولا مثل له، ولا كفو له كما قال سبحانه:
(1) سورة الأعراف الآية 180
(2)
سورة البقرة الآية 22
(3)
سورة الشورى الآية 11
(4)
سورة الإخلاص الآية 1
(5)
سورة الإخلاص الآية 2
(6)
سورة الإخلاص الآية 3
(7)
سورة الإخلاص الآية 4
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (1){اللَّهُ الصَّمَدُ} (2){لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} (3){وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (4) وقال تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} (5) يعني لا بهي له، ولا كفؤ له، ولا شريك له، وقال تعالى:{فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (6) والمعنى لا تجعلوا له أشباها ونظراء تدعونهم معه، وقال سبحانه وتعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (7) فهو يسمع أقوال عباده ويسمع دعاءهم ويراهم ومع ذلك لا شبيه له في ذاته، ولا في أسمائه ولا في سمعه وبصره، ولا في جميع صفاته فهو الكامل في كل شيء وخلقه لهم النقص، أما الكمال فهو له سبحانه وتعالى في كل الأمور.
فعليك بتدبر القرآن حتى تعرف هذا المعنى، تدبر القرآن من أوله إلى آخره من الفاتحة وهي أعظم سورة في القرآن وأفضل سورة فيه إلى آخر ما في المصحف قل هو الله أحد والمعوذتين تدبر القرآن واقرأه بتدبر وتعقل، ورغبة في العمل والفائدة، لا تقرؤه بقلب غافل، اقرأه بقلب حاضر بتفهم وبتعقل، واسأل عما أشكل عليك، اسأل أهل العلم عما أشكل عليك مع أن
(1) سورة الإخلاص الآية 1
(2)
سورة الإخلاص الآية 2
(3)
سورة الإخلاص الآية 3
(4)
سورة الإخلاص الآية 4
(5)
سورة مريم الآية 65
(6)
سورة البقرة الآية 22
(7)
سورة الشورى الآية 11
أكثره بحمد الله واضح للعامة والخاصة ممن يعرف اللغة العربية، مثل قوله جل وعلا:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (1) وقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (2) وقوله سبحانه: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (3) وقوله عز وجل: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} (4) وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} (5) وقوله سبحانه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (6) وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (7) وقوله عز وجل: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (8) فكله آيات واضحات بين الله سبحانه
(1) سورة البقرة الآية 238
(2)
سورة النور الآية 56
(3)
سورة النساء الآية 80
(4)
سورة البقرة الآية 43
(5)
سورة البقرة الآية 183
(6)
سورة آل عمران الآية 97
(7)
سورة المائدة الآية 90
(8)
سورة البقرة الآية 275
وتعالى فيها ما حرم على عباده وما أحل لهم وما أمرهم به، وما نهاهم عنه. وهكذا حرم الله الظلم فقال تعالى:{وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} (1) وقال سبحانه: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} (2) فعليك يا عبد الله أن لا تظلم الناس، لا في أنفسهم ولا في أعراضهم ولا في أموالهم.
احذر الظلم فعاقبته وخيمة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:«كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله (3) » . فاحذر لا تعتد على الفقير أو تخونه أو تخون غير الفقير، اتق الظلم في المعاملات وفي كل شيء، لا تظلم عمالا إذا كنت صاحب شركة، أو عندك عمال في بيتك أعطهم حقوقهم، وأوف لهم بالشروط؛ فشروطهم أعطهم إياها سواء كنت مدير شركة، أو صاحب عمال في بيتك، أو في مزرعتك فاتق الله فيهم لا تستضعفهم فتخونهم، وهكذا في جميع شئونك لا تكن خائنا ولا غشاشا في بيعك وشرائك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من
(1) سورة الشورى الآية 8
(2)
سورة الفرقان الآية 19
(3)
رواه مسلم في (البر والصلة والآداب) برقم (4650) واللفظ له، ورواه الترمذي في (البر والصلة) برقم (1850)
غشنا فليس منا (1) » ، ويقول الله جل وعلا:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (2) ويقول سبحانه في وصف المؤمنين: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (3) ويقول جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (4) فإذا كنت وكيلا لإنسان في مزرعته أو شركة أو غير ذلك فلا تخنه، انصح وأد الواجب ولا تأخذ من حقه شيئا إلا بإذنه، وهكذا في جميع الأشياء؛ كالوكيل في البيع أو الشراء يجب عليه أن ينصح في ذلك، في الإجارة انصح ولا تخن في أي شيء، في بيع ثمار النخل، في أي شيء انصح، قال تعالى:{وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (5)
وإذا كان عليك دين فاتق الله في أداء الدين لا تقل: إنني لا أستطيع وأنت تكذب، اتق الله وأد الدين لمستحقه فأنت مأمور
(1) رواه مسلم في (الإيمان) برقم (146) ورواه ابن ماجه في (التجارات) برقم (2216) وأحمد في (مسند المكثرين) برقم (4867) و (9027) .
