الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
49 - سورة الحجرات
وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (18).
موضوع السورة
ذمُّ مناداة الرسول من وراء الحُجرات وتوجيه المؤمنين لأحسن الأخلاق والعادات
-
منهاج السورة
-
1 -
ذِكْرُ بعض الآداب في مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم، كخفض الصوت والتبجيل والاحترام.
2 -
ذمّ بعض الأعراب في سوء مناداتهم الرسول عليه الصلاة والسلام، وتوجيههم لِحُسْنِ الأدب الذي عليه الأصحاب الكرام.
3 -
توجيه المؤمنين للتثبت من صحة الأخبار، لئلا يقعوا في الندم أو ظلم الأخيار.
4 -
امتنان اللَّه تعالى على المؤمنين بالنبي عليه الصلاة والسلام، وبأن حبَّبَ إلى قلوبهم الحق والإيمان.
5 -
الأمر بالمبادرة بالإصلاح بين المؤمنين، والأخذ على يد المخطئ واللَّه يحب المقسطين.
6 -
تأكيد الأخوة بين المؤمنين، وتحريم السخرية واللمز والتنابز بالألقاب وسوء الظن والتجسس والغيبة للمسلمين.
7 -
الدعوة للتعارف وحفظ الأنساب، والتميز يكون بالتقوى لا بالأحساب.
8 -
الفرق بين الإسلام والإيمان عند التخصيص، فالمؤمنون برهنوا على صدقهم ويقينهم بالجهاد بالأموال والأنفس وبذل الغالي والنفيس.
9 -
المنُّ للَّه وحده في هداية عباده للإيمان، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمان.
10 -
اللَّه تعالى هو المتفرد بعلم الغيب، وهو البصير بدقائق أعمال العباد بلا ريب.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
1 -
3. قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3)}.
في هذه الآيات: ذكر بعض الآداب التي ينبغي أن يكون عليها المؤمنون في معاملتهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كالتوقير والاحترام، والتبجيل والإعظام، وخفض الصوت عن صوته عليه الصلاة والسلام.
فقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} . قال ابن عباس: (لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة). وقال: (نُهوا أن يتكلّموا بين يدي كلامه). وقال مجاهد: (لا تَفَتَاتُوا (1) على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضيَ اللَّه تعالى على لسانه). وقال الضحاك: (لا تقضوا أمرًا من دون اللَّه ورسوله من شرائع دينِكم). وقال ابن زيد: (لا تقطعوا الأمر دون اللَّه ورسوله).
أخرج البخاري عن ابن أبي مليكة أن عبد اللَّه بن الزبير أخبرهم: [أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أَمِّرْ القعقاع بن معبد بن زرارة. فقال عمر: بل أمِّر الأقرعَ بن حابس. قال أبو بكر: ما أراد إلا خلافي. قال عمر: ما أردت خلافك. فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت في ذلك: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} - حتى انقضت](2).
(1) افتات الكلام: أي ابتدعه، كذا في كلام العرب.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (4847)، والواحدي (752) من حديث عبد اللَّه بن الزبير.
والخلاصة: قوله: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} أصل في وجوب الانقياد لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله، وعدم الخروج على منهاجه برأي أو تأويل أو شبهة.
وقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} . أي: وخافوا اللَّه أيها المؤمنون أن تتجاوزوا حدودكم وتتقدموا على قول نبيكم وسنته ونهجه، فإن اللَّه سميع لأقوالكم عليم بأعمالكم وبكل شيء.
وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الآية. أدب رفيع آخر أدَّبَ اللَّه تعالى به المؤمنين ألا يرفعوا أصواتهم فوق صوت نبيهم صلى الله عليه وسلم في حضرته.
أخرج البخاري والترمذي عن نافع بن عمر، عن أبي مُلَيْكَةَ قال:[كادَ الخَيِّران أن يَهْلِكا، أبو بكر وعمر رضي الله عنهما رَفَعا أصواتَهُما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قَدِمَ عليه ركبُ بِني تميم، فأشار أحدُهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخرُ برجُل اخَر -قال نافع: لا أحفظ اسمه- فقال أبو بكر لعمر: ما أردتَ إلا خِلافي. قال: ما أردتُ خِلافَكَ. فارتفعت أصواتُهما في ذلك، فأنزل اللَّه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} الآية. فما كان عمرُ يُسمِعُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهِمَه، ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر رضي الله عنه](1).
وفي صحيح البخاري عن موسى بن أنس عن أنس بن مالك: [أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد ثابتَ بن قيس فقال رجلٌ: يا رسول اللَّه، أنا أعلمُ لك عِلْمَهُ. فأتاه فوجده في بيته مُنَكِّسًا رأسَهُ، فقال له: ما شأنُكَ؟ فقال: شَرٌّ، كان يَرْفَعُ صَوْتَهُ فوقَ صوتِ النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حَبِطَ عَمَلُهُ، فهو من أهل النار، فأتى الرجلُ النبيَ صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه قال كذا وكذا -قال موسى: فرجَعَ إليه المَرَّة الآخِرَةَ ببشارةِ عظيمة فقال: اذهب إليه فقُل له: إنك لستَ من أهل النار، ولكنَّكَ من أهل الجنة](2).
ورواه أحمد على شرط الشيخين عن ثابت، عن أنس قال: [لما نزلت هذه الآية {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} إلى قوله: {وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} - وكان ثابت بن قيس بن الشمَّاسِ رفيعَ الصوتِ فقال: أنا الذي كنتُ أرفَعُ صوتي على
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4845)، والترمذي (3266)، والنسائي (8/ 226) عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير. وقوله "ولم يذكر ذلك عن أبيه" المراد جده لأمه أسماء.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (4846) - كتاب التفسير، وانظر كذلك (3613).
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حَبِطَ عملي، أنا من أهل النار. وجلسَ في أهله حزينًا، ففقدَه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فانطلقَ بعض القوم إليه فقالوا له: تَفَقَّدك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مالك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم وأجْهَرُ له بالقول، حَبِطَ عملي، أنا من أهل النار. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما قال. قال: لا، بل هو من أهل الجنة. قال أنس: فكُنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فلما كان يومُ اليمامة كان فينا بعضُ الانكشاف، فجاءَ ثابتُ بن قَيس بن شمَّاس وقد تَحَنَّطَ ولبِسَ كفَنَهُ، فقال: بئسما تُعَوِّدون أقرانكم. فقاتلهم حتى قُتِلَ] (1).
وقوله: {وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} . قال مجاهد: (لا تنادوه نداء، ولكن قولًا لينًا يا رسول اللَّه). وعن قتادة قال: (كانوا يجهرون له بالكلام، ويرفعون أصواتهم، فوعظهم اللَّه، ونهاهم عن ذلك).
