المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ منهاج السورة - التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون - جـ ٧

[مأمون حموش]

فهرس الكتاب

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌40 - سورة غافر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌41 - سورة فصلت

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌42 - سورة الشورى

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌43 - سورة الزخرف

- ‌ما ورد في ذكرها

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌44 - سورة الدخان

- ‌ما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌45 - سورة الجاثية

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌46 - سورة الأحقاف

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌47 - سورة محمد

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌48 - سورة الفتح

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌49 - سورة الحجرات

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌50 - سورة ق

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌51 - سورة الذاريات

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌52 - سورة الطور

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌53 - سورة النجم

- ‌ما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌54 - سورة القمر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌55 - سورة الرحمن

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌56 - سورة الواقعة

- ‌ما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌57 - سورة الحديد

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌58 - سورة المجادلة

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌59 - سورة الحشر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

الفصل: ‌ منهاج السورة

‌موضوع السورة

استدراج اللَّه الظالمين بزخرف الحياة الدنيا إلى هوان وشقاء الحياة الآخرة

-‌

‌ منهاج السورة

-

1 -

انتصار اللَّه تعالى لهذا القرآن العربي المبين، وبيان سنته تعالى في إهلاك المكذبين للرسل المعاندين للوحي الكريم.

2 -

إقرار المشركين للَّه تفرده بالربوبية، ومع ذلك يشركون به في الألوهية.

3 -

امتنان اللَّه على عباده إنزال الماء من السماء وخلق الأزواج وتسيير الفلك.

4 -

إخبار اللَّه تعالى عن افتراء المشركين، واحتجاجهم بالقدر على شركهم ومكرهم واتباعهم سبيل الشياطين، وتعظيمهم آبائهم الضالين.

5 -

ثناء اللَّه تعالى على خليله إبراهيم إمام الموحدين، وذمّ المشركين الذين ضيعوا ملته ملة الدين القويم.

6 -

قَسْمُ اللَّه الرزق والأجل بين العباد، وكذلك النبوة والحكم في البلاد.

7 -

تسليطُ اللَّه ظلمة الجن على ظلمة الإنس ببغيهم، وتنافر الفريقين يوم الحشر وقضاء اللَّه النافذ -في نار جهنم- بجمعهم.

8 -

مهمة الرسل البلاغ المبين، وأمر الهداية والتثبيت بيد اللَّه العظيم.

9 -

قصة موسى مع الطاغية فرعون رأس الكفر والطغيان، وقصة عتوه وتمرده حتى أذاقه اللَّه الخزي واللعنة والحرمان.

10 -

ردُّ اللَّه تعالى على قريش في قياسهم الفاسد بتشبيه الأنبياء والملائكة بالأصنام، وخروج عيسى بن مريم آية من آيات اللَّه آخر الزمان.

11 -

تخويف اللَّه عباده يوم القيامة يوم يخزي المجرمين، ويتخلى الأخلاء بعضهم عن بعض والنجاة للمتقين.

ص: 179

12 -

شقاء المجرمين في نار جهنم نار الجحيم، فلا يفتر عنهم العذاب ولا هم يموتون.

13 -

إثبات العبودية للَّه تعالى سواء في أهل السماء أو في أهل الأرض.

14 -

تفرّد اللَّه تعالى بأمر الساعة وكل إليه راجعون.

15 -

لا يملك أحد يوم القيامة الشفاعة إلا بإذن اللَّه العظيم، والكافرون لن ينفعهم إقرارهم للَّه بالربوبية ثم هم به مشركون.

* * *

ص: 180

بسم الله الرحمن الرحيم

1 -

8. قوله تعالى: {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (7) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8)}.

في هذه الآيات: انتصارٌ من اللَّه تعالى لهذا القرآن العربي المبين، وبيان سنته تعالى في إهلاك المكذبين للرسل المعاندين للوحي الكريم.

فقوله تعالى: {حم} كسابقه في أوائل السور التي ابتدأت بمثل هذه الحروف المقطعة، والتي تحمل معنى التحدي والإعجاز، ثم يأتي بعدها مباشرة ذكر الكتاب ليكون انتصارًا لهذا القرآن.

وقوله تعالى: {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} أي البيِّن الجلي في ألفاظه ومعانيه وآفاقه. قال قتادة: (مبين واللَّه بركته، وهداه ورشده).

وقوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} أي: إنا أنزلناه قرآنًا فصيحًا بينًا بلغة العرب، لغة البيان والإعجاز.

وهذه الآية استدل بها أهل البدعة زمن الإمام أحمد على قضية مبتدعة وهي مسألة خلق القرآن، قالوا: فالمجعول مخلوق. فقارعهم أهل العلم كاشفين جهلهم بلغة العرب. فإن "جعل" -في كلام العرب- إن تعدى إلى مفعول واحد كان بمعنى خلق، وإذا تعدّى إلى مفعولين لم يكن بمعنى خلق، وإنما يفيد التحويل.

ص: 181

ومثال الأول:

1 -

قال تعالى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1].

2 -

وقال تعالى: {وجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} [الأنبياء: 32].

3 -

وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} [الأنبياء: 31].

فهنا "جعل" تعدى إلى مفعول واحد، فهو بمعنى خلق.

ومثال الثاني:

1 -

قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} [الإسراء: 29].

2 -

وقال تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 224].

3 -

وقال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3].

وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: لعلكم تفهمون مقاصده وتعون معانيه.

وقوله تعالى: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} . تنبيه على فضله ومنزلته وشرفه. قال قتادة: ({أُمِّ الْكِتَابِ} أصل الكتاب وجملته). قال مجاهد: (أي: اللوح المحفوظ). وعن قتادة: ({لَدَيْنَا} عندنا. {لَعَلِيٌّ}: أي: ذو مكانة عظيمة وشرف وفضل).

والمقصود: أَنَّ هذا القرآن مشرّف في الملأ الأعلى، وهذا يقتضي أن يشرِّفه ويعظمه أهل الأرض. فهو مسطور في اللوح المحفوظ عندنا، وإنه {لَعَلِيٌّ} أي: ذو مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة وشرف. {حَكِيمٌ} أي: مُحْكَمٌ بريء من اللَّبْسِ والزَّيغ.

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الواقعة: 77 - 80].

2 -

وقال تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)} [عبس: 11 - 16].

أخرج الطبراني بإسناد صحيح عن جبير قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [أبشروا أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه؟ فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد اللَّه

ص: 182

وطرفه بأيديكم فتمسكوا به، فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبدًا] (1).

وقوله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} فيه تأويلان محتملان:

1 -

قال ابن عباس: (أحسبتم أن نصفح عنكم ولما تفعلوا ما أُمرتم به). وقال مجاهد: (تكذبون بالقرآن ثم لا تعاقبون عليه). واختاره ابن جرير.

2 -

وقال قتادة: (واللَّه لو أن هذا القرآن رُفِعَ حين رَدّته أوائلُ هذه الأمةِ لَهَلكُوا، ولكن اللَّه تعالى عاد بعائدته ورحمته، وكرَّره عليهم، ودعاهم إليه عشرين سنة، أو ما شاء اللَّه من ذلك).

وقال: (الذكر ما أنزل عليهم مما أمرهم اللَّه به ونهاهم. {صَفْحًا}: لا يذكر لكم منه شيئًا). وقوّاه ابن كثير وقال: (وقول قتادة لطيفُ المعنى جدًّا، وحاصِلُهُ أنه يقول في معناه: أنه تعالى من لُطفه ورحمته بخلقه لا يترك دُعاءَهم إلى الخير وإلى الذكر الحكيم -وهو القرآن- وإن كانوا مسرفين مُعرضين عنه، بل أمرَ به ليهتديَ به من قَدَّر هدايته، وتقومَ الحجة على من كتبَ شقاوَته).

وقوله تعالى: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ} .

"كمْ" هنا خبرية، يراد بها التكثير. والمعنى: ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم السالفة. قال النسفي: (أي كثيرًا من الرسل أرسلنا إلى من تقدمك).

وقوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} .

تسلية لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من استهزاء قومه وتكذيبهم. والمعنى: إنها قصة مستمرة، وحال ماضية في الأمم، فإنه لم يكن يأتيهم نبي إلا قابلوه بالسخرية والاستهزاء كما قابلك قومك.

وقوله: {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا} أي: فأهلكنا قومًا أشد من قومك -يا محمد- قوة، في أبدانهم وأتباعهم وأموالهم.

وقوله: {وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ} . قال قتادة: (عقوبة الأولين). وقال مجاهد: (سنّتهم). قال القاسمي: (أي سلف في القرآن في غير موضع منه، ذكر قصتهم وحالهم

(1) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(1/ 77/ 1)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(12/ 165)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (713).

ص: 183

في تكذيبهم وتعذيبهم وما مثلناه لهم. أي فليتوقع هؤلاء المستهزئون من العقوبة مثل ما حلّ بسلفهم).

9 -

14. قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14)}.

هذه الآيات: إقرارُ المشركين للَّه تفرده بالخلق ثم هم به يشركون، وهو الذي مدّ الأرض لهم وسلك لهم فيها السبل لعلهم يهتدون، ونزّل لهم الماء من السماء وخلق الأزواج وجعل لهم من الفلك والأنعام ما يركبون، ليحمدوه تعالى عند ركوبهم ويعظموه وحده وله يشكرون.

فقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} .

قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك: من خلق السماوات السبع والأرضين، فأحدثهن وأنشأهنّ؟ ليقولنّ: خلقهنّ العزيز في سلطانه وانتقامه من أعدائه، العليم بهن وما فيهنّ من الأشياء لا يخفى عليه شيء). قال القرطبي: (فأقرّوا له بالخلق والإيجاد، ثم عبدوا معه غيره جهلًا منهم).

وقوله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا} . قال السدي: (بساطًا). قال ابن كثير: (أي: فِراشًا قرارًا ثابتةً، تسيرون عليها وتقومون وتنامون وتتصرّفون، مع أنها مخلوقةٌ على تيار الماء، لكنه أرساها بالجبال لئلا تميد هكذا ولا هكذا).

وقوله: {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا} . قال قتادة: (أي طرقًا). والمعنى: مَهّد لكم الأرض من وُعورتها، وجعل لكم طرقًا يسهل عليكم التحرك فيها بين جبالها وأوديتها.

وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} . أي أثناء سيركم في البلاد والأقاليم والأمصار. قال السدي: (يقول: لكي تهتدوا بتلك السبل إلى حيث أردتم من البُلدان والقرى

ص: 184

والأمصار، لولا ذلك لم تطيقوا براح أفنيتكم ودوركم، ولكنها نعمة أنعم بها عليكم).

وقوله: {وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ} . أي: أنزل لكم من المطر بحسب كفاية زروعكم وثماركم وحاجاتكم من الشرب أنتم وأنعامكم. قال ابن جرير: (فلم يجعله كالطوفان فيكون عذابًا كالذي أنزل على قوم نوح، ولا جعله قليلًا، لا ينبت به النبات والزرع من قلّته، ولكنه جعله غيثًا مغيثًا).

وقوله: {فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} . قال القاسمي: (أي أحيينا به بلدة ميتًا من النبات، قد درست من الجدب وعفت من القحط).

وقوله: {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} . قال قتادة: (كما أحيا اللَّه هذه الأرض الميتة بهذا الماء كذلك تبعثون يوم القيامة). فنبّه سبحانه بإحياء الأرض على إحياء الأجساد بعد فنائها ليوم الحشر.

وقوله: {وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا} . قال ابن جرير: (واللَّه خلق كل شيء فزوّجه، أي خلق الذكور من الإناث أزواجًا، والإناث من الذكور أزواجًا). قلت: وهذا في سائر أصناف النباتات، وجميع أجناس الحيوانات.

وقوله: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ} . الفلك: السفن. والأنعام: البهائم. أي: سَخّرَ لكم السفن للركوب في البحر، وذلّل لكم الأنعام للركوب في البرّ، إضافة إلى استمتاعكم بأكل لحومها وشرب ألبانها ولبس أصوافها.

وقوله: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} . قال النسفي: (على ظهور ما تركبونه وهو الفلك والأنعام).

وقوله: {ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} . قال القرطبي: (أي ركبتم عليه، وذكر النعمة هو الحمد للَّه على تسخير ذلك لنا في البر والبحر).

وقوله: {وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} . أي: ننزه اللَّه الذي ذلّل لنا هذا الركوب وما كنا له مطيقين ولا ضابطين. فعن ابن عباس: ({وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}.يقول: مطيقين) قال مجاهد: ({مُقْرِنِينَ} قال: الإبل والخيل والبغال والحمير). وقال ابن زيد: (لسنا له مطيقين، قال: لا نطيقها إلا بك، لولا أنت ما قوينا عليها ولا أطقناها).

وقوله تعالى: {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} . أي: لصائرون بعد موتنا، فله سبحانه

ص: 185

راجعون، وإليه سيرُنا الأكبر، فنبّه بالسير الأصغر في أطراف الدنيا على السير الأكبر إلى اللَّه الذي هو غاية المنتهى.

وقد حفلت السنة الصحيحة بالأذكار الخاصة بركوب الدابة في السفر، منها:

الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه، عن ابن عمر:[أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كَبَّرَ ثلاثًا، ثم قال: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ}. اللهم إني أسألك في سفرنا هذا البِرَّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى. اللهم هَوِّنْ علينا سفرنا هذا. اللهم اطْوِ لنا البُعْدَ. اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال. وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون](1).

الحديث الثاني: أخرج أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان ورجاله رجال الصحيح عن علي بن ربيعة، قال:[أشهدت عليًا أتِيَ بدابَّةٍ ليركبها، فلما وضع رِجله في الركاب قال: بسم اللَّه، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد للَّه، ثم قال: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} ثم قال: الحمد للَّه -ثلاث مرات- ثم قال: اللَّه أكبر -ثلاث مرات- ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ثم ضحك، فقيل: يا أمير المؤمنين من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت، ثم ضحك، فقلت: يا رسول اللَّه، من أي شيء ضحكت؟ قال: إن ربَّكَ يَعجبُ من عبدِه إذا قال: اغفر لي ذُنوبي، يعلم أنه لا يغفرُ الذنوب غيري](2).

الحديث الثالث: أخرج أحمد والطبراني بسند صحيح عن أبي لاسٍ الخُزاعي قال: [حَمَلنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على إبل من إبل الصدقة إلى الحجِّ، فقلنا: يا رسولَ اللَّه، ما نرى أن تحملنا هذه! فقال صلى الله عليه وسلم: ما من بعير إلا في ذُرْوَتِه شيطانٌ، فاذكروا اسم اللَّه

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (1342)، وأبو داود (2599)، والنسائي في "اليوم والليلة"(548)، وأخرجه ابن حبان (2696).

(2)

حديث صحيح. أخرجه أبو داود (2602)، والترمذي (3446)، والنسائي في "اليوم والليلة"(502) وأحمد (1/ 97)، وابن حبان (2698) ورجاله رجال البخاري ومسلم.

ص: 186

عليها إذا ركبتموها كما آمركم، ثم امتهِنوها لأنفسكم، فإنما يحمل اللَّه عز وجل] (1). أبو لاس: هو محمد بن الأسود بن خَلَف.

الحديث الرابع: أخرج أحمد والدارمي وابن حبان بسند حسن عن أسامة بن زيد قال: أخبرني محمد بن حَمْزَة: أنه سَمع أباه يقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: [على ظهْرِ كُلِّ بعير شيطانٌ، فإذا ركبتموها فَسَمُّوا اللَّه عز وجل ثم لا تقصِّرُوا عن حاجاتكم](2).

الحديث الخامس: أخرج ابن ماجة في السنن بسند صحيح عن عبد اللَّه بن سَرْجِسَ قال: [كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول (وفي رواية: يتعوذ) إذا سافر: اللهمَّ! إني أعوذ بكَ مِنْ وَعْثاءِ السَّفَر، وكآبة المُنْقَلَب، والحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ، ودَعْوَةِ المظلومِ، وسوء المنظر في الأهل والمال](3).

وقوله: "وعثاء السفر" أي شدته ومشقته. "وكآبة المنقلب" أي الانقلاب. قال الخطابي: (معناه أن ينقلب إلى أهله كئيبًا حزينًا، لعدم قضاء حاجته، أو إصابة آفة له). "والحور بعد الكور" أي النقصان بعد الزيادة، وأصل الحور الرجوع. "وسوء المنظر": المراد كل منظر يعقب النظر سوءًا.

15 -

20. قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ

(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (4/ 221)، والطبراني (22/ 334)، وقال الهيثمي في "المجمع" (10/ 131):(رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح غير ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث في إحداها). وللحديث شواهد.

(2)

حديث صحيح. أخرجه أحمد (3/ 494)، والدارمي (2/ 285)، وابن حبان (1703)، وكذلك (2694) وإسناده حسن، وله شاهد من حديث عقبة بن عامر، أخرجه الطبراني (17/ 8781) وقال في "المجمع" (1/ 131): إسناده حسن.

(3)

حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (3888) - كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا سافر، وانظر صحيح ابن ماجة (3136)، وصحيح أبي داود (2338)، وروى مسلم نحوه.

ص: 187

سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20)}.

في هذه الآيات: إخبارٌ من اللَّه تعالى عن افتراء المشركين في جعلهم بعض الأنعام لطواغيتهم وبعضها للَّه، وقولهم الملائكة بنات اللَّه، ويكرهون ذلك لأنفسهم، ويَحْتَجُّون بالقدر على شركهم، واللَّه يعلم مكرهم وكذبهم.

فقوله: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} . قال مجاهد: (ولدًا وبنات من الملائكة). وعن قتادة: ({جُزْءًا} أي عِدْلًا). والمقصود: قالوا الملائكة بنات اللَّه، فجعلوهم جزءًا له وبعضًا. قال القرطبي:(عجَّب المؤمنين من جهلهم إذ أقروا بأن خالق السماوات والأرض هو اللَّه ثم جعلوا له شريكًا أو ولدًا، ولم يعلموا أن من قدر على خلق السماوات والأرض لا يحتاج إلى شيء يعتضد به أو يستأنس به لأن هذا من صفات النقص).

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام: 136].

2 -

وقال تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} [النحل: 57].

3 -

وقال تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم: 21 - 22].

