الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
58 - سورة المجادلة
وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (22).
قال المهايميّ: (سميت بها، لأنها لما كانت لطلب الحق والصواب، أشبهت مجادلة الأنبياء والقرآن، ولذلك سمع اللَّه لصاحبها).
موضوع السورة
قصة المجادلة، وآداب النجوى
-
منهاج السورة
-
1 -
سماع اللَّه قصة المجادلة وشكواها من فوق عرشه وهو السميع البصير.
2 -
ذكر مفهوم الظهار، وأحكام الظهار، والكفارة الواجبة في ذلك.
3 -
المكر بالذين يحادون اللَّه ورسوله، وإحصاء اللَّه تعالى أقوالهم وأعمالهم.
4 -
علم اللَّه تعالى بالسر وأخفى، وما يكون في النجوى، واللَّه بكل شيء عليم.
5 -
ذمُّ أهل الكتاب الذين يتغامزون عند رؤية المؤمنين، وتوعد اللَّه لهم عذاب الجحيم.
6 -
الأمرُ للمؤمنين بالتناجي بالبر والتقوى لا بالإثم والعدوان، فإن النجوى لا تسلم من مكر الشيطان.
7 -
الأمْر بالتفسُّح في المجالس وعدم إيذاء النبي الكريم، واللَّه تعالى يرفع المؤمنين وأهل العلم الصادقين.
8 -
الأمْرُ بتقدم النجوى للرسول بالصدقات، ثم نسخ ذلك والأمر بالطاعات والقربات.
9 -
ذم المنافقين وتوعدهم العذاب المهين، ولن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم يوم الدين.
10 -
كتابة اللَّه النصر للمؤمنين والخزي على الكافرين، والولاء والبراء جزء من منهج الإيمان عند المسلمين، وأهله هم حزب اللَّه الذين يرثون جنات النعيم.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
1.
في هذه الآية: سماعُ اللَّه تعالى قصة المجادلة وشكواها إلى النبي صلى الله عليه وسلم من فوق سبع سماوات، واللَّه هو السميع البصير.
أخرج الإمام أحمد في المسند، والنسائي في "التفسير"، بسند على شرط مسلم، عن عروة، عن عائشة قالت:[الحمد للَّه الذي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصوات، لقد جاءت المجادِلةُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم تُكَلِّمُه وأنا في ناحيةِ البيتِ، ما أسمع ما تقولُ، فأنزل اللَّه عز وجل: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا. . .}. . . إلى آخر الآية](1).
واختلف المفسرون في اسم المرأة من الأنصار -المجادِلة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ونسبها. قيل: هي خولة بنت ثعلبة. وقيل: هي خويلة بنت خويلد. وقيل: هي خويلة بنت الصامت. وقيل غير ذلك.
قلت: ولا يهمّ الاسم (2)، وإنما يهمّ العلم المنبثق عن تلك المجادَلة. قال ابن جرير:(وكانت مجادلتها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في زوجها، وزوجها أوس بن الصامت، مراجعتها إياه في أمره، وما كان من قوله لها: أنت عليّ كظهر أمي، ومحاورتها إياه في ذلك).
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (6/ 46)، والبخاري (7385) تعليقًا، والنسائي (3460)، وفي "التفسير"(590)، وابن ماجة (188)، (2063)، وعبد بن حميد (1514)، ورواه ابن جرير في التفسير (33726)، وإسناده على شرط الإمام مسلم.
(2)
وإن كان ثبت في صحيح أبي داود أن اسمها خويلة بنت مالك بن ثعلبة، وخويلة هي للتصغير من "خولة". واسم زوجها أوسُ بن الصامت. انظر صحيح سنن أبي داود (1934).
2 -
4. قوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)}.
في هذه الآيات: ذكر مفهوم الظهار، وأحكام الظهار، والكفارة الواجبة في ذلك.
أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم بسند صحيح في الشواهد عن سلمة بن صخر الأنصاري قال: [كنت رجلًا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان تظاهرت من امرأتي، حتى ينسلخ رمضان، فرقًا من أن أصيب منها في ليلي فأتتابع في ذلك، إلى أن يدركني النهار، وأنا لا أقدر أن أنزع، فبينما هي تخدمني ذات ليلة، إذ تكشَّف لي منها شيء، فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم فقلت: انطلقوا معي إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأخبره بأمري، فقالوا: لا واللَّه لا تفعل، نتخوَّفُ أن ينزل فينا قرآن، أو يقول فينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مقالة يبقي علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك. قلت: فخرجت فأتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأخبرته خبري، فقال:"أنت بذاك"؟ قلت: أنا بذاك، قال:"أَنْتَ بِذَاكَ"؟ قلت: أنا بذاك، قال:"أَنْتَ بِذاكَ"؟ قلت: أنا بذاك، وها أنذا فأمض فيَّ حكم اللَّه، فإني صابر لذلك، قال:"أَعْتِقْ رقبةً". قال: فضربت صفحة عنقي بيدي، فقلت: لا والذي بعثكم بالحق ما أصبحت أملك غيرها. قال: "فَصُمْ شَهْرين"، قلت: يا رسول اللَّه وهل أصابني ما أصابني، إلا في الصيام، قال:"فأطْعِمْ ستِين مِسْكينًا"، قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وَحْشَى (1) ما لنا عشاء. قال: "اذهب إلى صاحِبِ صَدَقَةِ بَني زُرَيْقٍ فَقُلْ لهُ فليَدْفَعْها إليك فاطعِمْ عنك منها وَسْقًا سِتّين مسكينًا، ثم استَعِنْ بِسائِره عَليكَ وعلى عيالك".
