المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ منهاج السورة - التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون - جـ ٧

[مأمون حموش]

فهرس الكتاب

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌40 - سورة غافر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌41 - سورة فصلت

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌42 - سورة الشورى

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌43 - سورة الزخرف

- ‌ما ورد في ذكرها

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌44 - سورة الدخان

- ‌ما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌45 - سورة الجاثية

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌46 - سورة الأحقاف

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌47 - سورة محمد

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌48 - سورة الفتح

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌49 - سورة الحجرات

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌50 - سورة ق

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌51 - سورة الذاريات

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌52 - سورة الطور

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌53 - سورة النجم

- ‌ما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌54 - سورة القمر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌55 - سورة الرحمن

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌56 - سورة الواقعة

- ‌ما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌57 - سورة الحديد

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌58 - سورة المجادلة

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌59 - سورة الحشر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

الفصل: ‌ منهاج السورة

‌41 - سورة فصلت

وهي سورة مكية، وعدد آياتها (54).

‌موضوع السورة

القرآن العربي تنزيل الرحمان وفيه تفصيل آيات الآفاق والأنفس والأخبار والأحكام

-‌

‌ منهاج السورة

-

1 -

تنزيل القرآن من الرحمان، قرآن عربي مفصل الشرائع والأحكام.

2 -

قلوب المشركين مقفلة عن فهم هذا الوحي الكريم، وآذانهم فيها وقر عن سماع الحق المبين.

3 -

الويل للمشركين الذين لا يزكون نعمة اللَّه عليهم، وأعدّ اللَّه للمؤمنين جنات النعيم فيها سعادتهم وسرورهم.

4 -

التقريعُ على المشركين في كفرهم باللَّه وشركهم به. وهو الخالق للسماوات والأرض والجبال، ومقدّر الأعمال والأرزاق والأقوات والآجال.

5 -

تهديد اللَّه مشركي قريش بمصير الأمم المكذبة قبلهم كعاد وثمود.

ص: 92

6 -

نَعْتُ اللَّه مشهد الحشر وخزي الطغاة وأتباعهم، ونطق أسماعهم وأبصارهم وجلودهم لتشهد عليهم.

7 -

تزيين الشياطين للكفار أعمالهم، ومكر اللَّه الغالب للطغاة ومكرهم.

8 -

تنزُّل الملائكة بالأمن والطمأنينة والبشرى بالجنة للمؤمنين، والوَعْدُ لهم بالنصر والتأييد في هذه الدنيا والتمكين.

9 -

الثناء الحسن على الدعاة إلى اللَّه أهل العمل الصالح والمثل الأعلى في المسلمين، والأمر بمدافعة السيئة بالتي هي أحسن فإذا صاحب العداوة كأنه ولي حميم.

10 -

الإخبار عن بلوغ مراتب الجنة العالية أهل الصبر وأصحاب الحظ العظيم، والأمر بالاستعاذة باللَّه من همزات ووساوس الشيطان الرجيم.

11 -

الليل والنهار والشمس والقمر آيات كبيرة من آيات اللَّه العظيم، والسجود لا يكون إلا للَّه، والملائكة يسبحون ويسجدون ولا يستكبرون، والأرض الخاشعة تهتز بإذن اللَّه بالماء الذي ينزله محيي الموتى الحي القيوم.

12 -

تهديد اللَّه تعالى المعاندين في آياته، وثناؤه على كتابه المعجز في بيانه، وتسلية رسوله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من أذى وتكذيب قومه.

13 -

مَرَدُّ العمل الصالح أو السَّعِى على أهله، ومردُّ علم الساعة إلى اللَّه المتصرِّف في ملكه، وسوء حال المشركين في الحشر وعند الحساب لنيل عقابه لهم ونكاله.

14 -

حرص الإنسان على الدعاء بالخير، وسرعةُ جزعه إذا أصابه شر، وإسراعه إلى العجب والكبر والشرك إذا أصابه نعيم أو ما يَسُرّ.

15 -

تحذير اللَّه المشركين مغبة كفرهم بهذا القرآن، وهو تعالى يريهم آيات الآفاق والأنفس ليظهر لهم أنه الحق كلام الرحمان، ألا إنهم في شك من لقاء ربهم، وهو تعالى محيط بهم وبأعمالهم وبكل ما حولهم.

* * *

ص: 93

بسم الله الرحمن الرحيم

1 -

5. قوله تعالى: {حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5)}.

في هذه الآيات: إنه ما إن جهر النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته ممتثلًا بذلك أمر ربه عز وجل، حتى اتجهت الأنظار إليه وتحركت قوى الشر من قريش نحوه، ممثلة برؤوس الكفر وأئمة الطغيان. وفي هذه الأثناء نزلت أوائل سورة فصلت لتقرع ببيانها الساحر عقول طغاة مكة وقلوبهم وآذانهم التي ما انفتحت بعد لقبول منهج الإيمان.

أخرج ابن إسحاق في المغازي بسند حسن قال: (حُدِّثْتُ أن عتبة بن ربيعة وكان سيدًا، قال يومًا وهو جالس في نادي قريش، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش! ألا أقومُ إلى محمد فأكَلِّمُهُ وأعرضُ عليه أمورًا لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيّها شاء ويكفُّ عنا؟ فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النَسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكَفَّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع. قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيًّا تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك، طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا

ص: 94

حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوى منه. فلما فرغ من قوله تلا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صدر سورة السجدة) (1).

وفي رواية في مسند عبد بن حميد ومصنف ابن أبي شيبة عن جابر: (أن عتبة قال له: "فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، واللَّه ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى. أيها الرجل: إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلًا واحدًا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرًا".

حتى إذا فرغ عتبة ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال: أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. قال: فاستمع مني. قال: أفعل. قال: " {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} ".

ثم مضى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيها وهو يقرؤها عليه. فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يستمع منه حتى انتهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك).

وفي رواية: (فلما بلغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم. فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نَحلف باللَّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: "ورائي أني سمعت قولًا واللَّه ما سمعت مثله قط، واللَّه ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي خَلُّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فواللَّه ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزّه عزّكم

(1) أخرجه ابن هشام في السيرة (1/ 293 - 294)، وله شاهد عند أبي يعلى والحاكم بسند يرقى للحسن. انظر كتابي: السيرة النبوية (1/ 205 - 206).

ص: 95

وكنتم أسعد الناس به". قالوا: سحرك يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم) (1).

فقوله تعالى: {حم} هو كأمثاله في أوائل السور السابقة التي ابتدأت بالحروف المقطعة، ومفاده الإعجاز والتحدي، فإن القرآن العظيم هو من جنس هذه الأحرف وهو يتحدى الجن والإنس بإعجازه وبيانه وروعته وسموه.

وقوله تعالى: {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . انتصارٌ للقرآن، فهو منزل من الرحمن الرحيم كما قال جل ذكره:{قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} .

وقوله: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} . أي: بُيِّنت معانيه وأحكمت أحكامه. قال السدي: (بُيِّنت آياته). وقوله: {كِتَابٌ} بدل من {تَنْزِيلٌ} ، أو خبر ثان لهذا، أو خبر {تَنْزِيلٌ}. وجملة:{فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} في محل رفع نعت لكتاب.

وقوله: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} بالنصب على المدح، والتقدير: ذكرنا قرآنًا عربيًا بشيرًا ونذيرًا، وذكرناه قرآنًا عربيًا. أو بالنصب على الحال من كتاب. و {عَرَبِيًّا} نعت قرآن منصوب.

وقوله: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} . قال ابن كثير: (أي إنما يعرف هذا البيان والوضوح العلماء الراسخون).

وقوله: {بَشِيرًا وَنَذِيرًا} . قال ابن جرير: (فصلت آيات هذا الكتاب قرآنًا عربيًا لقوم يعلمون اللسان العربي، بشيرًا لهم يبشرهم إن هم آمنوا به وعملوا بما أنزل فيه من حدود اللَّه وفرائضه بالجنة، ومنذرًا من كذب به ولم يعمل بما فيه بأمر اللَّه في عاجل الدنيا وخلود الأبد في نار جهنم في آجل الآخرة).

وقوله: {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} . أي: فاستكبر عن الإصغاء للوحي وتدبر حججه هؤلاء مشركو قريش {فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} : أي لا يصغون للحق إعراضًا واستكبارًا.

وقوله: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} . قال مجاهد: (عليها أغطية كالجَعْبة للنَّبْل). وعن السدي: ({قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ} قال: عليها أغطية).

(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (14/ 295 - 296)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (1123). وانظر صحيح السيرة - إبراهيم العلي - ص (64)، وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (1/ 205 - 207).

ص: 96

وقوله: {وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ} . قال السدي: (صمم). أي: ثقل يمنع من استماع قولك.

وقوله: {وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} هو الاختلاف في الدين. قال النسفي: ({وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} ستر، وهذه تمثيلات لنبوّ قلوبهم عن تقبل الحق واعتقاده، كأنها في غلف وأغطية تمنع من نفوذه فيها، ومجّ أسماعهم له كأن بها صممًا عنه، ولتباعد المذهبين والدينين كأن بينهم وما هم عليه وبين رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وما هو عليه حجابًا ساترًا وحاجزًا منيعًا من جبل أو نحوه فلا تلاقي ولا ترائي).

وقوله: {فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} . أي: اعمل على طريقتك ونحن نعمل على طريقتنا لا نتابعك. قال مقاتل: (اعمل لإلهك الذي أرسلك، فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها). وقال الكلبي: (أي اعمل في هلاكنا فإنا عاملون في هلاكك). وعن الماوردي: (فاعمل لآخرتك فإنا نعمل لدنيانا). وقيل: (اعمل بما يقتضيه دينك، فإنا عاملون بما يقتضيه ديننا). قال ابن جرير: (أي: فاعمل يا محمد بدينك وما تقول إنه الحق إننا عاملون بديننا وما نقول إنه الحق، ودع دعاءنا إلى ما تدعونا إليه من دينك، فإنا ندع دعاءك إلى ديننا).

6 -

8. قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8)}.

في هذه الآيات: قل -يا محمد- لهؤلاء المشركين إنما أنا بشر مثلكم أنذركم بالوحي أنه لا إله إلا اللَّه فاعبدوه واستقيموا على عبادته واستغفروه من ماضيكم وجاهليتكم فالويل للمشركين، الذين لا يزكون نعمة اللَّه عليهم بالشكر والإيمان بل يكفرون. لقد أعدَّ اللَّه تعالى للمؤمنين العاملين بطاعته أجرًا غير ممنون، في جنات الخلود جنات النعيم.

فقوله: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} . أي لست بملك بل أنا واحد من بني آدم مثلكم. قال الحسن: (علمه اللَّه تعالى التواضع).