وقال الضحاك: (هو كقوله: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63]. نهاهم اللَّه أن ينادوه كما ينادي بعضهم بعضًا، وأمرهم أن يشرِّفوه ويعظِّموه ويدعوه إذا دعوه باسم النبوة).
وقوله: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} . قال ابن كثير: (أي: إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشيةَ أن يغضبَ من ذلك، فيغضب اللَّه تعالى لِغَضَبِهِ، فَيُحبِطَ اللَّه عملَ من أغضبه وهو لا يدري).
أخرج ابن ماجة والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [إنّ الرجل ليتكلَّمُ بالكلمةِ لا يَرى بها بأسًا، يَهْوي بها سَبْعين خريفًا في النار](2).
وأخرج الترمذي وابن ماجة بإسناد صحيح عن بلال بن الحارث المزني صاحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: [إن أحَدَكُم ليتكلَّم بالكلمة من رضوان اللَّه ما يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ ما بَلَغَتْ فيكتبُ اللَّهُ له بها رضوانه إلى يوم يَلْقاهُ، وإنَّ
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (3/ 137)، وإسناده على شرط البخاري ومسلم. ورواه مسلم نحوه (119) ح (187) - (188).
(2)
حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (3970)، وانظر صحيح سنن الترمذي (1884).
أحدَكُم ليتكلَّمُ بالكلمة من سَخَطِ اللَّه ما يَظُنُّ أنْ تبلُغَ ما بَلَغَتْ فيكتب اللَّه عليه بها سَخَطَهُ إلى يوم يلقاه] (1).
وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} . قال ابن عباس: (طهّرهم من كل قبيح، وجعل في قلوبهم الخوف من اللَّه والتقوى). وقال قتادة: (أخلص اللَّه قلوبهم فيما أحبّ). وقال الأخفش: (اختصها للتقوى).
والمعنى: إن الذين يخفضون أصواتهم في مجلس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تعظيمًا له أولئك الذين أخلص اللَّه قلوبهم فيما أحب، وجعلها أهلًا ومحلًا لاستقرار التقوى. ثم إنه في الآخرة {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} .
4 -
5. قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)}.
في هذه الآيات: نعْتُ سوء أدب بعض الأعراب القساة في مناداتهم النبي عليه الصلاة والسلام، وتوجيههم لحسن الأدب الذي عليه الصحابة الكرام.
فقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} . ذمٌّ من اللَّه عز وجل لبعض الأعراب الأجلاف الذين كانوا ينادون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من وراء الحُجرات، وهي بيوت نسائه، يرفعون أصواتهم وينادون: يا محمد اخرج إلينا، والحجرات: جمع حجرة، والمراد البيت.
أخرج الترمذي والنسائي بسند صحيح عن البراء: [في قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} قال: جاء رجلٌ إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إنَّ حَمْدي زيْنٌ وذَمِّي شينٌ. فقال: ذاك اللَّه عز وجل](2).
وأخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن الأقرع بن حابس: [أنه نادى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من وراء الحُجُرات فقال: يا محمد -وفي
(1) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (3969)، وانظر صحيح سنن الترمذي (1888) - أبواب الزهد، باب ما جاء في قِلَّةِ الكلام.
(2)
حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع (3267)، والنسائي في "التفسير"(535)، والطبري (31676) ، (31677)، وإسناده حسن صحيح.
رواية: يا رسول اللَّه - فلم يُجبه، فقال: يا رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم، إنَ حَمْدي لَزَينٌ. وإن ذَمِّي لَشينٌ. فقال: ذاك اللَّه عز وجل] (1).
وقوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} . إرشاد منه سبحانه إلى الأدب الذي كان ينبغي أن يتأدب به هؤلاء الذين ينادون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات. قال القرطبي: (أي لو انتظروا خروجك لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم. وكان صلى الله عليه وسلم لا يحتجب عن الناس إلا في أوقات يشتغل فيها بمهمات نفسه، فكان إزعاجه في تلك الحالة من سوء الأدب).
وقوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . توجيه منه سبحانه إلى التوبة والإنابة لتكفير الزلل والعيوب، فإنه تعالى يغفر ويستر وهو الغفور السِّتير.
أخرج أبو داود بسند صحيح عن يعلى بن أمية، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إن اللَّه تعالى حَيِيٌّ ستير، يحب الحياء والسِّتر](2).
6 -
8. قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8)}.
في هذه الآيات: توجيهُ اللَّه تعالى عباده المؤمنين للتثبت من صحة الأخبار، لئلا يقعوا في الندم أو الظلم للمؤمنين الأخيار، وامتنانُه تعالى عليهم بهذا النبي المختار.
فقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} . أَمْرٌ بالتثبّت في خبر الفاسق وعدم اعتماده إلا بعد التحقق منه. وقد نزلت هذه الآية في الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط، حين بعثه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على صدقات بني المصطلق.
فقد أخرج الإمام أحمد والطبراني بسند حسن عن عيسى بن دينار قال: حدثني أبي
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (3/ 488)، (6/ 393)، والطبري (31679)، والطبراني (878) وإسناده على شرط البخاري ومسلم، وصرح أبو سلمة بالتحديث عن الأقرع.
(2)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (4012). وانظر صحيح سنن أبي داود (3387).
أنه سمع الحارثَ بن ضِرار (1) الخُزاعي يقول: [قدِمْتُ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام، فَدَخلتُ فيه وأقررتُ به. ودعاني إلى الزكاة فأقررتُ بها، وقلت: يا رسولَ اللَّه، أرجِعُ إليهم فأدعوهم إلى الإسلام وأداءِ الزكاة، فمن استجاب لي جمعتُ زكاتَه. ويُرسِلُ إليَّ رسولُ اللَّه رسولًا لإِبَّان كذا وكذا لِيأتِيَكَ ما جمعتُ من الزكاة. فلما جمعَ الحارثُ الزكاةَ ممن استجاب له، وبلغ الإبَّانُ الذي أراد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يبعثَ إليهِ، احتبسَ عليه الرسول فلم يأتِه، فظن الحارِثُ أنه قد حدثَ فيه سَخْطَةٌ من اللَّه ورسوله، فدعا بِسَرَوَاتِ قومه فقال لهم: إن رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم كان وَقَّتَ لي وقتًا يُرسِلُ إليَّ رسوله لِيقبضَ ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الخُلْفُ، ولا أرى حَبْسَ رسوله إلا مِنْ سَخْطَةِ. فانطلقوا فنأتيَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. وبعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليدُ حتى بلغ بعضَ الطريق فَرِق -أي: خاف- فرجَع فأتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ الحارثَ منعني الزكاة وأراد قتلي. فضرب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم البعثَ إلى الحارث، وأقبل الحارثُ بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصلَ عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارثُ. فلما غشيهم قال لهم: إلى مَنْ بُعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعثَ إليكَ الوليدَ بن عُقبة، فزعم أنك منعتَه الزكاة وأردت قتله. قال: لا، والذي بعثَ محمدًا بالحق ما رأيته بَتَّةً ولا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: منعتَ الزكاة وأردتَ قتل رسولي؟ قال: لا، والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلتُ إلا حين احتَبَسَ عليَّ رسولُ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم خشيت أن تكون كانت سخطة من اللَّه عز وجل ورسوله، قال: فنزلت الحجرات: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} إلى هذا المكان {فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}](2).