(1) بات وَحِشًا: أي جائعًا.
قال: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم السعة والبركة، أَمَرَ لي بِصَدَقتكم فادفعوها إلي، فدفعوها إليّ] (1).
وأخرج أبو داود بسند حسن عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة، قالت:[ظاهرَ مني زوجي أوسُ بن الصامت، فجئت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أشكو إليه، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه، ويقول: "اتقي اللَّه فإنه ابن عمك"، فما برحت حتى نزل القرآن: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} إلى الفرض فقال: "يعتق رقبة"، قالت: لا يجد، قال: "فيصوم شهرين متتابعين"، قالت: يا رسول اللَّه، إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: "فليطعم ستين مسكينًا"، قالت: ما عنده من شيء يتصدق به، قالت: فأتِيَ ساعتئذ بِعَرَقٍ (2) مِنْ تَمْرٍ، قلت: يا رسول اللَّه، فإني أعينه بعَرَق آخر، قال: "قد أحسنت، اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينًا، وارجعي إلى ابن عمك"](3).
وله شاهد عنده من طريق سليمان بن يسار قال: [فَأُتِيَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بتمر فأعطاه إياه، وهو قريب من خمسة عشر صاعًا، قال: "تَصَدَّق بهذا" قال: فقال: يا رسول اللَّه، على أفْقَرَ مني ومن أهلي؟ فقال رسول صلى الله عليه وسلم: "كله أنت وأهلك"](4).
فقه أحكام الظهار:
1 -
من قال لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي فهو مظاهر. قال تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} .
2 -
المظاهر تحرم عليه زوجته، فلا يطؤها ولا يستمتع منها بشيء حتى يكفّر.
ففي سنن أبي داود عن عكرمة: [أن رجلًا ظَاهَر من امرأته فرأى بريق ساقها في القمر فوقع عليها. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يكفر].
وفي لفظ: [أن رجلًا ظَاهَر من امرأته، ثم واقعها قبل أن يُكَفر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم
(1) حديث صحيح. أخرجه أبو دواد (2213)، والترمذي (3299)، واللفظ له، وابن ماجة (2062)، والحاكم (2/ 203)، وكذلك نحوه (2/ 204). وانظر صحيح الترمذي (2628).
(2)
العَرَقُ: هو زنبيل يسع خمسة عشر صاعًا أو أكثر.
(3)
حديث حسن. أخرجه أبو داود (2214) - تفريع أبواب الطلاق - باب في الظهار، وانظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (1934).
(4)
حديث حسن. أخرجه أبو داود (2217) - الباب السابق. انظر صحيح سنن أبي داود (1937).
فأخبره، فقال:"ما حملك على ما صنعت"؟ قال: رأيت بياض ساقها في القمر، قال:"فاعتزلها حتى تكفر عنك"] (1).
3 -
الكفارة: تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.
أخرج أبو داود عن هشام بن عروة: [أن جميلة كانت تحت أوس بن الصامت، وكان رجلًا به لمَمٌ، فكان إذا اشتدَّ لَمَمُهُ (2) ظاهرَ من امرأته، فأنزل اللَّه تعالى فيه كفارة الظهار](3).
4 -
الظهار حرام، لأن اللَّه وصفه بأنه منكر من القول وزور، وأنكر على المظاهر. قال تعالى:{وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} .
قال سعيد بن جبير: (كان الإيلاء والظهارُ من طلاقِ الجاهلية، فوقَّت اللَّه الإيلاء أربعة أشهر، وجعل في الظهار الكفّارة).
وقوله: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ} - الخطاب للمؤمنين. واستدل الإمام مالك بقوله: {مِنْكُمْ} على أن الكافر لا يدخل في هذه الآية.
وقوله: {مِنْ نِسَائِهِمْ} - استدل بها الجمهور على أن الأَمَةَ لا ظهار منها، ولا تدخل في هذا الخطاب.
وقوله: {مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} . قال ابن كثير: (أي: لا تصيرُ المرأة بقولِ الرجُل: أنتِ عليَّ كظهر أُمِّي، أو كأمي أو "مثل أمي"، وما أشبه ذلك، لا تصيرُ أمَّهُ بذلك، إنما أُمُّهُ التي وَلَدَتْهُ. ولهذا قال: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا}، أي: كاملًا فاحشًا باطلًا، {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}، أي: عما كان منكم في حال الجاهلية، وهكذا أيضًا عما خَرَج من سَبْقِ اللسانِ ولم يَقْصِد إليه المتكلم).
(1) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (2221)، (2222) - في الظهار. انظر صحيح سنن أبي داود (1941 - 1942).
(2)
اللمم: شدة الرغبة في النساء.
(3)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (2219) - تفريع أبواب الطلاق. باب في الظهار.
وقوله: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} . تكرار العبارة لبيان حكم الظهار، بعد بيان أنه منكر وزور.
وقوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} ، أي: ثم يعودون لنقض ما قالوا أو لتداركه -على حذف المضاف-. أو: ثم يعودون لتحليل ما حرّموا على أنفسهم. واختلف المفسرون بماذا يحصل النقض على أقوال:
1 -
قال أحمد بن حنبل: (هو أن يعود إلى الجماع، أو يعزم عليه، فلا يَحِلُّ له حتى يكفِّرَ بهذه الكفّارة).
2 -
وقال أبو حنيفة: (هو أن يعود إلى الظهار بعد تحريمه، ورُفِعَ ما كان عليه أمر الجاهلية، فمتى ظاهر الرجل من امرأته فقد حرّمها تحريمًا لا يرفعه إلا الكفّارة).
3 -
وقال الشافعي: (هو أن يُمسِكها بعد الظهار زمانًا يمكنه أن يطلِّق فيه فلا يُطَلِّق).