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:[قال اللَّه تعالى: كَذَّبَني ابنُ آدمَ ولمْ يكُنْ له ذلك، وشتمني ولم يَكُنْ له ذلك، فأمّا تكذيبُه إيايَّ فقوله: لنْ يعيدني كما بدأني، وليس أوَّلُ الخلق بأهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إعادته، وأما شَتْمه إيايَّ فقولُه: اتخذ اللَّه ولدًا، وأنا الأحد الصَّمَدُ، لمْ ألِدْ ولمْ أولَدْ، ولم يَكُنْ لي كفوًا أحَدٌ](1).

وقوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ} . يعني الكافر الجاحد. قال الحسن: (يعدّ المصائب وينسى النعم). وقوله: {مُبِينٌ} أي مظهر الكفر.

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (4974) - كتاب التفسير - وكذلك (3193).

ص: 188

وقوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ} . إنكار في صيغة التوبيخ. قال النسفي: (أي بل اتخذ، والهمزة للإنكار تجهيلًا لهم وتعجيبًا من شأنهم حيث ادعوا أنه اختار لنفسه المنزلة الأدنى ولهم الأعلى).

وقوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} . قال ابن كثير: (أي: إذا بُشِّر أحدُ هؤلاء مما جَعلوه للَّه من البنات يأنَفُ من ذلك غايةَ الأنَفَةِ، وتعلوه كآبة من سُوءِ ما بُشِّرَ به، ويتوارى من القوم من خَجَله من ذلك، يقول تبارك وتعالى: فكيف تأنفون أنتم من ذلك، وتَنْسُبونه إلى اللَّه عز وجل؟ ! ). وعن قتادة: ({وَهُوَ كَظِيمٌ} أي حزين).

وقوله تعالى: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} . قال ابن عباس: (يعني المرأة). وقال مقاتل: (لا تتكلم المرأة إلا وتأتي الحجة عليها). والمقصود: تركيب المرأة فيه نقصان، ويُكَمَّل نَقْصُها بلُبس الحُلي منذ تكون طفلة، وإذا خاصمت فعبارتها ضعيفة، فهل هذا النعت يُناسب أن يُنْسَبَ إلى جناب اللَّه العظيم؟ قال النسفي:(أي أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته، وهو أنه ينشأ في الحلية، أي: يتربى في الزينة والنعمة، وهو إذا احتاج إلى مجاناة الخصوم ومجاراة الرجال كان غير مبين ليس عنده بيان، ولا يأتي ببرهان، وذلك لضعف عقولهن).

وقال القاسمي: (والمعنى: أومن كان كذلك جعلتموه جزءًا للَّه من خلقه، وزعمتم أنه نصيبه منهم؟ ).

قال إلكِيا الهرّاسيّ: (فيه دليل على إباحة الحليّ للنساء).

وسئل أبو العالية عن الذهب للنساء، فلم ير به بأسًا، وتلا هذه الآية.

وقوله: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} . أي: وجعل المشركون ملائكة اللَّه -الذين هم عنده يسبحونه ويقدسونه وله يسجدون- إناثًا، فقالوا هم بنات اللَّه، جراءًة منهم على قيل الكذب، وقلة أدب مع ربهم عز وجل.

وقوله: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُم} . تجهيل لهم وتهكُّمٌ بهم. والمعنى: هل حضروا خلق اللَّه لهم فوصفوهم بذلك نتيجة رؤيتهم إياهم وعلمهم بدقيق أمرهم؟ !

وقوله: {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} . تهديد ووعيد. والمعنى: سَتُكْتب شهادتهم على الملائكة بما هم مبرؤون عنه، وسَيُسْألون عنها يوم القيامة بمطالبتهم بإقامة براهينهم وحججهم، ولا سبيل لهم إلى ذلك.

ص: 189

وقوله: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} . قال مجاهد: (للأوثان). قال القرطبي: (يعني قال المشركون على طريق الاستهزاء والسخرية: لو شاء الرحمن على زعمكم ما عبدنا هذه الملائكة).

والمقصود: كان منطق المشركين أن لو أراد اللَّه لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام التي هي على صور الملائكة التي هي بنات اللَّه، فجمعوا بذلك بين أنواع كبيرة من الخطأ:

أ- جعلهم للَّه ولدًا.

ب- دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا.

ج- عبادتهم لهم بلا دليل وإنما خبْط الجاهلية.

د- احتجاجهم بالقدر على عبادتهم الفاسدة.

وقوله: {مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} . قال قتادة: (أي ما لهم بقولهم: الملائكة بنات اللَّه، من علم). والمقصود: ما لهم بصحة ما قالوه واحتجوا به من علم يُرجع إليه وإنما هو الكذب والادعاء.

وقوله: {إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} . أي يكذبون ويتقوّلون. قال مجاهد: ({إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}: ما يَعْلَمُونَ قُدْرةَ اللَّه على ذلك). وذلك أنهم زعموا أن اللَّه أمرهم بتلك العبادة أو رضيها منهم.

21 -

25. قوله تعالى: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25)}.

في هذه الآيات: يقول سبحانه: أم آتينا هؤلاء المتخرصين القائلين لو شاء الرحمن ما عبدناهم كتابًا بحقيقة قولهم من قبل القرآن، أو من قبل قولهم وشركهم، فهم مستمسكون يعملون به؟ ! كلا بل حجتهم آباؤهم، شأن الأمم الهالكة قبلهم.

فقوله تعالى: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} . إنكارٌ على المشركين عبادتهم دون دليل وبرهان. قال النسفي: ({أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ} من

ص: 190

قبل القرآن أو من قبل قولهم هذا {فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} آخذون عاملون).

وقوله تعالى: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} . احتجاج فاسد بمنهاج الآبائية، ولا سيما أن آباءهم لم يكونوا أهل رشد وصواب.

وعن مجاهد: ({عَلَى أُمَّةٍ}: مِلّة). قال ابن عباس: (وجدنا آباءنا على دين). وعن قتادة: {وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} : وإنا متبعوهم على ذلك).

وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} . تَسْلِيةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم أن تقليد الآباء داء قديم، فإنه ما أرسلنا يا محمد من نبي في أمة قبلك إلا قال متنعموها -ممن أترفتهم النعمة وأبطرتهم فلم يألفوا إلا الشهوات والملاهي فهم يعافون مشاق الدين وتكاليفه- إنا عهدنا آباءنا على طريقة في الدين وإنا على منهاجهم سالكون.

قال قتادة: ({مُتْرَفُوهَا}: رؤساؤهم وأشرافهم). وقال مجاهد: ({وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} بفعلهم). أي: وكذلك يا محمد فقد سلك مشركو قومك منهاج من قبلهم فلا تحزن عليهم.

وقوله: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} . أي: قل لهم -يا محمد- أو لو جئتكم بأدل من سبيل الرشاد من ملة آبائكم؟

وقوله: {قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} . قال القرطبي: (قالوا: إنا ثابتون على دين آبائنا لا ننفك عنه وإن جئتنا بما هو أهدى).

وقوله تعالى: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} . أي: فانتقمنا منهم بألوان العذاب من قحط وقتل وخسف وغرق وسبي وغير ذلك، فانظر -يا محمد- كيف كان مآل من كذب الرسل. قال قتادة:(شرٌّ واللَّه، أخذهم بخسف وغرق، ثم أهلكهم فأدخلهم النار).

26 -

35. قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ

ص: 191

عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)}.

في هذه الآيات: ثناء اللَّه تعالى على إبراهيم صلى الله عليه وسلم إمام الموحدين، فقد دعا قومه إلى الحق ثم فاصلهم على منهج التوحيد وإفراد اللَّه تعالى بالعبادة والتعظيم. وذمُّ اللَّه المشركين من العرب الذين ضيّعوا ملة إبراهيم، وقد احتج سبحانه بهذه الآيات المكية على مشركي قريش سوء فهمهم للقدر، وأنه سبحانه وتعالى وحده قاسم الرزق والأجل، وأنَّ ما قدَّره سبحانه من الرزق بين عباده كان بالحكمة والعدل، ولو شاء بسط الرزق والمال للكافرين بطريقة تفتن العقل والقلب والنظر، ولكن رحمة بالمؤمنين ألا يفتنوا عن دينهم إذا رأوا أهل البغي وقد عجلت لهم الخيرات في الدنيا فيتركوا العمل، ويصيبهم العجز وحب الدنيا والكسل، ويتركوا العلم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويجتاحهم الكلال، وإلا فإن الدنيا لا تزن عند اللَّه جناح بعوضة ومن أجل هذا أعطاها للكافر الذي دمَّره الأشر والبطر.

فقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} .

قال قتادة: (كايدهم، يقول: إنني بريء مما تعبدون). وقال القاضي: ({وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ}: أي اذكر وقت قوله هذا، ليروا كيف تبرّأ عن التقليد وتمسّك بالدليل). و"بَراءٌ": مصدر، أريد به معنى الوصف مبالغة، والمقصود: أراد إبراهيم صلى الله عليه وسلم إظهار البراءة الكاملة من عبادتهم ومعبودهم.

وقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} . قال النسفي: (استثناء منقطع، كأنه قال لكن الذي فطرني {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} يثبتني على الهداية).

وقوله: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} . قال مجاهد: (لا إله إلا اللَّه). وقال قتادة: (شهادة أن لا إله إلا اللَّه، والتوحيد لم يزل في ذريته من يقولها من بعده). وفي رواية قال: (التوحيد والإخلاص، ولا يزال في ذريته من يُوَحِّدُ اللَّه ويعبده). وعن ابن عباس: ({فِي عَقِبِهِ}: يعني من خلفه). قال مجاهد: (ولده). وقال السدي: (في

ص: 192

عقب إبراهيم آل محمد صلى الله عليه وسلم). قال ابن شهاب: (العقب الولد، وولد الولد). وعن ابن زيد: (عقبه ذريته).

