المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌دلائل نبوة الأنبياء - التفسير الموضوعي ١ - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 التوحيد (1)

- ‌الوحدانية والتوحيد

- ‌التوحيد أساس دعوة جميع الرسل عليهم السلام

- ‌الربوبية والألوهية وصلتهما بالتوحيد

- ‌الدرس: 2 التوحيد (2)

- ‌(أوجه استعمال الربوبية والألوهية في القرآن، وشمولية عقيدة التوحيد)

- ‌أساليب القرآن الكريم في الحديث عن الوحدانية والتوحيد

- ‌الاستدلال القرآني على توحيد الله سبحانه وتعالى

- ‌الدرس: 3 التوحيد (3) - الإيمان بالقدر (1)

- ‌الأدلة النفسية أو الداخلية على توحيد الله

- ‌التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب نوعان

- ‌الإيمان بالقدر

- ‌الدرس: 4 الإيمان بالقدر (2)

- ‌أصل القدر، والنزاع بين الناس في القدر، وحكم التكذيب به

- ‌أنواع المراد من الله سبحانه وتعالى

- ‌إرادة الله سبحانه في الكون، ومسألة الاحتجاج بالقدر

- ‌الدرس: 5 الإيمان بالقدر (3)

- ‌الإضلال والهداية

- ‌الإيمان بالقدر لا ينافي الاكتساب

- ‌القدر خيره خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى

- ‌تقدير آجال الخلائق، وتفسير كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله

- ‌الدرس: 6 الإيمان بالبعث (1)

- ‌الإيمان بالبعث، وذم المكذبين بالمعاد

- ‌الرد على منكري البعث

- ‌جزاء الأعمال في الآخرة، وإثبات العرض والحساب يوم القيامة

- ‌الدرس: 7 الإيمان بالبعث (2)

- ‌معنى الورود في القرآن

- ‌الإيمان بالميزان، وبيان حقيقته

- ‌أدلة أن الجنة والنار موجودتان، وأهوال يوم القيامة

- ‌الدرس: 8 الإيمان بالبعث (3)

