الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السادس
(الإيمان بالبعث (1))
الإيمان بالبعث، وذم المكذبين بالمعاد
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فالإيمان بالبعث دل عليه: الكتاب والسنة والعقل، والفطرة السليمة:
فأخبر -الله سبحانه وتعالى عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليل عليه، ورد على منكريه في غالب سور القرآن الكريم، وذلك أن الأنبياء عليهم السلام كلهم متفقون على الإيمان بالآخرة، فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري، كلهم يقر بربوبيته سبحانه وتعالى إلا مَن عاند كفرعونَ، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون.
وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، كما قال صلى الله عليه وسلم هذا الحديث أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة.
وكان صلى الله عليه وسلم هو الحاشر المقفَّى، روى هذا الحديث الترمذي في (الشمائل) من حديث حذيفة بن اليمان.
لما كان منكرو البعث كثيرين بيّن سبحانه وتعالى تفصيلَ الآخرة بيانًا وافيًا، ولهذا ظن طائفة من المتفلسفة ونحوهم أنه صلى الله عليه وسلم لم يخفِ شيئًا من أمر اليوم الآخر، وظنوا أنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وجعلوا هذا حجة لهم في أنه من باب التخييل.
إذن رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بينت تفصيل الآخرة بيانًا لا يوجد فيه شيء من كُتُب الأنبياء، والقرآن الكريم بين معادَ النفس عند الموت، ومعادَ البدن عند القيامة الكبرى في غير موضع. وهؤلاء الكافرون ينكرون القيامة الكبرى، وينكرون معاد الأبدان، ويقول مَن يقول منهم: إنه لم يخبر به إلا محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق التخييل، وهذا كذب.
القيامة الكبرى معروفة عند الأنبياء مَن لدن آدمَ إلى نوح عليه السلام إلى إبراهيمَ وموسى وعيسى وغيرهم عليهم السلام وقد أخبر الله بها من حين أُهبِطَ آدمُ، فقال تعالى:{قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين} (الأعراف: 24) قال: {فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُون} (الأعراف: 25) ولما قال إبليس اللعين: {رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِين * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُوم} (ص: 79 - 81).
وأما نوح عليه السلام فقال: {وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا} (نوح: 17 - 18). وقال إبراهيم عليه السلام: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّين} (الشعراء: 82) إلى آخر القصة، وقال:{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَاب} (إبراهيم: 41) وقال تعالى: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} (البقرة: 260).
وأما موسى عليه السلام فقال الله لما ناجاه موسى عليه السلام قال سبحانه: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} (طه: 15 - 16).
بل مؤمن آل فرعون كان يعلم المعاد -يعني: كان يعلم البعث- وإنما آمَن بموسى، قال تعالى حكاية عنه:{وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَاد * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد} (غافر: 32 - 33) إذًا مؤمن آل فرعون كان يعلم البعث، ولذا آمن بموسى عليه السلام وقال أيضًا:{يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَار} (غافر: 39).
وقال سبحانه: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب} (غافر: 46) وقال موسى عليه السلام: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} (الأعراف: 156) وقد
أخبر الله في قصة البقرة في قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون} (البقرة: 73).
وقد أخبر الله تعالى أنه أرسل الرسل مبشرين ومنذرين في آيات من القرآن، وأخبر عن أهل النار أنهم إذا قال لهم خزنتها:{أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِين} (الزُّمَر: 71) وهذا اعتراف من أصناف الكفار الداخلين جهنم أن الرسل أنذرتهم لقاءَ يومهم هذا، فجميع الرسل أنذروا بما أَنذر به خاتمهم وهو سيدنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم أنذروا قومهم من عقوبات المذنبين في الدنيا والآخرة.
فعامة سور القرآن الكريم التي ذكر فيها الوعد والوعيد يذكر ذلك فيها في الدنيا والآخرة، وأمر الله نبيه أن يقسم بذاته على المعاد، فقال تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ} (سبأ: 3) وقال تعالى: {وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِين} (يونس: 53) وقال تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير} (التغابن: 7).
وأخبر سبحانه وتعالى عن اقتراب اليوم الآخر أو عن اقتراب الساعة فقال تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَر} (القمر: 1) وقال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُون} (الأنبياء: 1) وقال تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع * لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِع} (المعارج: 1 - 2) إلى أن قال: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا} (المعارج: 6 - 7).
ذم المكذبين بالمعاد -أي: بالبعث-:
لقد ذم الله المكذبين بالبعث، قال تعالى:{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِين} (يونس: 45) وقال تعالى: {أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيد} (الشورى: 18) وقال تعالى: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