الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
منهاج السورة
-
1 -
امتنان اللَّه على عباده بأجل النعم التي أكرمهم بها وهي القرآن، ثم نعمة النطق والبيان.
2 -
امتنانه تعالى على العباد بنعمة الشمس والقمر، والنجم والشجر، والسماء والميزان، والأرض والفاكهة والنخل والحب والريحان.
3 -
إثبات خلق الإنسان من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار.
4 -
إظهار بعض الآيات البديعة في الخلق في الأنهار والبحار.
5 -
إثبات الفناء لكل شيء والبقاء للواحد القهار، وهو سبحانه كل يوم هو في شأن وله الكمال والجميع إليه بالافتقار.
6 -
إثبات العجز لجميع الثقلين في مشهد الحشر بين يدي الرحمان، والتحدي لهم أن يهربوا إن استطاعوا من الحساب والقصاص والميزان.
7 -
تفطّر السماء يوم القيامة وذل المشهد على المجرمين، ودنو جهنم من الكافرين.
8 -
ذِكْرُ حالِ السعداء المقربين الأبرار، بعد ذكر حال الأشقياء الفجار.
9 -
ذِكْرُ حال أصحاب اليمين، وما أعد اللَّه لهم في جنات النعيم، فتبارك اللَّه رب العالمين.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
1 -
13. قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)}.
في هذه الآيات: امتنانُ اللَّه تعالى على عباده بالنعم الجليلة التي حَفَّهم بها وأعظمها القرآن، ثم نعمة النطق والكلام، ثم نعمة الأرض وما فيها من الفاكهة والنخل والحب والريحان.
فقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ} . قال قتادة: (نعمة واللَّه عظيمة).
قال القاضي: (لما كانت السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيوية والأخروية، صدّرها بـ {الرَّحْمَنُ} وقدّم ما هو أصل النعم الدينئة وأجلّها، وهو إنعامه بالقرآن، وتنزيله وتعليمه، فإنه أساس الدين، ومنشأ الشرع، وأعظم الوحي، وأعز الكتب، إذ هو بإعجازه واشتماله على خلاصتها، مصدق لنفسه، ومصداق لها).
وقوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} . قال قتادة: (الإنسان: آدم صلى الله عليه وسلم).
وقال ابن زيد: ({عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} قال: البيان: الكلام). وقال الحسن: (يعني النُّطق). وقال قتادة: (علمه اللَّه بيان الدنيا والآخرة، بين حلاله وحرامه، ليحتج بذلك على خلقه). وقال أيضًا: (تَبَيَّنَ له الخيرُ والشر، وما يأتي، وما يدع).
قال ابن كثير: (قول الحسن هاهنا أحسنُ وأقوى، لأن السياقَ في تعليمه تعالى القرآن، وهو أداءُ تلاوتِه، وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخَلْقِ، وتسهيل خُروج
الحروف من مواضِعها من الحَلق واللَّسان والشفتين، على اختلاف مخارجِها وأنواعِها).
قلت: وعموم الآية يشمل تعليم اللَّه الإنسان ما يحتاج إليه في أمر دينه ودنياه من بيان الحلال والحرام، والمعايش والمنطق وغير ذلك. وهو اختيار شيخ المفسرين -الإمام ابن جرير- رحمه الله.
وقوله تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} فيه أقوال متكاملة.
1 -
قال ابن عباس: (بحساب ومنازل يرسلان). وقال: (يجريان بعدد وحساب).
وقال قتادة: (بحساب وأجل). وقال: (يجريان في حساب).
والمقصود: الشمس والقمر بحسبان ومنازل لها يجريان ولا يعدوانها.
2 -
قال ابن زيد: ({الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} قال: يحسب بهما الدهر والزمان، لولا النهار والليل والشمس والقمر لم يدرك أحد كيف يحسب شيئًا. لو كان الدهر ليلًا كله، كيف يحسب، أو نهارًا كله كيف يحسب).
3 -
قال الضحاك: ({الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} قال: بقدر يجريان).
قلت: فجميع ما ذكر يدخل في مفهوم الآية، فإن الشمس والقمر آيتان عظيمتان من آيات اللَّه، يجريان متعاقبين بحساب دقيق لا يضطرب ولا يختلف.
وفي التنزيل نحو ذلك:
1 -
قال تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40].
2 -
قال تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [الأنعام: 96].
والحسبان مصدر من قول القائل: حسبته حسابًا وحسبانًا، وقيل: إنه جمع حساب.
وفي صحيح مسلم عن أبي ذَرّ: [أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومًا: أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: إنّ هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت
العرش، فتخرّ ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يُقالَ لها: ارتفعي] الحديث (1).
وقوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} . قال مجاهد: ({وَالنَّجْمُ} نجم السماء).
وقال السدي: (النجم: نبات الأرض). والأول أصح. وأما الشجر فهو ما قام على ساق.
وفي التنزيل:
والمقصود: أن جميع نجوم السماء ونباتات الأرض تسجد طواعية للَّه العظيم، فالكل منقاد له تعالى وفيه إشارة لما ينبغي أن يكون عليه أمر الثقلين.
وقوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} . أي: والسماء رفعها سبحانه فوق
الأرض، ووضع العدل بين خلقه في الأرض. كما قال سبحانه:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25].
قال مجاهد: ({وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} قال: العدل).
قلت: فالميزان هو معيار التوازن في كل الأشياء وجميع المخلوقات، وهو معيار إقامة منهج القسط في الأرض، وقد احتج بعض علماء الأصول بهذه الآية على مشروعية القياس.
وجاء في كتاب: "توحيد الخالق"(2) ربطًا مع مفهوم هذه الآية: (اكتشف "نيوتن" أن في السماء قانونًا محكمًا دقيقًا يحكم أجرام السماء هو قانون الجذب، وأن محصلة هذا الجذب بين الكواكب هو الاتزان بينها {الْمِيزَانَ} . ويعتبر اكتشاف الكوكبين "نبتون وبلوتو" نصرًا للقانون الذي اكتشفه نيوتن، فباستخدام ميزان الجذب حدّد الفلكيون مواقع لكوكب "أورانس" ولكن بواسطة الرصد وجدوا مواقعه مختلفة، فافترض الفلكيون وجود كواكب أخرى تؤثر بجذبها لأورانس، وقد أمكن حساب مواقع الكوكب السيار "نبتون" في السماء من مقدار تاثيره على "أورانس"، وحدد الاتجاه الذي شوهد قيه بعد تقدم وسائل الرصد، تطبيقًا لقانون الجذب، وبالمثل في هذا
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (159)، كتاب الإيمان، وهو جزء من حديث أطول.