والمعنى: وجعل إبراهيم عليه السلام كلمة التوحيد التي تكلم بها، وهي قوله:{إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} كلمة مستمرة في ذريته، فلا يزال فيهم من يوحد اللَّه ويدعو إلى توحيده.

وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . قال قتادة: (أي يتوبون، أو يذّكَّرون). قال القاسمي: ({لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي لكي يرجعوا إلى عبادته، ويلجؤوا إلى توحيده في سائر شؤونهم). وقال النسفي: (لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم والترجي لإبراهيم).

وقوله تعالى: {بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ} . أي: بل متعت -يا محمد- هؤلاء المشركين من أهل مكة وآباءهم من قبلهم بالحياة فلم أعاجلهم بالعقوبة على كفرهم حتى جاءهم الحق -أي الوحي العظيم-، ورسول مبين.

فالحق: القرآن وحجة الوحي البالغة، والرسول المبين: محمد صلى الله عليه وسلم الذي يبيّن لهم ما بهم إليه حاجة.

وقوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ} .

قال السدي: (هؤلاء قريش قالوا للقرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم). فاتهموا القرآن بالسحر وأعلنوا الجحود والكبر والعناد.

وقوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} .

قال ابن عباس: (يعني بالعظيم: الوليد بن المغيرة القرشي، أو حبيب بن عمرو ابن عُمير الثقفي، وبالقريتين: مكة والطائف).

فهم يريدون الحق في رؤسائهم وزعمائهم، هكذا أملت لهم عقولهم وأهواؤهم، فأجابهم اللَّه عز وجل:{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} . قال قتادة: (فتلقاه ضعيف الحيلة عيي اللسان وهو مبسوط له في الرزق، وتلقاه شديد الحيلة سليط اللسان وهو مقتور عليه. قال اللَّه جل ثناءه: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} كما قَسَمَ بينهم صورهم وأخلاقهم تبارك ربنا وتعالى).

ص: 193

وقوله: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} .

أي: ورفعنا بعضهم بالغنى فوق بعض ليتخذ الغني الفقير في العمل. قال السدي: (يستخدم بعضهم بعضًا في السخرة). أو سببًا في المعاش.

وقوله: {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} . قال ابن جرير: (ورحمة ربك يا محمد بإدخالهم الجنة خير لهم مما يجمعون من الأموال في الدنيا).

ثم ذكر سبحانه ما قد يترتب على بسط المال وأسباب الزينة والترف لأهل الدنيا من الفساد الذي قد يؤذي المؤمنين ويفتنهم عن دينهم، فقال جل ذكره:{وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} . قال ابن زيد: (لولا أن يختار الناس دنياهم على دينهم لجعلنا هذا لأهل الكفر).

أي: لولا أن يفتن المؤمنون فتنة لا يستقيم معها دينهم وإيمانهم: {لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} الآية.

قال قتادة: (السقف: أعلى البيوت). وهي السطوح. والمعارج: الدرج. قال السدي: (المعارج: المراقي). أي: ودَرَجًا عليها يصعدون فيظهرون على السقف.

وعن ابن عباس: ({وَمَعَارِجَ} قال: معارج من فضة، وهي درج). قال: (درج عليها يصعدون إلى الغرف).

والمقصود: لولا أن يفتن المؤمنون لجعل اللَّه لأهل الكفر لبيوتهم سقفًا ومصاعد من فضة عليها يصعدون إلى غرفهم.

وقوله تعالى: {وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ} . قال ابن زيد: (الأبواب من فضة والسرر من فضة عليها يتكئون. يقول: على السرر يتكئون). أي: ولجعلنا كذلك لبيوتهم أبوابًا من فضة وسررًا من فضة عليها يتكئون.

وقوله: {وَزُخْرُفًا} . قال ابن عباس: (وهو الذهب). قال القاسمي: (أي: ولجعلنا لهم مع ذلك زخرفًا، أي زينة من ذهب وجواهر فوق الفضة).

وقوله: {وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} . إشارة إلى أن ذلك لا يدل على فضيلتهم، وإنما كل ما سبق ذكره من السقف من الفضة والمعارج والأبواب والسرر من الفضة، والزخرف فوق ذلك، إنما هو من المتاع الزائل الذي يستمتع به أهل الدنيا إلى حين ثم يغادرونه إلى قبورهم ومعادهم.

ص: 194

وقوله: {وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} . قال قتادة: (خصوصًا). والمقصود: ويبقى جمال الدار الآخرة وبهاؤها وروائع بهجتها وزينتها خاصًا بالمتقين لا يحولون عنه ولا يزولون.

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15 - 16].

2 -

وقال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19].

وفي الصحيحين عن حذيفة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [لا تَلْبَسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صِحافها فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة](1).

وفي جامع الترمذي ومستدرك الحاكم بسند صحيح لغيره عن سهل بن سعد قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء](2).

وفي مسند أحمد بإسناد قوي عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت اللَّه يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ}](3).

36 -

45. قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (5426) - كتاب الأطعمة، وأخرجه مسلم في الصحيح (2067)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (5339).

(2)

حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (2/ 52)، والحاكم (4/ 306). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (943).

(3)

حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (4/ 145)، وانظر السلسلة الصحيحة (414).

ص: 195

يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (40) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)}.

في هذه الآيات: تسليطُ اللَّه مردة الجن على ظلمة الإنس ببغيهم، وتنافر الفريقين يوم الحشر وقضاء اللَّه النافذ -في نار جهنم- بِجَمْعِهم، وسنةُ اللَّه في تحميل الرسل مهمة البلاغ للعباد وبيده تعالى أمر هدايتهم، وتثبيت اللَّه تعالى رسوله حتى يبقى على طريق المرسلين ويتأسى بجهادهم.

فقوله: {وَمَنْ يَعْشُ} . أي يتعامى ويتغافل ويعرض. وقد قرأها ابن عباس وعكرمة "ومن يَعْشَ" بمعنى يعمى. فإنه في لغة العرب عَشِيَ يعشى عشًا إذا عَمِيَ، ورجلٌ أعشى وامرأة عشواء إذا كان لا يبصر. وركب فلان العشواء إذا خبط في أمره على غير بصيرة.

وهذه الآية تتصل بقوله سبحانه في أول السورة: {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} . قال ابن عباس: (أتحسبون أن نصفح عنكم فلا نعذبكم ولم تفعلوا ما أمرتم به). وقال قتادة: (واللَّه لو أن هذا القرآن رفع حين ردته أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن اللَّه تعالى عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم، ودعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء اللَّه من ذلك).

والمعنى: أي نواصل لكم الذكر، فمن يعش عن ذلك الذكر بالإعراض عنه إلى أقاويل المضلين وأباطيلهم {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} ، أي يتحكم بفكره وفهمه وعقله وقلبه وحركته. قال ابن عباس:(أي ملازم ومصاحب). فيصادر اللَّه بذلك جزءًا من حرية هذا العبد المتهاون بأمر اللَّه بعد أن كرمه بإطلاقها، فيصير يشعر بالقيد والثقل وكأنه أسير حبيس، وكم سمع الناس عن أحوال ومعاناة مَنْ دخل الجني عليه في جسده، فأفسد له حركته وسكونه، وأفقده لذة الطعام والشراب والنكاح، وكم رأى الناس من بؤس حال من سلط اللَّه عليه أعداءه، حتى بدا ذلك واضحًا بتراجع صحته

ص: 196

وعافيته، وحتى تأثرت بذلك شهية الطعام والشراب.

إن ضريبة الابتعاد عن منهج اللَّه وشرعه قاسية ومؤلمة، فلا يظن ظانٌّ أنه يمكن أن يسعد ببعده عن رضوان ربه عز وجل، بل هو غرور زائل، وضوء آفل، وسناد مائل، يدعمه إبليس وأعوانه بعض الشيء بتسليط اللَّه لهم، إلى أن يأتي حين العذاب ونزول الفضائح والآلام.

وقوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} .

فقد ذكر الشياطين سبحانه بلفظ الجمع بقوله: {لَيَصُدُّونَهُمْ} لأن "وَمَنْ" في قوله: {وَمَنْ يَعْشُ} في معنى الجمع.

قال ابن جرير: (-أي-: وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الذين يعشون عن ذكر اللَّه، عن سبيل الحق، فيزيّنون لهم الضلالة، ويكرّهون إليهم الإيمان باللَّه، والعمل بطاعته {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} يقول: ويظن المشركون باللَّه بتحسين الشياطين لهم ما هم عليه من الضلالة، أنهم على الحق والصواب).

وقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} .

أشار سبحانه إلى لحظة العذاب بقوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَنَا} أي الكافر يوم القيامة، وهذا على قراءة قراء الكوفة والبصرة، وهي قراءة حفص وأبي عمرو، وأما على قراءة قراء الحجاز فهي {جاءانا} أي هو وقرينه. وقد جُعلا في سلسلة واحدة، فيقول الكافر:{يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ} أي مشرق الشتاء ومشرق الصيف، كما قال جل ذكره:{رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} . وقيل: بعد المشرق والمغرب. قال القرطبي: ({فَبِئْسَ الْقَرِينُ} هو أي فبئس الصاحب أنت، لأنه يورده إلى النار. قال أبو سعيد الخدري: إذا بُعِثَ الكافِر زوّج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى يصير به إلى النار).

