الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولعل هذا، هو السر في اختيار هاتين القصتين هنا، من بين قصص الأنبياء التي جاء بها القرآن الكريم، إذ كان في قصة نوح هلاك ونجاة معا، هلاك للكافرين ونجاة للمؤمنين.. ثم كان قصة في إبراهيم بلاغ مبين، هو غاية ما يطلب من رسول الله إلى عباد الله..
وقد رأينا أنه في الدور الأول للدعوة الإسلامية، قد نجا النبي ومن معه، وهلك مشركو قريش ومن معهم.. ثم رأينا يوم الفتح، ثم في حجة الوداع، كيف حطم النبي الأصنام، وبلغ رسالة ربه، بلاغا مبينا، وأشهد على ذلك المؤمنين جميعا، قائلا بعد كل مقطع من مقاطع خطبته: «هل بلغت؟
اللهم فاشهد..» .. ثم دعا الشاهدين أن يبلغوا من لم يشهد: «ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب» ..
ألا خرست ألسنة تقول في هذا القصص: «إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» وألا خسىء وخسر المبطلون..، «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ..» «77- 80: الواقعة»
الآيات: (19- 25)[سورة العنكبوت (29) : الآيات 19 الى 25]
أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (22) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (23)
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَاّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (25)
التفسير:
إن قصة إبراهيم لم تتم بعد، وستأتى بقيتها، بعد تلك الآيات التي جاءت فى مساق القصّة، لتكشف لهؤلاء المشركين، قديما وحديثا، عن ضلالهم، وسفاهتهم، وضعف أحلامهم، إذ ينحتون أحجارا ثم يعبدونها، ويجعلونها مشاركة لله سبحانه وتعالى، فى الملك والتدبير، وفي النفع والضر..
قوله تعالى:
«أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» هو إلفات لهؤلاء المشركين، إلى مالله سبحانه وتعالى من قدرة مطلقة لا حدود لها، وأنه سبحانه هو الذي أوجد هذا الوجود، وأنشأ هذه المخلوقات، وهو سبحانه الذي سيعيدها كما بدأها.. إن ذلك البدء، والإعادة، أمر يسير على الله، لا يتكلف له جهدا، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون..
والمراد بالرؤية هنا، رؤية العلم، الذي يكشف للإنسان حقائق الأشياء، كما يكشف البصر صور المرئيات.. والاستفهام معطوف على محذوف، تقديره:
أعموا ولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده؟
قوله تعالى:
«قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» وهذا الأمر مترتب على ما سبق في الآية السابقة، التي نخست هؤلاء الغافلين، تلك النخسة الموجعة، لما هم فيه من عمى وضلال عن آيات الله.. وأنهم إذا كانوا لم يعلموا، فليطلبوا العلم.. وها هي ذى سبل العلم ميسرة، فليسيروا فى الأرض، وليقلبوا وجوه النظر فيها.. وهذا أسلوب من أساليب تحصيل العلم بالتجربة الحسية، والانتقال من المحسوس إلى المعقول، على حين كان أسلوب تحصيل العلم في الآية السابقة عن طريق التأمل والتدبر.. وهذا الأسلوب التجريبي في تحصيل العلم، وإن كان له جلاله وخطره في لمس الحقيقة، إلا أنه دون الأسلوب الأول الذي يحصّل فيه العلم بتوجيه العقل مباشرة إلى الحقيقة، مستهديا في ذلك بحدسه، وبصيرته.. وذلك في مجال البحث عما وراء الطبيعة من الغيبيات، التي تتعلق بالبعث والقيامة، والحساب والجزاء.. فهذه الأمور وأمثالها لا يمكن إدراكها عن طريق الحسّ، ولا بتقليب النظر في المدركات الحسية.. وإن كان المدركات الحسية شأن هنا، فإنما هو فيما يبدو منها من إشارات خافتة، وما يندّ منها من شرارات متطايرة، فإذا وجدت هذه الإشارات بصيرة نافذة، وعقلا متفتحا، كانت منطلقا للمدارك الإنسانية العليا نحو الحقيقة، وإذا وجدت هذه الشرارات المتطايرة قلبا يجمعها إليه اتقدت منها جذوة تضىء جوانب النفس وتكشف للعقل معالم الطريق إلى الحق والهدى..
قوله تعالى:
«يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ» .. أي كما
أن من قدرة الله أنه يبدأ الخلق ثم يعيده، فإن من قدرته كذلك أن يعذّب من يشاء ويرحم من يشاء.. لا معقّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه في عباده..