(2)
كتاب: "توحيد الخالق" - عبد المجيد الزنداني - ص (333 - 354).
الميزان أمكن اكتشاف السيار الآخر "بلوتو" فهل فُهِم الآن معنى قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} ؟ ! ).
وقوله تعالى: {أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ} . يعني: ألا تظلموا أو تبخسوا في الوزن، فقد خلق سبحانه السماوات والأرض بالحق والعدل، وهكذا يجب أن تكون الأشياء كلها قائمة بميزان الحق والعدل.
وقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} . قال ابن زيد: (نقصه، إذا نقصه فقد خسَّره، تخسيره نقصه).
والمقصود: أقيموا منهاج الحكم بالقسط والعدل، كما أُمرتم بإقامة لسان الميزان بالعدل.
وقوله تعالى: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ} قال ابن عباس: (يقول: للخلق). وقال: (كل شيء فيه الروح). وقال الحسن: (للخلق الجن والإنس). قال ابن كثير: (أي: كما رفَعَ السماء وَضَعَ الأرض ومَهَدَها، وأرساها بالجبال الراسيات الشامخات، لتستقِرَّ لما على وجهها من الأنام، وهم: الخلائق المختلفةُ أنواعُهم وأشكالُهم وألوانُهم وألسنتهُم، في سائر أقطارها وأرجائها).
وقوله تعالى: {فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ} . أي: فيها فاكهة مختلفة الألوان والروائح والطعوم، والنخل من أشرفها وألذّها وأكثرها نفعًا. قال قتادة:(أكمامها: ليفها). قال النسفي: ({وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ} هي أوعية الثمر، الواحد كِمّ بكسر الكاف، أو كل ما يُكَمّ أي يُغَطّى من ليفه وسعفه وكفُرّاه، وكله منتفع به كما ينتفع بالمكموم من ثمره وجمّاره وجذوعه).
وقوله تعالى: {وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ} . الحبّ: الحِنطة والشعير ونحوهما. والعَصْف: التِّبْنُ وورق الشجر والزرع. قال ابن عباس: (تِبْن الزرع وورقه الذي تَعصِفُه الرياح).
وقال سعيد بن جبير: (بَقْل الزرع أي أوّل ما ينبت منه). وقال ابن زيد: (الريحان: الرياحين التي توجد ريحها).
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . قال قتادة: (يقول للجن والإنس: بأيِّ نِعم اللَّه تكذّبان).
أي: فكيف تكذبون -معشر الثقلين- وهذه النعم العظيمة ترفلون بِظِلِّها وتنغمسون بملذاتها!
14 -
25. قوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (24) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25)}.
في هذه الآيات: إثبات خلق الإنسان من الصلصال والجان من النار، وإظهار بعض الآيات البديعة في الخلق في الأنهار والبحار.
فقوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} . أي من الطين اليابس الذي له صلصلة إذا حرّك ونقر كالفخار. قال ابن عباس: ({مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ}: الطين اليابس). وقال عكرمة: (الصلصال: طين خُلط برمل فكان كالفخار). وقال مجاهد: (الصلصال: الترابُ اليابسُ الذي يُسمع له صلصلة فهو كالفخار). والفخار: هو الذي قد طُبخَ من الطين بالنار.
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [إنّ اللَّه خلق آدم من قُبْضَةٍ قَبَضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قَدْرِ الأرض، فجاء منهم الأحمرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبَيْنَ ذلك، والسَّهْلُ، والحَزْنُ، والخبيثُ، والطَّيبُ](1).
وقوله تعالى: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} . أي من طرف لهبها. قال مجاهد: (اللهب الأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت). وقال ابن عباس: ({مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ}: من لهب النار، من أحسنها). أو قال: (من خالصِ النار). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ}، وهو ما اختلط بعضه ببعض، من بين أحمر وأصفر وأخضر، من قولهم: مَرِج أمر القوم: إذا اختلط).
(1) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في "التفسير". انظر صحيح سنن الترمذي (2355).
وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [خُلِقَت الملائكة من نورٍ، وخُلِقَ الجانُّ من مارج من نارٍ، وخُلِق آدمُ مما وُصِفَ لكم](1).
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . أي: فبأي نعمة ربكما معشر الثقلين من هذه النعم تكذبان؟
وقوله: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ} . أي: مشرق الشمس في الشتاء، ومشرقها في الصيف.
وقوله: {وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} . يعني: مغربي الشمس في الصيف والشتاء.
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} [المزمل: 9].
والمراد جنس المشارق والمغارب.
2 -
قال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ} [المعارج: 40].
والمراد هنا اختلاف مطالع الشمس على مرور العام، وبروزها للناس كل يوم من سمت في الأفق حسب تنقل الأيام.
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . أي: فبأي هذه النعم والمصالح المستفادة من اختلاف هذه المشارق والمغارب للخلق من الجن والإنس تكذبان معشر الثقلين؟ !
وقوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} . - مَرَج: خلّى وأرسل. قال ابن عباس: (أي أرسلهما). وقال ابن زيد: ({يَلْتَقِيَانِ} أي منعهما أن يلتقيا، بما جعل بينهما من البرزخِ الحاجز الفاصل بينهما).
قال ابن كثير: (والمرادُ بقوله: {الْبَحْرَيْنِ}، المِلْحَ والحُلّوَ، فالحُلْو هذه الأنهار السَّارحة بين الناس). وهو كقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان: 53].
وقوله تعالى: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} . قال مجاهد: (بينهما حاجز من اللَّه، لا يبغي أحدهما على الآخر). وقال أيضًا: (لا يختلطان).
والمقصود: جعل اللَّه بينهما حاجزًا من الأرض فلا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة، ومن ثمّ فكل واحد منهما محفوظ في صفته وطبيعته.
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2996)، وأحمد (6/ 153)، وابن حبان (6155).
قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . أي: فبأي نعم اللَّه -معشر الجن والإنس- تكذبان من هذه النعم التي منها إرسال الأنهار والبحار وحفظها لما يستفاد منها.
وقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} . أي: يخرج من كليهما اللؤلؤ: وهو ما عظم من الدر، والمرجان: ما صغُر منه وحَسُنُ. قال قتادة: (اللؤلؤ: الكبار من اللؤلؤ، والمرجان: الصغار منه). وقال مرّة: (المرجان: جيد اللؤلؤ). أو قال: (اللؤلؤ العظام). وقيل: المرجان: الخرز الأحمر. وقيل غير ذلك.
قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . فيه امتنان من اللَّه تعالى على عباده بنعمة هذه الحلية من اللؤلؤ والمرجان.
وقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} . أي: وله -تعالى- السفن الجارية في البحار -المرفوعات القلاع- كالجبال. قال مجاهد: (ما رُفِعَ قلْعُهُ من السفن فهي مُنْشأَة، ومالم يُرْفَع قَلْعُهُ فليس بمنشأة). قال ابن جرير: (وقوله: {كَالْأَعْلَامِ} يقول: كالجبال، شبَّه السفن بالجبال، والعرب تسمي كل جبل طويل علمًا).
قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . أي: فبأي نعم ربكما -معشر الثقلين- تكذبان من هذه النعم التي منها تسخيره السفن الجارية في مصالحكم وأسفاركم وتجاراتكم في الأنهار والبحار.
26 -
30. قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30)}.
في هذه الآيات: إثباتُ الفناء لكل شيء والبقاء للواحد القهار، فهو سبحانه كل يوم هو في شأن وله الكمال والجميع إليه بالافتقار.
فقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} . تقرير لفناء جميع الخلق من الجن والإنس، فكل مَنْ على ظهر الأرض هالك. قال قتادة:(أنْبأ بما خلق، ثم أَنْبأَ أن ذلك كُلَّه فانٍ).
وقوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} . فيه إثبات صفة الوجه للَّه جل ثناؤه، وكما هو في الآية الأخرى:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]. فإنه مهما أوِّلت به من كون المقصود ما ابتغي به وجهه - {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} أي ذاته - كما
ذهب بعض المفسِّرين، فإن الآيتين تصرحان بصفة الوجه للَّه الكريم التي لا ينكرها إلا هالك.
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى قال: قام فينا رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال: [إنَّ اللَّه عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يَخْفِضُ القِسْطَ ويرفَعُه، يُرْفَعُ إليه عملُ الليل قبل عمل النهار، وعملُ النهار قبل عمل الليل، حجابُه النور، لو كشفَه لأحْرَقت سبحاتُ وجهه ما انتهى إليه بَصَرُهُ من خلقه](1).
قال ابن عباس: ({ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}: ذو العظمة والكبرياء). قال ابن كثير: (وقد نَعَتَ تعالى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه {ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}، أي: هو أهل أن يُجَلَّ فلا يُعْصى، وأَنْ يُطاع فلا يُخالف، كقوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28]، وكقوله إخبارًا عن المتصدقين: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} [الإنسان: 9]).
وفي جامع الترمذي عن أنس مرفوعًا: [ألِظُّوا بياذا الجلال والإكرام](2). أي: الزموا ذلك في الدعاء.
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . أي: فبأي نعم ربكما -معشر الثقلين- تكذبان.
قال القرطبي: (ووجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام. وقيل: وجه النعمة أن الموت سبب النقل إلى دار الجزاء والثواب).
وقوله: {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . إخبار عن كمال غناه، وافتقار الخلائق جميعًا إلى سؤاله ورحمته. قال ابن عباس:(أهل السماوات يسألونه المغفرة ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعًا). وقال ابن جريج: (وتسأل الملائكة الرزق لأهل الأرض). وقال قتادة: (لا يستغني عنه أهل السماء ولا أهل الأرض، يُحْيي حَيًّا، ويُميت ميتًا ويربى صغيرًا، ويذل كبيرًا، وهو مَسْأل حاجات الصالحين، ومنتهى شكواهم، وصريخ الأخيار). وعن ابن عباس أيضًا: ({يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} قال: يعني مسألة عباده إياه الرزق والموت والحياة، كل يوم هو في ذلك).
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (179)، كتاب الإيمان، وفي رواية:"حجابه النار" بدل "النور".
(2)
حديث حسن. أخرجه الترمذي (3524)، وبنحوه الحاكم (1/ 498 - 499)، وله شواهد.
وقوله: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} . قال عُبَيد بن عُمَير: (مِنْ شأنه أن يُجيبَ داعيًا، أو يُعطِيَ سائلًا، أو يَفُكَّ عانيًا، أو يَشْفِي سقيمًا). وقال مجاهد: (كُلّ يوم هو يجيب داعيًا، ويكشف كربًا، ويجيب مضطرًّا، ويغفر ذنبًا).
أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي الدرداء، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى:{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} . قال: [من شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، ويُفَرِّجَ كَربًا، ويَرْفعَ قَوْمًا، ويَخْفِضَ آخرين](1).
ورواه ابن أبي عاصم في "السنة" بلفظ: [في شأنه أن يغفر ذنبًا، ويكشف كربًا، ويجيب داعيًا، ويرفع قومًا ويضع آخرين].
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . أي: فبأي نعمه تعالى في صرفه إياكم -معشر الثقلين- في مصالحكم ومنافعكم تكذبان؟ !
31 -
36. قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36)}.
في هذه الآيات: إثباتُ العجز لجميع الثقلين في مشهد الحشر بين يدي الرحمان، وتحدّي الجبار جميع خلقه يومئذ أن يفلتوا من الحساب أو يهربوا من بين يديه ومن الحساب والقصاص والميزان.
فقوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ} . تهديد من اللَّه لعباده ووعيد.
قال ابن عباس: (وَعيدٌ من اللَّه تعالى للعباد، وليسَ باللَّه شُغلٌ وهو فارغٌ).
وعن قتادة: (أنّه تلا: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ} قال: دنا من اللَّه فراغ لخلقه).
وقال ابن جريج: ({سَنَفْرُغُ لَكُمْ}، أي: سنقضي لكم).
قال البخاري في "كتاب التفسير" من صحيحه: ({سَنَفْرُغُ لَكُمْ} : سَنُحاسبُكمْ،
(1) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (202)، باب فيما أنكرت الجهمية، وانظر صحيح سنن ابن ماجة (167)، وانظر:"كتاب السنة" - ابن أبي عاصم - حديث (301)، وصحَّحَهُ الألباني.
لا يشغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، وهو معروف في كلام العرب، يُقال: لأَتَفَرَّغَنَّ لك، وما بِه شُغْلٌ، يقول: لآخُذَنّكَ على غِرَّتِكَ).
والثقلان: الجن والإنس. كما في المسند وسنن أبي داود والنسائي من حديث البراء -في عذاب القبر- مرفوعًا: [فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين](1). وفي رواية: (إلا الجنّ والإنس).
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . قال ابن جرير: (فبأيّ نعم ربكما معشر الثقلين التي أنعمها عليكم، من ثوابه أهل طاعته، وعقابه أهل معصيته تكذّبان؟ ).
وقوله تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} . هو من باب التحدّي وإثبات الذل والعجز للعباد يوم يُحاط بهم في الحشر لمشهد الحساب.