قلت: ويبدو أن سبب تصرف الوليد بن عقبة بتلك الطريقة هو سماعه بخروجهم للقائه، فظنهم يريدون قتله، وإنما أرادوا استقباله. فلنستمع لرواية ابن إسحاق وفيها تفصيل لما حدث، وتصلح شاهدًا للحديث السابق.
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان: [أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعث إليهم بعد
(1) هو والد جويرية التي تزوجها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وكان لزواجه منها الأثر الكبير في تأليف قلوب قومها.
(2)
حديث حسن. أخرجه أحمد (4/ 279) و (3/ 488) ورجاله ثقات إلا دينار الكوفي مقبول، لكن له شواهد كثيرة تقويه إلى الحسن لغيره. وأخرجه الطبراني (878).
إسلامهم الوليدَ بن عقبة بن أبي معيط، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم هابهم، فرجع إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأخبره أن القوم قد همّوا بقتله، ومنعوه ما قِبَلهم من صدقتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غَزْوهم، حتى همَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأن يغزوهم، فبينا هم على ذلك قدمَ وفدُهم على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول اللَّه، سمعنا برسولك حين بعثته إلينا، فخرجنا إليه لِنُكْرِمَه، ونؤدّي إليه ما قِبَلنا من الصدقة، فانشمر راجعًا -أي جدّ وأسرع بالرجوع-، فبلغنا أنه زعم لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنا خرجنا إليه لنقتله، واللَّه ما جئنا لذلك، فأنزل اللَّه تعالى فيه وفيهم:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} . . . إلى آخر الآية] (1).
وقوله: {أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} . قال ابن جرير: (فتبينوا لئلا تصيبوا قومًا برآء مما قذفوا به بجناية بجهالة منكم فتندموا على إصابتكم إياهم).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:[إياكم والظَّنَّ، فإن الظَّنَ أكذَبُ الحديث، ولا تحسَّسُوا، ولا تجسَّسُوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغَضُوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا](2).
وقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} . أي: واعلموا -معشر المؤمنين- أن فيكم رسول اللَّه فاحذروا أن تفتروا الكذب بين يديه فإن اللَّه يخبره أخباركم ويعرفه أنباءكم. ولو كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يعمل في الأمور بآرائكم ويطيعكم فيما تقولون له لنالكم بذلك "العنت" أي الشدة والمشقة.
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي نضرة قال: [قرأ أبو سعيد الخدري: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ}. قال: هذا نبيكم يوحى إليه. وخيار أئمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لَعَنِتوا، فكيف بكم اليوم](3).
وقول: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} . أي: حسَّن الإيمان في قلوبكم فآمنتم وأقبلتم على الحق. قال القرطبي: (هذا خطاب للمؤمنين المخلصين الذين لا يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم ولا يخبرون بالباطل، أي جعل الإيمان أحبّ الأديان
(1) انظر سيرة ابن هشام (2/ 296)، وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (871 - 873).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2563) - كتاب البر والصلة. باب تحريم الظن والتجسس. . .
(3)
صحيح الإسناد. انظر صحيح سنن الترمذي (2607) - كتاب التفسير - سورة الحجرات - آية (7).
إليكم]، {وَزَيَّنَهُ} بتوفيقه {فِي قُلُوبِكُمْ} أي حسّنه إليكم حتى اخترتموه).
وقوله: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} . قال ابن عباس: (يريد به الكذب خاصة). وقيل: كل ما خرج عن الطاعة. قال النسفي: ({وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ} وهو تغطية نعم اللَّه ونجمطها بالجحود {وَالْفُسُوقَ} وهو الخروج عن محجة الإيمان بركوب الكبائر {وَالْعِصْيَانَ} وهو ترك الانقياد بما أمر به الشارع).
وقوله: {أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} . الرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه، من "الرشادة" وهي الصخرة. قال القاسمي:({أُولَئِكَ} أي الموصوفون بمحبة الإيمان، وتزينه في قلوبهم، وكراهتهم المعاصي {هُمُ الرَّاشِدُونَ} " أي السالكون طريق الحق).
أخرج الإمام أحمد في المسند، والنسائي في "الكبرى" بسند صحيح عن عُبيد اللَّه بن رفاعة عن أبيه قال:[لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: استووا حتى أثني على ربي، فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسطَ لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل من هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيمَ يوم العَيْلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعت، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدّون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق](1).
وقوله تعالى: {فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} . قال ابن كثير: (أي: هذا العطاء الذي منحكموه هو فضل منه عليكم ونعمة من لدنه {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ، أي:
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (3/ 424)، ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه النسائي في "الكبرى"(10445)، وانظر كتابي: السيرة النبوية (2/ 740) لتفصيل الموقف.
عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، حكيم في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره).
9 -
10. قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)}.
في هذه الآيات: أَمْرُ اللَّه تعالى عباده المبادرة بالإصلاح بين المسلمين الباغين بعضهم على بعض، والأخذ على يد المخطئ منهم حتى يفيء إلى أمر اللَّه واللَّه يحب المقسطين، ويحب المؤمنين أن يكونوا إخوة متسامحين متراحمين.
فقوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} .
أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أنس رضي الله عنه قال: [قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتَيْتَ عَبْدَ اللَّه بنَ أُبيٍّ، فانطَلَقَ إليه النبي صلى الله عليه وسلم ورَكِبَ حمارًا فانطلق المسلمون يمشون معه -وهي أرض سَبِخَةٌ- فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إليك عني، واللَّه لقد آذاني نتنُ حمارِكَ، فقال رجل من الأنصار مِنهم: واللَّه لحِمارُ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم أطْيَبُ ريحًا منكَ، فَغَضِبَ لعبد اللَّه رَجُلٌ من قَوْمِهِ فشتما (1) فغضِبَ لِكُلِّ واحد منهما أصحابُهُ، فكانَ بينهما ضَرْبٌ بالجريد والنِّعال والأيدي، فبلغنا أنها نزلت {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9]] (2).