4 -
وحُكي عن مالك: (أنه العزم على الجماع والإمساك)، وعنه:(أنه الجماع).
5 -
وقال سعيد بن جبير: ({ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا}، يعني: يُريدون أن يعودوا في الجماع الذي حرّموه على أنفسهم). وقال الحسن البصري: (يعني الغِشْيَانَ في الفَرْج). وكان لا يرى بأسًا أن يغشى فيما دون الفرج قبل أن يُكفرِّ.
6 -
قال بُكير بن الأشج: (العودُ هو أن يعود إلى لفظ الظهار فيكرّره).
قلت: أما قول بكير فباطل -كما قال ابن العربي وغيره- ولا دليل عليه في أصل هذا التشريع من السنة الصحيحة في القصص الواردة في الظهار. وقول الشافعي بعيد عن مفهوم السياق، ويبقى مفهوم العَوْدِ يدل عليه ما بعده -وهو إيجاب الكفارة- فيكون المقصود: الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون فيما ذهبوا إليه، فيعزمون على غشيانهن ووطئهن رغبة في تحليلهن بعد تحريمهن، فلا بد من الكفارة.
ففي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عكرمة: [أنّ رجلًا ظَاهر من امرأته، ثم واقعها قيل أن يُكَفِّرَ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: "ما حملك على ما صنعت"؟ قال: رأيت بياض ساقها في القمر، قال: "فاعتزلها حتى تكفّر عنك"](1).
وقوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} . أي: فإعتاق رقبة (2) كاملة، من قبل
(1) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (2221) - تفريع أبواب الطلاق. باب في الظهار.
(2)
قال ابن كثير: (فهاهنا الرقبة مطلقةٌ غير مقيدة بالإيمان، وفي كفارة القتل مقيدة بالإيمان).
المسيس بأي شكل من أشكاله - وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي.
وعن ابن عباس: ({مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}، المسّ: النكاح)، وقال الزهري:(ليس له أن يُقَبِّلها ولا يَمَسَّها حتى يُكَفِّر).
وقوله: {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ} . أي تُزجرون به. {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} . أي: واللَّه عليم بأحوالكم، خبير بما يُصلحكم.
وقوله: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} . أي: فمن لم يجد ما يعتق رقبة وجب عليه صيام شهرين متتابعين قبل المسيس.
فإن أفطر في أثنائهما بغير عذر استأنفهما، وإن أفطر لعذر من مرض أو سفر يبني على ما صام منهما. قال مالك:(إذا مرض في صيام كفارة الظهار بنى إذا صحّ).
وقوله: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} . قال القرطبي: (ذكر اللَّه عز وجل الكفارة هنا مرتبة، فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام، فمن لم يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكينًا لكل مسكين مُدّان بمُد النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ودليلنا قوله تعالى: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} وإطلاق الإطعام يتناول الشّبع، وذلك لا يحصل بالعادة بمدّ واحد إلا بزيادة عليه).
وقال النسفي: (لكل مسكين نصف صاع من برّ، أو صاع من غيره).
وقوله: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} . أي: هذا التغليظ في الكفارة لتَصْدُقوا اللَّه تعالى الإيمان به وتعظيم شرعه وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم، وتنخلعوا من عادات الجاهلية.
وقوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} . أي محارمه فلا تنتهكوها، بَيَّنَ لكم الطاعة بعد المعصية، والمعصية هنا الظهار، والطاعة الكفارة وترك ذلك القول المنكر.
وقوله: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . قال ابن كثير: (أي: الذين لم يؤمنوا ولا التزموا بأحكام هذه الشريعة، لا تعتقدوا أنهم ناجُون من البلاء، كلّا، ليس الأمر كما زعموا، بل لهم عذاب أليم، أي: في الدنيا والآخرة).
5 -
7. قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا
عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)}.
في هذه الآيات: إذلالُ اللَّه الذين يناصبونه ورسوله العداء ومكرهُ تعالى بهم، وإحصاؤه جميع أقوالهم وأعمالهم ليظهرها يوم الحشر لهم، فهو سبحانه يعلم السر وأخفى، ويعلم ما يكون في النجوى، ثم يُنَبِّئ عباده يوم القيامة بما عملوا، وهو بكل شيء عليم.
فقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} . قال قتادة: (يقول: يعادون اللَّه ورسوله). وأصل المحادّة الممانعة، ومنه الحديد. قال الزجاج:(المحادّة أن تكون في حدّ يخالف حدّ صاحبك). والمقصود: توعّدٌ من اللَّه للمعاندين شرعه المحادين المخالفين لرسله، الممانعين علوّ دينه في الأرض.
وقوله: {كُبِتُوا} . قال أبو عبيدة والأخفش: (أهلكوا). وقال قتادة: (أُخزوا كما أخزي الذين من قبلهم). وقال ابن زيد: (عذبوا). وقال السدي: (لعنوا). قلت: وأصل الكبت الصرف والإذلال. والعرب تقول: كبت اللَّه العدو أي صرفه وأذَلّه. وَكَبَتَه لوجهه: أي صَرَعَه.
وقوله: {كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} .
أي: أهينوا وَأُخْزُوا ولعنوا وذلّوا كما فعل بمن أشْبهَهُم من قبلهم.
وقوله: {وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} . قال ابن جرير: (يقول: وقد أنزلنا دلالات مفصلات، وعلامات محكمات تدلّ على حقائق حدود اللَّه).
وقوله: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} . أي: وللجاحدين آيات اللَّه البينات التي أنزلها اللَّه على رسوله، والمستكبرين عن طاعته عذاب موجع يوم القيامة في نار جهنم.