- ‌انقلاب الكون في اليوم الآخر، وصور من أحوال هذا اليوم

- ‌أحوال أصحاب الجنة وأصحاب النار في الآخرة

- ‌الدرس: 9 الإيمان بالرسل

- ‌الإيمان بجميع الرسل

- ‌دلائل نبوة الأنبياء

- ‌صدق دعوة الأنبياء، وبيان أن إنكار الرسالة طعن في الرب سبحانه

- ‌الدرس: 10 تابع الإيمان بالرسل - الإيمان بالملائكة والكتب السماوية

- ‌وجوب الإيمان بجميع الرسل

- ‌الإيمان بالملائكة والكتب السماوية

- ‌الدرس: 11 بيان فساد عقائد المشركين والمنافقين ومذاهبهم

- ‌إظهار فساد عقائد المشركين

- ‌بطلان عقيدة تعدد الآلهة، وإنكار المشركين للبعث

- ‌فساد عقيدة المنافقين والكافرين، ومذاهبهم في التحليل والتحريم

- ‌الدرس: 12 بيان عناد اليهود والنصارى وضلالهم، والرد عليهم

- ‌مظاهر انحراف وتحلل اليهود عن منهج الله سبحانه

- ‌دعاوى اليهود والنصارى الكاذبة

- ‌الدرس: 13 حديث القرآن الكريم عن السحر

- ‌معنى السحر، وحقيقته، وضروبه عند المعتزلة، وحكم تعلمه

- ‌اليهود والسحر

- ‌الدرس: 14 أنواع الأحكام في القرآن، وبيان حكم بعض علل التشريع

- ‌أحكام العبادات والمعاملات

- ‌الأحكام المدنية

- ‌بيان حِكم بعض علل التشريع في القرآن الكريم

- ‌الدرس: 15 الطهارة والصلاة في القرآن الكريم

- ‌الطهارة: أقسامها، حكمها

- ‌الصلاة، وخطورة التهاون فيها، وحكم تاركها

- ‌الدرس: 16 الصوم والزكاة والحج في القرآن الكريم

- ‌الصوم في القرآن الكريم، وأثره في النفوس والأبدان

- ‌الزكاة وأهميتها وحكم تاركها

- ‌الحج في القرآن الكريم

- ‌الدرس: 17 الجهاد في القرآن الكريم

- ‌تعريف الجهاد، وبيان أقسامه، وحكمه، والحكمة منه

- ‌تاريخ تشريع الجهاد، وأول الآيات نزولًا فيه

- ‌حالات مشروعية الجهاد، وبيان أن الجهاد وسيلة لدفع العدوان

- ‌فضل الجهاد وثوابه، والآثار المترتبة على تركه

- ‌الدرس: 18 الجريمة في القرآن الكريم: أنواعها، وعلاجها

- ‌تعريف الجريمة، وبيان أصلها، وأنواعها، وطرق إثباتها

- ‌علاج الجريمة

- ‌أنواع العقوبات في الشريعة

- ‌الدرس: 19 النظام المالي في القرآن الكريم

- ‌مكانة المال، وقواعد الميراث فى الإسلام

- ‌الاستغلال الاقتصادي لجماعة المسلمين

- ‌الدرس: 20 المعاملات في القرآن الكريم

- ‌البيوع

- ‌الإجارة والرهن

- ‌الدرس: 21 الربا: أنواعه، وضرره على المجتمع

- ‌تعريف الربا، وبيان الأدوار التي مر بها تحريمه، ومشروعية التحريم

- ‌الربا المحرّم في الشريعة الإسلامية

- ‌الربا جريمة اجتماعية خطيرة

الفصل: ‌دلائل نبوة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس التاسع

(الإيمان بالرسل)

‌الإيمان بجميع الرسل

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد.

قال تعالى: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} (البقرة: 285) أي: نحن مؤمنون بالرسل جميعًا، لا نفرق بينهم بأن نؤمن ببعض ونكفر ببعض، بل نؤمن بهم ونصدقهم كلهم، فإن مَن آمن ببعض وكفر ببعض كافر بالكل، قال تعالى:{وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} (النساء: 150، 151) فإن المعنى الذي لأجله آمن بمن آمن منهم موجود في الذي لم يؤمن به، وذلك الرسول الذي آمن به قد جاء بتصديق بقية المرسلين، فإذا لم يؤمن ببعض المرسلين كان كافرًا بمن في زعمه أنه مؤمن به؛ لأن ذلك الرسول جاء بتصديق المرسلين كلهم فكان كافرًا حقًّا، وهو يظن أنه مؤمن، فكان من الأخسرين أعمالًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.

‌دلائل نبوة الأنبياء

دلائل نبوة الأنبياء كثيرة متنوعة:

يقول صاحب (العقيدة الطحاوية): والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر تقرير نبوة الأنبياء بالمعجزات، لكن كثير منهم لا يعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات، وقرروا ذلك بطرق مضطربة، والتزم كثير منهم إنكار خرق العادات لغير الأنبياء حتى أنكروا كراماتِ الأولياء، وكذلك أنكروا السحر وغير ذلك.

ولا ريبَ أن المعجزات دليل صحيح، لكن الدليل غير محصور في المعجزات، فإن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما يعرب عنهما وتُعرف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة! وما أحسنَ ما قال حسان رضي الله عنه:

لو لم يكن فيه آيات مبينة

كانت بديهته تأتيك بالخير

وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب وغلبت الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز، فإن الرسول لا بد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور، ولا بد أن يفعل أمورًا يبين بها صدقه، والكاذب يظهر في نفس ما يأمر به وما يخبر عنه وما يفعله ما يبين بها كذبه من وجوه كثيرة، والصادق ضده، بل كل شخصين ادعيَا أمرًا أحدهما صادق والآخر كاذب لا بد أن يظهر صدق هذا وكذب هذا ولو بعد مدةٍ؛ إذ الصدق مستلزم للبر، والكذب مستلزم للفجور، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:((عليكم بالصدق! فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذبَ! فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)) أخرج الحديث من حديث ابن مسعود: مسلم، وأبو داود، والبخاري في (الأدب المفرد) ولهذا قال تعالى:{هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} (الشعراء: 221 - 226). .