وروى البخاري عن أم كلثوِم بنت عقبة أنها سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: [ليس الكذَّابُ الذي يُصلح بين الناس فَيَنْمي خيرًا أو يقولُ خيرًا](3).
وقد جاء فضل الإصلاح بين المسلمين في أحاديث كثيرة، منها:
(1) أي شتم كل واحد منهما الآخر، وفي رواية في غير الصحيحين (فشتمه).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (2691) - كتاب الصلح، وأخرجه مسلم (1799)، وأحمد (3/ 157)، (3/ 219)، وأخرجه أبو يعلى (4083).
(3)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (2692) - كتاب الصلح. باب: ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس.
الحديث الأول: أخرج البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه: [أنَّ أهْلَ قُباءٍ اقتتلوا حتى تَرَامَوْا بالحجارة، فَأُخْبِرَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: اذهبوا بنا نُصْلِحْ بَيْنَهُم](1).
الحديث الثاني: أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [كُلُّ سُلامى من الناس عليه صَدَقَةٌ، كُلَّ يوم تطلُعُ فيه الشمس، يَعْدِلُ بين الناس صدقة](2).
الحديث الثالث: أخرج أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي بَكْرَةَ: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خَطَبَ يومًا ومعه على المنبر الحسنُ بن علي، فجعل ينظرُ إليه مرة وإلى الناس أخرى ويقول:[إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللَّه أن يُصْلِحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين](3).
وقد أصلح اللَّه تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة، وحجز به الفتنة أن تستمر لستأصل شوكة المسلمين.
قال ابن عباس: (فإن اللَّه سبحانه أمر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم اللَّه وينصف بعضهم من بعض، فإن أجابوا حكم فيهم بكتاب اللَّه حتى ينصف المظلوم من الظالم، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ، فحقّ على إمام المؤمنين أن يجاهدهم ويقاتلهم حتى يفيئوا إلى أمر اللَّه، ويقرّوا بحكم اللَّه).
وفي الصحيحين وسنن الترمذي -واللفظ له- عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[انْصُر أخاكَ ظالمًا أو مظلومًا، قيل: يا رسول اللَّه نصرته مظلومًا! فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: تكفُّهُ عن الظُّلْمِ، فذاك نَصْرك إيّاه](4).
أي: فإن رجعت الفئة الباغية ونزلت عند حكم اللَّه فأصلحوا بينهما بالإنصاف
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (2693) - كتاب الصلح. وانظر كذلك الحديث (684).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (2707) - كتاب الصلح. وانظر كذلك (2891)، (2989).
(3)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (2704)، وأبو داود (4662)، وأحمد (5/ 44)، وغيرهم.
(4)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (2443)، (2444)، (6952)، وأخرجه مسلم نحوه، وانظر صحيح سنن الترمذي (1839) - أبواب الفتن، باب (59).
والعدل وميزان القسط {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} أي: فيجازيهم أحسن الجزاء.
وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إنَّ المقسطين، عند اللَّه، على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكِلْتا يَدَيْهِ يمين، الذين يَعْدِلون في حُكْمهم وأهْلِيهم وما وَلُوا](1).
وله شاهد عند النسائي بسند جيد عن عبد اللَّه بن عمرو -أيضًا- أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: [إنَّ المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمن، بما أقسَطُوا في الدنيا](2).
وقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} . أي: جميع المؤمنين إخوة في الدين.
وقوله: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} . قال ابن جرير: (ومعنى الأخوين في هذا الموضع: كل مقتتلين من أهل الإيمان).
والمعنى: احرصوا -أيها المؤمنون- على سلامة صرح الأخوّة بينكم، فأصلحوا بين المختصمين، وخافوا اللَّه بإقامة العدل والقسط لتنالكم رحمته ومغفرته.
وقد حفلت السنة الصحيحة بأحاديث كثيرة في آفاق هذا المعنى، منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [المسلمون كَرَجُلٍ واحدٍ، إن اشتكى عَيْنُهُ، اشتكى كُلُّهُ، وإن اشتكى رأسُهُ، اشتكى كُلُّهُ].
وفي لفظ: [مثل المؤمنين في تَوادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم، مَثَلُ الجسد، إذا اشتكى منه عُضْوٌ، تداعى له سائِرُ الجسد بالسَّهر والحُمَّى](3).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [المؤمِنُ للمؤمِن كالبُنيان، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا](4).
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (1827) - كتاب الإمارة، وأخرجه النسائي في "الكبرى"(6/ 300)، وأحمد (2/ 159)، (2/ 203)، وابن حبان (4485).
(2)
حديث صحيح. أخرجه النسائي (5917 - 3/ 460)، وإسناده صحيح.
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2586) ح (66)، ح (67) - كتاب البر والصلة.
(4)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (2446)، ومسلم (2585)، والترمذي (1928)، وأخرجه أحمد في المسند (4/ 405) من حديث أبي بردة.
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن في الشواهد عن سهل بن سعد الساعدي يحدِّثُ عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: [إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألَمُ المؤمن لأهل الإيمان كما يألَمُ الجَسَدُ لما في الرأس](1).
الحديث الرابع: أخرج مسلم وأبو داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [ما مِنْ عَبْدٍ مُسْلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بِمثل](2).
11 -
12. قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)}.
في هذه الآيات: توجيهٌ من اللَّه العظيم عباده المؤمنين، لاجتناب عادات القوم الفاسقين، من السخرية فيما بينهم واللمز والتنابز بالألقاب وسوء الظن والتجسس والغيبة وغير ذلك من العادات التي تسخط اللَّه، واللَّه غفور رحيم.
فقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} . نهي عن السخرية بالناس أو احتقارهم والاستهزاء بهم. قال ابن جرير: (إن اللَّه عمَّ بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السخرية، فلا يحل لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره ولا لذنب ركبه ولا لغير ذلك). قال ابن كثير: (فإنه قد يكون المحتقر أعظمَ قدرًا عند اللَّه تعالى وأحبَّ إليه من الساخر منه المحتقِر له، ولهذا قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ}، فنَصَّ على نَهْي الرجال، وعطفَ بنهي النساء).
(1) حسن لغيره. أخرجه أحمد في المسند (5/ 340)، وإسناده حسن في الشواهد.
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (2732) - كتاب الذكر والدعاء، وأخرجه كذلك (2733)، ورواه أبو داود في السنن (1534) من حديث أبي الدرداء.
قال القرطبي: ({وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} أفرد النساء بالذى لأن السّخرية منهم أكثر).