قال ابن كثير: (أي: لا تستطيعون هَرَبًا من أمر اللَّه وقدَره، بل هو محيطٌ بكم، لا تقدرون على التخلُّص من حُكمِهِ، ولا النفوذِ عن حكمه فيكم، أينما ذهبتم أُحِيطَ بكم. وهذا في مقام المحشر، الملائكة مُحدِقَةٌ بالخلائق، سبعُ صفوفٍ من كل جانب، فلا يقدِرُ أحدٌ على الذهاب {إِلَّا بِسُلْطَانٍ}، أي: إلا بأمر اللَّه، {يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} [القيامة: 10 - 12]. وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 27]).
قلت: ولقد تَخَبَّطَ بعض المتشدقين اليوم من اعتبار الآية نصرًا للعلم الحديث بكشوفاته واختراعاته المثيرة، فصرَفوا معنى:{لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} أي بالعلم، ووجهوا المعنى إلى أنه بالعلم يمكن اختراق آفاق الفضاء وفهم حركة الكواكب والمجرات.
وهذا ليس موضوع البحث في الآية، بل هو يناقضها ويعارضها حين ظنوا أنهم بالعلم خرجوا عن أقطار السماوات والأرض، بل هم بكل ما أوتوا من قوة وعلم داخل أقطار السماوات والأرض. والآية حديث عن خبر المشهد في الحشر يوم القيامة، وقد اجتمع الجن والإنس أمام ربهم في صعيد واحد، فهو اليوم يتحداهم أن يفلتوا من قبضته بعدما انتشروا في أرجاء الدنيا يخوضون ويفسدون.
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (4/ 287 - 288)، وأبو داود (2/ 281)، والحاكم (1/ 37 - 40).
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . أي: فبأي نعم ربكما -معشر الجن والإنس- من نعمه الكثيرة التي منها التسوية بين جميعكم، لا يقدر أحد على خلاف أمره تكذبان؟ !
وقوله تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ} . إثبات لكامل الإحاطة بالعباد -يوم الحشر- ومطلق العجز الذي ينزل بهم. فإن محاولة الفرار تعني الحرق بالنار والإحاطة باللهب. قال ابن عباس: (الشواظ هو لهب النار. {وَنُحَاسٌ}: دخان النار). والعرب تسمي الدخان نحاسًا. وقال الضحاك: ({شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ} سَيْلٌ من نار. {وَنُحَاسٌ}: سَيْلٌ من نحاس). وقال مجاهد: (النحاس: الصفر، يذاب فيصبّ على رؤوسهم).
وبكلا المعنيين فإن المقصود: لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لردّتكم الملائكة وزبانية العذاب بإرسال اللهب من النار والدخان أو النحاس المذاب عليكم لترجعوا، ومن ثمّ فلا تنتصران. {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} .
37 -
45. قوله تعالى: {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45)}.
في هذه الآيات: تَفَطُّرُ السماء يوم القيامة وذل المشهد على المجرمين في أرض المحشر، ودُنُوُّ جهنم من الكافرين يخرج منها الشرر، ليطوفوا بين الحميم وبين الجحيم ويذوقوا جزاء الكفر والبطر.
فقوله تعالى: {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} . يعني: يوم القيامة. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فإذا انشقت السماء وتفطّرت، وذلك يوم القيامة، فكان لونها لون البرذون الورد الأحمر (1)).
(1) الورد الأحمر: الفرس الأحمر.
وقد ورد أمر تشقق السماء في القرآن في مواضع مختلفة:
1 -
قال تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا} [الفرقان: 25].
2 -
وقال تعالى: {وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} [الحاقة: 16].
3 -
وقال تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} [الانشقاق: 1 - 2].
وأما {كَالدِّهَانِ} فهو الدّهن، والمقصود: تصير السماء في صفاء الدهن.
وقيل: المعنى تصير في حمرة الورد وجريان الدهن، أي تذوب مع الانشقاق حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدُّهن لرقتها وذوبانها. ذكره القرطبي.
قال الحافظ ابن كثير: ({فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ}، أي: تذُوب كما يذوب الدّرْدي والفضة في السَّبْكِ، وتتلوّنُ كما تتلوَّنُ الأصباغ التي يُدهَنُ بها، فتارةً حمراء وصفراءَ وزرقاءَ وخضراءَ، وذلك من شدة الأمر وهَوْلِ يوم القيامة العظيم).
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . أي: فبأي قدرة ربكما معشر الثقلين على ما وصف لكم تكذبان؟ !
وقوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} فيه أكثر من تأويل:
1 -
قال مجاهد: (لا يسأل الملائكة عن المجرم، يعرفون بسيماهم).
2 -
قال الحسن: (لا يسألون عن ذنوبهم، لأن اللَّه حفظها عليهم، وكتبتها عليهم الملائكة).
3 -
قال أبو العالية: (لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم).
4 -
قال قتادة: (كانت المسألة قبل، ثم ختم على أفواه القوم وتكلمت الجوارح شاهدة عليهم).
قلت: ووجه الجمع بين هذه الأقوال في مفهوم هذه الآية، وبين الآيات الدالة على صريح المساءلة يوم القيامة، نحو قوله تعالى:{وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات: 24]. وقوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92 - 93] أنّ يوم القيامة يوم طويل وفيه مواطن كثيرة، فيسألون في موطن، ولا يسألون في آخر.
فتُحمل الآية هنا على الموطن الذي لا يؤذن لهم فيه بالاعتذار لوضوح جرائمهم وشهادة جوارحهم عليهم، كما قال تعالى: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ
فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 35 - 36]. كما لا يسأل أحد من مجرمي الإنس والجن عن ذنوب بعضهم لاكتمال السجلات بدقائق تلك الجرائم وتفاصيلها، كما قال تعالى:{وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص: 78].
قال ابن القيم في "طريق الهجرتين": (اختلف في هذا السؤال المنفيّ، فقيل: هو وقت البعث والمصير إلى الموقف، لا يسألون حينئذ، ويسألون بعد إطالة الوقوف، واستشفاعهم إلى اللَّه أن يحاسبهم، ويريحهم من مقامهم ذلك. وقيل المنفيّ سؤال الاستعلام والاستخبار، لا سؤال المحاسبة والمجازاة. أي قد علم اللَّه بذنوبهم، فلا يسألهم عنها سؤال من يريد علمها، وإنما يحاسبهم عليها) انتهى.
