المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ منهاج السورة - التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون - جـ ٧

[مأمون حموش]

فهرس الكتاب

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌40 - سورة غافر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌41 - سورة فصلت

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌42 - سورة الشورى

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌43 - سورة الزخرف

- ‌ما ورد في ذكرها

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌44 - سورة الدخان

- ‌ما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌45 - سورة الجاثية

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌46 - سورة الأحقاف

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌47 - سورة محمد

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌48 - سورة الفتح

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌49 - سورة الحجرات

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌50 - سورة ق

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌51 - سورة الذاريات

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌52 - سورة الطور

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌53 - سورة النجم

- ‌ما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌54 - سورة القمر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌55 - سورة الرحمن

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌56 - سورة الواقعة

- ‌ما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌57 - سورة الحديد

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌58 - سورة المجادلة

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌59 - سورة الحشر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

الفصل: ‌ منهاج السورة

عبد اللَّه بن مُغَفَّل قال: [قرأَ النبي صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فتح مكة سورة الفتح فَرَجَّعَ فيها. قال معاوية: لو شئت أن أحْكي لكم قراءة النبي صلى الله عليه وسلم لفَعَلْت](1).

‌موضوع السورة

الفتح المبين للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، والخزي والعذاب على المنافقين والكافرين.

-‌

‌ منهاج السورة

-

1 -

نزول الفتح المبين يوم الحديبية، والبشرى للنبي صلى الله عليه وسلم بالمغفرة التامة، والهداية إلى الصراط المستقيم، والنصر والتأييد والتمكين.

2 -

إنزال اللَّه تعالى الطمأنينة على المؤمنين، ووعدهم على صدقهم البيعة جنات النعيم.

3 -

الوعيد الشديد على المنافقين والمشركين، بالخذلان والعقاب وصلي الجحيم.

4 -

تأكيد الرسالة للنبي الكريم، والثناء على المبايعين الصادقين، ووعدهم على صدقهم الأجر العظيم.

5 -

كشف المنافقين وفضحهم، وتوعد المعاندين إنزال العذاب الأليم بهم.

6 -

اللَّه تعالى ملك السماوات والأرض، يعذب من يشاء، ويغفر لمن يشاء.

7 -

فضح المنافقين في حرصهم على المغانم، ودعوتهم لاختبار الصدق القادم.

8 -

إعذار اللَّه الأعمى والأعرج، والمريض وذي الحرج، ووعده تعالى المخبتين جنات النعيم، والمكذبين عذاب الجحيم.

9 -

تثبيت اللَّه أهل البيعة تحت الشجرة، وتمهيد الفتح القريب لهم، ووعده تعالى المغانم الكثيرة تكون خاصة بهم.

10 -

سنة اللَّه تعالى في إذلال الكافرين وإلقاء الرعب في قلوبهم.

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4835) - كتاب التفسير، وكذلك (4281)، وأخرجه مسلم (794)، وأبو داود (1467)، وأحمد (4/ 54 - 85)، وغيرهم.

ص: 334

11 -

امتنانه تعالى على المؤمنين بصرف كيد المشركين عنهم، ورد كيدهم في نحورهم.

2 -

إثبات كفر طغاة مكة الذين صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام، والتنبيه أن الجهاد لا يكون إلا عند تميز الصفوف، وذكر فضل اللَّه على المؤمنين في حمايتهم.

13 -

تأكيد اللَّه تعالى لرسوله بالرؤيا دخول المسجد الحرام مع أصحابه، ووعده لرسوله الذي أرسله بالهدى والدين الحق الظهور التام على أعدائه.

14 -

إثبات الرسالة للنبي عليه الصلاة والسلام، ونَعْتُ أصحابه الغرّ الكرام، وذكر صفتهم في التوراة والإنجيل والقرآن.

15 -

وعده تعالى المؤمنين بالنصر والمغفرة، والظهور على الطغاة الجبابرة.

* * *

ص: 335

بسم الله الرحمن الرحيم

1 -

3. قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3)}.

في هذه الآيات: قضاءُ اللَّه تعالى بجعل بيعة الرضوان يوم الحديبية الفتح المبين. وامتنانه تعالى على رسوله بالمغفرة التامة والهداية إلى الصراط المستقيم. والنصر الأكيد والتأييد والتمكين.

فقوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} . قال قتادة: (قضينا لك قضاء مبينًا. قال: والفتح القضاء). وقال مجاهد فيها: (نحرُه بالحديبية وحَلْقُه). وقال جابر: (ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية).

وفي صحيح البخاري عن شعبة قال: [سمعت قتادةَ عَنْ أنسٍ رضي الله عنه: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} قال: الحديبية](1).

وكذلك أخرج البخاري في صحيحه عن البراء قال: [تعدّون أنتم الفتح فتحَ مكة، وقد كان فَتْحُ مكة فَتْحًا، ونحن نَعُدُّ الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية](2).

يروي ابن جرير بإسناده عن الشعبي قال: (نزلت {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} بالحديبية، وأصاب في تلك الغزوة ما لم يصبه في غزوة، أصابَ أن بويعَ بيعة الرضوان، وغُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه وما تأخّر، وظهرت الروم على فارس، وبلغ الهَدْي محله، وأطعموا نخل خيبر، وفرح المؤمنون بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم، وبظهور الروم على فارس).

وقوله: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} . خصوصيةٌ لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وتشريف كبيرٌ له، فهو أكمل البشر على الإطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة، وأموره كلها منسجمة مع طاعة اللَّه وتعظيم دينه.

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4834) - كتاب التفسير، وانظر كذلك (4172).

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (4150)، (4151) - كتاب المغازي، من حديث البراء.

ص: 336

وفي صحيح مسلم -في حديث الشفاعة- عن أبي هريرة مرفوعًا: [فيأتوني فيقولون: يا محمد! أنت رسول اللَّه وخاتم الأنبياء، غفر اللَّه لك ذنبك ما تقدم منه وما تأخر فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه] الحديث (1).

وفي صحيح سنن الترمذي عن أنس قال: [أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} مرجعه من الحديبية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد نزَلَتْ عليَّ آيةٌ أحبُّ إليَّ مما على الأرض". ثم قرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم]- وقد مضى أصله بتمامه.

وقوله: {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} . قال ابن جرير: (بإظهاره إياك على عدوك، ورفعه ذكرك في الدنيا، وغفرانه ذنوبك في الآخرة).

وقوله: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} . أي: ويرشدك طريقًا قويمًا لا اعوجاج به.

وقوله تعالى: {وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} . قال النسفي: (قويًا منيعًا لا ذل بعده أبدًا). أي: وينصرك اللَّه -يا محمد- على من ناوأك وحاربك نصرًا أكيدًا يحمل العز والشوكة لك وللمؤمنين معك بعد الجهاد والصبر.

وفي صحيح مسلم وسنن الترمذي عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:[ما نقصَتْ صدقةٌ من مال، وما زاد اللَّه عبدًا بعفوٍ إلا عِزًا، وما تواضع أحدٌ للَّه إلا رفعه اللَّه](2).

وأخرج الخطيب في "التاريخ"، والديلمي بسند صحيح عن أنس مرفوعًا:[النَّصْرُ مع الصَّبر، والفرجُ مع الكرب، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا، وإن مع العُسْرِ يُسْرًا](3).

4 -

7. قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (1/ 127 - 129)، وهو في مختصر صحيح مسلم برقم (92)، ورواه البخاري وأحمد وغيرهما. وانظر "تخريج الطحاوية"(41) للروايات المختلفة.

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم (2588) - كتاب البر والصلة، باب استحباب العفو والتواضع، وأخرجه الترمذي (2029)، وأحمد (2/ 235)، وابن حبان (3248).

(3)

حديث صحيح. أخرجه الخطيب في "التاريخ"(10/ 287)، والديلمي (4/ 111 - 112).

ص: 337

عَظِيمًا (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7)}.

في هذه الآيات: امتنانُ اللَّه تعالى بإنزاله الطمأنينة على قلوب المؤمنين، وبوعدهم على صدقهم مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم جنات النعيم. والوعيد الشديد على المنافقين والمشركين وتأكيد صليهم الجحيم.

فقوله: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} . قال ابن عباس: (السكينة: الرحمة). وفي رواية عنه: ({هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ} أي: جعل الطمأنينة). وقال قتادة: (الوقار في قلوب المؤمنين). والمقصود: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين استجابوا للَّه ولرسوله وصدقوا ما عاهدوا عليه، وبايعوا يوم الحديبية منقادين لحكم اللَّه ورسوله.

وقوله: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} . دليل على زيادة الإيمان وأنه غير ثابت، وقد استدل بهذه الآية الإمام البخاري رحمه الله على أن الإيمان يزيد وينقص، وروى في الباب عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عديِّ بن عديِّ:(إن للإيمان فرائضَ وشرائعَ وحدودًا وسُننًا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبيّنها لكم حتى تعملوا بها، وإنْ أمُت فما أنا على صحبتكم بحريص)(1).

والمقصود: لما انقاد المؤمنون الأوائل لحكم اللَّه ورسوله أنزل في قلوبهم الطمأنينة {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} . قال الربيع بن أنس: (خشيةً مع خشيتهم). وقال الضحاك: (يقينًا مع يقينهم).

وقوله: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . أي: أنصار ينتقم بهم ممن يشاء من أعدائه. قال ابن عباس: (يريد الملائكة والجن والشياطين والإنس).

قال ابن كثير: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ، أي: ولو أرسلَ عليهم مَلَكًا واحدًا لأباد خَضْراءهم، ولكنه تعالى شَرَعَ لعباده المؤمنين الجهادَ والقتالَ، لما له في ذلك

(1) ذكره البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه: "باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس. وهو قول وفعل، ويزيد وينقص". انظر مختصر صحيح البخاري ص (6 - 7) - الألباني.

ص: 338

من الحكمة البالغة والحجَّةِ القاطعة، والبراهين الدامغة، ولهذا قال جلت عظمته:{وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} ).

وقوله: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} .

أخرج الإمام أحمد من حديث أنس -في نزول سورة الفتح مرجعه صلى الله عليه وسلم من الحديبية وأصحابه يخالطون الحزن والكآبة- قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [لقد أنزلت عليَّ آيتان هما أحبّ إليّ من الدنيا جميعًا. قال: فلما تلاهما قال رجل: هنيئًا مريئًا يا رسول اللَّه قد بيّن لك ما يفعل بك فما يفعل بنا؟ فأنزل اللَّه عز وجل الآية التي بعدها {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}](1).

ورواه البخاري عن أنس أيضًا: [{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} قال: الحديبيةُ، قال أصحابه: هنيئًا مريئًا فما لنا؟ فأنزل اللَّه {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}](2).

وقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا} .

خلود في الجنان بعد تكفير الذنوب والسيئات، هو بحق أعظم الخيرات والمسرّات.

وقوله: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ} .

قال القرطبي: ({وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} أي: بإيصال الهموم إليهم بسبب عُلُوّ كلمة المسلمين، وبأن يسلط النبيّ عليه السلام قَتْلًا وأَسْرًا واسترقاقًا. {الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ} يعني ظنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرجع إلى المدينة، ولا أحد من أصحابه حين خرج إلى الحديبية، وأن المشركين يستأصلونهم. كما قال: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا} [الفتح: 12]).