ومن صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث، منها:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا: [الكبر بطرُ الحق وغَمْطُ الناس](1). والمراد احتقارهم واستصغارهم.
الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عائشة قالت: [حَكَيت للنبي صلى الله عليه وسلم رجلًا، فقال: ما يسرني أني حَكَيت رجلًا وأن لي كذا وكذا. قالت فقلت: يا رسول اللَّه، إن صفية -وقالت بيدها- هكذا، يعني أنها قصيرة. فقال: لقد مزجت بكلمةٍ لو مُزج بها البحر لمزج](2).
الحديث الثالث: أخرج الطبراني وابن عساكر بسند جيد عن شقيق قال: [لبّى عبد اللَّه رضي الله عنه على الصفا، ثم قال: يا لسان قل خيرًا تغنم، اسكت تسلم، من قبل أن تندم، قالوا: يا أبا عبد الرحمن هذا شيء أنت تقوله أم سمعته؟ قال: لا، بل سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: أكثر خطايا ابن آدم في لسانه](3).
وقوله: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} . قال مجاهد: (لا تطعنوا). وقال قتادة: (ولا يطعن بعضكم على بعض).
قلت: واللمز في لغة العرب العيب، وأصله الإشارة بالعين ونحوها. ورجل لَمّاز ولُمَزَة: أي عيّاب. ومنه قوله تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} .
قال الطبري: (اللَّمْزُ باليد والعين واللسان والإشارة. والهَمْزُ لا يكون إلا باللسان). وقوله: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} كقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} أي لا يقتل بعضكم بعضًا، فمن قتل مسلمًا كأنما قتل نفسه، لأن المؤمنين كنفس واحدة. فيكون المعنى: ولا يعب بعضكم بعضًا.
وقوله: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} . أي: لا تداعوا بالألقاب. قال أبو جعفر: (والنبز
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (91) - كتاب الإيمان - باب تحريم الكبر وبيانه. وأخرجه أبو داود في السنن (4091)، والترمذي (1999).
(2)
حسن صحيح. أخرجه الترمذي (2502)، (2503)، ورجاله رجال الصحيح.
(3)
حديث صحيح. أخرجه الطبراني (3/ 78/ 1 - 2)، وابن عساكر (15/ 389/ 1)، وإسناده على شرط مسلم. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (534).
واللقب بمعنى واحد، يجمع النبز: أنبازًا، واللقب ألقابًا). قال ابن عباس:(التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب منها، وراجع الحق، فنهى اللَّه أن يعير بما سلف من عمله). وقال ابن زيد: (تسميته بالأعمال السيئة بعد الإسلام زان فاسق).
أخرج أحمد وابن ماجة بسند صحيح عن أبي جَبيرَة بن الضحاك قال: [فينا نزلت، معشر الأنصار: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ}. قدم علينا النبي صلى الله عليه وسلم، والرجل منا له الاسمان والثلاثة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم، ربما دعاهم ببعض تلك الأسماء. فيقال: يا رسول اللَّه! إنه يغضب من هذا. فنزلت: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ}](1).
واختار ابن جرير أن الآية عامة في كل تلاعب بالألقاب يسيء إلى الآخرين فقال: (والتنابز بالألقاب: هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعمّ اللَّه بنهيه ذلك ولم يخصص به بعض الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه أو صفة يكرهها).
وقوله: {بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ} . الاسم هنا بمعنى الذكر والصفة، والتقدير: بئس الذكر اللامزين والمتنابزين أن يذكروا بالفسق بعد الإيمان. قال النسفي: (وقوله بعد الإيمان استقباح للجمع بين الإيمان وبين الفسق الذي يحظره الإيمان).
وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} . قال القرطبي: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ} أي عن هذه الألقاب الذي يتأذى بها السامعون {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} لأنفسهم بارتكاب هذه المناهي).
وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} .
تحذير من اللَّه سبحانه عباده المؤمنين من بعض الظن، لما قد يترتب عليه من ظلم وضياع حقوق أو إساءة وغيبة، في حين أذن لهم بظن الخير، أن يظن بعضهم ببعض خيرًا، كما قال سبحانه في سورة النور:{لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} . فتوجه النهي في آية الحجرات إلى ظن الشر والسوء.
قال ابن عباس: (نهى اللَّه المؤمن أن يظن بالمؤمن شرًا). فإن ظن المؤمن بأخيه المؤمن الشر لا الخير فقد أثم، لأن اللَّه نهاه عن فعل ذلك.
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (4/ 260)، وأبو داود (4962)، والبخاري في "الأدب المفرد"(330)، وابن ماجة (3741). وانظر صحيح ابن ماجة (3015).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: [إياكم والظنَّ، فإن الظَّنَّ أكذب الحديث](1).
وقوله: {وَلَا تَجَسَّسُوا} . قال ابن عباس: (نهى اللَّه المؤمن أن يتتبع عورات المؤمن). وقال مجاهد: (خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستر اللَّه). وقال قتادة: (هل ترون ما التجسس أو التجسيس؟ هو أن تتبع، أو تبتغي عيب أخيك لتطلع على سره).
والتجسُّس: البحث عما يُكتم عنك، والتحسّس: طلب الأخبار والبحث عنها. والتجسّس يطلق غالبًا في الشر، ومنه الجاسوس. وأما التحسّس فيكون غالبًا في الخير، كما قال تعالى إخبارًا عن يعقوب أنه قال:{يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} [يوسف: 87]. وقد يستعمل كل منهما في الشرِّ.
كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [لا تحاسَدُوا، ولا تباغضوا، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تجسَّسُوا، ولا تناجشوا، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا](2).
وفي لفظ: [لا تهجُروا ولا تدابروا، ولا تحسَّسوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا].
قال الأوزاعي: (التجسّس: البحث عن الشيء. والتحسّس: الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون، أو يتسَمَّع على أبوابهم. والتدابُر: الصَّرْمُ)(3).
ومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود في السنن بسند صحيح عن معاوية قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: [إنّك إن اتَّبَعْتَ عَوْرات الناس أفْسَدْتَهم أو كِدْتَ اْنْ تُفْسِدَهم](4).
الحديث الثاني: أخرج أحمد وأبو داود والحاكم بسند رجاله ثقات عن جبير بن
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2563) - كتاب البر والصلة. باب تحريم الظن والتجسس. . .
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2563) ح (30) - كتاب البر والصلة. وكذلك ح (29).
(3)
رواه ابن أبي حاتم عنه. انظر تفسير ابن كثير عقب الحديث (6235) - سورة الحجرات.
(4)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"(248)، وأبو داود (4888)، والطبراني (19/ 890)، وأبو نعيم (6/ 118)، وصححه ابن حبان (5760).