وقد أفرد الإمام مسلم في صحيحه في كتاب التوبة بابًا سمّاه: باب: تقرير النعم يوم القيامة على الكافر والمنافق. روى فيه -ما يجمع معاني هذه الآية والآيات الأخرى في مواقف الحساب- عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [فيلقى العَبْدَ فيقول: أي فُلْ! ألم أكرِمْكَ وأسوَّدْك وأزوَّجْك وأسخَّر لك الخيل والإبل وأذَرْكَ ترأس وتربَعُ؟ فيقول: بلى أي ربِّ، قال: فيقول: أفَظَنَنْتَ أنك ملاقِيَّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني فيقول: أي فل! ألم أكرِمْكَ وأُسَوَّدْكَ وأُزوَّجْكَ وأسَخَّر لك الخيل والإبل، وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وتربَعُ؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: أفظننت أنك ملاقيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالثَ فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا رب آمنتُ بك وبكتابك وبرسلك، وصلّيتُ وصُمْتُ وتَصَدَّقْتُ، ويثني بخير ما استطاع، قال: فيقول: هاهنا إذن. قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكّر في نفسه من ذا الذي يشهد علي؟ فيختَمُ على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقِي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليُعْذِر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يَسْخَطُ اللَّه عليه](1).
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . أي: فبأي نعم ربكما معشر الجن والإنس في إقامة العدل فيكم والقصاص من المجرمين تكذبان!
وقوله: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} . قال الحسن: (سواد الوجه وزرقة الأعين).
والمقصود: يعرفون يومئذ بعلامات تدل على صفة الإجرام والشقاء فيهم، كما يعرف المؤمنون بالغرّة والتحجيل من الوضوء وآثار السجود.
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (8/ 216)، كتاب التوبة وقبولها وسعة رحمة اللَّه وغير ذلك.
وفي التنزيل نحو ذلك:
1 -
قال تعالى: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} [طه: 102].
2 -
وقال تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106].
قال ابن عباس: (تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسودّ وجوه أهل البدعة والفُرْقَة).
وقوله: {فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} . أي: تأخذ الملائكة بنواصي المجرمين، أي بشعور مقدم رؤوسهم، وأقدامهم فيقذفونهم في النار. قال الضحاك:(يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره). وقيل: تسحبهم الزبانية إلى النار تارة بجرّهم من نواصيهم وتارة بجزهم من أقدامهم. والنواصي جمع ناصية.
والمقصود: المبالغة في إهانة المجرمين والطغاة يوم القيامة.
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . أي: فبأي نعم ربكما -معشر الثقلين- في فصل أهل الطاعة يوم القيامة عن أهل المعصية، وإهانة المجرمين، تكذبان؟ !
وقوله تعالى: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ} . أي: يقال لهم تقريعًا وتوبيخًا: هذه النار التي كنتم تجحدون، فهي اليوم على مرأى أبصاركم تنظرون.
وقوله تعالى: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} . قال قتادة: (يطوفون مرة بين الحميم ومرة بين الجحيم، والجحيم النار، والحميم الشراب). وعن ابن عباس: ({يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ}، أي: قد انتهى غَلْيُه، واشتد حَرُّه). فقوله: {آنٍ} أي: حار شديد الحرارة، قد بلغ غايته في حرّه وحميمه، واشتد غليانه. وكل شيء قد أدرك وبلغ فقد أَنَى.
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . قال القاسمي: (أي من عقوبته أهل الكفر به، وتكريمه أهل الإيمان به).
46 -
61. قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ
بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61)}.
في هذه الآيات: ذِكْرُ حال السعداء الأبرار، بعد ذكر مآل الأشقياء الفجار، فهم يتنعمون بين الجنان والعيون، والفواكه والحور العين، وألوان الملذات الكثيرة، والنعم الجليلة الوفيرة.
فقوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} . قال ابن عباس: (وعد اللَّه جل ثناؤه المؤمنين الذين خافوا مقامه، فأذوا فرائضه الجنة). وقال مجاهد: (الرجل يهمّ بالذنب فيذكر مقامه بين يدي اللَّه فيتركه، فله جنتان). قال القرطبي: (والمعنى خاف مقامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية. فـ {مَقَامَ} مصدر بمعنى القيام. وقيل: خاف قيام ربه عليه أي إشرافه واطلاعه عليه، بيانه قوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: 33]).
وأما الجنتان: فهما بستانان في عرض الجنة. قيل: إحدى الجنتين منزله والأخرى منزل أزواجه كما يفعله رؤسماء الدنيا. وقيل: إحدى الجنتين جنته التي خلقت له وجنة ورثها. وقيل: إحدى الجنتين مسكنه والأخرى بستانه. وقيل: إن إحدى الجنتين أسافل القصور والأخرى أعاليها. - واللَّه تعالى أعلم.
قلت: وقد ثبت في صحيح السنة حديثان في آفاق معنى هذه الآية.
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي عِمْرانَ الجَوْنيّ عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن قيس، عن أبيه: أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: [جَنّتان من فِضّة، آنِيَتُهُما وما فيهما، وجَنَّتان مِنْ ذَهَبٍ آنيتُهما وما فيهما، وما بينَ القوم وبين أن ينظروا إلى ربِّهم إلا رِداءُ الكِبْرِ على وَجْهِهِ في جنة عَدْن](1).
الحديث الثاني: أخرج النسائي في "التفسير"، وأحمد في المسند، بسند حسن،
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4878)، كتاب التفسير. وأخرجه مسلم (180)، والترمذي (2528)، وابن ماجة (186)، وأحمد (4/ 411).
عن عطاء بن يسار، قال: أخبرني أبو الدّرداء: [أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قرأ يومًا هذه الآية: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}. فقلت: وإنْ زنى وإن سَرَقَ؟ فقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}. فقلت: وإنْ زنى وإنْ سَرَقَ يا رسول اللَّه؟ فقال: وإنْ رغِمَ أنفُ أبي الدَّرداء](1).
وله شاهد رواه ابن أبي عاصم في "السنة" عن عمرو بن الأسود قال: [خرج من منزله وخرج أبو الدرداء وهو يقول: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}، فذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: وإن زنى وإن سرق].
قال ابن كثير: (وهذه الآية عامة في الإنس والجن، فهى من أدَلّ دليل على أن الجنَّ يدخُلون الجنة إذا آمنوا واتقوا).
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . أي: فبأي نعم ربكما -أيها الجن والإنس- التي أنعم عليكم بإثابته المطيع منكم ما وُصف لكم من الجنان تكذبان؟ !
وقوله تعالى: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} . الأفنان أغصان الشجر. فوصف سبحانه هاتين الجنتين بالأغصان النضرة يصن بعضها بعضًا، وتحمل من ألوان الثمار وأنواعها النضيج البهيج.