وقوله: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} . أي: بالتعذيب في الدنيا بمختلف أنواع الوقائع، كالقتل والسبي والأسْر والإهانة والإذلال، وفي الآخرة بعذاب النار.

وقوله: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ} . أي: وسخط اللَّه عليهم فلا سبيل إلى سعادة

(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (3/ 122)، (3/ 134)، (3/ 153)، وانظر صحيح مسلم (1786).

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (4172) - كتاب المغازي، وانظر كذلك (4834).

ص: 339

قلوبهم، وطردهم من رحمته فلا سبيل إلى دخول جنته.

وقوله: {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} . أي: وجعل مصيرهم في الآخرة جحيمًا وسعيرًا، وقد ساءت جهنم مستقرًا ومقيلًا.

وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} .

قال النسفي: ({وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فيدفع كيد من عادى نبيه عليه السلام والمؤمنين بما شاء منها {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا} غالبًا فلا يرد بأسه {حَكِيمًا} فيما دبّر).

8 -

10. قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)}.

في هذه الآيات: إرسالُ اللَّه تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم بالبشارة للمؤمنين والنذارة للكافرين. وثناؤه تعالى على الصادقين المبايعين ووعدهم على ذلك الأجر العظيم.

فقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} . قال قتادة: (شاهدًا على أمته على أنه قد بلغهم، ومبشرًا بالجنة لمن أطاع اللَّه، ونذيرًا من النار).

وقوله: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} . الخطابُ لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولأمته.

وقوله: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} . فيه تأويلان ممكنان حسب عودة الضمائر:

التأويل الأول: الضمير -الهاء- يعود إلى اللَّه تعالى. فيكون المعنى: {وَتُعَزِّرُوهُ} أي تؤيدوا دينه وتقروه {وَتُوَقِّرُوهُ} أي: تعظموه. وقيل: (أي تثبتوا له صحة الربوبية وتَنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك) - حكاه القشيري.

التأويل الثاني: الضمير -الهاء- يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

قال ابن عباس: ("ويعزّروه" يعني الإجلال، "ويوقّروه" يعني التعظيم)، وهي في قراءة أبي جعفر المدني وأبي عمرو بن العلاء بالياء:(ليؤمنوا، ويعزروه ويوقروه، ويسبحوه). وأما عامة القراء فقراءتهم بالتاء، وهو الأشهر.

وعن الضحاك: ({وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} كل هذا تعظيم وإجلال).

ص: 340

وعن قتادة: ({ويُعزروه} ينصروه {ويوقروه} أمر اللَّه بتسويده وتفخيمه).

وعن عكرمة: ({ويعزروه} قال: يقاتلون معه بالسيف). قال ابن جرير: (ومعنى التعزير في هذا الموضع: التقوية بالنصرة والمعونة ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال. فأما التوقير: فهو التعظيم والإجلال والتفخيم).

قلت: التعزير ينصرف هنا إلى تعظيم هديه صلى الله عليه وسلم ومتابعته بالنصر والجهاد، والتوقير ينصرف إلى حسن الأدب عند لقائه، وندائه بالرسالة والنبوة لا بالاسم والكُنية -واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: {وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} الضمير راجع إلى اللَّه سبحانه وتعالى بلا خلاف. وفيه تأويلان متكاملان:

التأويل الأول: تسبيحه بالتنزيه له سبحانه من كل قبيح.

التأويل الثانى: هو فعل الصلاة التي فيها التسبيح. {بُكْرَةً وَأَصِيلًا} أي: غُدْوة وعَشِيًّا. -حكاه القرطبي.

وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} .

أي: إن الذين يبايعونك -يا محمد- بالحديبية، إنما هم ببيعتهم لك يبايعون اللَّه تعالى.

قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ} بالحديبية من أصحابك على أن لا يفرّوا عند لقاء العدو، ولا يولُوهم الأدبار {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} يقول: إنما يبايعون ببيعتهم إياك اللَّه، لأن اللَّه ضمن لهم الجنة بوفائهم له بذلك).

قال: (وفي قوله: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} وجهان من التأويل: أحدهما: يد اللَّه فوق أيديهم عند البيعة، لأنهم كانوا يبايعون اللَّه ببيعتهم نبيّه صلى الله عليه وسلم، والآخر: قوة اللَّه فوق قوتهم في نُصرة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأنهم إنما بايعوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على نُصرته على العدو).

وقال الحافظ ابن كثير: (قال عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم تشريفًا له وتعظيمًا: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} كقوله جل وعلا: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]. {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} أي: هو حاضر معهم يَسْمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ

ص: 341

اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111]).

قلت: والآية دليل على إثبات صفة اليد للَّه تعالى، بل له سبحانه يدان كلتاهما يمين. قال تعالى:{مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} [ص: 75]. وقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64].

وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إنَّ المقسطين عند اللَّه يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا](1).

وقوله: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} . أي: فمن نقض البيعة -يا محمد- فلم ينصرك وخالف ما وعد ربه فإنما يعود وبال نقضه عليه.

وقوله: {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} -أي ثوابًا جزيلًا. قال قتادة: (وهي الجنة).

وقوله: {عَلَيْهُ} - قال أهل العربية: الياء هنا حاجز غير حصين، أي: تحفظ حركة اللام لتضم الهاء بعدها نحو قولنا: (كتابَهُ، قلمَهُ). فاعتبروا الياء غير موجودة، وهذا فيه تفخيم لفظ الجلالة، وأما {عَلَيْهِ اللَّه} فهو رقيق. فهي عملية إيقاعية ترتيلية تفيد التفخيم، وتدل على نسبة العهد إلى اللَّه العظيم كما تنسب أمرًا إلى صاحبه فتقول:(كتابهُ، مكتبهُ) الذي يدل على التوقير والتعظيم.

وهذه البيعة تسمى بيعة الرضوان، وكانت تحت شجرة سَمُرٍ بالحديبية، فإلى ذكر أخبار تلك البيعة من السيرة والسنة الصحيحة.

لقد خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين غُرَّة ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، واصطحب معه زوجته أم سلمة، وقصد بخروجه العمرة، وساق أمامه الهدي الكثير، الذي سيذبح في مكة ويطعم منه فقراؤها، وأخرج معه ألفًا وأربع مئة رجل، في تظاهرة عجيبة تفوح منها مشاعر التعظيم للبيت العتيق، وتُبْطِلُ خُطا رجالها دعاية قريش وإفكها ضد المسلمين بأنهم لا يقرون بحرمة الكعبة. وقد توقع النبي صلى الله عليه وسلم تصدي قريش

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (1827)، كتاب الإمارة، باب فضيلة الأمير العادل وعقوبة الجائر. . ورواه أحمد والنسائي. انظر صحيح الجامع (1949).

ص: 342

له أو محاولة قتاله، فخرج بأكبر عدد من المسلمين، وقد حملوا سلاحهم ليكونوا مستعدين لأسوأ الأحوال.

أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن المِسْور بن مَخْرمة ومروان بن الحكم قالا: [خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عامَ الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالًا، وساق معه الهدي سبعين بدنة](1).

وأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن البراء قال: [كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربعَ عشرَة مئة، والحديبية بئر. .](2).

وكذلك خرّج البخاري عن جابر قال: [قال لنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يومَ الحديبية: أنتم خيرُ أهل الأرض، وكنا ألفًا وأربع مئة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة](3).

والحديبية تبعد عن مكة اثنين وعشرين كيلًا، وسميت بها الغزوة لمنع قريش لهم دخول مكة فيها.

ولما وصل المسلمون إلى ذي الحُليفة صلوا فيها وأحرموا منها بالعمرة:

فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي الزبير: [أنه سمع جابرًا يُسْأَلُ: هل بايع النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة؟ فقال: لا، ولكن صلى بها ولم يبايع عند شجرة إلا الشجرة التي بالحديبية](4).

وفي ذي الحليفة بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بسر بن سفيان الخزاعي الكعبي عينًا له إلى مكة.

أخرج ذلك الإمام البخاري عن المِسْور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه قالا: [خرج النبي صلى الله عليه وسلم عامَ الحديبية في بِضْعَ عَشْرَةَ مئةٍ من أصحابه، فلما أتى ذا الحُليفة قَلَّدَ الهدي وأشْعَرَهُ وأحرم منها بِعُمرة، وبعث عينًا له من خزاعة](5).

(1) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (4/ 323) بسند حسن.

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (4150) - كتاب المغازي. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين - القرآن والسنة الصحيحة (2/ 977 - 984) - لتفصيل البحث.

(3)

حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (4154) - كتاب المغازي.

(4)

حديث صحيح. أخرجه مسلم (1856) - كتاب الإمارة. باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال. وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة.

(5)

حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (4179) - كتاب المغازي.

ص: 343

ثم مضى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقود أصحابه حتى بلغ بهم عُسْفان على ثمانين كيلًا من مكة، فأتاه عينه الخزاعي بخبر قريش وجمعها المجموع لصدّه ومن معه عن دخول مكة، وأخبره بأن خالد بن الوليد قد خرج بخيل قريش إلى كراع الغميم التي تبعد أربعًا وستين كيلًا عن مكة لاستطلاع الموقف وليكونوا طليعة القتال والمباغتة.

فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث المسور السابق قال: [وسارَ النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عَيْنُهُ قال: إن قريشًا جمعوًا لك جموعًا وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت ومانعوك. فقال: أشيروا أيها النّاسُ عليَّ! أترون أن أميل إلى عيالهم وذراريِّ هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان اللَّه عز وجل قد قطع عينًا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين. قال أبو بكر: يا رسول اللَّه خرجت عامدًا لهذا البيت لا تُريد قَتْلَ أحد ولا حَرْبَ أحد فتوجّه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. قال: امضوا على اسم اللَّه](1).

ثم صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأصحابه بعسفان صلاة الخوف وذلك عندما علم بقرب خيل خالد والمشركين، وهي أول صلاة خوف صلاها عليه الصلاة والسلام، فكان بدء تشريعها في عُسفان من أرض الحديبية. وقد باغت الوحي بهذا التشريع العظيم فرسان خالد ومن معه من المشركين، الذين وقفوا مشدوهين لصلاة يحمل الرجال فيها السلاح ويكونون فريقين: فريق في السجود وفريق يتابع الحراسة.

ثم تحرك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بسرعة فسلك طريقًا وعرة عبر ثنية المرار وهي مهبط الحديبية، وأخذ يشد عزائم أصحابه ليصعدوها مسرعين. وقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الحركة المفاجئة أن يغير طريقه لئلا يصطدم مع خالد بن الوليد وخيالة المشركين.

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا:[خرج رسول اللَّه في زمنَ الحديبية، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن خالدَ بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين، فواللَّه ما شعر بهم خالد، حتى إذا هُمْ بقترة الجيمض فانطلق يركض نذيرًا لقريش. . .](2).

فما إنْ شعر خالد بمباغتة النبي صلى الله عليه وسلم وبحركة الالتفاف السريعة التي قام بها، إلا طار

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (4179) - كتاب المغازي.

(2)

حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (2731)، (2732) - كتاب الشروط.

ص: 344

إلى مكة نذيرًا، لتخرج معه قريش وتعسكر في بَلْدَح وهو واد بمكة، ولتنزل على الماء الذي هناك، مسابقةً بذلك إليه جيش المسلمين. ولكن ما إن اقترب النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية حتى بركت ناقته، حبسها حابس الفيل، فعدل صلى الله عليه وسلم عن دخول مكة إلى أقصى الحديبية.