نفير، وكثير بن مرّة وعمرو بن الأسود والمقدام بن معديكرب وأبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إنّ الأمير إذا ابتغى الرِّيبَةَ في الناس أفسَدَهم](1).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن زيد بن وهب قال: [أُتِيَ ابن مسعود فقيل: هذا فلان تَقْطُرُ لحيته خمرًا! فقال عبد اللَّه: إنا قد نهينا عن التجسّس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذْ به](2).
وقوله: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} . نهي عن الغيبة، وهو أن تذكر الرجل بما فيه، فإن ذكرته بما ليس فيه فهو البهتان.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: [أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: [فرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بَهَتَّه](3).
وفي لغة العرب: اغتابه اغتيابًا إذا وقع فيه، والاسم الغِيبة، وهي ذكر العَيْبِ بظهر الغيب. قال الحسن:(الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب اللَّه تعالى: الغِيبة والإفك والبهتان. فأما الغِيبة فهو أن تقول في أخيك ما هو فيه. وأما الإفك فأن تقول فيه ما بلغك عنه. وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس فيه). وعن شعبة: قال لي معاوية -يعني ابن قُرّة-: (لو مَرَّ بك رجل أقطع، فقلت هذا أقطع كان غِيبة).
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذه المعاني في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يَخْمِشُونَ وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم](4).
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (6/ 4)، وأبو داود (4889)، وصححه الحاكم (4/ 378)، وانظر صحيح سنن أبي داود (4089).
(2)
صحيح الإسناد. أخرجه أبو داود في السنن (4890) - كتاب الأدب. باب في النهي عن التجسّس. انظر صحيح أبي داود (4090).
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2589)، وأبو داود (4874)، وأحمد (2/ 384)، والترمذي (1934)، والدارمي (2/ 297)، وابن حبان (5758) - (5759).
(4)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود (4878)، (4879) وإسناده قوي. وصححه الأرناؤوط في جامع الأصول (8/ 6215)، وله شواهد.
الحديث الثاني: أخرج الحاكم وأبو داود بسند صحيح في الشواهد عن المستورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [من أكلَ برجل مسلم أكلة، فإن اللَّه يطعمه مثلها من جهنم، ومن اكتسى برجل مسلم ثوبًا، فإن اللَّه يكسوه مثله في جهنم، ومن قام برجل مسلم مقام سمعة، فإن اللَّه يقوم به مقام سمعة يوم القيامة](1).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن عائشة قالت: [قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حَسْبُكَ من صَفِيَّةَ كذا وكذا" -تعني قصيرة- فقال: "لقد قلتِ كَلِمَة لو مُزجت بماء البحر لَمَزَجَتْه". قالت: وحكَيْت له إنسانًا فقال صلى الله عليه وسلم "ما أحِبُّ أنى حكيتُ إنسانًا وإنَّ لي كذا وكذا"](2).
الحديث الرابع: أخرج الخرائطي في "مساوئ الأخلاق" -بإسناد صحيح- عن أنس بن مالك قال: [كانت العرب تخدم بعضها بعضًا في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمهما، فناما، فاستيقظا، ولم يُهَيِّئ لهما طعامًا، فقال أحدهما لصاحبه: إن هذا ليوائم نوم بيتكم، فأيقظاه فقالا: ائت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقل له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام، وهما يستأدمانك. فقال: أقرهما السلام، وأخبرهما أنهما قد ائتدما! ففزعا، فجاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول اللَّه! بعثنا إليك نستأمك، فقلت: قد ائتدما. فبأي شيء ائتدما؟ قال: بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لَحْمَهُ بين أنيابكما -يعني لحم الذي استغاباه-. قالا: فاستغفر لنا، قال: هو فليستغفر لكما](3).
فائدة: الغيبة تباح عند تحقق المصلحة الشرعية، وذلك في ستة أحوال جمعها الشيخ كمال الدين بن أبي شرف بقوله:
القدح ليس بغيبة في ستة
…
متظلم ومعرّف ومحذّر
ومجاهر فسقًا ومستفت ومن
…
طلب الإعانة في إزالة منكر
(1) صحيح لطرقه. أخرجه الحاكم (4/ 127 - 128)، وبنحوه أبو داود (4881)، والبخاري في "الأدب المفرد"(240). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (934).
(2)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود (4875)، والترمذي (2502)، وإسناده على شرط مسلم.
(3)
أخرجه الخرائطي في "مساوئ الأخلاق"(186)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (2608). وقال الألباني: إسناده صحيح.
وتفصيل ذلك مع أدلته في كتابي: "منهج الوحيين في معالجة زلل النفس وتسلط الجن"، فلله الحمد والمنة.
وقوله: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} . فيه بيان من اللَّه سبحانه أن أكل لحم المؤمن بغيبته حيًّا، كأكل لحمه بعد مماته ميتًا. قال ابن عباس:(حرم اللَّه على المؤمن أن يغتاب المؤمن بشيء، كما حرّم المَيْتَة). وقال قتادة: (كما أنت كاره لو وجدت جيفة مدوّدة أن تأكل منها، فكذلك فاكره غيبته وهو حي).
أخرج الترمذي وابن حبان بسند حسن عن نافع، عن ابن عمر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:[يا معشرَ من آمنَ بلسانه ولمْ يُفضِ الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عَوْراتِهم، فإنه من يَتَّبع عورات المسلمين يَتَّبع اللَّه عَوْرَته، ومن يَتَّبع اللَّه عَوْرَتَهَ يَفْضَحْهُ ولو في جوف رحْلِه. قال: ونظر ابن عُمر يومًا إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظمَ حرمتك، وللمؤمن أعظمُ حرمةً عند اللَّه منك](1).
وقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} . أي: فاتقوا اللَّه في إخوانكم -معشر المسلمين- ولا تتبعوا العورات أو تتجسسوا، واللَّه يتوب على من تاب، ويرحم عباده المنيبين. قال ابن جرير:({إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}: إن اللَّه راجع لعبده إلى ما يحبه إذا رجع العبد لربه إلى ما يحبه منه، رحيم به بأن يعاقبه على ذنب أذنبه بعد توبته منه).
13.
في هذه الآية: دعوة اللَّه عباده للتعارف وحفظ الأنساب وتبادل الخيرات والخبرات، وإنما التميز بالتقوى والحرص على الطاعات، واللَّه عليم بعباده خبير بمن استحق منهم رفع الدرجات.
فقوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} . يعني آدم وحواء. قال مجاهد: (خلق اللَّه الولد من ماء الرجل وماء المرأة، وقد قال تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى}). والمقصود: أَنَّ أصولكم واحدة، من أبويكم آدم وحواء، أو من ماء ذكر من الرجال، وماء أنثى من النساء، فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب.