فعن ابن عباس: ({ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} قال: ذوَاتا ألوان). وقال عكرمة: (ظلّ الأغصان على الحيطان). وقال الضحاك: ({ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} يقول: ألوان من الفاكهة).
وقال مجاهد: ({ذَوَاتَا أَفْنَانٍ}: ذواتا أغصان).
والفَنَنُ في لغة العرب الغُصْن، وجمعه الأَفْنان. والفنون الأنواع. والأفانين: الأساليب، وهي أجناس الكلام وطرقه. ورجل متفنّن: أي ذو فنون. وافتَنّ الرجل في حديثه إذا جاء بالأفانين.
وخلاصة القول: أن أغصان هاتين الجنتين تحمل فنونًا من الملاذ، وضروبًا من الألوان، في أصناف الفاكهة والثمار، بهجة ونعمة لأهلها، إضافة إلى ظلها المديد الذي يفيض بالأنس والطمأنينة.
(1) حديث حسن. أخرجه النسائي في "التفسير"(580)، وأحمد (6/ 442)، والطبري (33088)، والبغوي (4189) من طرق، وهذا إسناد على شرط الشيخين. ويشهد له ما رواه ابن أبي عاصم في "السنة"(975)، ورجاله ثقات.
أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إنَّ في الجنة لشجرة يسير الراكبُ الجوادَ أو المضمَّرَ السريعَ مئةَ عام ما يقطعها](1).
وفي مسند أحمد وصحيح ابن حبان عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [طوبى شجرةٌ في الجنة، مسيرة مئة عام، ثيابُ أهل الجنة تخرُجُ من أكمامها](2).
ويشهد له ما رواه ابن جرير عن فرات بن أبي الفرات عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [{طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} شجرة غرسها اللَّه بيده، ونفخ فيها من روحه بالحلي والحلل، وإن أغصانها لتُرى من وراء سور الجنة](3).
وقوله: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . أي: فبأي نعم اللَّه -معشر الثقلين- من إعداده هذا النعيم لأهل طاعته تكذبان؟ !
وقوله تعالى: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} . أي: وفي هاتين الجنتين عينا ماء تسرحان خلالهما لسقي تلك الأشجار، وإخراج تلك الألوان من الثمار. {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} !
وقوله تعالى: {فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} . قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فيهما من كل نوع من الفاكهة ضربان، فبأي آلاء ربكما التي أنعم على أهل طاعته من ذلك تكذبان).
وقوله: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} . أي: ويضطجع أهل الجنة في جلوسهم على فرش بطائنها من غليظ الديباج. قال عكرمة: ({مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} قال: الديباج الغليظ). وقال أبو عِمران الجوني: (هو الديباج المَعْمول بالذهب، فَنَبَّهَ على شرف الظِّهارة بشرف البِطانة). وقال أبو إسحاق، عن هُبيرة بن يَرِيم، عن عبد اللَّه بن مسعود قال:(هذه البطائن فكيف لو رأيتم الظّواهر؟ ).
قال ابن كثير: (وهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى).
وقوله: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} . قال ابن عباس: (يقول: ثمارها دانية).
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (6553) كتاب الرقاق، ومسلم (2828) كتاب الجنة ونعيمها.
(2)
حديث صحيح. أخرجه أحمد (3/ 71)، وابن حبان (2625)، وابن جرير في "التفسير"(13/ 101)، وله شواهد. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1985).
(3)
أخرجه ابن جرير - سورة الرعد، آية (29). وفرات هذا قال ابن أبي حاتم (3/ 2/ 80) عن أبيه:"صدوق لا بأس به".
وقال قتادة: (لا يردّ أيديهم عنه بعد ولا شوك).
والمقصود: أن ثمر الجنة قريب من أهلها يتناولونه متى شاؤوا وهم قعود على فرشهم، لا يفصلهم عنه ارتفاع أو شوك، ولا يحتاجون في تحصيله إلى تسلّق الشجر، بل تنحطّ الأغصان بحمولتها من الثمار أمام متناول أيديهم.
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . أي: فبأي نعم ربكما -معشر الجن والإنس- من هذه النعم الجليلة التي وصفها لكم مما أعدّه لأهله طاعته تكذبان؟ !
وقوله تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} .
أي: في هذه الفرش التي بطائنها من استبرق نساء غضيضات عن غير أزواجهن، قد قصر طرفُهن عن الرجال، فلا ينظرن إلا إلى أزواجهن ولا يرين شيئًا في الجنة أحسن منهم، لم يطأهن أحدٌ قبل أزواجهن من الإنس والجن، بل هم أبكار عُرُبٌ أتراب.
وعن قتادة: ({فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} الآية، يقول: قُصِر طرفهن على أزواجهن، فلا يردن غيرهم). وعن ابن عباس: ({لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} يقول: لم يُدْمهنّ إنس ولا جان). وقال مجاهد: (لم يمسّهن).
والآية دليل آخر صريح على دخول مؤمني الجن الجنة. قال أرطأةُ بن المنذر: (سُئِلَ ضمرةُ بن حَبيب: هل يدخل الجنُّ الجنّة؟ قال: نعم، ويَنْكِحون، للجن جنِّيات، وللإنس إنسيّات).
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . أي: فبأي نعم اللَّه عليكما -معشر الجن والإنس- مما وصف لكم تكذبان! .
وقوله تعالى: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} . قال السدي: (صفاء الياقوت وحسن المرجان). وقال قتادة: (شبّه بهن صفاء الياقوت في بياض المرجان).
وقال ابن زيد: (كأنهن الياقوت في الصفاء، والمرجان في البياض. الصفاء: صفاء الياقوتة، والبياض: بياض اللؤلؤ).
والآية: نَعْتٌ من اللَّه سبحانه لنساء أهل الجنة للخطّاب من أهل الإيمان ليتقدموا لخطبتهن، فالمهر تقوى اللَّه وتعظيم أمره وحق الخوف منه.
وقد حفلت السنة الصحيحة بذكر بعض الصفات البديعة لتلك النسوة في الجنة، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند على شرط مسلم عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[للرَّجُلِ من أهل الجنة زوجتان من الحور العين، على كل واحدة سبعون حُلّةً، يُرى مُخُّ ساقها من وراء الثياب](1).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:[لَرَوْحَةٌ في سبيل اللَّه، أو غَدْوَةٌ خَيْرٌ من الدنيا وما فيها، ولقابُ قوسِ أحدكم من الجنة أو موضِعُ قِيدٍ -يعني سَوْطَهُ- خَيْرٌ من الدنيا وما فيها، ولو أنَّ امرأةً من أهل الجنة اطّلعتْ إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأتْهُ ريحًا، ولَنَصِيفُها -أي خمارها- على رأسعها خَيْرٌ من الدنيا وما فيها](2).