وفي هذه الأثناء كانت قريش تفور غليانًا، تخشى من نزول مَذَلَّةٍ جديدة بها، فهي وإن كان المسلمون قد جاؤوا مسالمين ما يريدون إلا زيارة البيت الحرام، إلا أنها كانت تخاف أن يتحدث العرب أن محمدًا دخل عليهم عنوة وهم ينظرون، ولذلك بدأت ترسل الوفود والمفاوضين.

وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد بعث خرّاش بن أمية الخزاعي، ثم أراد بعث عمر بن الخطاب ولكنه عدل عنه إلى عثمان بن عفان -كما روى أحمد من حديث المسور-:[فدعا عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول اللَّه إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بها من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني عثمان بن عفان. قال: فدعاه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنه جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحرمته، . . . فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. قال: فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قتل](1).

وهنا دعا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى البيعة تحت الشجرة.

قال ابن إسحاق: (فحدثني عبد اللَّه بن أبي بكر: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال حين بلغَه أن عثمان قد قُتِلَ: لا نبرح حتى نناجِزَ القوم، فدعا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة).

فقام الأصحاب رضوان اللَّه عليهم يبايعون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على الثبات والصبر وألا يفروا عند القتال حتى يأذن اللَّه بنصر من عنده أو يموتوا دون ذلك.

فقد أخرج البخاري في صحيحه عن يزيد بن أبي عبيد قال: [قلت لسلمة بن

(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (4/ 324)، وانظر سيرة ابن هشام (3/ 308) وإسناده حسن.

ص: 345

الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الحديبية؟ قال: على الموت] (1). وفي رواية: (على الصبر).

وفي صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال: [لم نبايع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على الموت، وإنما بايعناه على ألا نفرّ](2). وفي رواية، قال:[كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعَ مئة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سَمُرَةٌ، وقد بايعناه على أن لا نَفِرَّ ولم نبايعه على الموت].

وقد ضرب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لعثمان بيده إذ كان محبوسًا وقال: هذه يد عثمان، هذه لعثمان.

أخرج ذلك الإمام البخاري عن ابن عمر قال: [فبعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عثمان وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: هذه يد عثمان، فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان](3).

ولكن في هذه الأثناء رجع عثمان إلى المسلمين بعدما أنجزوا بيعة الرضوان، ورأت قريش إرسال بعض الرسل للتفاوض مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسلت عروة بن مسعود الثقفي، ثم أرسلت الحليس بن علقمة الكناني سيد الأحابيش، ثم أرسلت مكرز بن حفص، ثم أرسلت سهيل بن عمرو الذي كتب الصلح.

فإلى ذكر كامل القصة كما روى الإمام البخاري وأحمد وأبو داود في السنن.

روى البخاري في كتاب الشروط من صحيحه عن مَعْمَر عن الزهري قال: أخبرني عروة بنُ الزبير، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ ومَرْوان بن الحكم، يُصَدّق كُلُّ واحد منهما حديث صاحِبِه، قالا: [خرجِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم زمنَ الحديبية في بضعَ عَشْرَةَ مئة من أصحابه، فلما أتى ذا الحُلَيفة قلَّدَ الهدي وأشعره، وأحرم منها بِعُمرة وبَعَثَ عينًا له من خُزاعة، وسارَ حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عينُه فقال: إنّ قريشًا جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيشَ، وهم مقاتلوكَ وصادُّوك ومانعُوكَ. فقال: أشيروا أيّها الناسُ عليَّ، أَتَرونَ أن نَميل على عيالهم، وذراريّ هؤلاء الذين يريدون أن

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4169) - كتاب المغازي. وانظر للرواية الثانية - كتاب الجهاد والسير - حديث رقم (2938). وكتابي: السيرة النبوية (2/ 993) لتفصيل البحث.

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم (1836) - كتاب الإمارة. والسَّمُرة: نوع من شجر الطلح.

(3)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (4066) في الصحيح - كتاب المغازي.

ص: 346

يصُدُّونا عن البيت؟ -وفي لفظ: أترون أن نميل على ذراريِّ هؤلاء الذين أعانوهم- فإن يأتونا كان اللَّه قد قَطعَ عُنُقًا من المشركين وإلا تركناهم محزونين. وفي لفظ: "فإن قعدوا قعدوا موتورين مجهودين محرُوبين، وإن نجوا يكن عُنُقًا قطَعها اللَّه، أم ترون أن نؤمَّ البيت فمن صَدّنا عنه قاتلناه". فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، خرجْتَ عامِدًا لهذا البيت لا نُرِيد قتل أحد ولا حَربًا، فتوجَّه له، فمن صدّنا عنه قاتلناه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"فروحوا إذن". وفي لفظ: "فامضوا على اسم اللَّه تعالى". حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنّ خالد بن الوليد في خيلٍ لقريش طليعة، فخذوا ذاتَ اليمين". فواللَّه ما شَعَر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة الجيش، فانطلق يركضُ نذيرًا لقُريش، وسارَ النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنيَّةِ التي يُهبَطُ عليهم منها بركت به راحلتُه، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فألَحَّت، فقالوا: خَلأت القَصْواء، خَلأت القصواء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بِخُلُق، ولكن حَبَسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خُطَّة يُعَظِّمونَ فيها حرمات اللَّه إلا أعطيتهم إياها. ثم زجرها فوثبت، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضًا، فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع صلى الله عليه وسلم من كنانته سهمًا ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فواللَّه ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَيل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعْدادَ مياهِ الحديبية ومعهم العوذُ المطافِيلُ وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إنا لم نجِئْ لقتالِ أحد ولكِنّا جِئْنا مُعْتَمرين، وإنَّ قريشًا قد نَهَكَتْهُمُ الحربُ وأضَرَّت بهم فإن شاؤوا مادَدْتُهُم مُدَّةً ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإن أظْهَرْ فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناسُ فعلوا وإلا فَقَدْ جَمُّوا، وإنْ هُم أُبوْا فوالذي نفسى بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولَيُنْفِذَنَّ اللَّه أمرَهُ. فقال بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهم ما تقول. قال: فانطلق حتى أتى قريشًا، قال: إنَّا قدْ جِئْناكم مِن هذا الرجل وسمِعْناه يقول قَوْلًا، فإن شِئتم أن نَعْرِضَهُ عليكم فَعلْنا. فقال سفهاؤُهم: لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرنا عنه بشيء، وقال ذو الرأي مِنهم: هاتِ ما سَمِعْتَه يقول، قال: سمِعْتُه يقولُ كذا وكذا، فحدَّثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عُرْوةُ بن مَسْعود فقال: أيْ قومِ، ألَسْتُم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أو ألَسْتُ بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تَتَّهموني؟ قالوا: لا، قال: ألَسْتُمْ تعلمونَ أني استَنْفَرْتُ أهل عُكاظ

ص: 347

فلما بَلَّحُوا عليَّ جِئتكم بأهلي وولدي ومَنْ أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإنَّ هذا قد عَرَضَ لكم خُطّةَ رُشْدٍ، اقْبلوها ودعوني آتِه، قالوا: ائْتِه، فأتاه فَجَعَل يُكَلِّمُ النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوًا مِنْ قَولهِ لِبُدَيل، فقال عُروةُ عند ذلك: أيْ محمد، أرأيتَ إن اسْتَأْصَلْتَ أمر قومِكَ، هلْ سمعتَ بأحَدٍ من العرب اجتاحَ أهلَهُ قبلكَ؟ وإن تكُن الأخرى، فإني واللَّه لأرى وجوهًا، وإني لأرى أشوابًا من الناس خلِيقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعوك. فقال له أبو بكر رضي الله عنه: امْصُصْ بَظْرَ اللاتِ، أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعَهُ؟ فقال: مَنْ ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيدِه لوْلا يَدٌ كانت لك عندي لمْ أَجْزِكَ بها لأجبتُّكَ، قال: وجَعَلَ يُكَلِّمُ النبي صلى الله عليه وسلم فَكُلَّما تَكلَّمَ كَلِمَةً أخذَ بلحيَتِه والمغيرة بنُ شعبة قائمٌ على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومَعَهُ السَّيْفُ وعليه المِغْفَر. فكلّما أهوى عروةُ بيده إلى لحيةِ النبي صلى الله عليه وسلم ضرَبَ يده بِنَعْل السَّيف وقال له: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فرفع عُرْوَةُ رأسَهُ فقال: مَنْ هذا؟ قال: المغيرة بن شُعْبَةَ، فقال: أيْ غُدَرُ، ألَسْتُ أسْعَى في غَدْرَتِكَ؟ وكان المغيرةُ صَحِبَ قَوْمًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أمَّا الإسلامَ فأقْبَلُ، وأما المالَ فلستُ منه في شيءٍ. ثم إنَّ عُرْوةَ جعلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم بِعَيْنَيهِ قال: فواللَّه ما تَنَخَّمَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم نُخامَةً إلا وقعت في كفِّ رجُلٍ منهم فدلكَ بها وَجْهَهُ وجِلْدَه، وإذا أمَرَهُم ابْتَدَرُوا أمْرَهُ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئه، وإذا تكَلّموا خَفَضُوا أصواتَهم عندُه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تعظيمًا له. فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أي قَوْمِ، واللَّه لقدْ وَفَدْتُ على الملوكِ وَوَفَدْتُ على قيصرَ وكِسْرى والنَّجاشي، واللَّه إنْ رأيتُ ملكًا قطُ يُعَظِّمُهُ أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصْحابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مُحَمَّدًا، واللَّه إنْ يتنَخَّم نُخامةً إلا وقعتْ في كفّ رجلٍ منهم فَدَلكَ بها وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وإذا أَمَرَهُمْ ابتدروا أمْرَهُ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تَكَلَّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون النَّظر إليه تعظيمًا له، وإنَّه قد عَرَضَ عليكم خُطَّة رُشْدٍ فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتِه، فقالوا: ائْتِه، فلما أشرفَ على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: هذا فلانٌ وهوَ مِنْ قومٌ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ فابعثوها له. فبعثَت لهُ، واستقبَلَهُ الناسُ يُلَبُّون، فلما رأى ذلك قال: سبحان اللَّه، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدوا عن البيت، فما رجَعَ إلى أصحابِه قال: رأيتُ البُدنَ قَدْ قُلِّدَتْ وأُشْعِرَت، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت، فقام رجُلٌ منهم يقال له: مِكْرَزُ بنُ حَفْصٍ، فقال: دعوني آتِه، فقالوا: ائْتِه، فلما أشرفَ عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا مِكْرَزٌ وهو رجلٌ فاجِرٌ، فجعل يكلِّم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو

ص: 348

يُكلمه إذ جاء سهمل بن عمرو. قال مَعْمَرٌ: فأخبرني أيوب عن عكرمة: أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد سَهُلَ لكم من أمْرِكُم. فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتُب بينَنا وبينكُم كتابًا، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب فقال النبي صلى الله عليه وسلم اكتب:"بسم اللَّه الرحمن الرحيم"، فقال سُهيلٌ: أما الرحمن فواللَّه ما أدري ما هِيَ، ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنتَ تكتُبُ، فقال المسلمونَ: واللَّه لا نكتبها إلا بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم. ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه، فقال سهيل: واللَّه لو كنّا نعلمُ أنك رسول اللَّه ما صَدَدْناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمدُ بنُ عبد اللَّه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: واللَّه إني لرسولُ اللَّه وإن كذبتموني، اكتُب: محمدُ بنُ عبد اللَّه -قال الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألونني خُطَّة يُعظمون فيها حُرُمات اللَّه إلا أعطيتهم إيّاها"- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: على أن تُخَلُّوا بيننا وبين البيتِ فنطوفَ به. فقال سهيل: واللَّه لا تتحَدَّثُ العربُ أنّا أُخِذْنا ضُغْطَةً، ولكن ذلكَ من العام المقبل، فكتَبَ، فقال سُهَيْلٌ: وعلى أنه لا يأتيكَ مِنَّا رجلٌ -وإن كان على دينك- إلا رَدَدْتَهُ إلينا. قال المسلمون: سبحان اللَّه، كيف يردُّ إلى المشركين وقد جاءَ مُسْلِمًا؟ فبينما هم كذلكَ إذْ دَخَلَ أبو جَنْدَلِ بنُ سهيل بن عمرو يَرْسُفُ في قُيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد أوَّلُ مَنْ أقاضِيكَ عليه أن ترُدَّهُ إليَّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نَقْضِ الكتابَ بَعْدُ. قال: فواللَّه إذن لَمْ أُصالِحْكَ على شيء أبدًا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فَأَجِزْه لي، قال: ما أنا بِمجيزٍ ذلك لك. قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعلٍ، قال مِكْرَزٌ: بَلْ قَدْ أجَزْناهُ لك، قال أبو جندل: أي مَعْشَرَ المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئتُ مُسْلِمًا؟ ألا ترونَ ما قَدْ لَقيتُ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللَّه. قال عمر بن الخطاب: فأتيتُ نبيَّ اللَّه صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبيَّ اللَّهِ حقًا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فَلِمَ نُعطي الدَّنِيَّةَ في ديننا إذن؟ قال: إني رسول اللَّه ولسْتُ أعْصيه، وهو ناصري. قلتُ: أوليسَ كنت تَحدَّثتنَا أنّا سنأتي البيتَ فنطوفُ به؟ قال: بلى، فأخْبَرْتُكَ أنّا نأتِيه العامَ؟ قال: قلتُ: لا، قال: فإنَّكَ آتيه ومُطَوِّفٌ به. قال: فأتيتُ أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبيَّ اللَّه حَقًا؟ قال: بلى، قُلْتُ: أَلسْنا على الحق وعَدُوُّنا على الباطل؟ قال: بلى، قلتُ: فَلِمَ نُعطي الدنيَّةَ في ديننا إذن؟ ، قال: أيها الرجلُ، إنه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وليس يَعْصي ربَّهُ وهو ناصِرُهُ، فاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ فواللَّه إنَّهُ على الحق، قلت: أليسَ كان يُحَدِّثُنا أنا سنأتي البيتَ فنطوِّفُ به؟ قال: بَلى،

ص: 349

أفَأَخْبَرَكَ أنَّكَ تأتيه العام؟ قلتُ: لا، قال: فإنَّكَ آتيه ومُطَوِّفٌ به.

قال الزُّهْري: قال عمر: فَعَمِلْتُ لذلك أعمالًا. قال: فلمّا فرغ من قَضِيَّةِ الكتاب قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قُوموا فانْحَروا ثم احْلِقوا. قال: فواللَّه ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مَرّات، فلمّا لم يَقُمْ منهم أحَدٌ دَخَلَ على أُمِّ سَلَمَةَ فذكرَ لها ما لقِيَ من الناس فقالت أمّ سلمة: يا نبي اللَّه، أتحِبُّ ذلك؟ اخْرُجْ ثم لا تُكَلِّم أحَدًا منهم كَلِمةً، حتى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فخرج فلم يُكَلِّم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نَحَرَ بُدْنَهُ، ودعا حالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجَعَل بعضهم يَحْلِقُ بَعْضًا حتى كادَ بَعْضُهم يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا. ثم جاءه نِسْوةٌ مؤمناتٌ، فأنزل اللَّه تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} [الممتحنة: 10] حتى بلغ: {بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشِّرك، فتزوج إحداهُما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. فجاءه أبو بصير رجل من قريش. . -] (1). وسيأتي تمام القصة عند تفسير الآية:{وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} إن شاء اللَّه.

11 -

14. قوله تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (13) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (14)}.

في هذه الآيات: فَضْحُ سلوك المنافقين وكَشْفُ كَذِبِ قلوبهم، وتَوَعُّد اللَّه من لا يؤمن به وبرسوله إنزال عذابه المؤلم بهم، فاللَّه تعالى هو الملك يغفر لمن يشاء

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (2731) - (2732) - كتاب الشروط، وأخرجه أبو داود (2756) وأحمد (4/ 323 - 328)، وابن حبان (4872) مطولًا.

ص: 350

ويعذب من يشاء وهو الغفور للمؤمنين الرحيم بهم.

فقوله: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} .

قال مجاهد: (أعراب المدينة جهينة ومزينة، استتبعهم لخروجه إلى مكة، قالوا: نذهب معه إلى قوم قد جاؤوه، فقتلوا أصحابه فنقاتِلهم! فاعتلوا بالشغل) - وهو حسن مرسل.

فلقد استنفر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أثناء خروجه الأعراب الضاربين حول المدينة كمزينة وجهينة ونحوهم من أهل البوادي للخروج معه، فاعتذروا إليه بهذه الطريقة الهزيلة التي سجَّلها القرآن في حقهم وعابها عليهم، إذ كان الدافع لذلك جبنًا وجدوه في صدورهم، لقد رأوا فيها عمرة محفوفة بالمخاطر.

لقد ظنوا أن الفرار أجدى، وأن الاعتذار إلى النبي صلى الله عليه وسلم سهل، فيما لو قُدِّر وعاد منتصرًا، ففضحهم اللَّه وذمَّهم في قرآن يُتلى.

وقوله: {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا} .

قال ابن جرير: (يقول: قل لهؤلاء الأعراب الذين يسألونك أن تستغفر لهم لِتَخَلُّفِهِم عنك: إن أنا استغفرت لكم أيها القوم، ثم أراد اللَّه هلاككم أو هلاك أموالكم وأهليكم، أو أراد بكم نفعًا بتثميره أموالكم وإصلاحه لكم أهليكم، فمن ذا الذي يقدر على دفع ما أراد بكم من خير أو شر واللَّه لا يعازّه أحد، ولا يغالبه أحد).

والقراءة المشهورة {ضَرًّا} بالفتح، وهي خلاف النفع، وهي قراءة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين، في حين قرأها بالضم {ضَرًّا} عامة قراء الكوفة، وهي بمعنى البؤس والسَّقم.

وقوله: {بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} تهديد ووعيد، أي: فيجازيكم عليه.

وقوله: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ} . قال قتادة: (ظنوا بنبي اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك، وأنه سيهلكون، فذلك الذي خلفهم عن نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم).

قال القرطبي: ({وَزُيِّنَ ذَلِكَ} أي النفاق. {فِي قُلُوبِكُمْ} وهذا التزيين من

ص: 351

الشيطان، أو يخلق اللَّه ذلك في قلوبهم. {وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ} أن اللَّه لا ينصر رسوله).

وقوله: {وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} . قال مجاهد: (هالكين). وقال قتادة: (فاسدين لا يصلحون لشيء من الخير). قلت: والبور في لغة العرب: الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه. وقوم بور: هَلْكى - حكاه الرازي والجوهري.

وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا} .

قال ابن كثير: (أي: من لم يُخلِص العمل في الظاهر والباطن للَّه فإنَّ اللَّه تعالى سَيُعَذِّبُهُ في السعير، وإن أظهرَ للناس ما يعتقدون خِلاف ما هو عليه في نفس الأمر).

وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} .

أي: وللَّه سلطان السماوات والأرض فهو الحاكم الملك المتصرف في شؤون ما خَلَق، فلا أحد يقدر على دفع أمره -معشر المنافقين- إن أراد تعذيبكم أو العفو عنكم. فبادروا بالتوبة من تَخَلُّفِكُم عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فإن اللَّه يغفر للتائبين وهو الغفور الرحيم.

15 -

17. قوله تعالى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (17)}.

في هذه الآيات: فَضْحُ اللَّه تعالى المنافقين في هَمِّهم جمع الغنائم رغم التكذيب بالحق والرسول الكريم، وتوجيه اللَّه رسوله لدعوتهم لاختبار قادم يُكْشَفُ فيه أهل الصدق من الكاذبين. وإعذار اللَّه الأعمى والأعرج والمريض ووعده المخبتين للَّه

ص: 352

ورسوله جنات النعيم، والمعرضين المكذبين عذاب الجحيم.

فقوله: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} .

أي: سيقول لك -يا محمد- المخلفون عن صحبتك إذا سرت معتمرًا، إذا انطلقت وأصحابك إلى ما أفاء اللَّه عليكم -مما وعد أهل الحديبية من غنائم خيبر- {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ}. قال ابن جرير:(إلى خيبر فنشهد معكم قتال أهلها. . . يريدون أن يغيروا وعد اللَّه الذي وعد أهل الحديبية). قال مجاهد: (تخلفوا عن الخروج إلى مكة، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ قومًا ووجّه بهم قالوا ذَرُونا نتّبعكم فنقاتل معكم).

وقوله: {قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ} . أي: من قل الرجوع من الحديبية ومن قبل سؤالكم الخروج إلى مغانم خيبر.

قال قتادة: (أي إنما جعلت الغنيمة لأهل الجهاد، وإنما كانت غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب).

قال ابن كثير: (أمر اللَّه تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ألا يأذن لهم في ذلك معاقبةً لهم من جنس ذنبهم، فإن اللَّه تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا يَشْرَكُهم غيرُهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غيرُ ذلك شرعًا وقدرًا).

وقوله: {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا} قال ابن زيد: (أَنْ نُصيب معكم غنائم).

وقوله: {بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا} . قال القرطبي: (يعني لا يعلمون إلا أمر الدنيا. وقيل: لا يفقهون من أمر الدين إلا قليلًا، وهو ترك القتال).

وقوله: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} .

اختلف المفسرون في المقصود من قرأ في هذه الآية على أقوال:

1 -

قال ابن عباس: ({أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} أهل فارس). وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: (فارس والروم). وعن كعب قال: (الروم). وعن مجاهد: (هم أهل الأوثان).

2 -

وقال عكرمة: (هوازن وثقيف). وقال قتادة: (هي هوازن وغطفان يوم حنين). وفي رواية قال: (فدُعوا يوم حنين إلى هوازن وثقيف، فمنهم من أحسن الإجابة ورغب في الجهاد).

ص: 353

3 -

وعن الزهري، قال. (بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب). وفي رواية عنه قال:(لم يأت أولئك بعد).

4 -

وقال مجاهد: (هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعيّن فرقة) -واختاره ابن جرير- وهو الأقرب واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} . قال ابن كثير: (يعني يُشرَعُ لكم جِهادهم وقتالُهم، فلا يزال ذلك مستمرًا عليهم، ولكم النصرة عليهم، أو يُسلمِون فيدخُلُون في دينكم بلا قتال بل باختيار).