وقوله: {يُوحَى إِلَيَّ} أي من السماء من عند اللَّه تعالى على أيدي الملائكة.

ص: 97

وقوله: {أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} . قال ابن كثير: (لا كما تعبدونه من الأصنام والأنداد والأرباب المتفرقين، إنما اللَّه إلهٌ واحد).

وقوله: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ} . قال القرطبي: (أي وجهوا وجوهكم بالدعاء له والمسألة إليه). وقوله: {وَاسْتَغْفِرُوهُ} . أي: من شرككم وخطاياكم.

وقوله: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} . قال ابن عباس: (هم الذين لا يشهدون أن لا إله إلا اللَّه). قلت: وهذا فقه كبير في فهم الآية، فإن إيجاب الزكاة المالية كان في السنة الثانية للهجرة، وهذه الآية مكية، إلا أن يقال أن يكون المراد أصل الصدقة الذي أُمِرَ به المسلمون أول الإسلام متروكًا لشعورهم قبل تعيين الأنصبة في المدينة بعد الهجرة، فيكون هذا جمعًا مع قول قتادة:({الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}: يمنعون زكاة أموالهم)، وقوله السدي:(الذين لا يدينون بالزكاة)، وقول معاوية بن قرة:(ليس هم من أهل الزكاة).

لكن قد يقول قائل: بل الصلاة أَهَمُّ لو أريد تفصيل بعض الأحكام والأركان، فإن الصلاة قد فرضت قبل طلوع الشمس وقبل غروبها أول الإسلام، ثم فصلت الفرائض ليلة الإسراء.

ووجه الإجابة عند ذلك يكون بالرجوع لمفهوم الزكاة -وهو النماء والطهارة- فتحمل الآية على طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة وأخصّ ذلك طهارتها من دنس الشرك والجحود، ثم أداء زكاة نعم اللَّه الجليلة الكثيرة: كالصحة والمال والولد وألوان النعيم، فيكون معنى الآية:{وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} أي: دمار عليهم وهلاك محيط بهم {الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} أي: زكاة خلقهم من إفراد اللَّه تعالى بالدعاء والتعظيم، وشكره على نعمة العافية والمال والولد وألوان النعيم، ويدخل في ذلك عندئذ الإنفاق على القرابة المحتاجين وغيرهم من المساكين.

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9 - 10].

2 -

وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14 - 15].

3 -

وقال تعالى: {فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} [النازعات: 18].

ص: 98

ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث، منها:

الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: [يُصْبِحُ على كُلِّ سلامى مِنْ أحدِكم صَدَقَةٌ، فكل تَسْبيحةٍ صَدَقةٌ، وكُلُّ تحميدةٍ صَدَقَةٌ، وكُلُّ تهليلةٍ صَدَقَةٌ، وكُلُّ تكبيرةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بالمعروف صَدَقَةٌ، ونَهْيٌ عن المنكر صَدقَةٌ، ويُجْزئ مِنْ ذلك ركْعتان يَرْكَعُهُما من الضحا](1).

الحديث الثاني: روى أحمد وأبو داود -واللفظ له- بإسناد صحيح عن بريدة قال: سَمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: [في الإنسان ثلاث مئة وسِتّون مَفْصِلًا فعليه أن يتصدَّق عَنْ كلِّ مَفْصلٍ مِنْهُ بصدقة. قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبي اللَّه؟ قال: النُّخاعة في المسجد تَدْفِنُها والشيء تُنَحِّيهِ عن الطريق، فإن لم تجِدْ فَرَكعتا الضحا تُجْزِئُكَ](2).

وقوله: {وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} . قال ابن جرير: (وهم بقيام الساعة وبعث اللَّه خلقه أحياء من قبورهم من بعد بلائهم وفنائهم منكرون).

وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} .

قال مجاهد: ({لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} قال: محسوب). وقال السدي: (قال بعضهم: غير منقوص، وقال بعضهم: غير ممنون عليهم). وقال غيره: (لا مقطوعٌ ولا مجبوبٌ). والراجح أنه أجر مستمر غير مقطوع ولا منقوص ولا مجبوب، مقابل ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح واستمروا على ذلك حتى لاقوا ربهم. وأما تفسير بعضهم: غير ممنون عليهم فقد رده بعض الأئمة بقوله تعالى: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} [الحجرات: 17]، وقوله عن أهل الجنة:{فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور: 27].

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} [الكهف: 2 - 3].

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (720) - كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة الضحا.

(2)

حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (5242) - باب في إماطة الأذى عن الطريق. انظر صحيح أبي داود (4365). ورواه أحمد وابن خزيمة كما في صحيح الترغيب (1/ 664).

ص: 99

2 -

وقال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108].

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [مَنْ يدخل الجنة يَنْعَمُ لا يَبْأَسُ، لا تَبْلى ثِيابُهُ ولا يفنى شبابه](1).

وفيه أيضًا عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ينادي مُنَادٍ: إنَّ لكمْ أن تَصِحُّوا فلا تَسْقَموا أبَدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَنْعموا فلا تبأسوا أبدًا](2).

9 -

12. قوله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)}.

في هذه الآيات: التقريعُ على المشركين في كفرهم وشركهم باللَّه الذي خلق الأرض في يومين، وخلق فيها الجبال وبثّ فيها الدواب وقدّر فيها الأقوات في أربعة أيام، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، وقدّر في كل سماء مقاديرها، وزين السماء الدنيا بمصابيح وحفظًا من استراق الشياطين، ذلك تقدير العزيز العليم.

فعن السدي: ({خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} قال: في الأحد والاثنين). قال ابن جرير: (وذلك يوم الأحد ويوم الاثنين، وبذلك جاءت الأخبار عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقالته العلماء). قال ابن كثير: (فالجمهور على أنها كأيامنا هذه).

قلت: وقد جاء تفصيل بدء الخلق في حديث الإمام مسلم والإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: [خلق اللَّه التربة يوم

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2836) - كتاب الجنة ونعيمها، باب في دوام نعيم أهل الجنة، ورواه أحمد (2/ 369)، (2/ 407)، والدارمي (2/ 332).

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (2837) - الكتاب السابق، الباب السابق.

ص: 100

السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يومَ الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبَثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعةٍ من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (1).

وقوله: {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا} . قال ابن جرير: (-أي-: وتجعلون لمن خلق ذلك كذلك أندادًا وهم الأكفاء من الرجال تطيعونهم في معاصي اللَّه).

والمقصود: كيف تجعلون لخالق الأرض في يومين ومالك جميع الإنس والجن وكل أجناس الخلق نظراء وأمثالًا تعبدونهم معه وتصرفون لهم الاستغاثة والدعاء والذبح والنذر وغير ذلك مما لا ينبغي إلا للَّه الخالق الواحد الأحد الصمد.

وقوله: {ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} . قال النسفي: ({ذَلِكَ} الذي خلق ما سبق {رَبُّ الْعَالَمِينَ} خالق جميع الموجودات وسيدها ومربيها).

وقوله: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا} . وهي الجبال الثوابت في الأرض تثبتها لئلا تميد بأهلها.

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} [المرسلات: 27].

2 -

وقال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} [النبأ: 6 - 7].

3 -

وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا} [الرعد: 3].

4 -

وقال تعالى: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [النحل: 15].

فَثَبَّتَ اللَّه الأرض بهذه الثوابت وهي الجبال، فكانت كالأوتاد قد دُقَّتْ وَغُرِسَتْ في باطنها وأعماقها، يحفظ اللَّه بها توازن واستقرار هذه الأرض التي ارتضاها سبحانه مكان اختبار عباده فيما بعد. قال النسفي: (إنما اختار إرساءها فوق الأرض لتكون منافع

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2789) - كتاب صفات المنافقين - باب ابتداء الخلق، وخلق آدم عليه السلام، وأخرجه أحمد - انظر مختصر العلو للذهبي (71) - وأخرجه أبو يعلى في "مسنده"(1/ 288)، والبيهقي في "الأسماء والصفات"(ص 275 - 276).

ص: 101

الجبال ظاهرةً لطالبيها، وليبصر أن الأرض والجبال أثقال كلها مفتقرة إلى ممسك وهو اللَّه عز وجل.

وقوله: {وَبَارَكَ فِيهَا} فيه أكثر من تأويل:

التأويل الأول: أي أنبت فيها الشجر. فَعَن السدي: ({وَبَارَكَ فِيهَا} أنبت شجرها).

التأويل الثاني: أي أدام الخير فيها. قال ابن جرير: (يقول: وبارك في الأرض فجعلها دائمة الخير لأهلها).

التأويل الثالث: أي خدّمها بالمنافع وما سيحتاجه الخلق فيها. قال القرطبي: ({وَبَارَكَ فِيهَا}: بما خلق فيها من المنافع).

التأويل الرابع: قيل بل المراد الماء والزرع والثمر. أي: وبارك بالماء والزرع والشجر والثمر.

قلت: وكلها تفاسير متقاربة، واختلافات تنوع لا تضاد، غايتها أن اللَّه سبحانه قد بارك في الأرض، بما أودع فيها من الخيرات والمنافع والمياه والثمار، لتكون عونًا في المستقبل للإنسان حين يعيش فيها، فتكفيه مؤنتها، عَلّهُ يشكر بذلك خالقها، ولا ينتكس جاحدًا متكبرًا كشيطانها. ويدل على هذا قوله بعدها:{وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} وفيه معان جميلة ذكرها المفسرون:

المعنى الأول: قيل المراد أرزاقها. قال الحسن: (أرزاق أهلها ومصالحهم). وقال ابن زيد: (قدر فيها أرزاق العباد، ذلك الأقوات). وقال السدي: (يقول: أقواتها لأهلها).

المعنى الثاني: قيل المراد ما يصلحها. فعن قتادة: (قوله: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} قال: صلاحها).

المعنى الثالث: قيل المراد الجبال والأنهار والأشجار. فعن مجاهد قال: (خلق فيها أنهارها وأشجارها ودوابها في يوم الثلاثاء والأربعاء). وعن قتادة: ({وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا}: خلق فيها جبالها وأنهارها وبحارها وشجرها، وساكنها من الدواب كلها). وفي رواية قال: (جبالها ودوابها وأنهارها وبحارها).

المعنى الرابع: قيل المراد المطر. فعن مجاهد: (في قوله: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} قال: من المطر).

ص: 102

المعنى الخامس: قيل بل المراد تقدير معاش الناس في كل بلد وما يصلح دنياهم وتجارتهم ومعيشتهم. قال الضحاك: (معنى: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا}: أي أرزاق أهلها وما يصلح لمعايشهم من التجارات والأشجار والمنافع في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد). وقال عكرمة: (في كل أرض قوت لا يصلح في غيرها، اليماني باليمن، والسابري بسابور).