وقدّم العذاب على الرحمة هنا، لأن الموقف في مواجهة المشركين الضّالّين الذين أنذروا، فلم تغنهم النذر، فكان من البلاغ والبلاغة في آن- عند دعوتهم إلى الله- أن يروا العذاب الذي أنذروا به، وأن يستشعروا أنهم أهله، فإذا كان لذلك العذاب وقع كريه في نفوسهم، فهذه أبواب الرحمة مفتحة لمن يطرقها إلى الله، والإيمان به.
وفي قوله تعالى: «وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ» - إشارة إلى أن مسيرة الإنسان بدأت من عند الله سبحانه وتعالى، وانطلقت من يد قدرته.. وأن مسيرة الناس في الحياة، لها نهاية تنتهى عندها، ثم تنقلب راجعة إلى الله من حيث بدأت.. فمن يد القدرة انطلقت، وإلى يد القدرة تعود.. كما يقول سبحانه:
«إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى»
(8: العلق) والرجوع إنما يكون بالعودة إلى مكان البدء، والانطلاق..
قوله تعالى:
هو توكيد لقدرة الله المطلقة، وأن هذه القدرة لا يعجزها الإنسان، فى أي منطلق ينطق إليه، سواء أكان منطلقه في الأرض أم في السماء.. فالله سبحانه، له ما في الأرض وله ما في السماء.. وإذا كان ذلك كذلك، فإنه لا ملجأ للإنسان من الله إلا إليه، وأنه إذا طلب معينا يعينه، فلن يجد العون إلا عند الله، ومن الله..
قوله تعالى:
فى الآية حكمان واقعان على الذين كفروا بآيات الله واليوم الآخر..
الحكم الأول: أنهم في يأس من رحمة الله.. إنهم لا يرجون رحمة الله، لأنهم لا يؤمنون به.. ولو كانوا يؤمنون بالله لآمنوا باليوم الآخر، ولعملوا في هذه الدنيا أعمالا صالحة، يرجون بها رحمة الله، ويبتغون ثوابه..
والحكم الآخر: أن لهم في الآخرة عذابا أليما، إذ لم يكن لهم نصيب من رحمة الله.. لأنهم لم يرجوها ولم يعملوا لها.
قوله تعالى:
«فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» تجىء هذه الآية فتصل أحداث قصة إبراهيم، التي فصلت بينها الآيات السابقة، التي جاءت في سياق القصة- تجىء والنفوس متشوقة إلى متابعة أحداثها، والأبصار شاخصة إلى ما يطلع عليها من وجوه الأحداث المتوقعة، فكان ذلك القطع لمجريات الأحداث، أشبه بصدمة قوية، تتنبّه لها حواسّ الإنسان وتستيقظ لها مشاعره ومدركاته، لينظر ماذا جرى، وماذا هناك من أمر قطع تيار الأحداث التي تجرى فيها القصة.. وهنا تلقاه هذه الآيات التي تلفت الأنظار- فى قوة- إلى قدرة الله، وإلى ماله من تدبير وتصريف، فى هذا الوجود، وأنه سبحانه يبدأ الخلق ثم يعيده، وأنه يعذّب من يشاء ويغفر لمن يشاء،
وأنه- سبحانه- لن يعجزه هارب في السماء أو في الأرض. فإذا وعى الإنسان ذلك كلّه، لقيته أحداث القصة من جديد، وطلعت عليه بالجواب الذي كان يريد أن يعرف مضمونه من فم القوم، بعد أن دعاهم إبراهيم- عليه السلام إلى الله، وإلى ترك ما يعكفون عليه من أصنام.. فلقد وقفت أحداث القصة عند مقولات إبراهيم لقومه، وحين تهيأت النفوس لاستقبال جوابهم الذي يحدّد موقفهم من هذه المقولات- انتقلت بهم الآيات إلى موقف آخر غير هذا الموقف، وكادت تعزلهم عنه عزلا تاما، حتى إذا كادوا ينسون أحداث القصة، طلع عليهم الوجه الغائب عنهم منها.. وهو جواب القوم وردّهم على مقولات إبراهيم..
فانظر في وجه هذا الإعجاز، واسجد لله في محراب عظمة آيات الله وجلالها.. وإنك لترى الكلمات أحداثا متحركة، وشخوصا حية عاقلة، تتبادل فيما بينها المواقف، كما يتبادل المجاهدون مواقفهم في ميدان الجهاد، حيث يتحرف المجاهد للقتال، أو ينحار إلى فئة، حسب ما يرى ويقدر، لسلامة الموقف، وتحقيق النصر، دون أن يولى ظهره، أو يستسلم لعدوّه..