وقوله: {فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} . أي: فإن تخبتوا لأمر اللَّه وتنفروا للجهاد وقتال أعداء هذا الدين فلكم الأجر الجزيل بِعِزِّ الدنيا وسعادةِ الآخرة، وإن تتخلفوا كما فعلتم يوم المسير إلى مكة -زمن الحديبية- فإن عذاب اللَّه نازل بكم.

وقوله: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} .

قال قتادة: (عذر اللَّه أهل العذر من الناس). قال الضحاك: (يعني في القتال). وقال ابن زيد: (في الجهاد في سبيل اللَّه). أي. ليس على الأعمى ضيق ولا المريض ولا الأعرج في شهود الحرب للعلل بهم. قال المهايميّ: ({لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ}: وإن أمكنه القتال بإحساس صوت مشي العدوّ، ومشي فرسه، لكن يصعب عليه حفظ نفسه عنه. {وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ} أي: وإن أمكنه القتال قاعدًا، لكن لا يمكنه الكرّ والفرّ، ولا يقوى قوة القائم. {وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} أي: فإنه وإن أمكنه الإبصار والقيام، فلا قوة له في دفع العدوّ، فضلًا عن الغلبة عليه).

وقوله: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا} .

قال القاسمي: (أشار تعالى إلى أن هؤلاء، وإن فاتهم الجهاد لا ينقص ثوابهم إذا أطاعوا اللَّه ورسوله). يعني: الأعمى والأعرج والمريض.

وعموم الآية يفيد أن من يطع اللَّه ورسوله فيجيب إلى حرب أعداء اللَّه يدخله جنات النعيم، ومن يتخلف يعذبه بالخزي والمذلّة في الدنيا، ثم في الآخرة في عذاب الجحيم.

ص: 354

18 -

19. قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19)}.

في هذه الآيات: لقد علم اللَّه في نفوس المؤمنين من أصحاب الشجرة صدق قلوبهم ونياتهم، وإخلاصهم في الوفاء بما ذهبوا إليه وتعاقدوا معك عليه يا محمد، فأمدّهم بتثبيت من عنده، وملأ قلوبهم صبرًا وطمأنينة، ثم أثابهم بصدق عزائمهم ونياتهم فتحًا في القريب العاجل، عوضهم به سبحانه مما رجوا الظفر به من غنائم أهل مكة بقتالهم أهلها، فأنزل سبحانه فتحًا قريبًا أتحف به حياتهم وأظهر به شوكتهم وبسط به نفوذهم في الأرض، وسمعت بهم فيه ملوك الدنيا من فارس والروم، ألا وهو الإجهاز على يهود المكر في خيبر.

أخرج الترمذي بسند صحيح عن جابر بن عبد اللَّه: [في قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} قال جابر: بايعنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت](1).

وعن قتادة: ({فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} أي: الصبر والوقار).

قال ابن جرير: (فأنزل الطمأنينة، والثبات على ما هم عليه من دينهم وحُسن بصيرتهم بالحق الذي هداهم اللَّه له).

وقوله: {وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} . أي: ثم أثابهم سبحانه بصدق عزائمهم ونياتهم، فتحًا قريبًا يفرحون به ويأنسون بآفاقه. قال قتادة:(بلغني أنها خيبر). قال ابن كثير: ({وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}: وهو ما أجرى اللَّه على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم. وما حصَلَ بذلك من الخير العام والمستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حَصَل لهم من العزِّ والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة. ولهذا قال تعالى: {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمً}).

(1) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (1294) - أبواب السِّير عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. باب ما جاء في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه مسلم دون الآية.

ص: 355

20 -

24. قوله تعالى: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (20) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (21) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (23) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24)}.

في هذه الآيات: وَعْدُ اللَّه تعالى عباده المؤمنين المغانم الكثيرة عقب الحديبية، وكشف سنته تعالى في إذلال الكافرين وإلقاء الرعب في قلوبهم، وامتنانه تعالى على المؤمنين بصرف كيد المشركين عنهم ومكرهم.

فعن مجاهد: ({وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} قال: المغانم الكثيرة التي وعدوا: ما يأخذونها إلى اليوم).

وقوله: {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} . قال ابن عباس: (يعني صلح الحديبية). وقال مجاهد: (عجل لكم خيبر). وقال ابن زيد: (يوم خيبر).

وقوله: {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ} . قيل: هم اليهود كفّ اللَّه أيديهم عن عيال الذين ساروا من المدينة مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى مكة. قال قتادة: (كفَّ أيدي الناس عن عيالهم بالمدينة). وقال في رواية: (عن بيوتهم، وعن عيالهم بالمدينة حين ساروا إلى الحديبية وإلى خيبر، وكانت خيبر في ذلك الوجه). قال ابن كثير: ({وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ} أي: لم يَنَلْكُم سوءٌ مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال. وكذلك كفَّ أيديَ الناس الذين خلفتموهم وراء أَظْهُركم عن عيالِكم وحريمكم).

وقوله: {وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} . قال ابن جرير: (وليكون كفه تعالى ذكره أيديهم عن عيالهم آية وعبرة للمؤمنين به، فيعلموا أن اللَّه هو المتولي حياطتهم وكلاءتهم في مشهدهم ومغيبهم، ويتقوا اللَّه في أنفسهم وأموالهم وأهليهم بالحفظ وحُسن الولاية ما كانوا مقيمين على طاعته منتهين إلى أمره ونهيه).

وقوله: {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} . أي طريقًا قويمًا لا اعوجاج فيه، مبناه على

ص: 356

الثقة باللَّه الذي يحفظكم ويختار لكم ما فيه مصلحة دنياكم وآخرتكم، وإن كرهتموه في الظاهر فإنه:{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 216].

وقوله تعالى: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} .

أي: ونصر آخر وفتح جديد وغنيمة أخرى لم تكونوا تقدرون عليها، {قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا} بأن أعدّها لكم وحفظها لوقتها فهو على كل شيء قدير. قال القرطبي:(ومعنى: {قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا}: أي أعدّها لكم، فهي كالشيء الذي قد أحيط به من جوانبه، فهو محصور لا يفوت، فأنتم وإن لم تقدروا عليها في الحال فهي محبوسة عليكم لا تفوتكم. وقيل: {أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا} على أنها ستكون لكم، كما قال: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]. وقيل: حفظها اللَّه عليكم، ليكون فتحها لكم).

وقد اختلف في تحديد هذه الغنيمة على أقوال:

قال ابن عباس: (فارس والروم). وقال مجاهد: (ما فتحوا حتى اليوم). وفي رواية: (هي كل فتح وغنيمة إلى يوم القيامة). وقال قتادة: (كنا نحدث أنها مكة) -واختاره ابن جرير- واللَّه تعالى أعلم.

وقوله تعالى: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} .

بشرى من اللَّه سبحانه لعباده المؤمنين، بأنهم أصبحوا في حالة شوكة وتمكين، فلو قاتلكم بعد هذا الفتح والنصر المعجل الكفار لولوكم أعجازهم في الحرب مدبرين، فعل المنهزم الذليل، ثم لا يجدون من يواليهم على حربكم وينصرهم عليكم.

وقوله تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} .

أي: هذه سنّته تعالى التي مضت في الفريقين: أهل الإيمان وأهل الكفر، فإنه ما تقابل الكفر والإيمان في مشهد إلا زلزل اللَّه الكافرين ونصر المؤمنين، كما كان ذلك يوم بدر حين رضي سبحانه عن فئة الإيمان المستضعفين، فَسَلّطهم على رقاب المشركين، وأعلى بهم راية الحق والدين.

وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} .

امتنان من اللَّه سبحانه على النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان اللَّه عليهم أن صرف أيدي المشركين وغدرهم وأذاهم عنهم فلم ينالوا منهم، وكذلك صرف أيدي المؤمنين عن

ص: 357

المشركين عند المسجد الحرام فلم يحصل قتال، بل صان الفريقين لما فيه خير المسلمين وجميل عاقبتهم.

وقد جاء في أسباب نزول هذه الآيات أحاديث كثيرة:

الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أنس قال:[لما كان يوم الحديبية هبط على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثمانون رجلًا من أهل مكة بالسلاح، من قِبَل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فدعا عليهم فأخذوا. قال عفان: فعفا عنهم ونزلت هذه الآية: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ}](1).

فقد تخلل كتابة العقد -يوم الحديبية- بعض الغدر من قريش وبعض الطيش من شبابها، إلا أن الصحابة رضوان اللَّه عليهم تمكنوا من الإحاطة بهم بسرعة، وأحضروهم بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أذلاء صاغرين، فهؤلاء كانوا ثمانين رجلًا أرادوا أخذ معسكر المسلمين غرّة، فَأُسروا وجيء بهم إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وأذن بإطلاقهم.

ثم خرج هجوم آخر مفاجئ من ثلة من شباب قريش أثناء الحوار الذي دار بين رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وسهيل بن عمرو، فما رأى المسلمون إلا وثلاثون شابًا يَنْقَضُون عليهم بأسلحتهم، فحرك النبي صلى الله عليه وسلم شفتيه بدعاء سريع إلى اللَّه، فأخذ اللَّه بأسماعهم، ووثب الصحابة فأسروهم، وتفصيل ذلك في الحديث الآتي:

الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح، عن عبد اللَّه بن مغفل المزني رضي الله عنه قال: [كنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أصل الشجرة التي قال اللَّه تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: اكتب باسم اللَّه الرحمن الرحيم، فأخذ سهيل بيده وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب في قضيتنا ما نعرف. فقال: اكتب باسمك اللهم -وكتب- هذا ما صالح عليه محمد رسول اللَّه أهل مكة. فأمسك سهيل بن عمرو بيده وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله، اكتب في قضيتنا ما نعرف. فقال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللَّه. قال: فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابًا عليهم السلاح، فثاروا في

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (1808) - كتاب الجهاد والسير. قصة الحديبية.

ص: 358

وجوهنا، فدعا عليهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأخذ اللَّه تعالى بأسماعهم، فقمنا إليهم فأخذناهم. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: هل جئتم في عهد أحد؟ أو هل جعل لكم أحد أمانًا؟ فقالوا: لا، فخلّى سبيلهم، فأنزل اللَّه تعالى:{وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} ] (1).

ثم حصل غدر ثالث من المشركين بعد إبرام الصلح وقد اختلط المسلمون بالمشركين وجلسوا معًا تحت الشجر في بطن الوادي.

فعن قتادة قال: (ذكر لنا أن رجلًا يقال له ابن زنيم اطلع على الثنية من الحديبية، فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خيلًا فأتوا باثني عشر من الكفار فقال لهم: هل لكم علي عهد؟ هل لكم عليّ ذمة؟ قالوا: لا، فأرسلهم، وأنزل اللَّه تعالى في ذلك: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ}).