(2)
سورة النساء الآية 58
(3)
سورة المؤمنون الآية 8
(4)
سورة الأنفال الآية 27
(5)
سورة المؤمنون الآية 8
بذلك، مأمور أن تؤدي الحقوق وأن توفي بالعقود يقول الله جل وعلا:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} (1){الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (2){وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} (3){وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} (4) زكاة نفوسهم وزكاة أموالهم: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} (5){إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} (6) أي: يحفظون الفروج من الزنا، واللواط وسائر المعاصي إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين:{فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} (7){وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (8) يرعون الأمانات والعهود حتى يؤدوها كما شرع الله. وهكذا الكلام السري هو من الأمانات، فلا تتكلم به ولا تفش السر، ومن قال افعل كذا وكذا ولا تخبر به أحدا، فإن ذلك يكون سرا بينك وبينه فلا تخنه ولا تخن أمانة السر التي ليس فيها ضرر على أحد، ومن أوصاك على عياله، أو أوصاك على مزرعته، فأد الحق، وراقب الله في ذلك فإن الله سبحانه رقيب عليك، وإذا
(1) سورة المؤمنون الآية 1
(2)
سورة المؤمنون الآية 2
(3)
سورة المؤمنون الآية 3
(4)
سورة المؤمنون الآية 4
(5)
سورة المؤمنون الآية 5
(6)
سورة المؤمنون الآية 6
(7)
سورة المؤمنون الآية 7
(8)
سورة المؤمنون الآية 8
اقترضت من إنسان حاجات فأد حقه إليه ولا تخنه في ذلك، واتق الله وأعطه جميع الحاجات التي أخذتها منه، أو ثمنها إن كنت أخذتها بالشراء، ولا تجحد ما عندك له إذا كان قد نسيه، بل أعطه إياه وقل: إن هذا كان عندي ثمن كذا وثمن كذا. قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (1){وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} (2)
فالصلاة أعظم الواجبات وأهم الفرائض بعد التوحيد، وهي عمود الإسلام وهي أعظم ركن وأعظم فريضة بعد الشهادتين، فاتق الله فيها وحافظ عليها في الجماعة؛ لقول الله تعالى:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} (3) ولقوله سبحانه: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (4) ولقوله سبحانه: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (5) ولقوله {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} (6){أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} (7) ولقوله سبحانه عن المنافقين:
(1) سورة المؤمنون الآية 8
(2)
سورة المؤمنون الآية 9
(3)
سورة البقرة الآية 238
(4)
سورة البقرة الآية 43
(5)
سورة العنكبوت الآية 45
(6)
سورة المعارج الآية 34
(7)
سورة المعارج الآية 35
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} (1) فلا ترض لنفسك بمشابهتهم ولا تكن مثلهم متثاقلا عن الصلوات كأنك تجر إليها جرا، لكن كن نشيطا قويا مسارعا إليها في صلاة الفجر وغيرها، فلا تقدم النوم على صلاة الفجر ولا على غيرها بل كن صابرا مسارعا ومراقبا الله في جميع الأوقات، وهكذا زوجتك، وهكذا أولادك كن قويا في هذا الأمر مع الزوجة، ومع الأولاد ومع الخدم، وأنت أولهم، كن مسارعا وكن قدوة في الخير إذا سمعت النداء فبادر إلى الصلاة في الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، كما أمرك الله سبحانه بذلك ورسوله صلى الله عليه وسلم، يقول الله سبحانه:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} (2) والصلاة الوسطى هي صلاة العصر خصها الله بالذكر لعظم شأنها، ويقول سبحانه:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} (3) وإقامتها: هي أداؤها كما أمر الله، وإيتاء الزكاة: هو أداؤها لمستحقيها كما أمر
(1) سورة النساء الآية 142
(2)
سورة البقرة الآية 238
(3)
سورة البقرة الآية 43
الله، فالأموال التي عندك أد زكاتها كما أوجب الله، لا تبخل، وجاهد نفسك في إخراج الزكاة حتى تؤديها إلى أهلها، من هذا المال الذي عندك من نقود أو غنم، أو إبل، أو بقر، أو غير ذلك من أموال الزكاة، وعروض التجارة كالملابس، والأواني، والسيارات إلى غير ذلك مما يعد للبيع، فعليك أن تؤدي عن كل مال زكوي كلما حال عليه الحول في المائة من الدراهم والدنانير وغيرها من العمل اثنان ونصف في المائة وهما ربع العشر، وفي الألف خمسة وعشرون، وفي مائة ألف ألفان وخمسمائة، وهكذا في غنمك إذا كانت سائمة ترعى جميع الحول أو أكثره في الأربعين إلى مائة وعشرين واحدة وهي جذع من الضأن أو ثني من المعز، وفي المائة وإحدى وعشرين إلى مائتين اثنتان، وفي المائتين وواحدة ثلاث شياه ثم تستقر الفريضة في كل مائة شاة، وفي أربعمائة من الغنم أربع شياه، وفي الخمسمائة خمس شياه وهكذا.