ص: 121

فالكُهان ونحوهم وإن كانوا أحيانًا يخبرون بشيء من الغيبيات، ويكون صادقًا، فمعهم من الكذب والفجور ما يبين أن الذي يخبرون به ليس عن ملك، وليسوا بأنبياء، ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد:((قد خبأتُ لك خبيئًا)) "فقال: الدح" يعني: الدخان، قال له النبي صلى الله عليه وسلم:((اخسأ، فلن تعدو قدرك)) يعني: إنما أنت كاهن. هذا الحديث أخرجه البخاري وفي (الأدب المفرد)، ومسلم.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يأتيني صادق وكاذب)) أخرجه البخاري، ومسلم من حديث ابن عمر، وأخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال: لقيه -أي: ابن صياد- رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر في بعض طرق المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:((أتشهد أَني رسول الله؟)) فقال هو: أتشهد أني رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((آمنت بالله وملائكته وكتبه، ما ترى؟)) قال: أرى عرشًا على الماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ترى عرش إبليس على البحر)) وأخرجه الترمذي.

وبين الله تعالى أن الشعراء يتبعهم الغاوون، والغاوي الذي يتبع هواه وشهوته، وإن كان ذلك مضرًّا له في العاقبة، فمن عرف الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه ووفاءه ومطابقةَ قوله لعمله، علِمَ علمًا يقينيًّا أنه ليس بشاعر ولا كاهن، والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة حتى في المدعي للصناعات والمقالات، كمن يدعي الفلاحة والنساجة والكتابةَ، أو علم النحو والطب والفقه، وغير ذلك.

والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لا بد أن يتصف الرسول بها، وهي أشرف العلوم، وأشرف الأعمال، فكيف يشتبه الصادق؟! ولا ريب أن المحققين على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه العلم الضروري، كما يعرف الرجل رضا الرجل وحبه وبغضه وفرحه وحزنه، وغير

ص: 122

ذلك مما في نفسه بأمور تظهر على وجهه قد لا يمكن التعبير عنها، كما قال تعالى:{وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} (محمد: 30) ثم قال: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} (محمد: 30) واللحن يقال على معنيين:

أحدهما: الكتابة بالكلام حتى لا يفهم غير مخاطبك.

والثاني: صرف الكلام من الإعراب إلى الخطابة، ويقال من الأول: لحنت بفتح الحاء، ألحن فأنا لاحن، وألحنته الكلام فلحنه أي: فهمه فهو لاحن، والثاني لحن بالكسر إذا لم يعرب، والمعنى الأول هو المراد بالآية الكريمة.

قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} أي: فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم، يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول، كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه:"ما سر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه". فإذا كان صدق الخبر وكذبه يعلم بما يقترن به من القرائن، فكيف بدعوى المدعي أنه رسول الله؟ كيف يخفَى صدق هذا من كذبه؟ وكيف لا يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من الأدلة؟

ولهذا لما كانت خديجة رضي الله عنها تعلم من النبي صلى الله عليه وسلم أنه الصادق البار قال لها لما جاءه الوحي: ((إني قد خشيت على نفسي، فقالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق)). أخرجه البخاري، ومسلم، فهو صلى الله عليه وسلم لم يخف من تعمد الكذب، فهو يعلم من نفسه أنه لم يكذب، وإنما خاف أن يكون قد عرض له عارض سوء، وهو المقام الثالث، فذكرت خديجة ما ينفي هذا، وهو ما كان مجبولًا عليه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، وقد عُلم من سنة

ص: 123

الله أن من جبله على الأخلاق المحمودة، ونزهه عن الأخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه.