قلت: وغاية المعنى أن يقال: إن اللَّه تبارك وتعالى قد هَيَّأَ الأرض ليسكنها بعد ذلك الإنسان، أكرم المخلوقات وأشرفها، فقد زوّد اللَّه الأرض بما يقوت بني الإنسان من الغذاء، وبما يصلحهم من المعاش، وبما يدبّر أمورهم من أمر التعاون والتجارة، والغذاءُ لا يكون إلا بالمطر، والتجارةُ لا تكونُ إلا بالحركة والتنقّل والسفر، كما تحتاج إلى شيء من المال، وما يقوم مقامه من الحلي والجواهر والياقوت والدرر، فتفضل اللَّه سبحانه فأنزل المطر، وسلكه ينابيع في الأرض لتفجّر يومًا عبر العيون والنَهر، وتكرم اللَّه جل وعزّ فشق الطرق في السهول والجبال، وأودع للإنسان كنوزًا من الخير والمال، والحلي والدرر في الجبال وأعماق البحار، إضافة إلى ما يخرج من تلك الأعماق من السمك واللحم الحلال، كل ذلك قد سخّره لذلك الإنسان، ليدرك يومًا قيمته ومكانته عند خالق الأكوان والأزمان، لعله يقوم بالأمانة العليا التي خلقه من أجلها، وأرسل له بذلك الرسل الكرام، عليهم الصلاة والسلام.

وأما قوله: {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} أي: في تتمة أربعة أيام. قال الشوكاني: (أي في تتمة أربعة أيام باليومين المتقدمين. قاله الزجاج وغيره). أي فرغ اللَّه سبحانه من خلق الأرض وجميع ما تقوم به حاجة الإنسان في المستقبل، يوم سيسكنها بأمره، في أربعة أيام: وهي بدءًا من يوم الأحد، يوم خلق فيها الجبال، وانتهاء بيوم الأربعاء، يوم خلق فيها النور والأمل، الذي سيشرق يومًا في قلوب خلقه من النساء والرجال، فكمّلَ سبحانه في تلك الأيام جميع أسباب الحياة فيها، من الأشجار والماء والمدائن والعمران والخراب وغير ذلك مما يقوم ويصلح به الحال.

وقوله: {سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} فيه قولان:

الأول: عن الحسن قال: (في أربعة أيام مستوية تامة). وعن قتادة: ({سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} قال: من سأل عن ذلك وجده كما قال اللَّه). أي من سأل عن علم ذلك التقدير يوم خلق اللَّه الخلق والأرض، وكم كان ذلك الأجل، حتى استكملها وجعل فيها

ص: 103

الجبال الرواسي والسبل والأنهار، والبحار والأقوات والأشجار، فإنّ حدّه كما أخبر تعالى أربعة أيام.

والثاني: عن ابن زيد قال: (قدّر ذلك على قدر مسائلهم، يعلم ذلك أنه لا يكون من مسائلهم شيء إلا شيء قد علمه قبل أن يكون). وقال الفراء: (في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين). قال القرطبي: (وقال أهل المعاني: معنى: {سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ}: ولغير السائلين، أي خلق الأرض وما فيها لمن سأل ولمن لم يسأل، ويعطي من سأل ومن لا يسأل).

وغاية المعنى أن اللَّه سبحانه قد أثبت تقدير بدء خلق الأرض وما تحتاجه من مقومات العيش فيها في أربعة أيام، ليسكنها الإنسان يومًا فيجد ما يسأل من حاجة فيها، فقد أودعها اللَّه من كنوز الخير وما يقوم به العيش، لينعم الإنسان فيها يومًا ولا يشقى، ولينصرف بهمته ومشاعره وجوارحه إلى ما هو أسمى وأرقى.

وقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} . قال القرطبي: (أي عمد إلى خلقها وقصد لتسويتها).

وقال ابن جرير: (ثم ارتفع إلى السماء)، أي بلا تكييف ولا تمثيل. وقيل:{ثُمَّ} ترجع إلى نقل السماء من صفة الدخان إلى حالة الكثافة، وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفّس.

وقد ذكر القاسمي -في تفسيره- رحمه الله: (وقال بعض علماء الفلك في تفسير هذه الآية: {وَهِيَ دُخَانٌ} أي ذرات، أي غازات أي سديم. ثم تجاذبت كما يتجمع السحاب فصارت كتلة واحدة. مصداقًا لقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا} أي كتلة واحدة. فدارت ثم تقطعت وتفصلت بالقوة الدافعة، فتكونت الأرض والسماوات، تصديقًا لقوله تعالى: {فَفَتَقْنَاهُمَا} أي فصلناهما، فصارتا كرات من الماء في يومين. ثم قال: وفي هذا الوقت كان عرشه على الماء. أي كان ملكه وسلطانه على الماء واللَّه أعلم).

وعن ابن عباس: ({فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا}، قال اللَّه تعالى للسماء: أطلعي شَمْسَك وقمرك وكواكبك، وأجري رياحك وسحابك. وقال للأرض: شُقِّي أنهارك وأخرجي شجرك وثمارك طائعتين أو كارهتين {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}).

ص: 104

وقوله: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا} . قال السدي: (استوى إلى السماء وهي دخانٌ مِنْ تنفس الماء حين تنفّس، فجعلها سماء واحدة، ففتقها، فجعلها سبع سماوات في يومين في الخميس والجمعة. وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض. {وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد، وما لا يُعلم. {وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} قال: ثم زيَّنَ السماء بالكواكب، فجعلها زينة {وَحِفْظًا} من الشياطين). أي من الشياطين أن تسترق أخبارها.

وعن قتادة: ({وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} قال: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها، وخلق في كل سماء خَلْقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البَرَد والثلوج).

وفي المسند وجامع الترمذي بسند حسن عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وَحُقَّ لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضِعُ أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته للَّه تعالى ساجدًا](1).

وفي مسند الإمام أحمد كذلك بسند صحيح عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [البيت المعمور في السماء السابعة، يدخله كل يوم سبعون ألفَ ملك، ثم لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة](2).

وفوق هذه المخلوقات كلها ما هو أعظم منها وأكبر، وهو العرش، وتحته كرسي الرحمان عز وجل، وقد وصفه اللَّه سبحانه في كتابه فقال في سورة البقرة:{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} . قال ابن عباس: (لو أن السماوات السبع والأرضين السبع، بُسِطْنَ ثم وُصِلن بعضهن إلى بعض، ما كنّ فيه سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة).

وبنحو معناه جاء الخبر الصحيح عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيما يرويه محمد بن أبي شيبة

(1) حديث حسن. أخرجه أحمد والترمذي كما مرّ بتمامه. وكذلك ابن نصر في "الصلاة"(1/ 44)، (2/ 43)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1059)، (1060).

(2)

حديث صحيح. أخرجه أحمد (3/ 153)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (477).

ص: 105

عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة](1).

وأخرج ابن خزيمة في التوحيد بسند صحيح عن ابن عباس قال: [الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره](2). فيكون العرش بهذا المعنى هو أعظم المخلوقات، ومن أول المخلوقات، استوى عليه الرحمان سبحانه استواء يليق بجلاله وكبريائه، وهو سبحانه غير محتاج إلى الكرسي ولا إلى العرش، فتبارك اللَّه أحسن الخالقين.

وقوله: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} . قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: هذا الذي وصفت لكم من خلقي السماء والأرض وما فيهما، وتزييني السماء الدنيا بزينة الكواكب على ما بينت تقدير العزيز في نقمته من أعدائه، العليم بسرائر عباده وعلانيتهم، وتدبيرهم على ما فيه صلاحهم).

13 -

18. قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا

(1) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في "كتاب العرش"(114/ 1)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص (290). وانظر السلسلة الصحيحة (109).

(2)

موقوف صحيح. رواه ابن خزيمة في "التوحيد"، وعبد اللَّه بن أحمد في "السنة" بسند صحيح. انظر مختصر العلو ص (102)، وهو في حكم المرفوع كما لا يخفى. وانظر تفصيل ذلك في كتابي: أصل الدين والإيمان (2/ 1161).

ص: 106

الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18)}.

في هذه الآيات: يقول جل ذكره: فإن أعرض هؤلاء المشركون عن هذه الحجة التي بينتها لهم -يا محمد- فقل أنذرتكم صاعقة تهلككم كما أهلكت عاد وثمود الذين كذبوا المرسلين، واستكبروا في الأرض وطغوا وكانوا ظالمين، فأهلكت عاد بالريح وثمود بالصاعقة وكتب اللَّه النجاة للمتقين.

فقوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} .

الصاعقة: كل ما أفسد الشيء وغَيَّره عن هيئته. قال الرازي: (الصاعقة: نارٌ تسقط من السماء في رَعْد شديد. والصاعقة أيضًا صيحة العذاب). قال قتادة: (يقول أنذرتكم وقيعة مثل وقيعة عاد وثمود. قال: عذاب مثل عذاب عاد وثمود).

وقوله: {إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} .

قال ابن عباس: (الرسل التي كانت قبل هود، والرسل الذين كانوا بعده، بعث اللَّه قبله رسلًا، وبعث من بعده رسلًا). قال ابن كثير: (أي في القرى المجاورة لبلادهم، بعث اللَّه إليهم الرسل يأمرون بعبادة اللَّه وحده لا شريك له، ومُبشِّرين ومُنذرين، ورأوا ما أحَلَّ اللَّه بأعدائه من النِّقم، وما أَلْبَسَ اللَّه أولياءه من النِّعم، ومع هذا ما آمنوا ولا صدّقوا، بل كذبوا وجحدوا). والآية كقوله تعالى: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} [الأحقاف: 21].

وقوله: {قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} .

قال ابن جرير: (فقالوا لرسلهم إذ دعوهم إلى الإقرار بتوحيد اللَّه: لو شاء ربنا أن نوحده. . لأنزل إلينا ملائكة من السماء رسلا. . ولم يرسلكم وأنتم بشر مثلنا، ولكنه رضي عبادتنا ما نعبد فلذلك لم يرسل إلينا بالنهي عن ذلك ملائكة {فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} -قالوا لرسلهم: فإنا بالذي أرسلكم به ربكم إلينا جاحدون غير مصدقين به-).

وقوله: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} . قال النسفي: (أي تعظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم وهو القوة وعظم الأجرام، أو استولوا على الأرض بغير استحقاق للولاية).

وقوله: {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} . قال القرطبي: (اغتروا بأجسامهم حين تهدّدهم

ص: 107

بالعذاب، وقالوا: نحن نقدر على دفع العذاب عن أنفسنا بفضل قوتنا. وذلك أنهم كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم). قيل: وبلغ من قوتهم أن الرجل كان يقتلع الصخرة من الجبل بيده.

وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} .