(1) حديث حسن. أخرجه الترمذي (2032)، وابن حبان (5763)، وإسناده حسن.
ويُنسب إلى عليّ رضي الله عنه من الشعر:
الناس من جهة التمثيل أكفاء
…
أبوهم آدمُ والأمُّ حوّاء
نفس كنفس وأرواحٌ مشاكلةٌ
…
وأعظمٌ خلقت فيهم وأعضاء
فإن يكن لهمُ من أصلهم حسبٌ
…
يفاخرون به فالطين والماء
ما الفضل إلا لأهل العلم إنّهم
…
على الهُدى من استهدى أدِلّاء
وقَدْرُ كلِّ امرئ ما كان يحسنه
…
وللرجال على الأفعال سيماء
وضدُّ كل امرئ ما كان يجهله
…
والجاهلون لأهل العلم أعداء
وقوله: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} . أي: لينسب الرجل إلى أبيه وأمه وقومه، فلا تختلط الأنساب. قال ابن عباس:(الشعوب الجمهور، مثل مضر. والقبائل الأفخاذ). وقال مجاهد: (الشعوب البعيد من النسب، والقبائل دون ذلك). وقيل: الشعب أكبر من القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العِمارة، ثم البطن، ثم الفَخِذ. وسميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.
قال ابن جرير: ({وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}: وجعلناكم متناسبين، فبعضكم يناسب بعضًا نسبًا بعيدًا، وبعضكم يناسب بعضًا نسبًا قريبًا. ليعرف بعضكم بعضًا في قرب القرابة منه وبعده، لا لفضيلة لبهم في ذلك، وقربة تقربكم إلى اللَّه، بل كما قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} أي أشدكم اتقاء له وخشية بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، لا أعظمكم بيتًا، ولا أكثركم عشيرة).
وقال النسفي: ({لِتَعَارَفُوا} أي إنما رتبكم على شعوب وقبائل ليعرف بعضكم نسبَ بعض). قال مجاهد: (جعلنا هذا لتعارفوا، فلان بن فلان من كذا وكذا).
قلت: ومعرفة الأنساب تفيد في صلة الأرحام، وهي محبة في الأهل ومثراة في المال. فقد أخرج الترمذي ورجاله ثقات عن أبيِ هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[تَعَلَّموا من أنسابكم ما تَصلون به أرحامَكُم، فإنَّ صِلةَ الرحم مَحَبَّةٌ في الأهل، مَثْراةٌ في المال، مَنْسَأةٌ في الأثَر](1).
(1) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (1979)، والحاكم (4/ 161)، وأحمد (2/ 374) وله شواهد كثيرة. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (276).
وله شاهد عند أبي داود الطيالسي في "مسنده" قال: حدثنا إسحاق بن سعيد قال: حدثني أبي قال: [كنت عند ابن عباس، فأتاه رجل فسأله: من أنت؟ قال: فَمَتَّ له برحم بعيدة، فألان له القول، فقال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: اعرفوا أنسابكم، تصلوا أرحامكم، فإنه لا قرب بالرحم إذا قطعت، وإن كانت قريبة، ولا بعد لها إذا وصلت، وإن كانت بعيدة](1).
ورواه البخاري في "الأدب المفرد" بنحوه وزاد: [وكل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها، تشهد له بصلة إن كان وصلها، وعليه بقطيعة إن كان قطعها].
وقوله: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} . أَصْلٌ في ميزان التفاضل بين الناس. والمقصود: إنما تفاضلكم أيها الناس عند اللَّه بالتقوى لا بالأحساب والأنساب.
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [إنّ اللَّه لا ينظر إلى صُوركم وأموالكم، ولكِنْ ينظرُ إلى قلوبكم وأعمالكم](2).
وفي لفظ: [إن اللَّه لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صُوركم، ولكن يَنْظُرُ إلى قلوبكم]. وفي لفظ: (التقوى هاهنا) -ويشير إلى صدره- ثلاث مرِار.
الحديث الثاني: أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: [سُئِل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أكرم؟ قال: أكرمُهم عند اللَّه أتقاهم. قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فأكرم الناس يوسف نبيُّ اللَّه، ابنُ نبيِّ اللَّه، ابن نبي اللَّه، ابن خليلِ اللَّه. قالوا: ليس عن هذا نسألك؟ . قال: فعَنْ معادنِ العرب تسألوني؟ قالوا: نعم! قال: فخياركُم في الجاهلية خياركُم في الإسلام إذا فَقِهُوا](3).
الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [لَيَنْتَهِيَنَّ أقْوامٌ يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحْمُ جَهَنَّمَ، أوْ ليكونُنَّ أهونَ على اللَّه من الجُعَلِ الذي يُدَهْدِهُ الخِراءَ بأنْفِه. إنَ اللَّه أذهب عنكم عُبِّيَّةَ الجاهلية وفَخْرَها
(1) حديث صحيح. أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده"(2757)، وأخرجه الحاكم (4/ 161) وهو على شرط مسلم. وانظر:"الأدب المفرد" للبخاري (73).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2564) ح (34) - كتاب البر والصلة. وكذلك ح (33). باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله.
(3)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (3353) - كتاب أحاديث الأنبياء. وكذلك (3374).
بالآباء. إنما هو مؤمنٌ تقيٌّ، أو فاجِرٌ شقيٌّ. الناس كلُّهم بنو آدمَ، وآدمُ خُلِقَ من التراب] (1). وفي لفظ:[مؤمن تقي، وفاجر شقيّ. والناس بنو آدم، وآدم من تراب].
الحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر: [أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة. فقال: "يا أيها الناس، إن اللَّه قد أذهب عنكم عُبيَّةَ الجاهلية وتعاظُمها بآبائِها، فالناس رجلان: رَجُلٌ بَرٌّ تقيٌّ كريمٌ على اللَّه، وفاجر شقِيٌّ هَيِّنٌ على اللَّه. والناس بنو آدم، وخلق اللَّه آدم من التراب، قال اللَّه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} "](2).
وله شاهد عند أبي نعيم في "الحلية"(3/ 100) عن جابر قال: [خَطبنا رسول اللَّه في أوسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: يا أيها الناس! إنَّ ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمى، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمرَ إلا بالتقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، ألا هل بلّغتُ؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه! قال: فيبلغ الشاهد الغائبَ].
الحديث الخامس: أخرج الترمذي بسند صحيح عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[الحَسَبُ: المالُ. والكرمُ: التقوى](3).