وهذا الذي ذكره قتادة يشهد له الحديث الآتي:

الحديث الثالث: روى مسلم في صحيحه عن سلمة قال: [ثم إنَّ المشركين راسلونا الصلح حتى مشى بعضنا في بعف، واصطلحنا. قال: وكنت تبيعًا لطلحة بن عبيد اللَّه أسقي فرسه، وأحُسُّهُ وأخدِمُهُ وآكل من طعامه، وتركتُ أهلي ومالي مهاجرًا إلى اللَّه ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرةً فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها. قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأبغضتُهُم فتحولت إلى شجرة أخرى وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي يا للمهاجرين! قُتِلَ ابن زُنَيم. قال: فاخترطت سيفي ثم شَدَدْتُ على أولئك الأربعة وهم رقود، فأخذتُ سلاحهم فجعلته ضِغثًا في يدي، قال: ثم قلت: والذي كرَّمَ وجْهَ محمد لا يَرْفَعُ أحد منكم رأسه إلا ضَرَبْتُ الذي فيه عيناه. قال: ثم جِئتُ بهم أسوقهم إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. قال: وجاء عمّي عامِرٌ برجل من العَبَلاتِ يُقال له مِكْرَزٌ يقوده إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على فرس مُجَفَّفٍ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: دعوهم يكن لهم بَدْءُ الفجور وثناه، فعفا عنهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأنزل اللَّه: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} الآية](2).

(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (4/ 87)، ورجاله رجال الصحيح.

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (1807) - كتاب الجهاد، باب غزوة ذي قرد. وأخرجه أحمد في المسند (4/ 52 - 54).

ص: 359

ويبدو أن هذه الآية من سورة الفتح قد نزلت في هذه الحوادث جميعها، ومن ثمَّ فلا مانع من تعدد أسبابها، كما لم يكن عند طغاة مكة مانع من تكرار الغدر مرة تلو الأخرى، وفي كل مرة كان اللَّه يذيقهم الذل والخزي والصغار.

الحديث الرابع: أخرج البخاري في صحيحه عن المسور ومروان قالا: [. . ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجلٌ من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهدَ الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به، حتى بلغا ذا الحُليفة فنزلوا يأكلون من تَمْرٍ لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: واللَّه إني لأرى سَيْفَكَ هذا يا فلانُ جيدًا، فاسْتَلَّه الآخر فقال: أجل واللَّه إنه لجيّد، لقد جَرَّبْتُ به ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بصير: أرني أنظرْ إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعْدو، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذُعْرًا، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قُتِل واللَّه صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي اللَّه قد واللَّه أوفى اللَّه ذِمَّتَكَ، قد رددتني إليهم ثم أنجاني اللَّه منهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: وَيْلُ أمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لو كان له أحد. فلما سمع ذلك عرف أنه سيَرُدُّه إليهم، فخرج حتى أتى سِيفَ البحر. قال: ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندل بنُ سُهَيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجلٌ قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فواللَّه ما يسمعون بِعيرٍ خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريشٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم تُناشِدُه باللَّه والرَّحم لَمَّا أَرْسَلَ، فَمَنْ أتاه فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فأنزل اللَّه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} حتى بلغ {الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} وكانت حميّتُهم أنهم لم يقروا أنه نبيّ اللَّه ولم يقروا بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وحالوا بَيْنَهم وبين البيت](1).

25 -

26. قوله تعالى: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (2731)، وكذلك (2732) - كتاب الشروط.

ص: 360

كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26)}.

في هذه الآيات: إثبات كفر طغاة مكة الذين صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام بقصد العمرة وقد ساقوا الهدي، وإثبات أن الجهاد لا يكون إلا عند تميّز الصفوف، فقد منع اللَّه نبيّه صلى الله عليه وسلم من دخول مكة عنوة دخول الفاتحين، لوجود مؤمنين مستضعفين، الأمر الذي قد ينالهم به الأذى لو فعلوا ذلك. وامتنان اللَّه تعالى على رسوله وعلى المؤمنين إنزاله السكينة على قلوبهم، وحمايتهم بكلمة التقوى وهو أعلم بأحوالهم وما يصلح أمرهم.

فعن قتادة: ({هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا}. أي: محبوسًا).

وقوله: {أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} أي: وصدوا الهدي وكان سبعين بدنة عن وصوله إلى محلّه ليذبح ويطعم منه فقراء مكة. قال النسفي: ({مَحِلَّهُ} مكانه الذي يحل فيه نحره، أي يجب، وهذا دليل على أن المحصر محل هديه الحرم، والمراد المحل المعهود وهو منى). وقال الشافعي: (الحرم). قلت: ولا شك أن مكة كلها منحر، وفجاجها منحر، ولكن اللَّه بفضله جعل ذلك الموضع -حين أحصر نبيّه والمؤمنون- محلًا.

وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد اللَّه قال: [نَحَرْنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البَدَنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة](1).

وفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي الزبير عن جابر بن عبد اللَّه قال: [اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة، كُلُّ سَبْعَةٍ في بَدَنَةٍ، فقال رجل لجابرٍ: أَيُشْتَرَكُ في البَدَنَةِ ما يُشْتَرَكُ في الجَزُور؟ قال: ما هي إلا مِنَ البُدن].

قال: وحضر جابر الحديبية قال: [نَحَرْنا يومئذ سَبْعين بَدَنَةً، اشتركْنا كُلُّ سَبْعةِ في بَدَنَةٍ](2).

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (1318) - كتاب الحج. ومالك (2/ 486)، وأخرجه أبو داود (2809)، والترمذي (904)، وابن ماجة (3132)، وابن حبان (4006).

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (1318) ح (333 - 334)، من حديث جابر.

ص: 361

وفي صحيح البخاري عن المِسْور رضي الله عنه: [أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نَحَر قبل أن يَحْلِقَ وأمر أصحابه بذلك](1).

وفيه عن كَعْب بن عُجْرَةَ قال: [وقف عليَّ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بالحديبية ورأسي يَتَهافَتُ قَمْلًا، فقال: يُوْذيكَ هَوَامُّكَ؟ قلتُ: نَعَمْ، قال: فاحلِقْ رأسَكَ. قال: فِيَّ نَزَلتْ هذه الآية: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} [البقرة: 196] إلى آخرها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صُمْ ثلاثةَ أيام، أو تَصَدَّق بِفرَقٍ بَيْن سِتَّةٍ، أو نُسُكٍ مما تَيَسَّر] (2).

وقوله: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} .

قال قتادة: (فكان بها رجال مؤمنون ونساء مؤمنات، فكره اللَّه أن يُؤذَوا أو يوطَؤُوا بغير علم، فتصيبكم منهم معرة بغير علم).

وفي قوله: {مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} . قال ابن زيد: (إثم بغير علم). وقال ابن إسحاق: (والمعرّة: هي المفعلة من العُرّ، وهو الجرب، وإنما المعنى: فتصيبكم من قِبَلهم معرة تعرُّون بها، يلزمكم من أجلها كفارة قتل الخطأ، وذلك عتق رقبة مؤمنة، من أطاق ذلك، ومن لم يطق فصيام شهرين).

فكان من الحكمة والحال هذه ألا يدخل المسلمون مكة عنوة، لئلا يقع مسلموها المستضعفون في الضيق والأذى بسبب محاولة قريش استخدامهم دريئة تنتقم من المسلمين بهم، وتنزل نقمتها وحقدها عليهم.

قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولولا رجال من أهل الإيمان ونساء منهم أيها المؤمنون باللَّه أن تطؤوهم بخيلكم ورجلكم لم تعلموهم بمكة، وقد حبسهم المشركون بها عنكم، فلا يستطيعون من أجل ذلك الخروج إليكم فتقتلوهم).

قلت: ومن هنا ندرك حجم المصيبة التي تنزل ببعض الأقليات المسلمة المبعثرة في أرجاء المعمورة والتي أسلمت يومًا بفضل اللَّه نتيجة للفتوحات الإسلامية التي طالت تلك البلاد عبر التاريخ، وذلك عندما تحاول تلك المجموعات الاستقلال عن حكومات تلك البلاد باللجوء إلى العنف والقتال، وهي تعيش متفرقة داخل تلك

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (1811) - كتاب المُحْصر. باب النحر قبل الحلق في الحَصر.

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (1815) - كتاب المُحْصَر. وانظر كذلك (1814).

ص: 362

البلاد، فينالها عند ذلك من الشر والتشريد ما لا يعلمه إلا اللَّه، وكان أولى بهؤلاء وأمثالهم، أن يصبروا على بناء جماعة الحق في واقعهم، ويصقلوا هذا البناء بالصدق واليقين والعمل الصالح والصبر على منهاج النبوة في التغيير، حتى يأذن اللَّه لهم بحال فيه نصرهم متى رضي عن دينهم وامتثالهم، أو يأذن لهم بالهجرة إلى حيث يعز فيه سبحانه أهل العزائم من الطائفة المنصورة، وأما عند الفوضى واختلاط الصفوف فلا يوجد جهاد حتى تتضح راية الحق وتتميز من راية الباطل.

وقوله: {لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} . أي: ليدخل اللَّه في الإسلام من أهل مكة من يشاء قبل أن تدخلوها.

وقوله: {لَوْ تَزَيَّلُوا} . قال القُتبي: (أي تميّزوا). وقال الكلبي: (لو تفرّقوا). وقال الضحاك: (لو زال المؤمنون من بين أظهر الكفار لعذب الكفار بالسيف).

وقوله: {لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} . أي: لو تميز مشركو مكة من الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات الذين لم تعلموهم، لَسَلَّطَ اللَّه المؤمنين على المشركين بالقتل أو الأسر أو نوع آخر من العذاب الآجل.

وقوله: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} .

الحمية: فعِيلة، وهي الأنَفَة. قِال الزُّهْري:(حَمِيَّتُهم أنفتهم من الإقرار للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة والاستفتاح بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، ومنعهم من دخول مكة).

وقال ابن بحر: (حمِيّتُهم عصبيّتُهم لآلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون اللَّه تعالى، والأنفة من أن يعبدوا غيرها).

وقيل: ({حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} إنهم قالوا: قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخلون علينا في منازلنا، واللات والعزى لا يدخلونها أبدًا) - ذكره القرطبي.

وقد مضى في حديث البخاري عن المسور ومروان قالا: [وكانت حميّتهم أنهم لم يقروا أنه نبيُّ اللَّه، ولم يقروا بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وحالوا بينهم وبين البيت](1).

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (2731) - (2732) - كتاب الشروط.

ص: 363

قلت: وكل ما سبق ذكره داخل في مفهوم الحمية {حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} التي تمسك بها المشركون واستندوا إليها.

وقوله: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} .

أي: فأنزل اللَّه الصبر والطمأنينة والوقار على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين حين أظهر الكفار حمية الجاهلية.

وقوله: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} . قال ابن عباس: (شهادة أن لا إله إلا اللَّه، فهي كلمة التقوى. يقول: فهي رأس التقوى). وقال عطاء الخراساني: (لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه). وعن مجاهد: ({وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} قال الإخلاص). وفي رواية: (كلمة الإخلاص). وقال سعيد بن جبير: ({وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} قال: لا إله إلا اللَّه، والجهاد في سبيله). وعن عروة، عن المسور قال:(لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له). وقيل: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .

قلت: ويجمع هذه الأقوال (شهادة أن لا إله إلا اللَّه) فإن إقامة هذه الشهادة بلوازمها وشروطها يجمع منهاج التقوى.

وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:[{وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} قال: (لا إله إلا اللَّه)](1).

وقوله: {وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} . قال قتادة: (وكان المسلمون أحق بها وكانوا أهلها: أي التوحيد وشهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله).

وقال أبو السعود: ({وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا} أي: متصفين بمزيد استحقاق لها). وقال القاسمي: {وَأَهْلَهَ} أي: المستأهل لها).

وقوله: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} . أي: يعلم حق كل شيء، فيسوقه إلى مستحقه. فهو يعلم المستحق للخير من المستحق للشر.