أي: أولم يروا أن اللَّه الذي خلقهم أوسع منهم قدرة، لأنه قادر على كل شيء، وهم قادرون على بعض الأشياء بإقداره لهم، ولو شاء لَعَطَبَهُم وعطَّل حرَكَتَهُم وقدرتهم.

وقوله: {وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} . أي: وكانوا بمعجزاتنا يكفرون، وهم يعلمون أن تلك الآيات حق، وإنما منعهم البغي والكبر.

وقوله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} . قال مجاهد: (شديدة). أو قال: (شديدة السَّموم عليهم). وقال قتادة: (الصرصر: الباردة). وقال السدي: (باردة ذات الصوت). قال ابن كثير: (والحق أنها مُتّصفة بجميع ذلك، فإنها كانت ريحًا شديدة قوية، لتكونَ عُقوبَتُهم من جنس ما اغترُّوا به من قُواهم، وكانت باردة شديدة البرد جدًا كقوله تعالى: {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة: 6]، أي باردة شديدة، وكانت ذاتَ صوت مزعج، ومنه سمي النهر المشهور ببلاد المشرق صَرْصَرًا، لقوة صوت جريه).

وقوله: {فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ} . قال ابن عباس: (أيام متتابعات أنزل اللَّه فيهن العذاب). وقال مجاهد: (مشائيم). وقال قتادة: (النحسات: المشؤومات النكدات). قال ابن زيد: (النحس: الشر، أرسل عليهم ريح شرٍّ ليس فيها من الخير شيء). وقال الضحاك: (شداد).

قلت: وأصل النَّحْسِ في لغة العرب ضِدُّ السَّعْد، فيكون المعنى: أرسل اللَّه عليهم الريح الصرصر في أيام ذوات نحس: أي ذوات شؤم وشر وشدة عليهم، ابتُدئ بذلك عليهم {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ} [القمر: 19]، ثم تتابع النحس عليهم سبع ليال وثمانية أيام حتى أبادهم عن آخرهم.

وقوله: {لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ} . أي: اتصل بهم عذاب الدنيا بالريح العقيم بعذاب الآخرة الأدهى والأمَرِّ في نار الجحيم، ثم هم لا ينصرون في الآخرة، كما خُذلوا ولم ينصروا في الدنيا.

وقوله: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} . -أي هداية الرسل- هداية الدلالة والإرشاد. قال

ص: 108

ابن عباس: (أي بيَّنا لهم). وقال قتادة: (بَيَّنَا لهم سبيل الخير والشر). وقال ابن زيد: (أعلمناهم الهدى والضلالة ونهيناهم أن يَتَّبعوا الضلالة، وأمرناهم أن يتبعوا الهدى).

وقوله: {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} . قال السدي: (اختاروا الضلالة والعمى على الهدى). وقال ابن عباس: (أرسل اللَّه إليهم الرسل بالهدى فاستحبوا العمى على الهدى).

وقوله: {فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ} . قال السدي: (عذاب الهون: الهوان). والمقصود: لما آثروا حياة العمى على الهدى بعث اللَّه عليهم صيحة ورَجْفةً وذلًا وهوانًا وعذابًا مخزيًا.

وقوله: {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي: بما قدموا لأنفسهم من التكذيب والعناد والجحود.

وقوله تعالى: {وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} .

قال القرطبي: (يعني صالحًا ومن آمن به، أي ميزناهم من الكفار، فلم يحلّ بهم ما حَلَّ بالكفار، وهكذا يا محمد نفعل بمؤمني قومك وكفارهم).

19 -

24. قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)}.

في هذه الآيات: نَعْتُ اللَّه تعالى مشهد الحشر وقد دُفِعَ الطغاة إلى نار جهنم ونطقت جوارحهم بجرائمهم، فاستنكروا على جلودهم شهادتهم عليهم، فأجابوهم بأنهم نطقوا بأمر اللَّه لهم، وقد كانوا لا يستترون، ويظنون أن اللَّه لا يعلم كثيرًا مما يعملون، فأوصلهم ظنهم ذلك باللَّه إلى عذاب الخزي في النار هم فيها خالدون.

ص: 109

فقوله: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ} . أي: اذكر يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك خزي ذلك اليوم على الكفار، يوم يفرزون في الحشر باتجاه النار.

وقوله: {فَهُمْ يُوزَعُونَ} . قال ابن عباس: (يدفعون). وقال السدي: (يحبَسُ أوّلهم على آخرهم). أي تجمع زبانية العذاب أولهم على آخرهم. قال النسفي: (أي يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار، وأصله من وزعته أي كففته).

قلت: يُستوقفون ليتلاحقوا ويجتمعوا فيها، كما اجتمعوا في الدنيا على الكذب، فاليوم تجمعهم نار جهنم، وفي وصفهم بأعداء اللَّه مبالغة في ذمهم.

وقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . {مَا} في قوله {مَا جَاءُوهَا} مزيدة للتأكيد، والمقصود: حتى إذا صاروا بحضرتها أو وقفوا عليها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما قدموه وأخروه.

قال الرازي: (فاللَّه سبحانه ذكر هنا ثلاثة أنواع من الحواس: وهي السمع والبصر واللمس، وأهمل ذكرَ نوعين، وهما الذوق والشم، فالذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه. . وكذلك الشم).

فالذوق يحصل عندما تكون جلدة اللسان مماسة للطعام فهو نوع من اللمس، وكذلك الشم يحصل عندما تكون جلدة الحنك مماسة للشيء المشموم وهي نوع من اللمس أيضًا.

وأما الجلود فهي الجلود المعروفة، في قول أكثر المفسرين. وقيل:(أراد بالجلود الفروج) ذكره السدي. وقال الحكم الثقفي: (إنما عنى فروجهم ولكنه كنى بها)، والأول أرجح وأشمل.

قال الشوكاني: (لأن ما يشهدُ الفرجُ من الزنا أعظم قبحًا وأجلب للخزي والعقوبة).

وأما قوله جل ذكره: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} -فقد جاء- في تفسيره حديث صحيح.

فقد روى مسلم وأحمد عن أنس رضي الله عنه قال: [ضحك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذات يوم حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا تسألون مِمَّ ضحكت؟ قالوا: ممّ ضحكت يا رسول اللَّه؟ قال: عجبت من مجادلة العبد ربَّه يوم القيامة! قال: يقول العبد يوم

ص: 110

القيامة: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يُخَلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعْدًا لكنَّ وسحقًا، فعنكن كنت أناضل] (1).

وقوله: {وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} . قال النسفي: (وهو قادر على إنشائكم أول مرة وعلى إعادتكم ورجوعكم إلى جزائه).

وقوله: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ} الآية. {أَنْ} في محل نصب على العلة، أي لأجل أن تشهد أو مخافة أن تشهد.

وفي الصحيحين والمسند عن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه قال: [{وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ} الآية. قال: كان رجلان من قريش وختن لهما من ثقيف أو رجلان من ثقيف وختن لهما من قريش في بيت، فقال بعضهم لبعض: أترون أن اللَّه يسمع حديثنا؟ قال بعضهم: يسمع بعضه، وقال بعضهم: لئن كان يسمع بعضه لقد يسمع كله، فأنزلت: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ} الآية](2).

وفي رواية: قال ابن مسعود: [كنت مستترًا بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر: قرشيٌّ وثقفيان، أو ثقفي وقرشيان، كثير لحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون أن اللَّه يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخران: إنا إذا رفَعْنا أصواتنا سمعه، وإنا إذا لم نرفعه لم يسمعه، فقال الآخران: إن سمع منه شيئًا سمعه كله، قال: فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل اللَّه: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}](3).

(1) حديث صحيح. رواه مسلم (8/ 217) - كتاب التوبة وقبولها وسعة رحمة اللَّه وغير ذلك. باب: في شهادة أركان العبد يوم القيامة بعمله. انظر مختصر صحيح مسلم (1933). ورواه أحمد وغيره. وقوله: "أناضل" أي أجادل وأدافع وأخاصم.

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (فتح الباري - 8/ 562)، وانظر صحيح مسلم -بشرح النووي- (17/ 122)، ورواه أحمد وغيرهم. وانظر تفصيل البحث في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة - بحث (16) - (1/ 269).

(3)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (4817)، ومسلم (2775)، وأحمد (1/ 443 - 444)، وأخرجه =

ص: 111

وعن السدي: ({وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ} أي تستخفون منها). قال مجاهد: (تتقون). أي: وما كنتم تستخفون فتتركون ركوب المحرمات والمآثم في الدنيا حذرًا أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم اليوم، ولكن حسبتم حين ركبتم ذلك في الدنيا أن اللَّه يخفى عليه كثيرًا مما تعملون.

وعن السدي: (قوله: {أَرْدَاكُمْ} قال: أهلككم). وعن الحسن قال: (إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم، فأما المؤمن فأحسن باللَّه الظن، فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق، فأساءا الظن فأساءا العمل. قال ربكم: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ} حتى بلغ {الْخَاسِرِينَ}).

قلت: ولقد كانت هذه الآيات العظيمة تهديدًا لقريش إذا استمرت في تشكيكها وتكذيبها واستهزائها بصفات اللَّه، أن يحصل لها من الخزي في ذلك اليوم الموعود ما حكاه اللَّه وأنزله على المؤمنين ليتلوه إلى يوم القيامة.

وقوله {فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} . كقوله تعالى: {اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} . أي: سواء عليهم أصبروا أم لم يصبروا، فإن النار مأواهم ومستقرهم لا محيد عنها ولا أمل لهم في الخروج منها.

وقوله: {وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ} . قال القرطبي: (أي طلبوا الرضا لم ينفعهم ذلك بل لا بد لهم من النار). وقيل: (وإن يستقيلوا ربهم فما هم من المقالين). قال ابن جرير: (وإن يسألوا العُتبى وهي الرجعة لهم) -أي إلى الدنيا، فلا جواب لهم. قال ابن كثير:(وإن طلبوا أن يستعتبوا ويُبْدوا أعذارًا فما لهم أعذار، ولا تُقال لهم عثرات).

قلت: وفي لغة العرب، استعتبه: أي استرضاه. والمقصود: وإن حاولوا التماس رضى اللَّه تعالى بالإقرار بالذنب والندم، وطلبوا فرصة أخرى لِيُعَدِّلُوا طريقهم ومنهاج عبادتهم لم يجابوا لذلك، بل كان الجواب كما قال تعالى إخبارًا عنهم:{قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 106 - 108].

= الترمذي (3248)، وكذلك ابن حبان (390)، وانظر التفصيل في المرجع السابق. وانظر الصحيح المسند من أسباب النزول -الوادعي- سورة فصلت، آية (22).

ص: 112

25 -

29. قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)}.