وكذلك قال النجاشي لما استخبرهم عما يخبر به، واستقرأهم القرآن فقرءوه عليه، قال:"إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة". أخرجه ابن هشام في (السيرة)، وأخرجه أحمد في (المسند) من حديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم.

وكذلك ورقة بن نوفل لَمَّا أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما رآه، وكان ورقة قد تنصَّرَ، وكان يكتب الإنجيل بالعربية، فقالت له خديجة:"أي عم، اسمَعْ من ابن أخيك ما يقول، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما رأى، فقال -أي: ورقة بن نوفل-: هذا هو الناموس الذي كان يأتي من موسى".

وكذلك هرقل ملك الروم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما كتب إليه كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام طلب من كان هناك من العرب، وكان أبو سفيان قد قدم في طائفة من قريش في تجارة إلى الشام، وسألهم عن أحوال النبي صلى الله عليه وسلم فسأل هرقل أبا سفيان، وأمر الباقين إن كذَبَ أن يكذبوه، فصاروا بسكوتهم موافقين له في الأخبار، سأله: هل كان في آبائه من ملك؟ فقالوا: لا ليس في آبائه من ملك. قال: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فقالوا: لا. وسأله: أهو ذو نسب فيكم؟ فقالوا: نعم. وسألهم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقالوا: لا، ما جربنا عليه كذبًا. وسألهم: هل اتبعه ضعفاء الناس أم أشرافُهم؟ فذكروا أن الضعفاء اتبعوه. وسألهم: هل يزيدون أم ينقصون؟ فذكروا أنهم يزيدون. وسألهم: هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطةً له بعد أن يدخل فيه؟ فقالوا: لا. وسألهم: هل قاتلتموه؟ قالوا: نعم. وسألهم عن الحرب بينهم وبينه. فقالوا: يدال علينا مرة، وندال عليه أخرى. يعني: مرة يهزمنا ومرة نهزمه. وسألهم: هل يغدر؟ فذكروا

ص: 124

أنه لا يغدر. وسألهم: بماذا يأمركم؟ فقالوا: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة.

وهذه أكثر من عشر مسائل.

ثم بين لهم ما في هذه المسائل من الأدلة فقال: سألتكم هل في آبائه من ملك؟ فقلتم: لا، قلتُ: لو كان في آبائه من ملك لقلت: رجل يطلب مُلكَ أبيه، وسألتكم: هل قال هذا القول فيكم أحد قبله؟ فقلتم: لا، فقلتُ: لو قال هذا القول أحد قبله لقلت: رجل ائتم بقول قيل قبله، وسألتكم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقلتم: لا، فقلت: قد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله، وسألتكم: أضعفاء الناس يتبعونه أم أشرافهم؟ فقلتم: ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل، يعني: في أول أمرهم، ثم قال: وسألتكم: هل يزيدون أم ينقصون؟ فقلتم: بل يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتكم: هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ فقلتم: لا، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد.

وهذا من أعظم علامات الصدق والحق، فإن الكذب والباطل لا بد أن ينكشف في آخر الأمر، فيرجع عنه أصحابه، ويمتنع عنه من لم يدخل فيه، والكذب لا يروج إلا قليلًا ثم ينكشف، وسألتكم: كيف الحرب بينكم وبينه؟ فقلتم: إنها دول، وكذلك الرسل تُبتلى، وتكون العاقبة لهم، قال: وسألتكم هل يغدر؟ فقلتم: لا، وكذلك الرسل لا تَغدر. أخرجه البخاري مطولًا ومختصرًا، وكذلك أخرجه أحمد في (المسند) من حديث ابن عباس.