وقوله: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا} . أي: يوم يجمع اللَّه الأولين والآخرين في صعيد واحد فينبئهم بما صنعوا من خير أو شر.
وقوله: {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} . أي: أثبته -تعالى- وحافظه وضبطه عليهم ونسيه عاملوه.
وقوله: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} . أي: لا يغيب عنه شيء ولا يخفى عليه.
وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. . .} الآية. إخبار عن إحاطة علمه سبحانه بخلقه، واطلاعه عليهم، وسماعه كلامهم، ورؤية مكانهم {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ} أي من سر ثلاثة {إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} أي يسمع سرّهم ونجواهم، ولا يخفى عليه شيء من أسرارهم.
وقوله: {وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} . أي: ولا يكون من نجوى خمسة إلا هو سادسهم، ولا أقل من ثلاثة ولا أكثر من خمسة إلا هو معهم إذا تناجوا في أي موضع كانوا.
قال الضحاك: ({هُوَ مَعَهُمْ} قال: هو فوق العرش وعلمه معهم).
وقوله: {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} . أي: ثم يخبر هؤلاء المتناجين وغيرهم بما كان من أمرهم وما حاولوا كتمه مما يحبّه -تعالى- أو يسخطه - يوم القيامة.
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . إثبات أن المعية الوارد في الآية هي معية علم، وكذلك حيثما وردت المعية في القرآن جاء ما يفسّرها ويدل عليها من السياق، وهي تفيد في مجموع مواضعها أنها معية بالصفات لامعية في الذات، فاللَّه تعالى فوق عرشه، بائن من خلقه، يسمع ويبصر ويعلم كل شيء في أرجاء ملكوته، وفي أحوال عباده. قال الإمام أحمد:(افتتح الآية بالعلم، واختتمها بالعلم).
8 -
10. قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ
بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10)}.
في هذه الآيات: ذمُّ أهل الكتاب الذين يتغامزون عند رؤية المؤمنين، وتوعّد اللَّه لهم عذاب الهون في نار الجحيم. وأمْرُه تعالى المؤمنين التناجي بالبر والتقوى لا بالإثم والعدوان، فإن النجوى من مكر الشيطان، ليفَرِّق بذلك بين المؤمنين، وليس بضارهم شيئًا إلا بإذن اللَّه العظيم.
فقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} . قال مجاهد: ({أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى} قال: اليهود). قال النسفي: (كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين، ويريدون أن يغيظوهم ويوهموهم في نجواهم وتغامزهم أن غزاتهم غلبوا، وأن أقاربهم قتلوا، فنهاهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فعادوا لمثل فعلهم وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان وتواص بمعصية الرسول ومخالفته).
وقوله: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} الآية.
أخرج الإمام أحمد في المسند، وكذلك البزار، والطبراني في المعجم؛ بإسناد جيد عن عبد اللَّه بن عمرو:[أنّ اليهود كانوا يقولون لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: سامٌ عليك، ثم يقولون في أنفسهم: لولا يعذبنا اللَّه بما نقول فنزلت هذه الآية: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ}](1).
وفي صحيح مسلم عن الأعمش، عن مُسْلم، عن مسروقٍ، عن عائشة قالت:[أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم أُناسٌ من اليهود، فقالوا: السَّامُ عليكَ، يا أبا القاسم! قال: "وعليكم". قالت عائشة: قلتُ: بَلْ عَلَيْكُم السَّامُ والذَّامُ. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: يا عائشةُ! لا تكوني فاحِشة. فقالت: ما سَمعْتَ ما قالوا؟ فقال: أوليسَ قد رَدَدْتُ عليهم الذي قالوا؟ قلْتُ: وعَلَيْكمُ](2).
وفي رواية: [ففطنت بهم عائشة فَسَبَّتْهُمْ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مَهْ، يا عائشةُ!
(1) حديث حسن. أخرجه أحمد (2/ 170)، والطبراني والبزار. وقد جوّده الهيثمي في "المجمع"(11405)، وانظر:"الصحيح المسند من أسباب النزول" - الوادعي - المجادلة - آية (8).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (2165) ح (11)، كتاب السلام. باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يرد عليهم.
فإن اللَّه لا يُحِبّ الفُحْشَ والتَفَحُّشَ" - وزاد فأنزل اللَّه عز وجل: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ. . .} إلى آخر الآية].
وفي صحيح البخاري ومسلم -واللفظ له- عن جابر قال: [سَلَّمَ ناسٌ من يَهود على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالوا: السَّامُ عليكَ، يا أبا القاسم! فقال: "وعليكم". فقالت عائشة، وغضبت: ألَمْ تَسْمَع ما قالوا؟ قال: بلى، قَدْ سَمِعْتُ، فَرَدَدْتُ عليهم، وإنّا نُجَابُ عليهم ولا يُجَابون عَلينا](1).
قال ابن كثير: (وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ}، أي: يفعلون هذا، ويقولون ما يُحرَّفون من الكلام وإيهام السلام، وإنما هو شَتْمٌ في الباطن، ومع هذا يقولون في أنفسهم: لو كان هذا نبيًا لعذَّبنا اللَّه بما نقول له في الباطن، لأن اللَّه يعلم ما نُسِرُّه، فلو كان هذا نبيًا حقًا لأوشك أن يُعَاجلَنا اللَّه بالعقوبة في الدنيا، فقال اللَّه تعالى: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ}، أي: جهنم كفايتهم في الدار الآخرة، {يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ}).
تَأديبٌ من اللَّه تعالى عباده المؤمنين، بمخالفة طريقة الكفرة والمنافقين، فإذا تناجوا فلا يتشبهوا باليهود والمنافقين في تناجيهم بالشر.