الحديث الثالث: أخرج مسلم في الصحيح عن إسماعيل بن عُلَيَّةَ قال: أخبرنا أيوبُ عن محمد -أي: ابن سيرين- قال: إمّا تَفاخروا وإما تذاكرَوا: الرجالُ في الجنة أكثرُ أم النساء؟ فقال أبو هريرة: أَولمْ يَقُلْ أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: [إنَّ أوَّلَ زُمْرة تدخُلُ الجنة على صورة القمر ليلة البَدْر، والتي تليها على أضوء كوكبٍ دُرِّيٍّ في السماء، لِكُلَّ امْرئٍ منهم زوجتان اثنتان، يُرَى مُخُّ سوقِهما مِنْ وراءِ اللَّحْمِ، وما في الجنة عَزَبٌ](3).
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . أي: فبأي مثل هذه النعم الموصوفة لكم من جميل الثواب -معشر الجن والإنس- تكذبان؟ !
وقوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} . قال قتادة: (عملوا خيرًا فجوزوا خيرًا). وقال ابن زيد: (ألا تراه ذكرهم ومنازلهم وأزواجهم، والأنهار التي أعدّها لهم، وقال: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} حين أحسنوا في هذه الدنيا أحسنا إليهم أدخلناهم الجنة).
والمقصود: ليس من مقابل للإحسان في العمل في الدنيا إلا الإحسان في الثواب وحسن الاستقبال في الآخرة، {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} .
62 -
78. قوله تعالى: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63)
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (2/ 345)، وإسناده على شرط مسلم، وتفرّد به أحمد.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (2796)، كتاب الجهاد والسير، ورواه أحمد (3/ 264).
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2834)، كتاب الجنة ونعيمها، باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، وصحفاتهم وأزواجهم.
مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)}.
في هذه الآيات: ذِكْرُ حال أصحاب اليمين، وما أعدّ اللَّه لهم في جنات النعيم، من الفاكهة والعيون والحور العين، فتبارك اللَّه رب العالمين.
فقوله تعالى: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} . أي: ومن دون تلك الجنتين السابقتين الذكر جنتان، هما دونهما في المنزلة والمرتبة والفضيلة، فالأوليان للمقرّبين، والأخريان لأصحاب اليمين. قال ابن زيد:({وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} هما أدنى من هاتين لأصحاب اليمين).
وقال: (من دونهما في الفضل). قال ابن كثير: (والدليل على شرف الأوليَين على الأخريَين وجوه: أحدهما: أنه نَعَتَ الأُوليين قبل هاتين، والتقديم يَدُل على الاعتناء. ثم قال: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} وهذا ظاهر في شرف التقدم وعلوه على الثاني. وقال هناك: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ}، وهي الأغصان أو الفنون في الملاذِّ، وقال هاهنا: {مُدْهَامَّتَانِ} أي سوداون من شدة الريّ من الماء).
وتقدم في الصحيحين من حديث عبد اللَّه بن قيس أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: [جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتُهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عز وجل إلا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عَدْن](1).
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . أي: فبأي ألوان هذه النعم وهذا النعيم الموعود لأهل الجنة -معشر الثقلين- تكذبان؟ ! .
وقوله تعالى: {مُدْهَامَّتَانِ} . قال ابن عباس: (قد اسودَّتا من الخُضرة، من شدة
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (4880)، ومسلم (180)، والترمذي (2528)، ورواه أحمد في المسند (4/ 411).
الرِّيِّ من الماء). وقال قتادة: (خضراوان من الريّ ناعمتان). وقال: (إذا اشتدت الخضرة ضربت إلى السواد). وقال محمد بن كعب: ({مُدْهَامَّتَانِ}: ممتلئتان من الخضرة).
والمقصود: إنهما جنتان تكاثفت الخضرة فيهما فانعكست بالنضارة في الأغصان على الأشجار المشتبكة بعضها في بعض.
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي: فبأي أمثال هذا النعيم الخلاب في جنان اللَّه التي أعدّها للمتقين -معشر الثقلين- تكذبان؟ ! .
وقوله تعالى: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} . قال ابن عباس: (أي فَيَّاضتان). وقال الضحاك: (أي: ممتلئتان لا تنقطعان). ولا شك أن الجري أقوى من النَّضْخ، وهو الموصوف في أولى الجنتين:{فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} ، فهاتان دونهما.
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} . أي: وفي هاتين الجنتين فاكهة ونخل ورمّان. وقال في الجنتين السابقتين: {فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} ، وهوَ أشمل. قال ابن كثير:(ولا شك أن الأولى أعمّ وأكثر في الأفراد والتنويع على فاكِهة، وهي نكرة في سياق الإثبات لا تَعُمُّ. ولهذا فُسِّر قوله: {وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} من باب عطف الخاص على العام، كما قرّره البخاري وغيره، وإنما أفرد النخل والرمان بالذكر لشرَفهما على غيرهما).
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} .
خَيْرات: جمع خَيْرَةٍ، وهي المرأة الصالحة الحسنة الخُلق الحسنة الوجه. وقيل:"خَيَّرات" بمعنى خيرات فخفِّف. قال قتادة: ({فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} يقول: في هذه الجنان خيرات الأخلاق، حسان الوجوه). وقال ابن زيد: (الخيرات الحسان: الحور العين).
قال الحكيم الترمذي -صاحب نوادر الأصول-: (فالخيرات ما اختارهنّ اللَّه فأبدع خلقهن باختياره، فاختيار اللَّه لا يشبه اختيار الآدميين). وقال القرطبي: (ثم قال: {حِسَانٌ} فوصفهن بالحسن، فإذا وصف خالق الحسن شيئًا بالحسن فانظر ما هناك).
يروي الطبراني في "الصغير" و"الأوسط"، وأبو نعيم في "الحلية" بسند حسن، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [إنّ أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن باحسن أصوات ما سمعها أحدٌ قط، إنَّ مما يغنين: نحن الخيِّرات الحسان،
أزواج قوم كرام، ينظرن بقرة أعيان. وإن مما يغنين به: نحن الخالدات فلا يمتنه، نحن الآمنات فلا يخفنه، نحن المقيمات فلا يظعنه] (1).
وله شاهد في الروض النضير من حديث أنس، ولفظه:[إن الحور العينَ لتغنين في الجنة يقلن: نحن الحور الحسان، خبئنا لأزواج كرام].