وقوله تعالى: {وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} .

أي: فأنتما مشتركان في العذاب. قال مقاتل: (لن ينفعكم الاعتذار والندم اليوم، لأن قرناءكم وأنتم في العذاب مشتركون، كما اشتركتم في الكفر).

فإن اللَّه سبحانه يعطي فرصًا للذكرى في هذه الحياة، فمن أخذها أخذ بحظ وافر حسن، ومن أهملها سلط عليه سبحانه شيطانًا يوجه حركته، ويوحي إلى فكره وعقله، ويوسوس في قلبه ألوانًا من الفواحش والموبقات والكبائر والعقوق والشرك باللَّه، وغير ذلك مما يسخط اللَّه سبحانه، ويوعد عليه في الآخرة نيرانه.

ص: 197

وقوله تعالى: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} .

أي: أفانت تسمع -يا محمد- من قد أصمه اللَّه عن استماع حججه، أو تهدي من قد أعمى اللَّه قلبه عن إبصار سبيله سبيل الحق والنجاة والسعادة أو تهدي من كان في جور عن سبيل الرشاد. والآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من عناد قومه وإصرارهم على كفر الجاهلية.

وقوله تعالى: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ} . أي: ولو ذهبت أنت فلا بد الانتقام نازل بهم. قال السدي: (كما انتقمنا من الأمم الماضية). وقال النسفي: ({فَإِمَّا} دخلت ما على إن توكيدًا للشرط، وكذا النون الثقيلة في {نَذْهَبَنَّ بِكَ} أي نتوفينك قبل أن ننصرك عليهم ونشفي صدور المؤمنين منهم {فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ} أشد الانتقام في الآخرة).

وقوله تعالى: {أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ} . قال السدي: (فقد أراه اللَّه ذلك وأظهره عليه). قال ابن كثير: (أي: نحن قادرون على هذا وعلى هذا. ولم يقبض اللَّه رسوله صلى الله عليه وسلم أقرَّ عينه من أعدائه، وحَكَّمَهُ في نواصيهم، ومَلَّكَهُ ما تضمَّنته صياصيهم -أي حصونهم-).

وفي صحيح مسلم من حديث أبي بردة عن أبيه مرفوعًا: [النُّجومُ أَمَنَةٌ للسَّماء، فإذا ذَهَبَتِ النجوم أتى السماءَ ما تُوعَدُ، وأنا أَمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبْتُ أنا أتى أصحابي ما يُوعَدُون، وأصحابي أمَنَةٌ لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يُوعدون](1).

وقوله تعالى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} . قال قتادة: (أي الإسلام). قال القرطبي: ({فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ} يريد القرآن، وإن كذب به من كذب، فـ {إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} يوصّلك إلى اللَّه ورضاه).

وقوله: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} . قال ابن عباس: (يقول: إن القرآن شرف لك). قال ابن زيد: (أو لم تكن النبوة والقرآن الذي أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم ذكرًا له ولقومه).

والمقصود: إن هذا القرآن شرف لك -يا محمد- ولقومك من قريش، فإنه نزل

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2531) - كتاب فضائل الصحابة. باب بيان أن بقاء النبي صلى الله عليه وسلم أمان لأصحابه، وبقاء أصحابه أمان للأمة. وأخرجه أحمد (4/ 398 - 399)، وأبو يعلى (7276).

ص: 198

بلغتهم وعلى رجل منهم، فاحتاج كل مسلم من أهل اللغات إلى لسانهم ليفهم هذا الدين كما نزل.

وقوله: {وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} . قال الفرّاء: (أي عن الشكر عليه). قال ابن جرير: (يقول: وسوف يسألك ربك وإياهم عما عملتم فيه).

وقوله تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} . قال قتادة: (يقول: سل أهل التوراة والإنجيل: هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد أن يوحِّدوا اللَّه وحده؟ ).

والمقصود: إن جميع الرسل دعوا إلى دعوتك يا محمد: "لا إله إلا اللَّه"، وهي إفراد اللَّه تعالى بالعبادة والتعظيم.

ففي التنزيل:

1 -

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].

2 -

وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء أولاد علّات (وفي رواية: إخوة من علات) أُمهاتم شتى، ودينهم واحد](1).

46 -

56. قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (47) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (3442)، (3443)، كتاب أحاديث الأنبياء، وأخرجه مسلم (2365) - كتاب الفضائل. باب فضائل عيسى عليه السلام.

ص: 199

تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56)}.

في هذه الآيات: قصةُ موسى عليه الصلاة والسلام، مع الطاغية فرعون رأس الكفر والطغيان، الذي أشرك باللَّه وطغى وأفسد في الأرض حتى أذاقه اللَّه وجنوده الخزي والغرق واللعنة والحرمان.

فقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الآيات.

تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من تكذيب قومه. فإن موسى عليه السلام قال لفرعون كما قلت لقومك: إني رسول اللَّه إليكم، فسخروا كما سخر هؤلاء. قال النسفي:(ما أجابوه به عند قوله إني رسول رب العالمين محذوف دلّ عليه قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا} وهو مطالبتهم إياه بإحضار البينة على دعواه وإبراز الآية {إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ} يسخرون منها ويهزؤون بها ويسمونها سحرًا).

وقوله: {وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} . قال القرطبي: (أي كانت آيات موسى من كبار الآيات، وكانت كل واحدة أعظمَ مما قبلها).

وقوله: {وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . قال قتادة: (أي يتوبون، أو يذكرون). قال ابن جرير: (وذلك كأخذه تعالى ذكره إياهم بالسنين ونقص من الثمرات، وبالجراد، والقمل، والضفادع والدم).

وقوله: {وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ} . قال مجاهد: (لئن آمنا لَيُكْشَفَنّ عنا العذاب). والمقصود: ادع لنا ربك بما أخبرنا عن عهده إليك، إنا إن آمنا كشف عنا، فسله يكشف عنا.

وأما مناداتهم له بالساحر ففيه أكثر من تأويل:

1 -

نادَوْهُ بما كانوا ينادونه به من قبل ذلك على حسب عادتهم.

2 -

قال ابن عباس: ({يَاأَيُّهَ السَّاحِر} يا أيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيمًا

ص: 200

يوقِّرُونه، ولم يكن السحر صفة ذم). أي كانوا يسمون العلماء سحرة فنادوه بذلك على سبيل التعظيم.

3 -

وقيل: المقصود يا أيها الذي غَلَبَنا بسحره.

وقوله: {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} . قال قتادة: (قالوا يا موسى: ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك).

وقوله تعالى: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ} . قال قتادة: (أي يغدرون). أي: فدعا موسى ربه فكشف سبحانه العذاب فنقض القوم العهد الذي جعلوه على أنفسهم فلم يؤمنوا.

وقيل: قولهم: {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} إخبار منهم عن أنفسهم بالإيمان، فلما كشف عنهم العذاب ارتدوا.

وقول تعالى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} . قال قتادة: (قد كانت لهم جنات وأنهار ماء. قال: كانت جنانًا وأنهارًا تجري من تحت قصوره). والمقصود: نادى فرعون في قومه يا قوم أليس لي ملك مصر فلا ينازعني فيه أحد، وأنهار النيل تجري من تحت قصوري {أَفَلَا تُبْصِرُونَ} عظمتي وقوتي وضَعْف موسى؟ !

قال ابن جرير: ({أَفَلَا تُبْصِرُونَ} أيها القوم ما أنا فيه من النعيم والخير، وما فيه موسى من الفقر وعيّ اللسان؟ ! افتخر بملكه مصر عَدُوّ اللَّه وما قد مكّن له من الدنيا استدراجًا من اللَّه له).

وقوله تعالى: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} . قال السدي: (قال: بل أنا خير من هذا). وعن سفيان: ({مَهِينٌ}: حَقير). وقال قتادة: (يعني: ضعيف). وقال أبو جعفر: (يعني لا مُلْك له ولا سلطان ولا مال). وعن السدي: ({وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} أي: لا يكاد يُفهم). وقال قتادة: (عييّ اللسان). وقال سفيان: (يعني في لسانه شيء من الجَمْرَةِ حينَ وضعها في فيه وهو صغير)(1).

والمقصود: أراد فرعون استعراض قوته وجبروته أمام قومه واستضعاف موسى. قال

(1) قد دعا موسى ربه "واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي" فذهب عنه ما يجد، وإنما أراد فرعون إظهار موسى بكل نقيصة وقد كذب، فهو الناقص خِلقَةً وخُلُقًا، وموسى البار الراشد الصادق.

ص: 201

ابن كثير: (وهذا الذي قاله فرعون -لعنه اللَّه- كَذِبٌ واختلاقٌ، وإنما حَمله على هذا الكفرُ والعنادُ، وهو ينظرُ إلى موسى عليه السلام بعين كافرة شَقِيَّةٍ، وقد كان موسى عليه السلام من الجلالةِ والعظمةِ والبهاء في صورة يَبهر أبصار ذَوي الألباب).