في هذه الآيات: تزيين الشياطين للكفار أعمالهم، حتى جمع اللَّه في العذاب بينهم. ومحاولات الكفار الصد عن القرآن، وسبيل الرحمان، حتى أخزاهم اللَّه وضاعف لهم العذاب بمكرهم.

فقوله: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} .

قال مجاهد: ({قُرَنَاءَ} شياطين). وقال السدي: ({فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} من أمر الدنيا {وَمَا خَلْفَهُمْ} من أمر الآخرة).

قال ابن جرير: (-يقول-: وبعثنا لهم نظراء من الشياطين فجعلناهم لهم قرناء قرنّاهم بهم يزينون لهم قبائح أعمالهم. قال: فزين لهؤلاء الكفار قرناؤهم من الشياطين ما بين أيديهم من أمر الدنيا فحسنوا ذلك لهم وحبّبوه إليهم حتى آثروه على أمر الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ}: وحسّنوا لهم أيضًا ما بعد مماتهم بأن دعوهم إلى التكذيب بالمعاد، وأن من هلك منهم فلن يبعث وأن لا ثواب ولا عقاب حتى صدقوهم على ذلك، وسهل عليهم فعل كل ما يشتهونه، وركوب كلّ ما يلتذونه من الفواحش باستحسانهم ذلك لأنفسهم).

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 36 - 37].

2 -

وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129]. قال ابن زيد: (نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس).

ص: 113

وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إنّ إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فَرَّقْتُ بينه وبين أهله، فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت](1).

وله شاهد عند ابن حبان من حديث أبي موسى الأشعري -بإسناد صحيح رجاله ثقات- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده، فيقول: من أضَلَّ اليوم مسلمًا ألبستُه التاج، فيخرُج هذا فيقول: لم أزل به حتى طَلَّقَ امرأته، فيقول: أوشك أن يتزوج. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عقَّ والديه فيقول: يوشك أن يَبَرَّهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك، فيقول: أنت أنت، ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتلَ، فيقول: أنت أنت ويُلْبِسُهُ التاج](2).

وقوله: {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} .

أي: وحق عليهم {كَلِمَةُ الْعَذَابِ} كمن قبلهم من الجن والإنس استووا وإياهم في الخسار والدمار. قال القرطبي: (أي وجب عليهم من العذاب ما وجب على الأمم الذين من قبلهم الذين كفروا ككفرهم).

وقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ} . قال النسفي: (هو تعليل لاستحقاقهم العذاب). والمقصود: إن تلك الأمم الضالة من الجن والإنس كانوا مغبونين ببيعهم رضا اللَّه ورحمته بسخطه وعذابه فخسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.

وقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} .

هو وصف لمحاولات قريش في الصد عن هذا القرآن، وذلك بافتعال الضجيج والفوضى عند تلاوته، ظنًا منهم أن ذلك سيصرف تأثيره الساحر على قلوب الناس حين يُتْلى فلا يؤثر.

قال ابن عباس: (هذا قول المشركين قالوا: لا تتبعوا هذا القرآن والهوا عنه). وعن مجاهد: ({لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} قال: المكاء والتصفير، وتخليط من القول

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2813) - ح (67)، ح (68)، كتاب صفات المنافقين.

(2)

حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (65) ورجاله ثقات رجال البخاري. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1280)، وكتابي:"منهج الوحيين في معالجة زلل النفس وتسلط الجن" ص (24)، لمزيد من التفصيل في هذا البحث.

ص: 114

على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا قرأ، قريش تفعله). وعن قتادة قال:(أي اجحدوا به وأنكروه وعادوه، قال: هذا قول مشركي العرب). وعن معمر، قال بعضهم في قوله:{وَالْغَوْا فِيهِ} قال: (تحدثوا وصيحوا كيما لا تسمعوه). قال ابن جرير: ({لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}: لعلكم بفعلكم ذلك تصدون من أراد استماعه عن استماعه فلا يسمعه، وإذا لم يسمعه ولم يفهمه لم يتبعه، فتغلبون بذلك من فعلكم محمدًا).

وقوله: {فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا} . تَوَعُّدٌ من اللَّه المشركين على سوء ما مكروا وما بيّتوا.

وقوله: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} . قال النسفي: (أي أعظم عقوبة على أسوأ أعمالهم وهو الكفر).

وقوله: {ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ} . قال القرطبي: (أي ذلك العذاب الشديد، ثم بينه بقوله {النَّار}).

وقوله: {لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} . أي: لهم فيها المكث الأبدي مقابل ما كانوا من حجج اللَّه ينكرون ويلغون.

وقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} . أي: الشيطانين اللذين كانا سبب غوايتهم، فإن الشياطين على ضربين جني وإنسي كما قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام: 112].

وفي مسند الإمام أحمد بسند حسن عن أبي ذر، رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [يا أبا ذر، تعوّذ باللَّه من شياطين الإنس والجن. فقلت: أوَ للإنس شياطين؟ قال: نعم](1).

وقوله: {نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ} .

أي: نجعلهما أسفل منّا في العذاب ليشتد عليهم النكال، وليذوقوا ضعف الخزي والوبال، جزاء إضلالهم إيانا وصيرورتنا إلى هذا المآل.

30 -

32. قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ

(1) حديث حسن. أخرجه أحمد (5/ 178 - 179)، والنسائي (8/ 275)، وله شواهد.

ص: 115

أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)}.

في هذه الآيات: تَنَزُّلُ الملائكة بالأمن والطمأنينة والبشرى بالجنة للمؤمنين، والوَعْد بالنصر والتأييد في هذه الحياة الدنيا وفي دار الخلود والنعيم.

فقوله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} . قال مجاهد: (هم الذين قالوا ربنا اللَّه ثم لم يشركوا به حتى لقوه). وقال: (أسلموا ثم لم يشركوا به حتى لحقوا به). قال عكرمة: (استقاموا على شهادة أن لا إله إلا اللَّه).

والمقصود هم الذين أخلصوا الإيمان والعمل لوجه اللَّه كما شرع وثبتوا على ذلك حتى لقوا ربهم.

وفي صحيح مسلم ومسند أحمد عن سفيان بن عبد اللَّه الثقفي قال: [قلت: يا رسولَ اللَّه، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: قل: آمنت باللَّه، ثم استقم](1).

وفي لفظ أحمد: [قال: قلت يا رسول اللَّه، حدثني بأمر أعتصِم به. قال: قُل: ربي اللَّه، ثم استقم. قلت: يا رسول اللَّه، ما أكثرُ ما تخاف علىَّ؟ فأخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بطرف لسان نفسه، ثم قال: هذا](2). وفي لفظ آخر: [قال فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه].

وقوله: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} .

"أنْ" في موضع نصب. والتقدير: بأن لا تخافوا ولا تحزنوا. قال مجاهد: (عند الموت). وقال: (لا تخافوا ما تقدمون عليه من أمر الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلفتم من دنياكم من أهل وولد، فإنا نخلفكم في ذلك كله). وعن السدي: ({أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} قال: لا تخافوا ما أمامكم ولا تحزنوا على ما بعدكم).

وقوله: {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} . قال السدي: (في الدنيا). وقال

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (38)، وأحمد (3/ 413)، والنسائي في "الكبرى"(11489).

(2)

حديث صحيح. أخرجه أحمد (4/ 413)، والترمذي (2410)، وابن ماجة (3972)، وانظر للفظ الآخر مسند أحمد (3/ 413)، (3/ 413) ـ (3/ 384)، والدارمي (2/ 296)، وصحيح ابن حبان (5698)، وإسناده صحيح، وله طرق.

ص: 116

زيد بن أسلم: (يبشرونه عند موته وفي قبره وحين يبعث) - رواه ابن أبي حاتم.

وفي المسند وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم بسند صحيح من حديث البراء مرفوعًا: [إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحَنوط (1) من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة (وفي رواية: المطمئنة)، اخرجي إلى مغفرة من اللَّه ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، (وفي رواية: حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون اللَّه أن يعرج بروحه من قبلهم)، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط] الحديث (2).

وله شاهد عند ابن ماجة بسند صحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [إن الميت تحضُره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحًا قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرُجي حميدة، وأبشري بروحٍ ورَيْحان، وربٍّ غير غضبان، فلا يزال يقالُ لها ذلك حتى تخرج](3).

وقوله: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} . قال السدي: (نحن الحفظة الذين كنا معكم في الدنيا، ونحن أولياؤكم في الآخرة). والمعنى: فتقول لهم الملائكة عند موتهم: نحن الذين كنا نتولاكم في الدنيا، أي: كنا قرناءكم نسدّدكم ونعينكم ونحفظكم بأمر اللَّه، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور، ونطمئن قلوبكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم بإذن اللَّه الصراط فوق الجحيم، لتصلوا إلى دار السلام دار الخلود والنعيم.

وقوله: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} .

أي: ولكم في الجنة ما تشتهون من الملاذ وألوان السرور والنعيم، ولكم كذلك

(1) ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصة.

(2)

حديث صحيح. أخرجه أحمد (4/ 287)، وأبو داود (2/ 281)، والحاكم (1/ 37 - 40).

(3)

حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (4262) - كتاب الزهد. باب ذكر الموت والاستعداد له. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (3437).

ص: 117

ما تسألون وتتمنَّون حصوله من اللَّه المنعم الكريم.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ["يقول اللَّهُ عز وجل: أَعْدَدْتُ لعبادي الصالحين ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ علىِ قلب بشر، ذُخْرًا، بَلْهَ ما أطلعكم اللَّه عليه". ثم قرأ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]] (1).

وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:[لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الجنةَ والنارَ أرسل جَبْرئيلَ إلى الجنة، فقال: انْظُر إليها وإلى ما أعْدَدْتُ لأهلها فيها، قال: فجاءها فنظر إليها وإلى ما أعَدَّ اللَّه لأهلها فيها، قال: فرجَعَ إليه، قال: فوعزتك لا يسمع بها أحدٌ إلا دخلها. .] الحديث (2).

وفيه أيضًا بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [المؤمنُ إذا اشتهى الولَدَ في الجنة، كانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وسنُّهُ في ساعة كما يشتهي](3).

وقوله تعالى: {نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} . نزلًا: نصب على المصدر. أي رزقًا وضيافة من اللَّه الغفور الرحيم. قال ابن كثير: (أي: ضيافة وعطاءً وإنعامًا من غفورٍ لذنوبكم، رحيمٍ بكم رؤوفٍ، حيث غفر، وسَتَرَ، ورَحِمَ ولطفَ).