وقيل: المراد بـ {خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} خيرات كثيرة حسنة في الجنة، والمعنى الأول أرجح، ويؤيده قوله تعالى بعده:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} . قال البخاري: (قال ابن عباس: {حُورٌ} سودُ الحدق. وقال مجاهد: {مَقْصُورَاتٌ} محبوساتٌ، قَصَرْنَ طَرْفهُنَّ وأَنْفُسَهُنّ على أزواجهن). وقال الضحاك: ({مَقْصُورَاتٌ} المحبوسات في الخيام لا يخرجن منها). وقال ابن عباس: ({فِي الْخِيَامِ}: بيوت اللؤلؤ). وقال الحسن: (الخيام: الدّر المجوف). قال ابن كثير: (هناك قال: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ}، ولا شك أن التي قد قَصَرت طَرْفها بنفسها أفضلُ ممن قُصِرت، وإن كان الجميع مُخدَّراتٍ).
وفي صحيح البخاري عن أبي بكر بنِ عبد اللَّه بن قيس عن أبيه أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: [إنّ في الجنة خيمةً من لؤلؤةٍ مُجَوَّفَةٍ، عَرْضُها سِتُّون ميلًا، في كل زاوية منها أهل ما يَرون الآخرين، يطوفُ عليهم المؤمنون](2).
وأخرجه مسلم بلفظ: [إن للمؤمن في الجنة لخيمةً من لؤلؤة واحدةٍ مُجَوَّفةٍ، طولها سِتّون ميلًا، للمؤمن فيها أهلون يطوفُ عليهم المؤمن فلا يرى بعضُهم بعضًا](3).
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . أي: فبأي ألوان النعيم والملاذ الموصوفة لكم -معشر الجن والإنس- مما أعدّه اللَّه لأهل طاعته في الجنة تكذبان؟ ! .
وقوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} . قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: لم يَمَسَّهن بنكاح فيدميهن إنس قبلهم ولا جان). قلت: وقد تقدم اللفظ نفسه في الجنتين الأوليين، وزاد هناك في وصفهن:{كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} ، لينعت سبحانه زيادة التألق والحسن في جائزة السابقين.
(1) حديث صحيح. أخرجه الطبراني في المعجم الصغير والأوسط، وأبو نعيم في الحلية. انظر صحيح الجامع (1557)، وكذلك (1598) للشاهد بعده.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (4879)، كتاب التفسير. وانظر (3243).
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2838) ح (24)، والترمذي (2528)، وأحمد (4/ 411).
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} .
قال ابن عباس: (الرفرف: فضول المحابس والبسط). وقال قتادة: ({رَفْرَفٍ خُضْرٍ}: محابس (1) خضر). وقال العلاء بن بدر: (الرَّفرف على السرير، كهيئة المَحابس المتدلِّي). وقال عاصم الجَحْدري: ({مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ} يعني الوسائد). وقال سعيد بن جبير: (الرَّفرف رياض الجنة). قال النسفي: ({عَلَى رَفْرَفٍ} هو كل ثوب عريض وقيل الوسائد).
وأما قوله: {وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} . قال ابن عباس: (العبقري: الزرابي). وقال مجاهد: (العبقري: الديباج). وقال الحسن: (هي بُسط أهل الجنة). وقال أبو العالية: (العبقري: الطنافس المُخْمَلَة، إلى الرّقة ما هي! ). وقال القُتَيبي: (كل ثوب مُوَشَّى عند العرب عبقري). وقال أبو عُبيدة: (هو منسوب إلى أرض يُعمل بها الوشي). وقال الخليل بن أحمد: (كُلّ شيء نفيس من الرِّجال وغير ذلك يسمّى عند العرب عبقريًا). وقال ابن الأنباري: (إن الأصل فيه أن عَبْقَر قرية يسكنها الجنّ ينسب إليها كل فائق جليل).
وفي الصحيحين -نحو ذلك- من قول النبي صلى الله عليه وسلم يصف عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [فأخذها ابنُ الخطاب، فَلَمْ أرَ عَبْقريًا من الناس ينزعُ نَزْعَ عمر](2).
وفي رواية: [ثم أخذها عمر بن الخطاب من يد أبي بكر فاستحالت في يده غَرْبًا، قلم أرَ عبقريًا من الناس يفرِي فَرْيَهُ]. قال أبو عمرو بن العلاء: (أي: رئيس قوم وجليلهم).
والخلاصة: أن أهل الجنة يتكئون على فرش ووسائد ناعمة، وبُسط منقوشة بديعة.
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . أي: فبأي نعم اللَّه -معشر الجن والإنس- من إغداقه ذلك النعيم والرخاء والزينة والنعومة في العيش لأهل كرامته في جنات الخلود تكذبان!
وقوله تعالى: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} .
أي: تبارك اسم ربك -يا محمد- ذي العظمة والكبرياء، والتفضل بالآلاء.
(1) المحابس: هي ما يطرح على ظهر الفراش للنوم عليه.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (3664)، (7022)، ومسلم (2392)، وأحمد (2/ 368).
و {تَبَارَكَ} تفاعل من البركة، و {ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}. قال ابن عباس:(يقول: ذو العظمة والكبرياء). والمعنى: تقدّس اللَّه العظيم، ذو الاسم الكريم، فهو أهل أن يُجَلَّ فلا يُعصى، وأن يُشكر فلا يُكفر، وأن يُذكر فلا يُنسى.
وفي صحيح مسلم عن عائشة، قالت:[كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا سَلَّمَ، لمْ يَقْعُدْ، إلا مِقدار ما يقول: اللهم! أنت السلام ومنكَ السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام](1).
وفي مسند أحمد بسند جيد عن ربيعة بن عامر قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: [ألِظّوا بذي الجلال والإكرام](2). وفي رواية عند الترمذي وأبي يعلى من حديث أنس: [ألِظّوا بياذا الجلال والإكرام](3).
تم تفسير سورة الرحمن بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه الأربعاء 18 - شعبان - 1426 هـ الموافق 21 - أيلول - 2005 م
* * *
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (592) كتاب المساجد، ورواه أحمد (6/ 62)، وأبو داود (1512)، والنسائي (3/ 69)، والترمذي (298 - 299)، وابن ماجة (924).
(2)
حديث صحيح. أخرجه أحمد (4/ 177)، والنسائي في "التفسير"(583)، والحاكم (1/ 498) وصححه، ووافقه الذهبي، وإسناده حسن. وله شواهد.
(3)
حديث حسن. أخرجه الترمذي (3522)، وأبو يعلى (2733)، وابن أبي شيبة (12/ 17).