وقوله: {وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى} . أي: وتناجوا بالطاعة وبالعفاف عما نهى اللَّه عنه.
وقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} . أي: وخافوا اللَّه الذي إليه تجمعون في الآخرة، فعظموه حق التعظيم بامتثال دينه والتحاكم إليه.
وقوله: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} . أي: إنما النجوى -وهي المسارَّة التي يظن المؤمن منها السوء- من تزيين الشيطان وتسويله، لِيُسيءَ إلى المؤمنين ويمزّق الأخوة التي تربطهم.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (6401)، ومسلم (2166)، وكذلك (2165) نحوه.
وله شاهد عند الترمذي عن قتادة: [أخبرنا أنس بن مالك أن يهوديًا أتى على نبي اللَّه وأصحابه فقال: السلام عليكم، فرد عليه القوم، فقال نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم: هل تدرون ما قال هذا؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، سلم يا نبي اللَّه، قال: لا، ولكنه قال: كذا وكذا رُدّوه عليَّ، فردوه فقال: قلت: السام عليكم؟ قال نعم، قال نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم عند ذلك. إذا سلم عليكم أحدٌ من أهل الكتاب فقولوا عليك ما قلت. قال: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ}]. صحيح سنن الترمذي (2629).
وفي الصحيحين والمسند عن عبد اللَّه رضي الله عنه: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: [إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث](1).
وفي صحيح البخاري عن عبد اللَّه رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إذا كنْتُم ثلاثة فلا يتناجى رَجُلان دونَ الآخر حتى تختلطوا بالناس، مِنْ أجْلِ أنَّ ذلكَ يُحْزِنُه](2).
وقوله: {وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} . قال ابن عباس: (بأمره).
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وليس التناجي بضارّ المؤمنين شيئًا إلا بإذن اللَّه، يعني بقضاء اللَّه وقَدَره).
وقوله: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} . قال القرطبي: (أي يكِلون أمرهم إليه، ويفوّضون جميع شؤونهم إلى عونه، ويستعيذون به من الشيطان ومن كل شر، فهو الذي سلّط الشيطان بالوساوس ابتلاءً للعبد وامتحانًا ولو شاء لصرفه عنه).
11.
في هذه الآية: الأَمْرُ بالتفسّح في المجالس عند الحاجة لذلك وعدم إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسه الكريم، واللَّه تعالى هو يرفع المؤمنين وأهل العلم في درجات الأولياء الصالحين.
فقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} . تعليم منه تعالى للمؤمنين أدب المجالس، وذلك بأن يفسح المرء لأخيه ويتنحَّى توسعة له. وقُرِئَ:{فِي الْمَجَالِسِ} . قال الشهاب: (وارتباطه بما قبله ظاهر، لأنه لما نهى عن التناجي والسرار، علم منه الجلوس مع الملأ، فذكر آدابه. ورتب على امتثالهم فسحه لهم فيما يريدون التفسح، من المكان والرزق والصدر).
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (6288)، كتاب الاستئذان، باب لا يتناجى اثنان دون الثالث.
ورواه مسلم (2184) نحوه، وأبو داود (4851)، وأحمد (1/ 375).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (6290)، كتاب الاستئذان. باب: إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارَّة والمناجاة. ورواه مسلم (2184)، كتاب السلام.
قال ابن كثير: (وذلك أن الجزاء من جنس العمل، كما جاء في الحديث الصحيح:
"من بنى للَّه مسجدًا بنى اللَّه له بيتًا في الجنة". وفي الحديث الآخر: "من يَسَّرَ على مُعْسِر يَسَّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، واللَّه فى عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". ولهذا أشباه كثيرة، ولهذا قال:{فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} ).
قال قتادة: (نزلَت هذه الآيةُ في مجالس الذكر، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدَهم مُقْبِلًا ضَنُّوا بمجالسهم عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأمرهم اللَّه أن يَفْسَحَ بعضُهم لبعض).
أخرج البخاري في صحيحه عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[لا يُقيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِه ثم يَجْلِسُ فيه](1).
ورواه بنحوه في - كتاب الجمعة - من صحيحه عن ابن جُرَيج عن نافع قال: سمعت ابنَ عمر رضي الله عنهما يقول: [نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يقيم الرجلُ الرجلَ مِنْ مَقْعَدِه ويَجْلِسَ فيه. قلت لنافع: الجمعةَ؟ قال: الجْمُعَةَ وغيرَها](2).
وله شاهد عنده في كتاب الاستئذان عن نافع -أيضًا- عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: [أنه نهى أن يُقامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ويَجْلِسَ فيه آخر، ولكن تَفَسَّحُوا وتوسَّعوا، وكان ابن عمر يكرهُ أن يقومَ الرجلُ من مَجْلِسِه ثم يُجْلسَ مكانَهُ](3).
وفي مسند الإمام أحمد بإسناد حسن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[لا يُقمِ الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسَحِ اللَّه لكم](4).
وفي لفظ: [لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه، ولكن افسحوا يَفْسَحِ اللَّه لكم].
وقوله: {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا} .النشز: الارتفاع، وأصله من نشز الأرض وهو ارتفاعها. قال النحاس:(النَّشز هو ما ارتفع من الأرض وتنحى). ونشزَ الرجل إذا انتحى من موضعه، وامرأة ناشز أي منتحية عن زوجها.
فالمعنى: إذا قيل لكم {انْشُزُوا} عن النبي صلى الله عليه وسلم {فَانْشُزُوا} -أي انهضوا فإنه له
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - (6269) - كتاب الاستئذان.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (911) - كتاب الجمعة، باب: لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه.