27 -

28. قوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا

(1) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (2603) - كتاب التفسير، سورة الفتح - آية (26).

ص: 364

فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28)}.

في هذه الآيات: تأكيدُ اللَّه تعالى لرسوله بالرؤيا دخول المسجد الحرام مع أصحابه آمنين محلقين ومقصرين. ووعده تعالى رسوله الذي أرسله بالهدى والدين الحق الظهور التام على الكافرين.

فقوله: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} .

قال قتادة: (أُري في المنام أنهم يدخلون المسجد الحرام، وأنهم آمنون محلقين رؤوسهم ومقصرين).

فقد كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أُري في منامه أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر بذلك أصحابه وهو بالمدينة، فلما خرجوا عام الحديبية ظنوا تحقق الرؤيا هذا العام، فلما ظهر من الأمر ما ظهر وكان الصلح ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل، وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء.

ففي صحيح البخاري من حديث المسور ومروان: [قال عمر رضي الله عنه: فأتيت نبيَّ اللَّه صلى الله عليه وسلم فقلت: ألستَ نبيَّ اللَّه حقًا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى. قلتُ: فلِمَ نُعطي الدنيّة في ديننا إذن؟ قال: إني رسول اللَّه، ولستُ أعصيه، وهو ناصري. قلت: أولستَ كنت تُحَدِّثنا أنا سنأتي البيتَ ونطوفُ به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنّا نأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَّوِفٌ به](1).

فجاءت الآية لتحقيق الخبر وتوكيده: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} . أي: آمنين حال دخولكم، ثم تحلقون أو تقصرون حال إتمام مناسككم.

فإنه ما إنْ هَلَّ هلال ذي القعدة، وهو الشهر الذي صدّ فيه المشركون المسلمين عن المسجد الحرام، إلا تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم للخروج إلى مكة لقضاء العمرة، ووافق ذلك السنة السابعة للهجرة.

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (2731)، (2732)، وأخرجه أبو داود (2765)، وأحمد (4/ 323 - 328)، وابن حبان (4872) مطولًا.

ص: 365

قال ابن القيم في "زاد المعاد": (قال سليمان التَّيمي: لما رجع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مِنْ خَيبر، بعث السرايا، وأقام بالمدينة حتى استهل ذو القعدة، ثم نادى في الناس بالخروج)(1).

وقال الحاكم: (أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم، وأن لا يتخلف منهم أحد شهد الحديبية، فخرجوا إلا من استشهد، وخرج معه آخرون معتمرين، فكانت عدتهم ألفين سوى النساء والصبيان)(2).

قال ابن هشام: (واستعمل على المدينة عُويف بن الأضبط الديلي).

ثم خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أصحابه وساق ستين بدنة، وجعل عليها ناجية بن جندب الأسلمي، وما إن بلغَ ذا الحليفة إلا أحرم للعمرة ولبّى، فلبى المسلمون معه، وكانوا قد خرجوا بسلاحهم خشية غدر قريش، فقد أمرهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يكونوا مستعدين للطوارئ ومتهيئين لأسوأ الظروف والأحوال.

قال موسى بن عقبة: (حتى إذا بلغ يأجُجَ (3) وضع الأداة كُلَّها، الحَجَفَ والمِجَانَّ، والنَّبْلَ والرِّماح، ودخلوا بسلاح الراكب السيوف).

وقد أراد بذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم التزام العهد الذي كتبه مع قريش قبل عام.

ففي صحيح الإمام البخاري عن البراء، قال:[لما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القَعْدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام. . . فكتب: هذا ما قاضى محمدُ بنُ عبدِ اللَّه لا يُدْخِلُ مكةَ السلاح إلا السيف في القِرَاب، وأن لا يخرُجَ من أهلها بأحد إن أراد أن يتبَعَهُ. وأن لا يَمْنَعَ من أصحابه أحدًا إن أراد أن يقيم بها](4).

فأبقى المسلمون أسلحتهم غير السيوف خارج الحرم، وخلف عليها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أوس بن خولى الأنصاري في مئتي رجل، ومضى داخلًا على ناقته القصواء، وقد أحدقت به طائفة من المسلمين متوشحي السيوف وهم يلبون.

(1) انظر: "زاد المعاد"(3/ 370) - ابن قيم الجوزية. وكتابي: السيرة النبوية (2/ 1185).

(2)

انظر: "فتح الباري شرح صحيح البخاري"(7/ 500). وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (2/ 1185) لمزيد من التفصيل.

(3)

موضع على ثمانية أميال من مكة. والخبر ذكره ابن القيم في "زاد المعاد"(3/ 370 - 371).

(4)

حديث صحيح. رواه البخاري (2699) - كتاب الصلح. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (2/ 1186) لمزيد من التفصيل.

ص: 366

يروي البخاري عن عبد اللَّه بن أبي أوفى قال: [لما اعتمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يؤذوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم](1).

ومضى الموكب الرهيب أمام أعين المشركين الذين جلسوا على جبل قعيقعان شمال الكعبة ينظرون إلى المسلمين، وكانوا قد أشاعوا في قومهم فقالوا: إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب، فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أصحابه بالرَّمَل في الطواف لإظهار القوة.

فقد أخرج الإمام البخاري عن ابن عباس قال: [قَدِمَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابُه فقال المشركون: إنه يَقْدُم عليكم وَفْدٌ وَهَنَتْهُم حُمّى يثرب (وفي رواية لمسلم: ولقوا منها شدة)، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يَرْمُلُوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين (وفي رواية مسلم: ليرى المشركون جَلَدهم)، ولم يَمْنَعْهُ أن يأمُرَهُم أن يَرْمُلوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم](2).

وفي رواية: [لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم لعامِه الذي استأمن قال: ارْمُلُوا ليرى المشركون قوتهم، والمشركون من قِبَل قُعَيْقِعان].

ورواه الإمام أحمد بإسناد صحيح من حديث عبد اللَّه بن عباس: [أن قريشًا قالت: إنّ محمدًا وأصحابه قد وهنتهم حمى يثرب، فلما قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لعامه الذي اعتمر فيه قال لأصحابه: ارمُلُوا بالبيت ثلاثًا ليرى المشركون قوتكم، فلما رملوا قالت قريش: ما وهنتهم](3).

ثم أمر أصحابه فقال: اكشفوا عن المناكب واسْعَوا في الطواف، فامتثلوا الأمر بالاضطِباع، فكشفوا المناكب اليمنى وأبقوا طرف الرداء على اليسرى. ثم دخل مكة من قبل الثنية التي تطلعه على الحجون وهو يلبي، حتى استلم الركنَ بمِحجنِه ثم طاف وطاف المسلمون.

وقد مضى يومئذ عبد اللَّه بن رواحة الأنصاري رضي الله عنه بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم متوشحًا بالسيف يرتجز بقوة وشجاعة، وينزل شعره الأصيل على قلوب المشركين كالسهام.

قال موسى بن عقبة: (فوقف أهل مكة: الرجالُ والنساءُ والصبيانُ، ينظرون إلى

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (4255) - كتاب المغازي، باب عمرة القضاء.

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (4256) - كتاب المغازي، باب عمرة القضاء. ورواه مسلم.

(3)

حديث صحيح. انظر مسند أحمد (1/ 306)، وكتابي: السيرة النبوية (2/ 1187) لتفصيل البحث.

ص: 367

رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم يطوفون بالبيت، وعبد اللَّه بن رواحة بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يرتجز متوشحًا بالسيف يقول:

خَلُّوا بني الكفار عن سبيله

قد أنزل الرحمن في تنزيله

في صُحُفٍ تُتلى على رسوله

يا رب إني مؤمن بقِيله

إني رأيت الحق في قَبوله

اليوم نَضْرِبْكُمْ على تأويله

ضَرْبًا يُزيل الهامَ عن مقيلِه

ويُذْهل الخليل عن خليله

قال: وتغيَّبَ رجال من المشركين كراهية أن ينظروا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حَنَقًا وغيظًا، فأقام رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثًا) (1).

وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أنس: [أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد اللَّه بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول:

خلّوا بني الكفار عن سبيله

اليوم نضربكم على تنزيله

ضَرْبًا يزيل الهام عن مقيله

ويُذهل الخليل عن خليله

فقال له عمر: يا ابن رواحة، بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وفي حرم اللَّه تقول الشعر؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: خَلِّ عنْه يا عُمَرُ فلهي أسْرَعُ فيهم من نضح النَّبْل] (2).

ومضى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأصحابه يرمل بهم حتى أتمّ ثلاثة أشواط من الطواف لها رهبة وهيبة، وحقق ما أراد من إظهار القوة حتى اكتأب المشركون، ثم تابع الأشواط ماشيًا.

روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: [فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمّى قد وهنتهم؟ ! هؤلاء أجلدُ من كذا وكذا](3).

ولما انتهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الطواف سعى بين الصفا والمروة، فكانت حركته ضمن موكب أصحابه تنزل على نفوس المشركين كوقع الحديد.

يروي البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: [إنما سعى النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت وبين الصفا والمروة لِيُريَ المشركين قوته](4).

(1) انظر: "زاد المعاد"(3/ 371)، وسيرة ابن هشام (2/ 371) مرسلًا.

(2)

أخرجه الترمذي في الأدب (2847) وقال: حسن صحيح غريب. وله شواهد كثيرة تقويه.

(3)

حديث صحيح. رواه مسلم (1266) ح (240)، كتاب الحج، باب استحباب استلام الركنين اليمانيين في الطواف، دون الركنين الآخرين.

(4)

حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (3/ 376)، وكذلك (7/ 392).

ص: 368

ولما فرغ من السعي قال وهو على المروة: هذا المنحر، وكل فجاج مكة وطرقها منحر، وكان قد وقف الهدي عند المروة فأمر بنحرها.

يروي الإمام مالك في الموطأ، قال:[حدثني يحيى عن مالك أنه بلغه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال بمنى: هذا المنحر وكل منى منحر. وقال في العمرة: هذا المَنْحَرُ، يعني المروة، وكل فجاج مكة وطُرقها مَنْحَرٌ](1).

فنحر عند المروة، ثم حلق وقلّده بذلك المسلمون، ثم بعث ناسًا من أصحابه إلى يأجج ليقيموا على السلاح ويأتي الآخرون ليقيموا مناسكهم، ففعلوا. فلما مضى الأجل أرسلت قريش إلى عليّ أن قل لصاحبك أن أخرج فقد مضى الأجل.

يروي البخاري عن البراء قال: [فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليًا فقالوا: قل لصاحبك أخرج عنا فقد مضى الأجل](2).

وكان عند دخوله صلى الله عليه وسلم قد بعث جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة بنت الحارث يخطبها إليه، فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، وكانت أختها أم الفضل تحته، فزوجها العباس من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلما طلبوا منه الخروج قال لهم -كما يروي ابن إسحاق وموسى بن عقبة-:(وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعامًا فحضرتموه. قالوا: لا حاجة لنا في طعامك، فأخرج عنا، فخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وخلَّف أبا رافع مولاه على ميمونة، حتى أتاه بها بسَرِف)(3).

فخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأصحابه وقد من اللَّه عليه بالعمرة وإظهار الشوكة، ولكن ما إن خرج إلا تبعته ابنة حمزة تناديه يا عم، فحملتها فاطمة، واختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها.