وأما زكاة الإبل فقد فصلها النبي صلى الله عليه وسلم فجعل في الخمس من الإبل التي ترعى جميع الحول أو غالبه شاة واحدة، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة من الإبل ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه إلى خمس وعشرين، فإذا بلغت خمسا
وعشرين ففيها بنت مخاض- أنثى قد تم لها سنة- فإن لم توجد لدى صاحب المال أجزأ عنها ابن لبون- ذكر قد تم له سنتان- إلى خمس وثلاثين، فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها بنت لبون- أنثى قد تم لها سنتان- إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة - قد تم لها ثلاث سنين- إلى ستين- فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة - قد تم لها أربع سنين- إلى خمس وسبعين، فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون إلى إحدى وتسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى مائة وعشرين، فإذا زادت على مائة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة.
وهكذا في البقر إذا كانت سائمة ترعى جميع الحول أو أغلبه ففي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة قد تم لكل منهما سنة، وفي الأربعين مسنة قد تم لها سنتان، وفي الستين تبيعان أو تبيعتان، وفي السبعين تبيع ومسنة، وفي الثمانين مسنتان، وفي التسعين ثلاثة أتباع أو ثلاث تبيعات، وفي المائة تبيعان أو تبيعتان ومسنة، وفي المائة والعشرين ثلاث مسنات أو أربعة أتباع، ثم تستقر الفريضة. ففي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة وفي كل أربعين مسنة.
أما الحبوب والثمار التي تكال وتدخر ففيها نصف العشر إذا كانت تسقى بمئونة كالسواني والمكائن، أما إذا كانت تسقى
بالمطر أو الأنهار ونحو ذلك ففيها العشر إذا بلغت خمسة أوسق، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر (1) » . أخرجه البخاري في الصحيح. وقوله صلى الله عليه. وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة (2) » . متفق على صحته.
أما صيام رمضان فهو الركن الرابع من أركان الإسلام يجب أن تتقي الله فيه، فإذا جاء رمضان عليك أن تصوم مع الناس كما أمر الله، وتحفظ صومك عن اللغو وعن الغيبة والنميمة وسائر المعاصي ولا تجرح صومك بشيء منها، بل الواجب أن تصون صيامك عن كل المعاصي، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه (3) » . أخرجه البخاري في صحيحه.
(1) رواه البخاري في (الزكاة) برقم (1388) ومسلم في (الزكاة) برقم (1630) والترمذي في (الزكاة) برقم (578) واللفظ له.
(2)
رواه البخاري في (الزكاة) برقم (1366) ومسلم في (الزكاة) برقم (1627) واللفظ له
(3)
رواه البخاري في (الصوم) برقم (5597) واللفظ له، والترمذي في (الصوم) برقم (641) وأحمد في (باقي مسند المكثرين) برقم (9463) .
وعليك بالكسب الحلال، تحر الحلال من مكسب طيب وأحذر الحرام، وصم صوما صحيحا، فإذا صمت فلتصم جوارحك عن كل ما حرم الله، هكذا الصوم الكامل أن يصوم المرء- عن الطعام والشراب وأن يصوم عن كل ما حرم الله، وهكذا في حجك، لا ترفث ولا تفسق، فإذا حججت فصن حجك عن جميع المعاصي، احذر ذلك في جميع الأحوال؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (1) » . متفق على صحته، وقوله صلى الله عليه وسلم:«العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة (2) » . متفق على صحته.
والحج المبرور هو الذي ليس فيه رفث ولا فسوق. وهكذا يجب عليك في جميع المعاملات الحذر من الغش والخيانة والكذب فقد «مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل عنده صبرة من طعام
(1) رواه البخاري في (الحج) برقم (1424) واللفظ له، ورواه مسلم في (الحج) برقم (2404) وأحمد في (باقي مسند المكثرين) برقم (7077) .