(3)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (6270) - كتاب الاستئذان. عند ذكر آية المجادلة (11).
(4)
حديث حسن. أخرجه أحمد (2/ 338) بإسناد حسن. وكذلك (2/ 483) للفظ الآخر.
حوائج فلا تمكثوا. وقال قتادة: (المعنى أجيبوا إذا دعيتم إلى أمر بمعروف).
قال القاسمي: ({وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا} أي انهضوا للتوسعة، أو ارتفعوا في المجالس، أو انهضوا عن مجلس الرسول، إذا أُمِرتم بالنهوض عنه، ولا تملوه بالارتكاز فيه).
وقوله: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} . أي: يرفع اللَّه المؤمنين بامتثال أوامره، وأوامر رسوله، فإنه ليس في فسح الرجل لأخيه في المجلس انتقاص له، بل رفعة ومزية عند اللَّه، كما هو النهوض لكل أمر بمعروف.
وقوله: {وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} . قال ابن مسعود: (مدح اللَّه العلماء في هذه الآية). والمقصود: يرفع اللَّه المؤمنين والعلماء بالثواب في الآخرة وبالكرامة في الدنيا، فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمن، والعالم على من ليس بعالم، وللعلماء مزية.
قال القرطبي: (المعنى أنه يرفع اللَّه الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم {دَرَجَاتٍ} أي درجات في دينهم إذا فعلوا ما أُمِروا به).
وفي التنزيل نحو ذلك:
1 -
قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9].
2 -
وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].
ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عامر بن واثِلةَ: [أن نافعَ بنَ عبد الحارث لقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ، وكان عمرُ يَسْتَعملُه على مَكَّةَ فقال: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ على أهل الوادي؟ فقال: ابْنَ أَبْزَى؟ قال: وَمَنِ ابْنُ أبزى؟ قال: مَوْلًى مِنْ موالينا. قال: فاسْتَخْلَفْتَ عليهم مَوْلًى! ؟ قال: إنَّهُ قارئٌ لكتاب اللَّه عز وجل، وإنَّهُ عالِمٌ بالفرائض. قال عمر: أما إنَّ نبيَّكم صلى الله عليه وسلم قَدْ قال: "إنَّ اللَّه يَرْفَعُ بهذا الكتاب أَقْوامًا ويضَعُ به آخرين"](1).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: [وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. إنّ العلماء ورثة الأنبياء، إن
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (817) - كتاب صلاة المسافرين، وأخرجه أحمد في المسند (1/ 35)، وابن ماجة (218)، وأخرجه ابن حبان (772).
الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما وَرَّثُوا العلم، فَمَنْ أخذَهُ أخذ بِحظٍّ وافر] (1).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: [نَضَّرَ اللَّه امرأً سمِعَ منا حديثًا فحفظه حتى يُبَلِّغَه، فرُبَّ حامل فقه إلى مَنْ هو أفْقَهُ منه، وربَّ حامل فِقْهٍ ليس بفقيه](2).
وقوله: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} . أي: خبير بمراتب عباده ومنازل أعمالهم، وقد وسع علمه كل شيء.
12 -
13. قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13)}.
في هذه الآيات: الأَمْرُ بتقدم النجوى للرسول بالصدقات، ثم نَسْخُ ذلك والأمر بالتوبة وإقامة الصلوات، وإيتاء الزكاة وطاعة اللَّه ورسوله وفعل الخيرات.
أَمْرٌ من اللَّه تعالى عبادَه المؤمنين إذا أراد أحدهم مناجاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومساررته بأمر أن يقدّمَ بين يدي ذلك صدقة تطهره وتزكيه وتؤهله لهذا المقام، ثم نسخ ذلك. قال قتادة:(إنها منسوخة). وقال ابن عباس: (كان المسلمون يقدّمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاةُ نُسِخَ هذا).
وقوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ} أي: خير لكم عند اللَّه وأطهر لقلوبكم من المآثم.
وقوله: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . قال قتادة: (سأل الناس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فوعظهم اللَّه بهذه الآية، وكان الرجل تكون له الحاجة إلى نبيّ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدّم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل اللَّه عز وجل الرخصة بعد ذلك {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}).
(1) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (223). باب فضل العلماء والحث على طلب العلم.
(2)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - (3660) - كتاب العلم، باب فضل نشر العلم.
وقوله: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} .
قال ابن كثير: (أي: أَخِفْتُم من استمرار هذا الحكم عليكم من وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول، {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}، فنسخ وجوب ذلك عنهم).
وعن ابن عباس: (قوله: {فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}، ذلك أن المسلمين أكثرُوا المسائلَ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى شقّوا عليه، فأراد اللَّه أن يخفف عن نبيِّه عليه الصلاة والسلام فلما قال ذلك ضَنَّ كثيرٌ من الناس وكَفُّوا عن المسالة، فأنزل اللَّه بعد هذا: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}، فَوَسَّعَ اللَّه عليهم ولم يُضَيِّق).
14 -
19. قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19)}.
في هذه الآيات: ذمُّ اللَّه تعالى المنافقين، وتوعدهم العذاب المهين، وما أولادهم ولا أموالهم بالتي تمنع عنهم نار الجحيم، فلقد عظموا أهواءهم حتى استحوذ عليهم الشيطان الرجيم.
فقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ} الآية. - إنكار من اللَّه تعالى على المنافقين موالاتهم للكفار في الباطن وهم لا معهم ولا مع المؤمنين.