أخرج ذلك الإمام البخاري عن البراء قال: [فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فتبعتْه ابنةُ حمزة تنادي: يا عمّ. فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي، وقال جعفر: ابنةُ عمي وخالتُها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأم. وقال لعلي: أنت مني وأنا منك، وقال لجعفر: أشْبَهْتَ خَلْقي

(1) حديث صحيح. رواه مالك في الموطأ. وانظر صحيح سنن أبي داود (1705 - 1707).

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (2699) - كتاب الصلح.

(3)

انظر سيرة ابن هشام (2/ 372). و"سرف" موضع قرب التنعيم.

ص: 369

وخُلُقي. وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا] (1).

ثم خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وخلَّف أبا رافع مولاه على ميمونة حتى أتاه بسرف، فبنى بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هناك، ثم انصرف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ذي الحجة.

وسميت هذه العمرة عمرة القضاء، لأن ذلك مشتق من المقاضاة وهي المصالحة التي كانت يوم الحديبية مع قريش. قال ابن القيم:(ومنها أنَّ المُحْصَرَ لا يجب عليه القضاءُ، لأنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالحلق والنحر، ولم يأمر أحدًا منهم بالقضاء، والعمرة من العام القابل لم تكن واجبة، ولا قضاء عن عُمرة الإحصار، فإنهم كانوا في عمرةِ الإحصار ألفًا وأربع مئة، وكانوا في عمرة القضية دون ذلك، وإنما سُمِّيت عمرةَ القضية والقضاء، لأنها العمرة التي قاضاهم عليها، فأُضيفت العُمرة إلى مصدر فعله)(2).

وتحقّق وعد اللَّه لنبيّه والمسلمين، كما أخبرهم قبل عام في القرآن النازل من سورة الفتح:{لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} . قال ابن هشام: (يعني خيبر).

وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه! فلما كانت الرابعة قال: والمقصرين](3).

وقوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} . قال ابن كثير: (أي: بالعم النافع والعمل الصالح، فإن الشريعة تَشْتَمِلُ على شيئين: عِلْمٍ وعَمَلٍ، فالعلم الشرعي صحيح، والعمل الشرعيّ مقبول، فإخباراتُها حقٌّ وإنشاءاتها عدلٌ).

وقوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} . أي: على جميع الأديان ومناهج أهل الأرض.

وقوله: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} . قال الحسن: (شهد على نفسه أنه سيظهر دينه). والتقدير: وكفاه اللَّه شهيدًا. و {شَهِيدًا} تمييز أو حال.

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (2699) - كتاب الصلح. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (2/ 1190 - 1197) لتفصيل البحث.

(2)

انظر: "زاد المعاد"(3/ 306 - 307)، وكتابي: السيرة النبوية (2/ 1026، 1191).

(3)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (1727) - كتاب الحج، ورواه مسلم وأكثر أهل السنن.

ص: 370

قال القاسمي: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} أي: على أن ما وعده من إظهار دينه على جميع الأديان أو الفتح أو المغانم كائن).

29.

قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)} .

في هذه الآية: إثبات الرسالة للنبي عليه الصلاة والسلام، ونَعْتُ أصحابه الغرّ الكرام، وذِكْرُ صفتهم في التوراة والإنجيل والقرآن، وَوَعْدُهُ تعالى عباده المؤمنين بالنصر والمغفرة والظهور على الطغاة اللئام.

فقوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} . إثبات للنبوة والرسالة بكلام جامع بديع.

وقوله: {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} . إخبار عن صفة أتباعه عليه الصلاة والسلام، فهم أولو بأس وشدة عند مجالدة الكافرين، وأولو رحمة ورأفة بين بعضهم بعضًا. قال قتادة:({رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} ألقى اللَّه في قلوبهم الرحمة بعضهم لبعض). والآية كقوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54]. قال ابن كثير: (وهذه صفةُ المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا بَرًّا بالأخيار، غَضُوبًا عَبُوسًا في وجه الكافر، ضحوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123]).

وفي الصحيحين والمسند عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [ترى المؤمنين في تراحُمهم وتوادّهم وتعاطُفهم كمَثَل الجَسَدِ إذا اشتكى عُضْوًا تداعى له سائر جسدِه بالسَّهر والحُمَّى](1).

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (6011) - كتاب الأدب، وأخرجه مسلم (2586) - كتاب البر والصلة، ورواه أحمد في المسند (4/ 270).

ص: 371

وفي الصحيحين والمسند وجامع الترمذي عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:["المؤمِنُ للمؤمِنِ كالبُنْيانِ يشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا"، وشبك بين أصابعه](1).

وقوله: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} .

قال قتادة: (يقول: تراهم ركعًا أحيانًا للَّه في صلاتهم سجدًا أحيانًا {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ} يقول: يلتمسون بركوعهم وسجودهم وشدتهم على الكفار ورحمة بعضهم بعضًا، فضلًا من اللَّه، وذلك رحمته إياهم بأن يتفضّل عليهم فيدخلهم جنته {وَرِضْوَانًا} يقول: وأن يرضى عنهم ربهم).

فوصفهم اللَّه تعالى بكثرة العمل وكثرة الصلاة، التي هي عمود الدين، وخير موضوع. كما أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[الصلاةُ خيرُ موضوع، فمن استطاع أن يَستكثِرَ فَلْيَسْتكْثِر](2).

كما وصفهم باحتساب ثواب الأعمال عند اللَّه، وأملهم بذلك الجنة وما فيها من الملذات والخيرات والرزق الوفير، ورضوان من اللَّه أكبر من كل شيء.

ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إنَّ اللَّه يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لَبَّيْكَ ربَّنا وسَعْدَيْكَ والخيرُ في يَدَيْكَ، فيقول: هَلْ رضيتُم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعْطَيتنا ما لمْ تُعْطِ أحدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فيقول: [لا أُعْطيكم أَفْضَلَ من ذلك؟ فيقولون: يا ربِّ، وأيُّ شَيْءٍ أفضلُ مِنْ ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رِضواني فلا أسْخَطُ عليكم بعده أبدًا](3).

وقوله: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} . فيه أقوال متقاربة متكاملة:

1 -

قال ابن عباس: (صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة). وقال عطية: (مواضع السجود من وجوههم يوم القيامة أشد وجوههم بياضًا). وقال مقاتل: (النور يوم القيامة). وقال الحسن: (بياضًا في وجوههم يوم القيامة).

2 -

وقال مجاهد، عن ابن عباس: (أما إنه ليس بالذي ترون، ولكنه سيما الإسلام.

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (2446) - كتاب المظالم، باب نَصْر المظلوم، ورواه مسلم (2585)، والترمذي (1928)، وأحمد (4/ 405)، وابن حبان (231).

(2)

حديث حسن. أخرجه الطبراني في الأوسط. انظر تخريج الترغيب (1/ 145)، وصحيح الجامع الصغير (3764) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(3)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (7518) - كتاب التوحيد، باب كلام الرب مع أهل الجنة.

ص: 372

وسَحْنته وسَمْته وخشوعه). وقال مجاهد: (الخشوع والتواضع).

3 -

وعن شمر عن عطية قال: (تهيّج في الوجه من سهر الليل).

وقال سعيد بن جبير: (ثرى الأرض، وندى الطهور). وقال عكرمة: (هو أثر التواب). وقال السدي: (الصلاة تُحَسِّنُ وجوههم). وقال بعض السلف: (من كَثُرت صلاته بالليل حَسُن وجهه بالنهار). وقال بعضهم: (إنَّ للحسنة نورًا في القلب، وضياءً من الوجه، وسَعَةً في الرزق، ومَحَبَّةً في قلوب الناس).

والخلاصة: أنَّ لكثرة السجود علامة إشراق في الوجه، وقد تمَيّز الصحابة رضوان اللَّه عليهم بتلك السمة الباهرة لكثرة ما هم فيه من الصلاة وطول السجود والقيام. قال الإمام مالك:(بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون: واللَّه لهؤلاء خيرٌ من الحواريين فيما بَلَغنا).

وفي مسند أحمد وسنن أبي داود بسند حسن عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إنَّ الهَدْيَ الصالحَ والسَّمتَ الصالحَ والاقتصاد جزءٌ من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة](1).

وقوله: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} . أي: بهذه الأوصاف الرفيعة ذُكروا في التوراة.

وقوله: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ} . أي: ومثلهم في إنجيل عيسى كزرع أخرج نباته فهو يترعرع بكثرة مذهلة.

قال ابن عباس: (قوله: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ}: سنبله حين يتسلع نباته عن حباته). وقال قتادة: (أخرج نباته. قال: هذا مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل، قيل لهم: إنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، منهم قوم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر). وقال مجاهد: ({كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ}: ما يخرج بجنب الحقلة فيتم وينمى). وقال ابن زيد: (أولاده، ثم كثرت أولاده).

وأما قوله: {فَآزَرَهُ} يعني: فقواه. قال مجاهد: (فشده وأعانه). وقال ابن زيد: ({فَآزَرَهُ} : اجتمع ذلك فالتفّ، وكذلك المؤمنون خرجوا وهم قليل ضعفاء، فلم

(1) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (1/ 296)، وأبو داود في السنن (4776) - كتاب الأدب، باب في الوقار. انظر صحيح سنن أبي داود (3996).

ص: 373

يزل اللَّه يزيد فيهم، ويؤيدهم بالإسلام، كما أيَّد هذا الزرع بأولاده، فآزره، فكان مثلًا للمؤمنين).

وقوله: {فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} .

أي: فلما آزره سبحانه غلظ ذلك الزرع فاستوى على سوقه (والسوق: جمع ساق) فصار هذا الزرع الذي استغلظ وصلب وحسن نباته يعجب الذين زرعوه وبذلوا الجهد في بذاره وتثبيت جذوره، وهو مثل يراد به النبي صلى الله عليه وسلم والرعيل الأول الذين كانوا أساس هذه الدعوة، فما زالوا في جهاد وعراكِ وبذل وتضحية حتى أنشأ اللَّه بهم جيلًا ضخمًا وجيشًا كبيرًا ليغيظ بهم الكفار.

قال ابن زيد: ({يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ} قال: يعجب الزرّاع حُسنه {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} بالمؤمنين، لكثرتهم، فهذا مثلهم في الإنجيل).

ذكر الخطيب -أبو بكر- عن أبي عروة الزبيريّ من ولد الزبير قال: (كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلًا ينتقص أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقرأ مالك هذه الآية: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} حتى بلغ {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}. فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية).

وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: [لا تَسُبُّوا أصحابي، فَلَوْ أنَّ أحدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلغ مُدَّ أحَدِهم ولا نصيفَهُ](1).

وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} . قال النسفي: (لأن الكفار إذا سمعوا بما أعد لهم في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك). و {من} في قوله {مِنْهُم} لبيان الجنس. والمعنى: وعد اللَّه هؤلاء الأخيار من الصحابة الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة لذنوبهم وثوابًا عظيمًا ورزقًا كريمًا ينعمون به في الآخرة، وعْدُ صِدق لا يُبَدَّل ولا يُغَيَّر، ومن أصدق من اللَّه قيلًا.

تم تفسير سورة الفتح بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منه وكرمه الاثنين 4 - رجب - 1426 هـ الموافق 8 - آب - 2005 م

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (3673) - كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه مسلم نحوه.

ص: 374