أخرج الإمام أحمد والبزار بإسناد على شرط الشيخين عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ["مَن أَحَب لقاء اللَّه أحبَّ اللَّه لقاءه، ومن كَرِهَ لقاء اللَّه كَرِهَ اللَّه لقاءه". قلنا: يا رسول اللَّه، كُلُّنا نكرَه الموتَ؟ قال: "ليس ذلك كراهيةَ الموت، ولكن المؤمنَ إذا حُضِرَ جاءه البشير من اللَّه بما هو صائِرٌ إليه، فليس شيءٌ أحبَّ إليه من أن يكونَ قد لَقِيَ اللَّه فأحَبَّ اللَّه لقاءه - قال: وإن الفاجر -أو الكافر- إذا حُضِرَ جاءَه بما هو صائِرٌ إليه من الشر -أو: ما يَلقى من الشرِّ- فَكَرِهَ لقاءَ اللَّه، فكَرِهَ اللَّه لقاءه"](4).

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2824)، ح (4)، كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها.

(2)

حديث حسن صحيح. أخرجه الترمذي في أبواب صفة الجنة. انظر صحيح سنن الترمذي (2075) - باب ما جاء في أن الجنة حُفت بالمكاره، وحُفّت النار بالشهوات.

(3)

حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (2077) - الكتاب السابق، باب ما جاء ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة.

(4)

حديث صحيح. أخرجه أحمد (3/ 107)، والبزار (780)، وسنده على شرط الشيخين.

ص: 118

وأصله في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنه قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [مَنْ أحَبَّ لقاء اللَّه، أحَبَّ اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه، كره اللَّه لِقاءه. فقلت: يا نبي اللَّه! أَكراهيةُ الموتِ؟ فَكُلُّنا نَكْرهُ المَوْتَ، فقال: ليْسَ كذلِك، ولكِنَّ المؤمِنَ إذا بُشِّرَ برحمة اللَّه ورضوانِه وجَنَّتِهِ، أحبَّ لقاءَ اللَّه، فأحَبَّ اللَّه لقاءه، وإنَّ الكافر إذا بُشِّرَ بعذاب اللَّه وسَخَطِه، كَرِهَ لِقاءَ اللَّه، وكَرِهَ اللَّه لقاءَه](1).

33 -

36. قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)}.

في هذه الآيات: الثناءُ الحسن على الدعاة إلى اللَّه أهل العمل الصالح والمثل الأعلى في المسلمين. والأمر بمدافعة السيئة بالتي هي أحسن فإذا صاحب العداوة كأنه ولي حميم. والإخبار عن بلوغ مراتب الجنة العالية أهل الصبر وأصحاب الحظ العظيم. والأمر بالاستعاذة باللَّه من همزات ووساوس الشيطان الرجيم.

فقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} . قال الحسن: (هذا حبيب اللَّه، هذا وليّ اللَّه، هذا صفوة اللَّه، هذا خيرة اللَّه، هذا أحبُّ الخلق إلى اللَّه، أجاب اللَّه في دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب اللَّه فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته، وقال إنني من المسلمين).

وعن قتادة قال: (هذا عبد صدق قولَه عملُه، ومولجَه مخرجُه، وسرَّه علانيته، وشاهده مغيبه، وإن المنافق عبد خالف قولَه عملُه، ومولجَه مخرجُه، وسرَّه علانيته، وشاهده مغيبه).

واختلف في المعني بذلك: فعن السدي: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ} قال محمد صلى الله عليه وسلم حين دعا إلى الإسلام).

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (2684) - كتاب الذكر والدعاء. ح (15)، (16).

ص: 119

وعن قيس بن أبي حازم قال: ({وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ} قال: المؤذن، {وَعَمِلَ صَالِحًا} قال: الصلاة ما بين الأذان إلى الإقامة).

قلت: بل الآية عامة في صفات خير العباد، وهم الأنبياء والرسل وأتباعهم من العلماء والقادة والدعاة إلى اللَّه وأهل العمل الصالح على منهاج النبوة.

وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق ذلك في أحاديث:

الحديث الأول: أخرج ابن نصر في "الصلاة"، والحاكم في المستدرك، بإسناد صحيح -رجاله كلهم ثقات- عن العلاء بن زياد قال:[سأل رجل عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فقال: أي المؤمنين أفضل إسلامًا؟ قال: "أفضل المؤمنين إسلامًا من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات اللَّه، وأفضل المهاجرين من جاهد لنفسه وهواه في ذات اللَّه". قال: أنت قلته يا عبد اللَّه بن عمرو أو رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قال: بل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قاله](1).

ورواه الطبراني بلفظ: [أفضل المؤمنين إسلامًا من سَلم المسلمون من لسانه ويده، وأفضل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلقًا، وأفضلُ المهاجرين مَنْ هَجَرَ ما نهى اللَّه تعالى عنه، وأفضل الجِهاد من جَاهَدَ نفسه في ذات اللَّه عز وجل].

ورواه الحاكم من طريق عبد اللَّه بن عبيد بن عمير عن أبيه عن جده مرفوعًا به دون ذكر الهجرة، وذكر:[أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر](2).

الحديث الثاني: أخرج الديلمي بسند صحيح لغيره عن معقل بن يسار مرفوعًا: [أفضل الإيمان الصبرُ والسماحة](3).

الحديث الثالث: أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن عن أبي سعيد الخدري: [أنّ رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس أفضل؟ فقال: أفضل الناس (وفي رواية: خير الناس) رجلٌ يجاهد في سبيل اللَّه بماله ونفسه، ثم مؤمن في شعبٍ من

(1) أخرجه ابن نصر في "الصلاة"(142/ 2) بسند صحيح رجاله كلهم ثقات. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1491)، وصحيح الجامع الصغير (1140).

(2)

أخرجه الحاكم (3/ 626)، وبنحوه ابن نصر في "الصلاة"(143/ 2).

(3)

أخرجه الديلمي (1/ 1/ 128)، وابن أبي شيبة في "الإيمان"(رقم - 43)، من حديث جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما، ورجاله ثقات.

ص: 120

الشِّعاب يعبدُ اللَّه ربَّه، ويدعُ الناس من شرِّه] (1).

الحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بإسناد حسن عن ابن عمر رضي الله عنهما، -وكذلك أحمد والترمذي بألفاظ متقاربة- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم](2). وفي رواية: (أعظم أجرًا) بدل "خير". وفي لفظ آخر: [المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أفضلُ من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبرُ على أذاهم].

قال ابن جرير: ({وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}: وقال إنني ممن خضع للَّه بالطاعة، وذلّ له بالعبودة، وخشع له بالإيمان بوحدانيته).

وقوله: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ} . أي التوحيد والشرك، والبر والإثم.

قال ابن عباس: (الحسنة لا إله إلا اللَّه، والسيئة الشرك). وقيل: الحسنة الطاعة، والسيئة: الشرك. وقيل: الحسنة المداراة، والسيئة الغلظة. وقيل: الحسنة العفو، والسيئة الانتصار. وقال الضحاك:(الحسنة العلم، والسيئة الفحش).

وقوله: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} . قال ابن عباس: (أي ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك). وقال: (أمر اللَّه المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم اللَّه من الشيطان، وخضع لهم عدوّهم كأنه ولي حميم).

وعن عطاء: ({ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} قال: السلام). قال ابن جرير: (-يقول-: ادفع يا محمد بحلمك جَهْلَ مَنْ جَهِلَ عليك، وبعفوك عمن أساء إليك إساءة المسيء، وبصبرك عليهم مكروه ما تجد منهم ويلقاك من قِبلهم).

وقوله: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} . قال قتادة: (أي كأنه وليٌّ قريب). والمقصود: فإذا فعلت ذلك تحول عدوك المشاق مثل الولي الحميم مصافاة لك. قال القاسمي: ({كَأَنَّهُ وَلِيٌّ} أي صديق أو قريب {حَمِيمٌ} أي شديد الولاء.

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (6/ 4)، (11/ 277 - 278)، ومسلم (6/ 39)، وأبو داود (1/ 389)، والنسائي (2/ 55)، والترمذي (3/ 16)، وابن ماجة (2/ 475)، وأحمد (3/ 16)، والحاكم (2/ 71) من حديث أبي سعيد الخدري.

(2)

حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (2/ 493)، والترمذي (3/ 319)، وأخرجه أحمد (5/ 365)، وأبو نعيم في "الحلية"(5/ 62 - 63)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (939)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (6527).

ص: 121

وأصل الحميم الماء الشديد حرارته. كنى به عن الوليّ المخلص في ودّه، لما يجد في نفسه من حرارة الحب والشوق والاهتمام نحو مواليه).

وقوله: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا} . قال القرطبي: ({وَمَا يُلَقَّاهَا} يعني هذه الفَعلة الكريمة والخصلة الشريفة {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا} بكظم الغيظ واحتمال الأذى).

أي: وما يلقى هذه الخصلة الرفيعة التي هي مقابلة الإساءة بالإحسان إلا الذين صبروا على تجرّع الشدائد، الذين ورثوه من حسن طاعتهم للَّه وامتثالهم لأوامره القاضية بالتخلق بالعلم والعفو والحلم.

وقوله: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} . قال ابن عباس: (أي نصيب وافر من الخير). وقال السدي: ({إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}: ذو جدّ). وقال مجاهد: (الحظ العظيم الجنة). وقال الحسن: (واللَّه ما عظم حظ قط دون الجنة).

فيكون مفهوم الآية على أحد تأويلين:

التأويل الأول: ما يُلَقَّى تلك الخصلة الشريفة إلا أهل الصبر وإلا ذو حظ عظيم من الخير وكمال النفس والخُلق والعقل.

التأويل الثاني: وما يُلَقَّى الجنة إلا الصابرون، وكذلك إلا ذو حظ عظيم.

قلت: والإعجاز القرآني يحتمل التأويلين معًا، فإن تلك الخصال الرفيعة طرق الجنة.

وقوله: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ} . قال السدي: (وسوسة وحديث النفس). وقوله: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} أي من كيده وشره، وإرادته الفاسدة بمقابلة الإساءة بطرقه الشيطانية التي لا تبقي للصلح سبيلًا.

قال ابن كثير: (أي: إن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه، فأما شيطان الجن فإنه لا حيلةَ فيه إذا وسوس إلا الاستعاذة بخالقه الذي سَلَّطَه عليك، فإذا استعذت باللَّه ولجأت إليه، كَفَّهُ عنك ورَدَّ كيدَه).

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 199 - 200].

2 -

وقال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ

ص: 122

مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 96 - 98].

وقوله: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} . أي: إنه هو السميع لاستعاذة عباده العليم بأقوالهم وأفعالهم.

وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: [كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل كبّر ثم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". ثم يقول: "لا إله إلا اللَّه" ثلاثًا، ثم يقول: "اللَّه أكبر كبيرًا" ثلاثًا، "أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" ثم يقرأ](1).

37 -

39. قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)}.