قال قتادة: (هم المنافقون تولّوا اليهود وناصحوهم. {مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ} يقول: ليس المنافقون من اليهود ولا من المسلمين بل هم مذبذبون بين ذلك، وكانوا يحملون أخبار المسلمين إليهم). قال النسفي: ({مَا هُمْ مِنْكُمْ} يا مسلمون {وَلَا مِنْهُمْ} ولا من
اليهود، كقوله:{مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} ).
وقوله: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . أي ويقولون واللَّه إنا المسلمون لا منافقون، وهم يعلمون في حقيقة الأمر أنهم كاذبون منافقون.
أخرج الإمام أحمد في المسند، والإمام ابن جرير في "التفسير" بسند رجاله رجال الصحيح عن ابن عباس قال:[قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: يدخل عليكم رجل ينظر بعين شيطان أو بعيني شيطان. قال: فدخل رجل أزرق، فقال: يا محمد، علام سبببتني أو شتمتني أو نحو هذا. قال: وجعل يحلف. قال: ونزلت هذه الآية في المجادلة: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} والآية الأخرى](1). وفي رواية: أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي قال له: علام تشتمني أنت وأصحابك.
فقد أخرج أحمد والحاكم بإسناد على شرط مسلم عن سعيد بن جبير، أن ابن عباس حدّثه:[أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان في ظل حُجْرَةِ من حُجَرِه، وعنده نَفَرٌ من المسلمين قد كاد يَقْلِصُ عنئهم الظلُّ، قال: "إنه سيأتيكم إنسان ينظُرُ بعيني شيطان، فإذا أتاكَم فلا تكلّموه". فجاء رجلٌ أزرق، فدعاه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فَكَلَّمَهُ، فقال: علام تشتمني أنت وفلان وفلان؟ " -نَفرٌ دعاهم بأسمائهم- قال: فانطلق الرجل فدعاهم، فحلفوا له واعتذروا إليه، قال: فأنزل اللَّه عز وجل: {فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ}](2).
وقوله تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
قال ابن كثير: (أي: أرصَد اللَّه لهم على هذا الصنيع العذاب الأليمَ على أعمالهم السيئة، وهي موالاة الكافرين ونُصْحِهم، ومُعاداةُ المؤمنين وغِشِّهم).
وقوله: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} . أي: اتقوا بالأيمان الكاذبة، لِيخدعوا بذلك من لا يعرف أبعاد أعمالهمِ، فحصل بذلك صدٌّ عن سبيل اللَّه لبعض الناس. قال القرطبي: ({اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} يستجِنُّون بها من القتل. وقرأ الحسن وأبو العالية {أَيْمَانَهُمْ} بكسر الهمزة هنا وفي "المنافقون"، أي إقرارهم اتخذوه جنة، فآمنت إلسنتهم من خوف القتل، وكفرت قلوبهم {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} في الدنيا بالقتل
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (1/ 240)، وابن جرير في "التفسير"(33805).
(2)
حديث صحيح. أخرجه أحمد (1/ 267)، والطبري (33808)، والحاكم (2/ 482) وإسناده على شرط مسلم. وقال صاحب المجمع (7/ 122):(رجال أحمد رجال الصحيح).
وفي الآخرة بالنار. والصدّ المنع {عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} أى عن الإسلام وقيل: في قتلهم بالكفر لما أظهروه من النفاق. وقيل: أي بإلقاء الأراجيف وتثبيط المسلمين عن الجهاد وتخويفهم).
وقوله: {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} . قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: لن تغني عن هؤلاء المنافقين يوم القيامة أموالهم، فيفتدوا بها من عذاب اللَّه المهين لهم، ولا أولادهم، فينصرونهم، ويستنقذونهم من اللَّه إذا عاقبهم).
وقوله: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} . أي: هؤلاء المنافقون الذين تولوا قومًا غضب اللَّه عليهم، وأظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر هم أهل النار الذين هم فيها ماكثون.
وقوله: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ} قال قتادة: (إنّ المنافق حلف له يوم القيامة كما حلف لأوليائه في الدنيا). وفي رواية قال: (واللَّه حالَفَ المنافقون ربهم يوم القيامة، كما حالفوا أولياءه في الدنيا).
قلت: وهذا أمر عجيب، وهو بعث اللَّه المنافقين من قبورهم أحياء كهيئاتهم قبل مماتهم: في خلقهم وسلوكهم، فيحلفون له مغالطين كاذبين كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا.
وقوله: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ} . أي: في حلفهم وإنكارهم أمام ربهم عز وجل. قال ابن زيد: (ظنوا أنهم ينفعهم في الآخرة).
وقوله: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} . تقرير لحالهم الذي كانوا عليه في الدنيا وبعثوا عليه.
وقوله: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ} . أي: غلب عليهم الشيطان واستحوذ على قلوبهم حتى غفلوا عن ذكر اللَّه وتركوا طاعته.
قال المفضّل: ({اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ} أحاط بهم). وقيل: غلب واستعلى عليهم بوسوسته لهم في الدنيا. وقيل: قوي عليهما. وفي لغة العرب: أحوذ فلان الشيء إذا جمعه وضم بعضه إلى بعض. والمقصود: جمعهم الشيطان فغلبهم وقوي عليهم وأحاط بهم حتى كانت الغفلة وإهمال الطاعة أو الترك بالكلية.
وقوله: {أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ} . أي: جنده وأتباعه وطائفته ورهطه.
وقوله: {أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} . قال القرطبي: (في بيعهم، لأنهم باعوا الجنة بجهنم، وباعوا الهدى بالضلالة).
أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، بسند حسن عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: [ما مِنْ ثلاثةٍ في قَرْيةٍ ولا بَدْوٍ، لا تُقامُ فيهم الصلاةُ إلا قد استحوذَ عليهم الشيطانُ، فعليكَ بالجماعة فإنما يأكل الذئبُ القاصيةَ](1).