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} . أي عليم بشؤون عباده وبأتقاهم وأكرمهم عنده، خبير بأمورهم وجميع مصالحهم، لا تخفى عليه خافية.
14 -
18. قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ
(1) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (3100) - آخر أبواب وأحاديث الجامع.
(2)
حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (2608)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (2700).
(3)
حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (2609) - كتاب التفسير - سورة الحجرات - آية (13).
صَادِقِينَ (17) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)}.
في هذه الآيات: التمييز بين الإسلام والإيمان، فالمؤمنون هم الذين صدقوا اللَّه اليقين، وبرهنوا على صدقهم بالجهاد بالأموال والأنفس لحفظ وحراسة الدين، واللَّه تعالى له المَنُّ بالهداية على عباده المؤمنين، وهو المتفرد بعلم الغيب والبصير بأعمال العاملين.
فقوله: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} . إنكار على الأعراب ادّعاءهم مقام الإيمان أَوَّل ما دخلوا الإسلام. فإن الإيمان أخصّ من الإسلام -كما هو مذهب أهل السنة والجماعة-. وحقيقة الإيمان الإقرار بالقلب والتصديق بالعمل، وأما الإسلام فقبول ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر.
وفي صحيح مسلم من حديث عمر -أن جبريل عليه السلام حين طلع بصورة رجل-[قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؛ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وتقيمَ الصلاةَ، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلًا. قال: صدقت. قال: فعجبنا له، يسأله ويصدّقه. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن باللَّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيرِهِ وشرِّه. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فان لم تكن تراه، فإنه يراك] الحديث (1).
فسأل جبريل عليه السلام عن الإسلام ثم عن الإيمان ثم عن الإحسان مترقيًا من الأعم إلى الأخص ثم للأخصّ منه.
وفي الصحيحين والمسند عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: [أعطى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رجالًا ولم يُعْطِ رجلًا منهم شيئًا، فقال سعد: يا رسول اللَّه، أعطيتَ فلانًا وفلانًا ولم تُعْطِ فلانًا شيئًا، وهو مُؤْمنٌ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو مُسْلِمٌ -حتى أعادها سعد ثلاثًا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أو مسلمٌ- ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأعطي رجالًا وأدع مَن هو أحبُّ إليَّ منهم فلا أعطيه شيئًا مخافة أن يكُبّوا في النار على وُجوههم](2).
ففرّق النبي صلى الله عليه وسلم بين المسلم والمؤمن، مما يؤكد أن الإيمان أخصّ من الإسلام.
وهذا يدل مع الآية السابقة أن المقصود تأديب هؤلاء الأعراب الداخلين حديثًا في
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (8) - كتاب الإيمان. ح (1)، وانظر الحديث (9).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (27)، ومسلم (150)، وأبو داود (4683)، وأحمد (1/ 167)، وأخرجه النسائي (8/ 103 - 104).
الإسلام لئلا يدّعوا مقام من سبقهم وصار في سجل أهل الإيمان، ولا دليل على أنهم كانوا منافقين كما ذهب البخاري وغيره.
وقوله: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} . قال ابن كثير: (قوم ادّعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يحصُل لهم بعد، فَأُدِّبُوا وأُعْلِمُوا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لَعُنِّفُوا وفُضِحوا، كما ذُكِرَ المنافقون في سورة براءة).
وقوله: {وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا} . قال مجاهد: "لَا يَلِتْكُم": لا ينقصكم). قال ابن زيد: (إن تصدقوا إيمانكم بأعمالكم يقبل ذلك منكم).
والمقصود: إِنْ تخلصوا الطاعة للَّه ولرسوله لا ينقصكم ربكم من أجور طاعتكم شيئًا.
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . أي من أطاعه وتاب إليه من سالف ذنوبه، فأنيبوا إليه أيها الأعراب، واستغفروا ذنوبكم، واسلكوا سبيل الإيمان بصدق تنلكم رحمته سبحانه.
وقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} . تعريف بحقيقة أهل الإيمان. قال القاسمي: (أي لم يقع في نفوسهم شك فيما آمنوا به من وحدانية اللَّه ونبوّة نبيّه، وألزموا نفوسهم طاعة اللَّه، وطاعة رسوله، والعمل بما وجب عليهم من فرائض اللَّه بغير شك في وجوب ذلك عليهم).
وقوله: {وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . أي: وأضافوا إلى ما سبق مجاهدة المشركين ببذل أموالهم ومهجهم في سبيل اللَّه، لتكون كلمة اللَّه هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
وقوله: {أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} . قال ابن زيد: (صدقوا إيمانهم بأعمالهم).
والمقصود: هؤلاء هم المتصفون بهذه الأعمال: من أعمال القلب واللسان والجوارح هم الذين صدقوا في اذعاء الإيمان، لظهور أثر الصدق على جوارحهم، وتصديق أفعالهم وأقوالهم.
وقوله: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ} . أي بما أنتم عليه من الطاعة والامتثال لمعالم الدين. قال ابن جرير: (هذا تقدم من اللَّه إلى هؤلاء الأعراب بالنهي عن أن يكذبوا ويقولوا غير الذي هم عليه في دينهم. يقول: اللَّه محيط بكل شيء عالم به، فاحذروا أن تقولوا خلاف ما يعلم من ضمائر صدوركم، فينالكم عقوبته، فإنه لا يخفى عليه شيء).
وقوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . أي: واللَّه الذي تعلّمونه أنكم مؤمنون هو علّام جميع ما في السماوات والأرض لا يعزب عنه مثقال ذرة، ولا يخفى عليه شيء، وهو بكل شيء عليم.
وقوله: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا} . المنّ: ذكر الأيادي تعريضًا للشكر، والمعنى: أيمُن عليك -يا محمد- هؤلاء الأعراب بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم؟ !
أي: قل لهم -يا محمد- لا تمنوا عليّ بإسلامكم، فإن المنّة للَّه عليكم بأن هداكم لطريق الإيمان، إن صح زعمكم أنكم مؤمنون. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار يوم حنين:[يا معشرَ الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم اللَّه بي؟ وكنتم متفرِّقين فألَّفَكم اللَّه بي، وكنتم عالة فأغناكم اللَّه بي؟ . قالوا: اللَّه ورسوله أمَنّ](1).
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} . تَاْكيدٌ لعلمه المطلق سبحانه وتعالى بأحوال جميع مخلوقاته، وما غاب في أرجاء أرضه وسماواته، وبصره بأعمال عباده، فلا يخفى عليه شيء.
تم تفسير سورة الحجرات بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه الخميس 7 - رجب - 1426 هـ الموافق 11 - آب - 2005 م
* * *
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4330) من حديث عبد اللَّه بن زيد بن عاصم - كتاب المغازي.