وقوله: {فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ} . قال ابن عباس: (يقول: أقلبة من ذهب). قال مجاهد: (كانوا إذا سوّروا رجلًا سؤروه وطؤقوه بطوق من ذهب علامة لسيادته). فكان ذلك عادة الوقت وزِيّ أهل الشرف. فأراد فرعون القول: هلا ألقى رب موسى عليه أساورة من ذهب إن كان صادقًا!

وقوله: {أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} . قال قتادة: (أي متتابعين). وقال مجاهد: (يمشون معًا). وقال السدي: (يقارن بعضهم بعضًا). وقال ابن عباس: (يعاونونه على من خالفه). قال القرطبي: (والمعنى: هلّا ضم إليه الملائكة التي يزعم أنها عند ربه حتى يتكثّر بهم ويصرفهم على أمره ونهيه، فيكون ذلك أهْيَبَ في القلوب). فأوهم عدو اللَّه قومه أن الأبهة والعظمة في الزي والمرافقة لا بد منها لصدق رسل اللَّه كما هو حال رسل الملوك، وغفل الشقي أن تأييد اللَّه تعالى لموسى بجنوده التي لا يعلمها غيره وإمداده ببعض الآيات كالعصا واليد البيضاء أبلغ من تلك الأبهة الزائفة التي اغتر بها ملوك الدنيا.

وقوله: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} قال ابن الأعرابي: (المعنى فاستجهل قومه {فَأَطَاعُوهُ} لخفة أحلامهم وقلّة عقولهم).

وقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} . أي خارجين عن طاعة اللَّه.

وقوله: {فَلَمَّا آسَفُونَا} . قال ابن عباس: (يقول: أسخطونا)، أو قال:(أغضبونا). وقال قتادة: (أغضبوا ربهم).

وقوله: {انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} . قال ابن جرير: (يقول: انتقمنا منهم بعاجل العذاب الذي عجلناه لهم، فأغرقناهم جميعًا في البحر).

وقوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ} . قال أبو مِجْلَز: ({سَلَفًا} لمن عمل عملهم، {وَمَثَلًا} لمن يعمل عملهم). وقال مجاهد: {سَلَفًا} إخبار لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، {وَمَثَلًا} أي عبرة لهم). وقال:(سلفًا لكفار قومك يتقدّمونهم إلى النار). وقال قتادة: ({سَلَفًا} إلى النار {وَمَثَلًا} عِظةً لمن يأتي بعدهم).

والمقصود: جعل اللَّه تعالى فرعون وقومه الذين اتبعوه على الكفر والطغيان

ص: 202

{سَلَفًا} يتقدمون الناس يوم القيامة إلى النار ثم يتبعهم الكفار، ومنهم كفار قومك -يا محمد- هم تَبَعٌ لفرعون وجنوده بالأثر، و {وَمَثَلًا} أي عبرة لمن سيأتي بعدهم لعلهم ينزجرون عن طريقتهم ويتحولون إلى متابعة طريق الرسل.

57 -

65. قوله تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّه وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65)}.

في هذه الآيات: ردُّ اللَّه تعالى على قريش في قياسهم الفاسد من تشبيه الأنبياء والملائكة بالأصنام غير العاقلة، وأنه تعالى لو شاء لأفنى البشر وجعل بدلًا منهم ملائكة يخلفونهم، وأن خروج عيسى بن مريم آخر الزمان آية من آيات اقتراب الساعة، وأنه دعا وسيدعو إلى توحيد اللَّه وهو بريء من شرك قومه والذين يدّعون الانتساب له.

أخرج الإمام أحمد والطبراني بنحوه بسند حسن عن عاصم بن أبي النَّجود، عن أبي رَزِين، عن أبي يحيى مولى ابن عقيل الأنصاري، عن ابن عباس قال: [لقد علمت آية من القرآن ما سألني عنها رجل قط، فما أدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها، أمْ لم يفطنوا فيسألوا عنها، ثم طفق يُحَدِّثنا، فلما قام تَلاوَمْنا ألا نكون سألناه عنها فقلتُ: أنا لها إذا راح غدًا، فلما راح الغد، قلت: يا ابن عباس! ذكرتَ أمس أنَّ آية من القرآن لم يسألك عنها رجل قط، فلا تدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها، أم لم يفطنوا لها! فقلت: أخبرني عنها وعن اللاتي قرأت قبلها. قال: نعم، إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال لقريش: يا معشر قريش إنه ليس أحد يعبد من دون اللَّه فيه خير. وقد علمت قريش أن

ص: 203

النصارى تعبد عيسى بن مريم، وما تقول في محمد (1). فقالوا: يا محمد، ألست تزعُمُ أن عيسى كان نبيًا وعبدًا من عباد اللَّه صالحًا، فلئن كنت صادقًا فإنَّ آلهتهم كما تقول، قال: فأنزل اللَّه عز وجل: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} قال: قلت: ما يصِدُّون؟ قال: يضجّون، {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} قال: هو خروج عيسى بن مريم عليه السلام قبل يوم القيامة] (2).

وفي لفظ الطبراني: (فإن كنت صادقًا فإنها لكآلهتهم).

وقوله: {يَصِدُّونَ} أي يضجّون كضجيج الإبل عند حمل الأثقال. ومعناه يعرضون، وقال ابن عباس:(يضحكون).

وقد ردّ اللَّه عليهم هذا القياس الفاسد من تشبيه الأنبياء والملائكة بالأصنام غير العاقلة، فقال في الآية بعدها:{إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} . وأكّد سبحانه حماية لمكانة وكرامة نبيّه عيسى عليه الصلاة والسلام أن عيسى ما دعا إلى عبادة نفسه بل دعا إلى عبادة اللَّه جل ثناؤه، فقال سبحانه يحكي قوله في سورة مريم:{وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} . كما أكده في سورة الزخرف: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} ، بعد أن عاب على قريش الجدل والثرثرة فقال:{مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} ، إذ كانوا عربًا فصحاء، يدركون أن الآية السابقة:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} موجهة إليهم وإلى ما يعبدون مما لا يعقل، والحديث لم يكن عن عيسى أصلًا ولا عن الملائكة.

وقوله: {وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} . أي: آلهتنا خير أم عيسى؟ . قال السدي: (خاصموه وقالوا إن كل مَن عُبد من دون اللَّه في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى والملائكة وعزير، فأنزل اللَّه تعالى (3): {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101]).

(1) هكذا في المسند وتفسير ابن كثير، وأما في مجمع الزوائد:(وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى بن مريم وما يقول محمد) - وهذا أوضح.

(2)

أخرجه أحمد (2921)، والطبراني (12740)، والواحدي (740). وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (7/ 104): فيه عاصم بن بهدلة، وهو ثقة، لكنه سيئ الحفظ، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح. وانظر تفسير الشوكاني (2238)، وكذلك:"الصحيح المسند من أسباب النزول" - سورة الزخرف، آية (57).

(3)

سبق ذكر أسباب نزول الآية (101) من سورة الأنبياء، بإسناد صحيح.

ص: 204

وقال قتادة: ({أَمْ هُوَ} يعنون محمدًا صلى الله عليه وسلم). وفي قراءة ابن مسعود "آلهتنا خيرٌ أمْ هذا". وهو يقوي قول قتادة، فهو استفهام تقرير في أن آلهتهم خير.

وقوله: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} . أي: ما أرادوا بذلك التمثيل الفاسد إلا الجدل والخصومة.

أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [ما ضَلَّ قومٌ بعد هُدًى كانوا عليه إلا أُورِثوا الجدل. ثم تلا هذه الآية: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}](1).

وقوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} . يعني عيسى صلى الله عليه وسلم، أنعم اللَّه عليه بالنبوة والرسالة.

وقوله: {وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} . قال قتادة: (آية لبني إسرائيل). وقال ابن كثير: (أي: دلالة وحجة وبرهانًا على قدرتنا على ما نشاء).

وقوله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} . أي: لو شاء اللَّه أفنى البشر وجعل بدلًا منهم ملائكة يخلفونهم في الأرض، أو يخلف بعضهم بعضًا. قال السدي:(يخلفونكم فيها). وقال مجاهد: (يعمرون الأرض بدلًا منكم). وقال ابن عباس: (يخلف بعضهم بعضًا). وقال قتادة: (يخلف بعضُهم بعضًا، كما يخلفُ بعضكم بعضًا).

وقوله: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} . قال ابن عباس: (خروج عيسى بن مريم). وفي رواية: (نزول عيسى بن مريم). وقال مجاهد: (آية للساعة خروج عيسى بن مريم قبل يوم القيامة). وقال قتادة: (نزول عيسى بن مريم علم للساعة: القيامة).

ومن ذهب أن المقصود القرآن، أو ما بعث به عيسى عليه السلام من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من الأسقام، فقد أبعد في التأويل، بل قد صح في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد عن ابن عباس أن المقصود بقوله. {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} خروج عيسى بن مريم عليه السلام قبل يوم القيامة. ويؤيد ذلك القراءة الأخرى:"وإنه لَعَلَمٌ للساعة" أي أمارة ودليل على اقترابها.

(1) حديث حسن. أخرجه الترمذي (3253)، وابن ماجة (48)، وأحمد (5/ 252)، والحاكم (2/ 448)، والطبري (30938)، وغيرهم.

ص: 205

وفي التنزيل نحو ذلك. قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [النساء: 159].

وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابنُ مريم، حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدةُ الواحدةُ خيرًا من الدنيا وما فيها. ثم يقول أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} الآية](1).