20 -
22. قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)}.
في هذه الآيات: كتابةُ اللَّه النصر للمؤمنين والخزي على الكافرين، والولاء والبراء جزء من منهج الإيمان عند المسلمين، وأهله هم حزب اللَّه وأهل رضوانه وقد وعدهم اللَّه جنات النعيم.
فعن قتادة: ({إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} يقول: يعادون اللَّه ورسوله). وقال مجاهد: (يعادون، يشاقّون).
فقوله: {يُحَادُّونَ} . أي هم في حدٍّ، والشرع في حدٍّ، فهم مجانبون للحق مشاقون له، قد جعلوا أنفسهم في ناحية بعيدة عن ناحية الهدى والرشاد.
وقوله: {أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ} . أي هم في أهل الذلة والصغار والشِّقوة.
وقوله: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} . قال قتادة: (كتب اللَّه كتابًا وأمضاه).
(1) حديث حسن. أخرجه أحمد (5/ 196)، وأبو داود (547)، والنسائي (2/ 106)، وابن حبان (2101)، وابن خزيمة (1476)، والحاكم (1/ 211). انظر صحيح أبي داود (511).
قال ابن جرير: (يقول: قضى اللَّه وخطَّ في أمّ الكتاب، لأغلبنّ أنا ورسلي من حادّني وشاقَّني).
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} . قال النسفي: ({إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ} لا يمتنع عليه ما يريد {عَزِيزٌ} غالب غير مغلوب).
قال قتادة: (لا تجد يا محمد قومًا يؤمنون باللَّه واليوم الآخر، يوادّون من حادّ اللَّه ورسوله: أي من عادى اللَّه ورسوله). قال القرطبي: {يُوَادُّونَ} : يحبون ويوالون).
وقوله: {وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} .
أي: لا يوادّ المؤمنون المحادّين للَّه ورسوله ولو كانوا أقرب الأقربين كالآباء والأبناء والإخوان وغيرهم من القرابة والأرحام.
وفي التنزيل نحو ذلك:
1 -
قال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28].
2 -
ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الحاكم والطحاوي بسند رجاله ثقات من حديث حبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال: [رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو يريد غزوًا، أنا ورجل من قومي، ولم نسلم، فقلنا: إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدًا لا نشهده معهم، قال: أو أسلمتما؟ قلنا: لا، قال: فلا نستعين بالمشركين على المشركين، قال: فأسلمنا، وشهدنا معه، فقتلت رجلًا، وضربني ضربة، وتزوجت بابنته بعد ذلك، فكانت
تقول: لا عدمتُ رجلًا وشحك هذا الوشاح! فأقول: لا عدمتُ رجلًا عجل أباك إلى النار] (1).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عمر -في قصة أسارى بدر- قال: [فاستشار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليًا رضي الله عنهم، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذَ منهم الفدية، فيكونَ ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم اللَّه فيكونوا لنا عضدًا. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت واللَّه ما أرى ما رأى أبو بكر. ولكن أرى أن تمكنني من فلان -قريب لعمر- فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل بن أبي طالب فيضربَ عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضربَ عنقه، حتى يعلم اللَّه أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. . .] الحديث (2) -وقد نزل الوحي بعدها يوافق قول عمر-.
وقوله: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} . أي المؤمنون أصحاب منهج الولاء والبراء.
قال السدي: ({كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ}: جَعَل في قلوبهم الإيمان).
وقال الربيع بن أنس: (كتَبَ: أثبت). وقيل: {كَتَبَ} - أي جمع.
وقيل: خلق في قلوبهم التصديق، يعني من لم يوال من حاد اللَّه - حكاه القرطبي.
وقوله: {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} .قال ابن عباس: (أي: قوّاهم). وقال الحسن: ({بِرُوحٍ مِنْهُ}: بنصر منه). وقال الربيع بن أنس: (بالقرآن وحججه). وقال ابن جريج: (بنور وإيمان وبرهان وهدى). وقيل برحمة من اللَّه. وقيل: أيدهم بجبريل عليه السلام. قلت: وهذه المعاني متقاربة متكاملة تغطي آفاق مفهوم هذه الآية.
قال ابن كثير: (وفي قوله تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} : سرٌّ بديعٌ، وهو أنه لما سَخِطُوا على القرَائب والعَشائِر في اللَّه عَوَّضَهم اللَّه بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما
(1) حديث حسن. أخرجه الطحاوي (3/ 239)، وأحمد (3/ 454)، والحاكم (2/ 121 - 122) وصححه، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة -عقب حديث- (1101).
(2)
حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (1/ 30 - 31)، وبنحوه رواه مسلم (1763).
أعطاهُم من النعيم المُقيم، والفوز العظيم والفضل العميم).
وقوله: {أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ} . أي: أولئك الذين هذه صفتهم جندُ اللَّه وأولياؤه وأهل كرامته.
وقوله: {أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . قال النسفي: (الباقون فى النعيم المقيم، الفائزون بكل محبوب، الآمنون من كل مرهوب). وقال القاسمي: (أي الناجحون الفائزون بسعادة الدارين).
قلت: وهذه الآية في وصف المؤمنين بأنهم حزب اللَّه المفلحون، تقابل الآية التي سبقتها في وصف المنافقين الكاذبين بأنهم حزب الشيطان الخاسرون. فهؤلاء أهل النعيم المقيم، وأولئك أهل الشقاء في الجحيم.
تم تفسير سورة المجادلة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر السبت 12 رمضان 1426 هـ الموافق 15/ تشرين الأول/ 2005 م
* * *