في هذه الآيات: الليلُ والنهارُ والشمس والقمر آيات كبيرة من آيات اللَّه العظيم. والسجودُ لا يكون إلا للَّه الذي خلقهن فمن استكبر فإن الملائكة جنود كثيرة يسبحون اللَّه وله يسجدون. والأرض الخاشعة تهتز بإذن اللَّه بالماء الذي ينزله عليها -سبحانه- فهو محيي الموتى الحي القيوم.

فقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} الآية.

أي: ومن علاماته الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته الليل والنهار والشمس والقمر. قال ابن كثير: (أي: إنه خلق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يَقِرَّان، والشمسَ ونورَها وإشراقَها، والقمرَ وضياءَه وتقديرَ منازِلهِ في فَلَكِه، واختلافَ سيرِه في سمائِه، لِيُعرَف باختلافِ سيره وسيرِ الشمس مقاديرُ الليل النهار، والجُمَع والشهورُ والأعوام، ويتبيَّن بذلك حلول الحقوق، وأوقات العبادات والمعاملات. ثم لما كان

(1) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (775) - كتاب الصلاة. انظر صحيح سنن أبي داود (701).

ص: 123

الشمسُ والقمرُ أحسنَ الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبَّهَ تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده، تحت قهره وتسخيره، فقال:{لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} ، أي: ولا تشركوا به، فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يُشرك به).

وفي الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال: [قال لي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب فتسجد تحتَ العرش، ثم تستأمر فيوشِكُ أن يُقالَ لها: ارجعي من حيث جئت](1).

وقوله: {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} أي: فإن استكبر المشركون عن السجود للَّه وإفراده بالتعظيم فإن الملائكة لا يفترون عن السجود له تعالى وتعظيمه بالليل والنهار. قال ابن عباس: (يقول: عبادي ملائكة صافون يسبحون ولا يستكبرون). قال القرطبي: ({وَلَا يَسْأَمُونَ} أي لا يملون عبادته).

وفي سنن ابن ماجة والترمذي بسند حسن عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [إني أرى ما لا تَرَوْن، وأسْمَعُ ما لا تسمعون. إن السَّماء أَطَّت وحقَّ لها أن تئِطَّ. ما فيها موضع أربعِ أصابع إلا وملك واضِعٌ جبهتَه ساجدًا للَّه](2).

وقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً} . أي: هامدة ميتة لا نبات فيها. قال قتادة: (أي: غبراء متهشمة). وقال السدي: (يابسة متهشمة).

وقوله: {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} . قال مجاهد: ({اهْتَزَّتْ} بالنبات {وَرَبَتْ} يقول: انتفخت). قال القرطبي: (فربوُّها ارتفاعها. قال: فالنبات يتحرك للبروز ثم يزداد في جسمه بالكبر طولًا وعرضًا). والربوة والرابية في كلام العرب الموضع المرتفع.

وقوله: {إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . أي: ومن آياته الدالة على قدرته على إعادة الموتى إحياؤه تعالى الأرض الجدبة القاحلة اليابسة بالماء ينزل

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (3199)، ومسلم (159)، وأحمد (3/ 177)، والنسائي في "الكبرى"(11176)، وابن حبان (6153)، وأخرجه الترمذي (2186) نحوه.

(2)

حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (4190) - كتاب الزهد. باب الحزن والبكاء. انظر صحيح سنن ابن ماجة (3378). ورواه أحمد والترمذي نحوه. انظر السلسلة الصحيحة (1059) - (1060).

ص: 124

عليها، فإذا النبات يهتز فيها ويترعرع، وإذا بالثمار والزروع تخرج فيها من جميع الألوان، إنَّ مَنْ أحياها على كل شيء قدير.

40 -

45. قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45)}.

في هذه الآيات: تهديد اللَّه تعالى المعاندين في آياته، وثناؤه تعالى على كتابه المعجز في بيانه، وتسلية لرسوله عما يلقاه من أذى وتكذيب قومه.

فعن ابن عباس: ({إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا} قال: الإلحاد وضع الكلام على غير مواضعه). وقال قتادة: (هو الكفر والعناد). أو قال: (يكذبون في آياتنا). وقال مجاهد: (المكاء وما ذكر معه). وقال السدي: (يشاقون: يعاندون).

والخلاصة كما قال النسفي: (يميلون عن الحق في أدلتنا بالطعن، يقال: ألحد الحافِرُ ولَحَدَ إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق، فاستعير لحال الأرض إذا كانت ملحودة، فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة).

وقوله: {لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} . تهديد ووعيد. قال القاسمي: (أي لإحاطة علمه بهم، وكونه بالمرصاد لهم، فيسجزيهم).

وقوله: {أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} .

أي: هل يستوي من يقذف في نار جهنم يوم القيامة ومن يأتي آمنًا من دخولها.

وقوله: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} . قال القرطبي: (أمر تهديد، أي بعدما علمتم أنهما

ص: 125

لا يستويان فلا بد لكم من الجزاء. {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وعيد بتهديد وتوعُّد).

وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ} . قال قتادة: (كفروا بالقرآن).

وقوله: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} . قال السدي: (عزيز من الشيطان). وقال قتادة: (أعزّه اللَّه لأنه كلامه وحفظه من الباطل).

وقوله: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} . قال سعيد: (النكير من بين يديه ولا من خلفه). أي هو منيع الجانب لا يُرام أن يأتي أحدٌ بمثله وليس للبطلان إليه سبيل، فهو كلام رب العالمين الذي تخشع أمامه الجبال والبحار والأكوان.

وقوله: {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} . قال ابن كثير: (أي: حكيم في أقواله وأفعاله، حميد بمعنى محمود، أي: في جميع ما يأمرُ به وينهى عنه، الجميع محمودة عواقبُه وغاياته). وقال ابن جرير: (هو تنزيل من عند ذي حكمة بتدبير عباده، وصرفهم فيما فيهم مصالحهم، {حَمِيدٍ} يقول: محمود على نعمه عليهم بأياديه عندهم).

وقوله: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} . قال قتادة: (يعزي نبيَّه صلى الله عليه وسلم كما تسمعون يقول: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات: 52]).

وقال السدي: (ما يقولون إلا ما قد قال المشركون للرسل من قبلك).

وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} . أي: إن ربك -يا محمد- لذو مغفرة للمنيبين إليه، المقبلين بالتوبة عليه، بالصفح عنهم والتجاوز عن عقوبتهم، ولكنه ذو عقاب مؤلم لمن أصَرَّ على كفره وذنبه واستكبر عن التذلل لربه.

وقوله: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} .

قال سعيد بن جبير: (لو كان هذا القرآن أعجميًا لقالوا القرآن أعجمي، ومحمد عربيّ). وفي رواية: (قال: الرسول عربي، واللسان أعجمي). وعن مجاهد: ({لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} يقول: بُيِّنت آياته، {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} نحن قوم عرب مالنا وللعُجْمة).

والمقصود: محاصرة عناد مشركي قريش بقوارع حجج الوحي البالغة، فإن القرآن مع بلاغته وفصاحته وانكسارهم أمام روعة بيانه لم يؤمن به المشركون، فأثبت اللَّه تعالى في هذه الآية أن كفرهم بهذا القرآن إنما هو كفر عناد وتعنت. فإنه لو نزل بلغة العجم لأسرعوا القول هلا أنزل مفصلًا بلغة العرب كي نفهمه؟ .

ص: 126

وفي التنزيل نحو ذلك:

قال تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 198 - 199].

وقوله: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} . قال قتادة: (جعله اللَّه نورًا وبركة وشفاء للمؤمنين). أي: قل يا محمد لمعاندي هذا الوحي من قومك: هذا القرآن لمن آمن به فيه هدى لقلبه وشفاء لما في الصدور من الشكوك والريب.

وقوله: {وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} . قال قتادة: (عموا وصموا عن القرآن فلا ينتفعون به ولا يرغبون فيه).

وعن السدي: ({وَقْرٌ} قال: صمم. {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} قال: عميت قلوبهم عنه).

وقوله: {أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} . قال مجاهد: (بعيد من قلوبهم). وقال: ضيّعوا أن يقبلوا الأمر من قريب، يتوبون ويؤمنون فيقبل منهم فأبوا). قال ابن جرير:(معناه: كأنّ من يخاطبهم يناديهم من مكان بعيد لا يفهمون ما يقول).

وقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ} . تعزية من اللَّه لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من تكذيب قومه، فقد كُذِّب موسى وأوذي من قبل ومعه التوراة -كتاب اللَّه- فقال بعضهم هو حق وقال بعضهم هو باطل كما اختلف قومك في كتابك.

وقوله: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} . قال السدي: (أخروا إلى يوم القيامة). أي: ولولا ما سبق من قضاء اللَّه وحكمه بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة لأهلكهم إهلاك استئصال. وقيل: الكلمة السابقة هي العدة بالقيامة وأن الخصومات تفصل في ذلك اليوم ولولا ذلك لقضي بينهم في الدنيا.

وقوله: {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} . قال القاسمي: (أي موقع للريب والاضطراب لأنفسهم وأتباعهم، لعمى بصائرهم وتبلد عقولهم، وإلا فالحق أجلى من أن يخفى).

48 -

46. قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ

ص: 127

أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48)}.

في هذه الآيات: مَرَدُّ العمل الصالح أو السَّيِئ على أهله، ومردُّ علم الساعة إلى اللَّه المتصرف في ملكه، وسوء حال المشركين في الحشر وعند الحساب لنيل عقابه لهم ونكاله.

فقوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} . قال النسفي: (فنفسه نفع). {وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} ، قال:(فنفسه ضرّ).

وقوله: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} . قال ابن كثير: (أي: لا يعاقبُ أحدًا إلا بذنب، ولا يُعَذِّبُ أحدًا إلا بعد قيام الحُجَّة عليه، وإرسال الرسول إليه).

وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال:[يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا](1).

وقوله: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ} . أي: لا يعلم وقتها إلا هو سبحانه. كما قال جل ذكره: {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} [الأعراف: 187]، وكما قال جل ثناؤه:{إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا} [النازعات: 44].

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: [-قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول اللَّه! متى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلمَ من السائل](2).

وفي رواية: [قال: يا رسول اللَّه! متى تقوم الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل].

وقوله: {وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا} . قال القرطبي: ({مِنْ} زائدة، أي وما تخرج ثمرة. {مِنْ أَكْمَامِهَا} أي من أوعيتها، فالأكمام أوعية الثمرة).

أي: وما تبرز ثمرة من أغطيتها فتنشق عنها إلا بإذن اللَّه. قال مجاهد: ({مِنْ

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (8/ 17)، وأحمد في المسند (5/ 160) وهو جزء من حديث طويل.

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم (9) - كتاب الإيمان، وانظر الحديث (10) للرواية الثانية.