وفي صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [فبينما هو كذلك إذ بعث اللَّه المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء، شرقيّ دمشق بين مهروذتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طاطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدّر منه مثل جُمان كاللؤلؤ. .](2). وقوله: "بين مهروذتين" أي يلبس ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران. ذكره النووي.

وفي معجم الطبراني بسند صحيح عن أوس بن أوس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق](3).

وقوله: {فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا} . قال السدي: (تشكون فيها). أي لا تشكوا فيها أنها واقعة لا محالة.

وقوله: {وَاتَّبِعُونِ} . أي فيما أخبركم به. قال النسفي: (أي واتبعوا هداي وشرعي أو رسولي، أو هو أمر لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يقوله).

وقوله: {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} . أي: هذا طريق قويم إلى اللَّه، يوصل إلى جنته ورضوانه.

وقوله: {وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ} . أي عن اتباع الحق واجتناب الآثام.

وقوله: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} . أي: إنه لكم عدو ظاهر العداوة يدعوكم لهلاككم.

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (3448)، كتاب أحاديث الأنبياء، وأخرجه مسلم في الصحيح (155) - كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. . .

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم (8/ 197 - 198). انظر مختصر صحيح مسلم (2048).

(3)

حديث صحيح. انظر تخريج فضائل الشام (22 - 23)، (23 - 26)، وصحيح الجامع (8025).

ص: 206

وقوله: {وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ} . قال قتادة: (أي بالإنجيل).

وقوله: {قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ} . قال السدي: (النبوّة).

وقوله: {وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} . قال مجاهد: (من تبديل التوراة). وقال الزجاج: (المعنى لأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة). قال مجاهد: (ويبين لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه). وقيل: يبين لهم الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على قدر ما سألوه. ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عنها.

وقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} . قال القرطبي: (أي اتقوا الشرك ولا تعبدوا إلا اللَّه وحده، وإذا كان هذا قول عيسى فكيف يجوز أن يكون إلهًا أو ابن إله. {وَأَطِيعُونِ} فيما أدعوكم إليه من التوحيد وغيره).

وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} . أي: هذا الذي أدعوكم إليه من إفراد اللَّه تعالى بالعبادة والتعظيم هو الصراط السوي الذي لا اعوجاج فيه، وما سواه معوج لا يوصل سالكه إلى النجاة.

وقوله: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ} . قال قتادة: (يعني ما بَيْنَهم).

وفيه قولان محتملان:

أ- قال السدي: (اليهود والنصارى). أي خالف بعضهم بعضًا.

ب- فرق النصارى من النُّسْطُورية والملكية واليعاقبة، اختلفوا في عيسى. فقالت النسطورية: هو ابن اللَّه. وقالت اليعاقبة: هو اللَّه. وقالت الملكية: ثالث ثلاثة أحدهم اللَّه. قاله الكلبي ومقاتل.

وقوله: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} . قال السدي: (من عذاب يوم القيامة). أي: فويل للذين ظلموا حيث قالوا في عيسى ما كفروا به من عذاب اللَّه المؤلم الموجع يوم الحساب.

66 -

73. قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ

ص: 207

عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73)}.

في هذه الآيات: تخويفُ اللَّه تعالى عباده يوم القيامة يوم يخزي اللَّه المجرمين، ويتخلى الأخلاء عن بعضهم إلا المتقين، فهم في سعادة وسرور يتنعّمون في روضات الجنات آمنين.

فقوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} .

قال ابن كثير: (يقول تعالى: هل ينتظرُ هؤلاء المشركون المكذبون للرسل {إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}، أي: فإنها كائنة لا محالةَ وواقعةٌ، وهؤلاء غافلون عنها غير مستَعِدِّين. فإذا جاءت إنما تجيء وهم لا يشعرون بها، فحينئذ يندمونَ كلَّ الندم، حيث لا ينفَعُهم ولا يدفَعُ عنهم).

وقوله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} .

قال ابن عباس: (فكل خُلَّة هي عداوة إلا خُلَّة المتقين). وقال مجاهد: (فكل خُلّة على معصية اللَّه في الدنيا متعادون).

والأخلاء: جمع خليل. والمقصود: إنه ستنقطع في ذلك اليوم كل صداقة وصحابة وخلة كانت بين المتخالين في غير ذات اللَّه، وستنقلب عداوة ومقتًا إلا خلة المتحابين في اللَّه فإنها الخلة الباقية.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [إنَّ اللَّه يقول يوم القيامة: أَيْنَ المتحابُّون بِجَلالي، اليوم أَظِلُّهم في ظِلِّي، يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلِّي](1).

وقوله تعالى: {يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} .

قال النسفي: (هو حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون في اللَّه يومئذ).

وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يُنادي

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2566) - كتاب البر والصلة. باب فضل الحب في اللَّه تعالى.

ص: 208

مُنَادٍ: إنَّ لكم أن تَصِحُّوا فلا تَسْقَمُوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَشِبُّوا فلا تَهْرَموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَنْعَمُوا فلا تَيْأَسُوا أبدًا] (1).

وقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ} .

أي آمنت قلوبهم وأيقنت بواطنهم، وانقادت لامتثال أمر اللَّه جوارحهم وظواهرهم.

وقوله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ} . قال ابن عباس: (تحبرون: تكرمون). وقال مجاهد: (تسرّون). وقال قتادة: (أي تنعمون). وقال الحسن: (تفرحون).

والمقصود: يقال لهم ادخلوا الجنة {أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ} المسلمات في الدنيا. وقيل: أنتم وقرناؤكم من المؤمنين. وقيل: أنتم وزوجاتكم من الحور العين. فإنكم تكرمون فيها وتنعمون وتسرون وتتلذذون وتفرحون، يقع ذلك منكم على القلوب والجوارح.

وقوله: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ} . قال ابن جرير: (يطاف عليهم فيها بالطعام في صحاف من ذهب، وبالشراب في أكواب من ذهب).

وفي الصحيحين من حديث حذيفة، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:[لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة](2).

قال الجوهري: (الصحفة كالقصعة والجمع صِحاف. وقال: الكوب كوز لا عروة له، والجمع أكواب). وقال الكسائي: (أعظم القصاع الجَفْنَة، ثم القَصْعة تليها تُشبع العشرة، ثم الصحفة تشبع الخمسة، ثم المِئْكلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصُّحَيْفة تشبع الرجل). والصحيفة الكتاب والجمع صحف وصحائف.

وعن مجاهد: ({وَأَكْوَابٍ}: إنها الآنية المدورة الأفواه). قال السدي: (هي التي لا آذان لها). وقال الأخفش: (الأكواب الأباريق التي لا خراطيم لها).

وقوله: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} . أي في الجنة

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2837) - كتاب الجنة ونعيمها. باب في دوام نعيم أهل الجنة.

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (5426)، (5837)، وأخرجه مسلم (2067)، وغيرهما.

ص: 209

ما تتمناه النفس من طيب الطعم والريح وما تلذ به الأعين من حسن المنظر، في نعيم دائم لا يزول.

قال سعيد بن جبير: ({وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} النظر إلى اللَّه عز وجل.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [قال اللَّه عز وجل: أعْدَدْت لعبادي الصالحين ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلبِ بشر](1).

وقوله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .

قال ابن جرير: (يقال لهم: وهذه الجنة التي أورثكموها اللَّه عن أهل النار الذين أدخلهم جهنم بما كنتم في الدنيا تعملون من الخيرات).

وقوله تعالى: {لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ} . أي: ولكم من جميع أنواع الفاكهة ما تختارون، لتتم عليكم بذلك النعمة بعد تلذذكم بالطعام والشراب.

قال ابن عباس: ({لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ}: هي الثمار كلها، رطبها ويابسها).

74 -

83. قوله تعالى: {إنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83)}.

في هذه الآيات: شقاءُ المجرمين في نار جهنم نار الجحيم، فلا يُفَتَّرُ عنهم العذاب ولا يموتون فيستريحون، ونادوا خازن النار ليتوسط لهم إلى ربّه في القضاء عليهم فأجابهم بأنهم ماكثون، فقد كانوا على الكفر باللَّه والمكر بالحق وأهله يصبحون ويمسون، فها هو اليوم الذي كانوا يوعدون.

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (2824) - كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها.

ص: 210

فقوله تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} .

أصل الفتور الضعف، أي لا يخفف عن المجرمين عذاب جهنم وهم فيه ماكثون.

وقوله: {وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} قال قتادة: (آيسون: مستسلمون). أي وهم في حالة إياس من كل خير.

وقوله تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} . أي: وما ظلمناهم بالعذاب ولكن هم ظلموا أنفسهم بالشرك والإصرار على المعاصي والآثام. قال ابن كثير: ({وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} أي: بأعمالهم السيئة بعد قيام الحُجَج عليهم وإرسال الرسُل إليهم، فكذّبوا وعَصَوا، فَجُوزُوا بذلك جزاء وفاقًا وما ربك بظلام للعبيد).

وقوله: {وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} . مالك: خازن جهنم، ناداه أهل النار:{لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} أي: ليقبِضْ أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه.

وفي صحيح البخاري عن عطاء، عن صَفْوانَ بنِ يَعْلى، عن أبيه قال:[سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المِنْبَرِ: {وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}](1).

وقوله: {قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} . هو جواب مالك لهم حين سألوه الموت والخلاص.