(2)
رواه البخاري في (الحج) برقم (1650) ومسلم في (الحج) برقم (2403) .
في السوق فكأنه أحس بشيء فيها فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، فقال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني (1) » . أخرجه مسلم في صحيحه.
والمقصود أن كتاب الله فيه الهدى والنور، وفيه الدعوة إلى كل خير، وفيه التحذير من كل شر، وهكذا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها الدعوة إلى كل خير والتحذير من كل شر.
فوصيتي لنفسي ولجميع إخواني المسلمين هي تقوى الله سبحانه في جميع الأحوال، وتقوى الله: هي طاعته سبحانه بفعل الأوامر وترك النواهي مع الإخلاص له جل وعلا في ذلك والوقوف عند حدوده، ومن تقوى الله سبحانه العناية بالقرآن وتدير معانيه والإكثار من تلاوته حفظا أو نظرا مع التدبر والتعقل والعمل، قال الله سبحانه:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (2) فهو لم ينزل لجعله في الدواليب ولا لمجرد القراءة، أو الحفظ وإنما نزل ليقرأ، ويتدبر
(1) رواه مسلم في (الإيمان) برقم (147) .
(2)
سورة ص الآية 29
ويعمل به قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (1) وقال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (2) وقال النبي صلى الله عليه وسلم للناس يوم عرفة في حجة الوداع: «إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به: كتاب الله (3) » . ويقول صلى الله عليه وسلم أيضا: «إني تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي (4) » . يعني بهم زوجاته وقراباته من بني هاشم، يذكر الناس بالله في أهل بيته بأن يرفقوا بهم، وأن يحسنوا إليهم، ويكفوا الأذى عنهم، ويوصيهم بالحق، ويعطوهم حقوقهم ما داموا مستقيمين على دينه متبعين لشريعته عليه الصلاة والسلام، وصح «عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله
(1) سورة إبراهيم الآية 1
(2)
سورة الأنعام الآية 155
(3)
رواه مسلم في (الحج) برقم (2137) ، ورواه الترمذي في (المناقب) برقم (3718)
(4)
رواه مسلم في (فضائل الصحابة) برقم (4425) ، ورواه أحمد في (مسند الكوفيين) برقم (18464)
عنه أنه سئل عما أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أوصى بكتاب الله (1) » ، يعني أوصى بالقرآن، فالقرآن وصية الله ووصية رسوله عليه الصلاة والسلام فالله جل وعلا أوصانا بهذا الكتاب فقال:{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ} (2) فهذه وصيته وأمره سبحانه باتباع كتابه والتمسك به، وقال عز وجل:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (3) الآية. فهذا كتاب الله هو أحسن الحديث، وهو أحسن القصص، كما قال سبحانه في سورة يوسف:{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} (4)
فهو أحسن القصص، قص الله علينا فيه أخبار الماضين من أخبار آدم، وأخبار نوح، وهود، وصالح، وغيرهم من الرسل المذكورين في القرآن، وقص علينا أخبار أممهم وما جرى لهم من العقوبات، وما جرى للمتقين من النصر والتأييد والعاقبة الحميدة وليس هناك قصص أحسن منه، كما قص علينا صفات أهل الجنة
(1) صحيح البخاري الوصايا (2740) ، صحيح مسلم الوصية (1634) ، سنن الترمذي الوصايا (2119) ، سنن النسائي الوصايا (3620) ، سنن ابن ماجه الوصايا (2696) ، مسند أحمد بن حنبل (4/355) ، سنن الدارمي الوصايا (3180) .
(2)
سورة الأنعام الآية 155
(3)
سورة الزمر الآية 23
(4)
سورة يوسف الآية 3
والنار وأنواع النعيم والعذاب وأخبار يوم القيامة والجزاء والحساب إلى غير ذلك من الأخبار العظيمة.
فالوصية أيها الإخوة: رجالا ونساء، جنا وإنسا هي العناية بكتاب الله والإكثار من تلاوته وتدبره والعمل بما فيه، وبسنة الرسول؛ لأنها داخلة في ذلك. فسنة الرسول صلى الله عليه وسلم داخلة في الوصية بكتاب الله؛ لأن الله سبحانه أوحى إليه القرآن والسنة قال جل وعلا:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} (1){مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} (2){وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} (3){إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (4) وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (5) وقال صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه (6) » .
فالوصية بالقرآن وصية بالسنة فالواجب على جميع المسلمين هو العمل بالكتاب والسنة وتحكيمهما في كل شيء.