ص: 125

وهرقل لما كان عنده من علمه بعادة الرسل، وسنة الله فيهم أنه تارةً ينصرهم وتارةً يبتليهم، وأنهم لا يغدرون علم أن هذه علامات الرسل، وأن سنة الله في الأنبياء والمؤمنين أن يبتليهم بالسراء والضراء لينالوا درجة الشكر والصبر، كما في (الصحيح) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:((والذي نفسي بيده، لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءٌ صبَرَ فكان خيرًا له)) أخرجه مسلم من حديث صهيب بن سنان الرومي، وأخرجه أحمد في (المسند) بلفظ:((عجبت من أمر المؤمن، إن أمره كله خير)).

والله تعالى قد بين في القرآن ما في إدالة -أي: غلبة العدو- عليهم يوم أحد من الحكمة، فقال تعالى:{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران: 139) وقال تعالى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُون} (العنكبوت: 2) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على سنته في خلقه، وحكمته التي بهرت العقول.

وفي حديث ابن عباس المتقدم قال: وسألتكم عما يأمر به؟ فذكرتم أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، ويأمركم بالصلاة، والزكاة، والصدق، والعفاف، والصلة، وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم، وهذه صفة نبي، وقد كنت أعلم أن نبيًّا يبعث، ولم أكن أظنه منكم، ولا وددت أني أخلص إليه، ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبتُ إليه، وإن يكن ما تقولون حقًّا فسيملك موضع قدمي هاتين. وكان المخاطب بذلك أبو سفيان بن حرب، وهو حينئذٍ كافر من أشد الناس بغضًا وعداوةً للنبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 126

قال أبو سفيان بن حرب: "فقلت لأصحابي ونحن خروج: لقد أمِر أمْر ابن أبي كبشة" يعني: قد انتشر وذاع بين الناس، وظهرت علامات نصره وظهوره علينا، إن هرقل ليعظمه، وهرقل ملك بني الأصفر، يقول أبو سفيان:"وما زلت موقنًا بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم سيظهر حتى أدخل الله عليَّ الإسلام وأنا كاره".

إذن هذه علامات صدق النبي صلى الله عليه وسلم حيث شهد له من لا يؤمن بأنه رسول، ومن لا يؤمن برسالته، وهو أبو سفيان كان ما زال على الكفر، شهد له بصدقه، وهذا يدل على أنه نبي.

ومما ينبغي أن يعرف أن ما يحصل في القلب بمجموع أمور قد لا يستقل بعضها به، بل ما يحصل للإنسان من شبع وشكر، وفرح وغم بأمور مجتمعة لا يحصل ببعضها، لكن ببعضها قد يحصل بعض الأمر، وكذلك العلم بخبر من الأخبار، فإن خبر الواحد يحصل للقلب نوع ظن، ثم الآخر يقويه إلى أن ينتهي إلى العلم حتى يتزايد ويقوى، وكذلك الأدلة على الصدق والكذب ونحو ذلك، وأيضًا فإن الله سبحانه أبقى في العالم الآثار الدالةَ على ما فعله بأنبيائه والمؤمنين من الكرامة، وما فعله بمكذبيهم من العقوبة كتواتر الطوفان، وإغراق فرعون وجنوده.

ولما ذكر سبحانه قصص الأنبياء نبيًّا بعد نبي في سورة الشعراء، كقصة موسى وإبراهيم ونوح ومن بعده عليهم السلام يقول تعالى في آخر كل قصة:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} (الشعراء: 67، 68) وبالجملة فالعلم بأنه كان في الأرض من يقول: إنه رسول الله وأن قومًا اتبعوه، وأن أقوامًا خالفوه، وأن الله نصر الرسل والمؤمنين، وجعل العاقبة لهم، وعاقب أعداءهم، هو من أظهر العلوم المتواترة وأجلاها ووضحها.

ص: 127