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} [فاطر: 36]

2 -

وقال تعالى: {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} [الأعلى: 11 - 13].

وفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [إذا صارَ أَهْلُ الجنَّةِ إلى الجَنَّةِ وأَهْلُ النار إلى النار جِيءَ بالموت حتى يُجْعَلَ بين الجنة والنار، ثم يُذْبَحُ، ثم ينُادي مُنادٍ: يا أهلَ الجنة لا مَوْتَ، يا أهلَ النار لا مَوْتَ، فيزداد أهلُ الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزدادُ أهلُ النار حُزْنًا إلى حُزْنِهم](2).

وقوله تعالى: {لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} . أي: لقد أقمنا عليكم

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4819) - كتاب التفسير. سورة الزخرف، آية (77).

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (6348) - كتاب الرقاق، وكذلك (6544)، ورواه مسلم.

ص: 211

العذر بحجة الوحي وبيان الرسل، ولكن سجاياكم لا تَقْبَل الحق ولا تحبه، بل تألف الباطل وتأنس به، فلوموا أنفسكم على ما فرطتم وقدمتم لآخرتكم.

وقوله تعالى: {أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} . قال مجاهد: (أراد كَيْدَ شَرٍّ فكدناهم). أو قال: (إن كادوا شرًا كدنا مثله).

وقال قتادة: (أم أجمعوا أمرًا فإنا مجمعون). وقال ابن زيد: (أم أحكموا أمرًا فإنا محكمون لأمرنا).

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 50].

2 -

وقال تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق: 15 - 16].

وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إن اللَّه تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته](1).

وفي صحيح الترمذي عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إذا أراد اللَّه بعبده الخيرَ عجلَ له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشَّرَ أمسك عنه حتى يُوافى به يوم القيامة](2).

وقوله: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} . أي: إسرارهم في أنفسهم وعلانيتهم في مناجاتهم بينهم.

وقوله: {بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} . قال السدي: (الحفظة).

قال القرطبي: ({بَلَى} نسمع ونعلم {وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} أي الحفظة عندهم يكتبون عليهم).

وقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} . فيه أكثر من تأويل:

1 -

قال مجاهد: (قل إن كان للَّه ولد في قولكم، فأنا أول من عبد اللَّه وَوَحَّدَه وكذّبكم).

2 -

قال ابن عباس: (يقول: لم يكن للرحمن ولد فأنا أول الشاهدين).

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4686) - كتاب التفسير، وأخرجه مسلم (2583) - كتاب البر والصلة. ورواه ابن ماجة والترمذي وغيرهم. انظر صحيح الجامع (1818).

(2)

حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (1953)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (1220).

ص: 212

3 -

وقال قتادة: (هذه كلمة من كلام العرب {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ} أي إن ذلك لم يكن، ولا ينبغي).

4 -

قال السدي: (لو كان له ولد كنت أول من عبده بأن له ولدًا، ولكن لا ولد له).

قلت: والقول الرابع أقرب للسياق، والمقصود لو فُرض هذا فأنا أول من يعظم ذلك الولد كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه، ولكن هذا ممتنع قي حقه تعالى، فالشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضًا، كما قال تعالى:{لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4)} [الزمر: 4].

وقوله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} . قال قتادة: (أي يكذبون). والآية تنزيه من اللَّه تعالى لنفسه عما يصفه به الظالمون، أي: تعالى وتَقَدَّس سبحانه عن الولد، فهو فرد صمد، لا نظير له، ولم يكن له كفوًا أحد، وهو رب السماوات والأرض ورب العرش والكل محتاج إليه، فقير إلى رحمته وفضله.

وقوله تعالى: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} . قال السدي: (يوم القيامة). قال النسفي: ({فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا} في باطلهم {وَيَلْعَبُوا} في دنياهم {حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} أي القيامة، وهذا دليل على أن ما يقولونه من باب الجهل والخوض واللعب).

84 -

89. قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)}.

في هذه الآيات: إثباتُ العبودية للَّه سواء في أهل السماء أو في أهل الأرض فهو الملك وإليه أمر الساعة وكل إليه راجعون، ولا يملك أحد الشفاعة إلا بإذنه فأنى يصرفون. إنهم يقرون للَّه بالربوبية ومع ذلك يشركون به في عبادتهم فسوف يعلمون.

فعن قتادة: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} قال: يُعبد في السماء،

ص: 213

ويُعبد في الأرض). قلت: فإنه سبحانه لم يقل: (وهو اللَّه في السماء وهو اللَّه في الأرض)، فإن لفظ الإله في لغة العرب لا تعني إلا المعبود والمألوه والمطاع. فيكون المعنى للمتبصر في لغة العرب:(وهو الذي في السماء معبود وفي الأرض معبود). فالملائكة في عبادة مستمرة لا يفترون. وكذلك المؤمنون في الأرض يتقلبون بين أصناف العبادة في كل وقت وحين.

وقوله: {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} . قال ابن جرير: (الحكيم في تدبير خلقه وتسخيرهم لما يشاء، العليم بمصالحهم).

وقوله: {وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} .

تبارك: تفاعل من البركة. قال ابن كثير: (أي استقرَّ له السلامةُ من العيوب والنقائص، لأنه الربُّ العَلِيُّ العظيمُ، المالك للأشياء، الذي بيده أزمَّةُ الأمورِ نقضًا وإبرامًا).

وقوله: {وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} . أي وقت قيامها، فلا يُجَلِّيها لوقتها إلا هو.

وقوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} . أي للحساب، لنوال الثواب، ونكال العقاب. فيجازي كلًا بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.

وقوله: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} . قال مجاهد: (عيسى وعزير، والملائكة). أي لا يملك من دُعي من الأصنام والأوثان وغيرهم أن يشفعوا عند اللَّه.

وقوله: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . قال سعيد بن جبير: (-المعنى- ولا يملك هؤلاء (1) الشفاعة إلا لمن شهد بالحق وآمن على علم وبصيرة. قال: وشهادة الحق لا إله إلا اللَّه). قال قتادة: (الملائكة وعيسى وعزير قد عُبدوا من دون اللَّه، ولهم شفاعة عند اللَّه ومنزلة).

وخلاصة المعنى كما قال الحافظ ابن كثير: ({إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، هذا استثناء منقطع، أي: لكن مَن شهد بالحق على بصيرة وعلم، فإنه تنفع شفاعتُه عنده بإذنه له).

وقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} .

قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين باللَّه من

(1) المراد عيسى وعزير والملائكة ونحوهم.

ص: 214

قومك: من خلقهم؟ ليقولنّ: اللَّه خلقنا {فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} فأيُّ وجه يصرفون عن عبادة الذي خلقهم، ويحرمون إصابة الحق في عبادته).

وقوله تعالى: {وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ} .

قال قتادة: (هذا قول نبيهم عليه الصلاة والسلام يشكو قومه إلى ربه). قال مجاهد: (فأبرّ اللَّه عز وجل قول محمد صلى الله عليه وسلم).

وفي لفظ: {وَقِيلِهِ} تأويلان -على قراءة النصب- قراءة قراء مكة والبصرة. أي: "وقيلَه".

التأويل الأول: العطف على قوله: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} . أي: ونسمع قيلَه يا رب.

التأويل الثاني: أن يقّدر فِعل. أي: "وقال قيلَه".

وأما على القراءة بالكسر: "وقيلِه" -قراءة قراء الكوفة- فالتأويل العطف كما يلي: "وعنده علم الساعة وعلم قيله".

قال القرطبي: (في {وَقِيلِهِ} ثلاث قراءات: النصب، والجرّ، والرفع. فأمّا الجرّ فهي قراءة عاصم وحمزة. وبقية السبعة بالنصب. وأما الرفع فهي قراءة الأعرج وقتادة وابن هُرْمُز ومسلم بن جُندب. فمن جرّ حمله على معنى: وعنده علم الساعة وعلم قيله. ومن نصب فعلى معنى: وعنده علم الساعة ويعلم قيلَه، وهذا اختيار الزجاج. وقال الفراء والأخفش يجوز أن يكون "وقيله" عطفًا على قوله {أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ}).

وقوله: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ} . أَمْرٌ بالإعراض عنهم وتوديعهم بالسلام، ولم يجعله تحية لهم. أي: أعرض عن هؤلاء المشركين من قومك -يا محمد- ولا تجاوبهم بمثيل سيئ كلامهم بل تألفهم واصفح عنهم فِعلًا وقولًا. قال القاسمي: ({وَقُلْ سَلَامٌ} أي: لكم أو عليكم. أو أمري سلام. أي متاركة، فهو سلام متاركة لا تحية).

وقوله: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} . تهديد ووعيد. أي سيعلمون قريبًا إذا نزل بهم بأس اللَّه ووعده، وأعلى دينه وأولياءه، وشرع لهم الجهاد والجلاد، وانتشروا في الأرض ودخل الناس في دين اللَّه أفواجًا، كيف يكون الخزي عليهم والذل يحيط بهم.

ص: 215

وعن قتادة: ({فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} يُعزي نبيّه صلى الله عليه وسلم، قال: اصفح عنهم، ثم أمره بقتالهم).

وقال ابن جرير: ({فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} ما يلقون من البلاء والنكال والعذاب على كفرهم).

تم تفسير سورة الزخرف بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه

* * *

ص: 216