(1) سورة النجم الآية 1
(2)
سورة النجم الآية 2
(3)
سورة النجم الآية 3
(4)
سورة النجم الآية 4
(5)
سورة النساء الآية 59
(6)
رواه أحمد في (مسند الشاميين) برقم (16546) واللفظ له، ورواه أبو داود في (كتاب السنة) برقم (3988)
وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي: أحاديثه الصحيحة، والاستفادة منها وحفظ ما تيسر منها أيضا والسؤال عما أشكل منها؛ لأن الله أوصى بها قال تعالى:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا} (1) وقال جل وعلا: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} (2) يعني عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم: {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (3) وقال جل وعلا: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (4){وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} (5) نسأل الله العافية.
والوصية لنفسي ولكم ولجميع المسلمين ولجميع من بلغه هذا الكلام، الوصية هي تقوى الله، والعناية بكتاب الله الكريم والتواصي بذلك قولا وعملا ومذاكرة، ومن ضيع ذلك فهو خاسر، قال تعالى:{وَالْعَصْرِ} (6){إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (7){إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (8) فهؤلاء هم
(1) سورة المائدة الآية 92
(2)
سورة النور الآية 63
(3)
سورة النور الآية 63
(4)
سورة النساء الآية 13
(5)
سورة النساء الآية 14
(6)
سورة العصر الآية 1
(7)
سورة العصر الآية 2
(8)
سورة العصر الآية 3
أهل السعادة وهم أهل الربح الذي آمنوا بالله وبرسوله وحدوده، وأخلصوا لله العبادة وأدوا فرائضه، وتركوا محارمه، وتواصوا بالحق: أي تناصحوا فيما بينهم، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ثم مع ذلك صبروا ولم يجزعوا حتى لحقوا بربهم، وهم المذكورون في قوله تعالى:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (1) هذا هو شأنهم، وهذا شأن المؤمنين، وقد وعدهم الله بالرحمة فقال تعالى:{أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} (2) وهذا جزاؤهم في الدنيا بالتوفيق والهداية والتسديد وفي الآخرة بدخول الجنة، والنجاة من النار، وهم المذكورون في قوله تعالى:{وَالْعَصْرِ} (3){إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (4){إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (5) ويقول سبحانه في هذا المعنى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (6) البر والتقوى هو أداء فرائض الله وترك محارمه، ثم يقول سبحانه:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (7) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم
(1) سورة التوبة الآية 71
(2)
سورة التوبة الآية 71
(3)
سورة العصر الآية 1
(4)
سورة العصر الآية 2
(5)
سورة العصر الآية 3
(6)
سورة المائدة الآية 2
(7)
سورة المائدة الآية 2
في الحديث الصحيح: «الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه، ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (1) » . رواه مسلم في الصحيح، ويقول صلى الله عليه وسلم:«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا (2) » . وشبك بين أصابعه، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:«مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (3) » .، هكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان متعاونين على البر والتقوى متناصحين، متواصين بالحق والصبر عليه، دعاة للخير محذرين من الشر صبر في جميع الأحوال، وعليكم أن تكونوا كذلك مع أهلكم، ومع أولادكم، ومع جيرانكم، ومع جلسائكم، ومع جميع المسلمين أينما كانوا في الباخرة، وفي الطائرة، وفي السيارة
(1) رواه مسلم في (الإيمان) برقم (82) واللفظ له، والنسائي في (البيعة) برقم (4126) .
(2)
رواه البخاري في (المظالم والغصب) برقم (2266) ومسلم في (البر والصلة والآداب) برقم (4685) وأحمد في (مسند الكوفيين) برقم (17648) و (17654) .
(3)
رواه مسلم في (البر والصلة والآداب) برقم (4685) وأحمد في (مسند الكوفيين) برقم (17648) و (17654) .
وفي البر، وفي البحر وفي أي مكان، فعليكم أيها الإخوة أن تكونوا متواصين بالحق متناصحين متعاونين على البر والتقوى، دعاة للخير، محذرين من الشر، معتنين بكتاب الله تلاوة وتدبرا وتعقلا وعملا.
والله المسئول بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يوفقنا وإياكم للفقه في دينه، والثبات عليه، وأن يعيذنا وإياكم وسائر المسلمين من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأن يوفقنا للعناية بكتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والاهتداء بها والعمل بما فيها، وأن يكون كتاب الله سبحانه خلقا لنا كما كان خلقا لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، وأن يعيذنا وإياكم وسائر المسلمين من مضلات الفتن، ومن نزغات الشيطان، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يجعلنا وإياكم من أنصار دينه والدعاة إليه على بصيرة إنه سميع قريب وصلى الله وسلم على عبده ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين ولا حول ولا قوة إلا بالله.