ص: 128

أَكْمَامِهَا} حين تطلع). وقال السدي: (من طلعها، والأكمام جمع كُمَّة وهو كل ظرف لماء أو غيره، والعرب تدعو قشر الكفرَّاة كُمًّا).

وقوله: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} . كقوله في سورة الرعد: {يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8].

قال النسفي: (أي ما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع إلا وهو عالم به، يعلم عدد أيام الحمل وساعاته وأحواله من الخداج والتمام والذكورة والأنوثة والحسن والقبح وغير ذلك).

وقوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي} . أي: ويوم ينادي اللَّه المشركين أين شركائي الذين كنتم تعبدون معي وزعمتم أن لهم الشفاعة.

وقوله: {قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ} . قال ابن عباس: (قوله: {آذَنَّاكَ} يقول: أعلمناك). قال القاسمي: (أي أعلمناك ما منا من يشهد لهم بالشركة ويقرّ بها الآن). أي: قال المشركون أو الأصنام -أو كلاهما: العابد والمعبود- أسمعناك وأعلمناك ليس أحد منا اليوم يشهد أن معكَ شريكًا.

وقوله: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ} . أي: بطل عنهم ما كانوا يدعون من قبل في الدنيا من الأوثان والأصنام والطواغيت وحصل التنكر منهم لعبادتهم.

وقوله: {وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ} . قال السدي: (استيقنوا أنه ليس لهم ملجأ). أي: أيقنوا وعلموا أنه لا فرار لهم من النار ولا سبيل للنجاة. كما قال جل وعز: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا} [الكهف: 53].

49 -

51. قوله تعالى: {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51)}.

في هذه الآيات: حِرْصُ الإنسان على الدعاء بالخير، وسرعةُ جزعه إذا أصابه شر،

ص: 129

وإسراعه إلى العجب والكبر والشرك إذا أصابه نعيم أو ما يَسُرّ.

فقوله: {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ} . قال ابن زيد: (لا يمل).

وقوله: {وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} . قال السدي: (قانط من الخير).

والمعنى: لا يمل الإنسان من دعاء ربه بالخير من مال وصحة ورفاهية وسرور، وإن مسه الشر من بلاء أو فقر أو ضيق أو ألم سارع إلى اليأس والقنوط وظن أنه ليس بعد هذا الشر من خير.

وقوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} . قال مجاهد: (أي بعملي: وأنا محقوق بهذا).

وقوله: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} . أي: وما أحسب القيامة قائمة يوم تقوم.

وقوله: {وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} . قال السدي: (غنى). وقيل: الجنة.

قال ابن جرير: (يقول: وإن قامت أيضًا القيامة ورددت إلى اللَّه حيًا بعد مماتي {إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} يقول: إن لي عنده غنى ومالًا).

قال ابن كثير: ({وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً}، أي يكفر بقيام الساعة لأجل أنه خُوّل نعمة يفخر ويبطَر ويكفُر، كما قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7]. {وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} ، أي: ولئن كان ثَمَّ معادٌ فَلَيُحْسِنَنَّ إليَّ ربِّي، كما أحسن إليَّ في هذه الدار، يتمنى على اللَّه عز وجل مع إساءته العملَ وعدم اليقين).

وقوله: {فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا} . قال القرطبي: (أي لنجزينهم. قسم أقسم اللَّه عليه).

وقوله: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} . أي أليم شديد لا يفتر عنهم.

وقوله: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} . قال السدي: (يقول: {أَعْرَضَ}: صد بوجهه {وَنَأَى بِجَانِبِهِ}، يقول: تباعد). قال النسفي: (هذا ضرب آخر من طغيان الإنسان إذا أصابه اللَّه بنعمة أبطرته النعمة فنسي المنعم وأعرض عن شكره {وَنَأَى بِجَانِبِهِ} وتباعد عن ذكر اللَّه ودعائه أو ذهب بنفسه وتكبر وتعظّم، وتحقيقه أن يوضع جانبه موضع نفسه لأن مكان الشيء وجهته ينزل منزلة نفسه).

ص: 130

وقوله: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} . قال ابن عباس: (فذو تضرع واستغاثة). قال القرطبي: (والكافر يعرف ربه في البلاء، ولا يعرفه في الرخاء). وقال القاسمي: ({فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} أي كثير. يديم تضرعه، ويستغرق في الابتهال أنفاسه. وقد استعير "العَرْضُ" لكثرة الدعاء. كما يستعار له "الطول" أيضًا. فيقال: أطال فلان الدعاء، إذا أكثر. وكذلك أعرض دعاءه). وقال ابن كثير: ({فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ}، أي: يُطيل المسألة في الشيء الواحد. فالكلام العريضُ: ما طالَ لفظُه وقل معناه، والوَجيز: عكسُه، وهو: ما قَلَّ ودَلَّ).

فائدة: لا منافاة بين قوله: {فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} وبين قوله: {فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} .

فإنه قد يكون الأول في قوم والثاني في قوم آخرين، أو قنوط في البر وذو دعاء عريض في البحر، أو قنوط بالقلب ذو دعاء عريض باللسان، أو قنوط من الوثن والصنم ذو دعاء للَّه تعالى - ذكر نحوه النسفي.

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [يونس: 12].

2 -

وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [الزمر: 8].

أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد قوي عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت اللَّه يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]] (1).

52 -

54 قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ

(1) إسناده قوي رجاله ثقاث. أخرجه أحمد (4/ 145)، وقال الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (4/ 115):(رواه أحمد والطبراني والبيهقي في "الشعب" بسند حسن). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (414) - وقال الألباني: صحيح بالمتابعة.

ص: 131

مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)}.

في هذه الآيات: تحذيرُ اللَّه تعالى المشركين مغبة كفرهم بهذا القرآن، وهو تعالى يريهم آياته وعجائب قدرته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يظهر لهم أنه الحق كلام الرحمان. ألا إنهم في شك من لقاء ربهم، وهو محيط بأعمالهم وآجالهم، وبكل شيء في هذا الكون حولهم.

فقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} . قال ابن جرير: (قل -يا محمد- للمكذبين بما جئتهم به من عند ربك من هذا القرآن: أرأيتم أيها القوم إن كان هذا الذي تكذبون به {مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ} ألستم في فراقٍ للحق وبعد من الصواب. فجعل مكان التفريق الخبر فقال: {مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} إذ كان مفهومًا معناه. -أي-: قل لهم: من أشد ذهابًا عن قصد السبيل وأسلك لغير طريق الصواب ممن هو في فراق لأمر اللَّه وخوف له بعيد من الرشاد).

وقوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} . أي سنري هؤلاء المكذبين -ومن سار بعدهم على منهاجهم- آياتنا البديعة في نصر هذا الدين وإحقاق النبوة وخذلان الطغاة والمتكبرين، وآيات الآفاق والأنفس العجيبة التي تدل على انفراد اللَّه تعالى في هذا الوجود بالكبر والتعظيم.

فعن عمرو بن دينار عن عمرو بن أبي قيس عن المنهال في قوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ} قال: (ظهور محمد صلى الله عليه وسلم على الناس).

وعن السدي: (يقول: ما نفتح لك يا محمد من الآفاق {وَفِي أَنْفُسِهِمْ} في أهل مكة، يقول: نفتح لك مكة).

وقال ابن زيد: (آفاق السماوات: نجومها وشمسها وقمرها اللاتي يجرين، وآيات في أنفسهم أيضًا).

قال ابن كثير: (أي: سنظهر لهم دلالتنا وحجَجنا على كون القرآن حقًّا منزَّلًا من عند اللَّه عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم بدلائل خارجية {فِي الْآفَاقِ} ، من الفتوحات

ص: 132

وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان. قال مجاهد، والحسنُ، والسُّدي: ودلائلٌ في أنفسهم، قالوا: وقعةُ بدر، وفتحُ مكة، ونحو ذلك من الوقائع التي حَلَّتْ بهم، نصَرَ اللَّه فيها محمدًا صلى الله عليه وسلم وصحبَه، وخذَلَ فيها الباطِلَ وحِزْبَه.

ويحتملُ أن يكون المرادُ من ذلك ما الإنسان مركَّبٌ منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة، كما هو مبسوط في علم التشريح الدالِّ على حكمة الصانع تبارك وتعالى. وكذلك ما هو مجبولٌ عليه من الأخلاق المتباينة، من حَسَن وقبيح وبين ذلك، وما هو مُتَصَرِّفٌ فيه تحت الأقدار التي لا يقدر بحوله، وقوته، وحِيَلِه، وحَذَرِه، أن يجوزها ولا يتعدّاها، كما أنشده ابن أبي الدنيا في كتابه "التفكر والاعتبار"، عن شيخِه أبي جعفر القرشي حيث قال وأحسن المقال:

وإذا نَظَرْت تريدُ مُعْتبَرًا

فانْظُر إليكَ فَفِيكَ مُعْتبَرُ

أنت الذي يُمْسِي ويُصْبح في الـ

دنيا وكُلّ أمورِه عِبَرُ

أنتَ المصرَّف كان في صِغَرٍ

ثم استَقَلَّ بشخصِكَ الكِبَرُ

أنتَ الذي تَنْعَاهُ خِلْقَتُهُ

يَنْعاهُ مِنْهُ الشَّعْرُ والبَشَرُ

أنتَ الذي تُعْطَى وتُسْلَبُ لا

يُنْجيه من أنْ يُسْلَبَ الحذَرُ

أنت الذي لا شيء منه له

وأحقُّ مِنْهُ بمالِهِ القَدَرُ).

وقوله: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} . أي: أولم يكف بربك -يا محمد- أنه شاهد على كل أفعال عباده وأقوالهم، وهو مجازيهم على أعمالهم، ومن ذلك شهوده سبحانه على صدق محمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله فيما يخبر عنه.

كما قال جل ثناؤه: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ} [النساء: 166].

وفي صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا](1).

وفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار](2).

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (1/ 46). وانظر مختصر صحيح مسلم (25) ص (14).

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (1/ 93)، وانظر مختصر صحيح مسلم - (20) -.

ص: 133

وقوله: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ} . قال السدي: (يقول: في شك). أي: هم في شك من قيام الساعة والحساب ولهذا لا يتفكرون ولا يستعدون.

وقوله: {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} . قال ابن جرير: (ألا إن اللَّه بكل شيء مما خلق محيط علمًا بجميعه، وقدرةً عليه، لا يعزب عنه علم شيء منه أراده فيفوته، ولكن المقتدر عليه العالم بمكانه).

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [الجن: 28].

2 -

وقال تعالى: {لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 94 - 95].

وفي صحيح مسلم من حديث أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صفة بعض دعائه-: [اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شئ، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر](1).

-تم تفسير سورة فصلت- بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه

* * *

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (2713)، ورواه أحمد (2/ 404)، وإسناده صحيح.

ص: 134