هكذا نرى آيات الله، فى مقام الدعوة إلى الله.. إنها جنود سماوية في ميدان الجهاد لإزاحة الضلال من العقول، وكشف العمى عن القلوب..!
هذا هو الجواب لمن كان ينتظر الجواب.. وإنه لجواب أهل السّفه والضلال لكل قول كريم يقال لهم، وإنه لردّ أهل الزّيغ والفسوق على كل دعوة رشيدة يدعون إليها..
فماذا يكون جواب هؤلاء المشركين من أهل مكة لمقولات النبيّ التي
قالها لهم، وماذا يكون ردّهم على دعوته التي يدعوهم إليها؟
لقد قالوا أسوأ القول، وردوا أفحش الردّ.. قالوا إنه ساحر، وقالوا إنه مجنون، وقالوا إنه كاذب مفتر.. وقالوا:«نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ» ..
«30: الطور» وقالوا: اعتزلوه وأهله.. وقالوا اقتلوه ضربة رجل واحد، فيذهب دمه في قبائلكم بددا..!
فماذا كانت خاتمة هذا الصراع؟ لقد أنجاه الله منهم وخلصه من كيدهم، وأطفأ لهيب هذه الأفواه التي كانت ترمى بالشرر من نار العداوة البغضاء.. تماما كما نجى الله إبراهيم من النار، وجعلها بردا وسلاما عليه.. «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» يراها ذوو العقول الرشيدة، ويشهدها أصحاب البصائر المبصرة، فى تلك القوى الغيبية التي تطلع من حيث لا يراها أحد، فتحيل الضعف قوة والقوة ضعفا، وتجعل النار بردا وسلاما! قوله تعالى:
«وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ» هذه هي قوله الحق، ينطق بها إبراهيم، وينطق بها محمد، وينطق بها الوجود كله، ردّا على هذا الرد السفيه الأحمق، الذي ردّ به هؤلاء السفهاء الحمقى، على ما دعوا إليه من حق وهدى وخير..
- وفي قوله: «إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً» تقرير لأمر واقع.. فهم إنما اتخذوا فعلا أوثانا، يعبدونها من دون الله.. ولكنّ في إعلامهم بها، وكشف وجوهها لهم، تسفيها لهم، ووضعا لجسم الجريمة بين أيديهم، تماما كما يوقف
القاتل على جنة قاتله في مواجهة الاتهام والمساءلة! - وقوله سبحانه: «مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» .. هو بدل من قوله تعالى:
«أَوْثاناً» .. وهذا يعنى أن الأوثان، والمودة مثلان متعادلان.. فالأوثان في هذا التقدير ليست إلا هوى من أهوائهم، وإلا كئوسا من الإثم، يتعاطونها، ويجتمعون عليها، فنقيم بينهم من التآلف والتوافق، ما تقيم مجالس الشراب بين الشّرب من اختلاط وامتزاج.. ثم إذا كانت لأحدهم صحوة بعد هذا، ونظر نظرة سليمة إلى حاله تلك، أنكر هذه المجالس الآثمة، وأنكر أهلها، ولعن كل وجه كان يلقاه فيها..
وعلى هذا نجد وضع الآية الكريمة هكذا: وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا، فجعلتم هذه المودة القائمة على الهرى، هى الرباط الذي ربط بينكم، وجمعكم على هذا الضلال الذي أنتم عليه.. ولكن أين هذا من نظم القرآن وإعجازه؟ وأين الأرض من السماء؟
- قوله تعالى: «يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ» أي ويوم القيامة ينكشف لكم الأمر، وتنقلب هذه المودة بغضة وعداوة، فيكفر بعضكم ببعض، وينكر بعضكم بعضا، ويلعن بعضكم بعضا، كما يقول سبحانه:«الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ» (67: الزخرف) .. فالمودة التي تقوم بين المؤمنين مودة قائمة على التقوى والخير، يلتقى عليها المؤمنون في الدنيا والآخرة، كما يقول سبحانه في أهل الجنة:«إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ» (47: الحجر) والمودة القائمة على الهوى والضلال، لا يلتقى أهلها يوم القيامة إلا على العداوة والمقت والبغضاء، وفي هذا يقول الله تعالى: «قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