الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال صلى الله عليه وسلم لجماعة من صحبه: ((إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس؛ فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش)) رواه أحمد في مسنده وأبو داود والحاكم والبيهقي عن سهل بن الحنظلية، وهو حديث صحيح.
الصلاة، وخطورة التهاون فيها، وحكم تاركها
- الصلاة:
حقيقة الصلاة:
الصلاة لغة: الدعاء، أو الدعاء بخير. قال تعالى:{وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} (التوبة: 103)، أي: ادع لهم.
والصلاة شرعًا: هي أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
مشروعية الصلاة:
الصلاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (البينة: 5)، وقوله سبحانه:{فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (الحج: 78)، وقوله تعالى:{إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} (النساء: 103).
وأما مشروعية الصلاة بالسنة فأحاديث متعددة؛ منها: حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا)) متفق عليه.
فالصلاة عبادة بدنية، فرضها الله على المسلم في اليوم والليلة خمس مرات، في أوقات محددة يقف فيها مستقبلًا بوجهه أينما كان جهة المسجد الحرام الكائن بمكة.
وفرضت الصلاة ليلة الإسراء قبل الهجرة بنحو خمس سنين على المشهور بين أهل السير؛ لحديث أنس قال: ((فُرضت على النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات ليلة أسري به خمسين، ثم نقصت حتى جُعلت خمسًا، ثم نودي: يا محمد إنه لا يُبدل القول لدي، وإن لك بهذه الخمسة خمسين)) رواه أحمد والنسائي وصححه الترمذي.
وهي فرض عين على كل مكلف بالغ عاقل، ولكن تؤمر بها الأولاد لسبع سنين، وتضرب عليها لعشر، الضرب يكون باليد لا بخشبة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:((مروا صبيانكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع)) رواه أحمد وأبو داود والحاكم والترمذي والدارقطني عن شعيب عن أبيه عن جده.
الصلاة أقدم عبادة بدنية عُرفت في الرسالات الإلهية:
الصلاة أقدم عبادة عرفت مع الإيمان، ولم تخلُ منها شريعة من الشرائع، وقد حكيت عن الأنبياء والمرسلين، فإبراهيم عليه السلام يُسكن ذريته بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم ويقول:{رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (إبراهيم: 37). وتجيء الصلاة في عهد الله إلى إبراهيم وإلى ولده إسماعيل في قوله تعالى: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (البقرة: 125). وتنادي الملائكة أم عيسى عليه السلام: {يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} (آل عمرن: 42، 43).
وعيسى عليه السلام يُحدِّث بنعمة الله عليه فيقول: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} (مريم: 31). وينوه الله بشأن إسماعيل عليه السلام فيقول: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} (مريم: 55). ولقمان يعظ ابنه بالإيمان والإحسان إلى الوالدين، وبمراقبة الله في السر والعلن، ثم يوصيه بالصلاة فيقول:{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (لقمان: 17).
ويأخذ الله الميثاق على بني إسرائيل، فتكون إقامة الصلاة من أهم مواده وعناصره. قال تعالى:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (البقرة: 83).
وهكذا نجد مكانة الصلاة عند الله وفي دينه عنصرًا تاليًا لعنصر الإيمان في جميع الرسالات، وعلى ألسنة جميع الرسل، وقد جاء الإسلام فنسج على منوال الرسالات المتقدمة، وجعلها ركنًا من أركان الدين، وأفاض في ذكر فوائدها ما أفاض بالمحافظة عليها، والقيام فيها لله، مع القنوت والخشوع، وكمال التوجه إليه، والتفرغ له. قال تعالى:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (البقرة: 238).
أثر الصلاة في تهذيب النفوس:
لقد بيّن القرآن الكريم أثر الصلاة في تهذيب النفوس، ووقايتها من الفحشاء والمنكر، وتطهيرها من غرائز الشر التي تفسد على الإنسان حياته. قال تعالى:{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (العنكبوت: 45). وقال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} (المعارج: 19 - 23).
وفي مقابلة هذا كله جعل تركها عنوانًا للانغماس في الشهوات، وسبيل الوقوع في الغي والضلال، وسببًا من أسباب الخلود في النار. قال تعالى:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} (مريم: 59). وقال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} (المدثر: 38 - 47).
كما جعل الغفلة عنها، وعن معناها وروحها آية من آيات التكذيب بيوم الدين. قال تعالى:{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّين * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} (الماعون: 1 - 7).
فالسهو عن روح الصلاة يجعلها صورة جافة، لا يُؤدَى حق الله فيها من خشوع ومراقبة، واستشعار عظمة الله سبب قوي في التكذيب بيوم الدين، وإهانة اليتيم وإهمال حق المسكين، كما هو سبب في غرس شجرة الرياء في القلوب، وانصراف الإنسان عن فضيلة التعاون، وعن البر بأخيه الإنسان.
وقد قرن الله الصلاة بعد هذا كله بالصبر. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} (البقرة: 153).
اشتمال الصلاة على جميع أساليب التعظيم:
شرع الله الصلاة اعترافًا بنعمته وعظمته، وجمع في كيفيتها جميع ما تفرق عند الناس من أساليب التعظيم، فجعل افتتاحها بإعلان أن الله أكبر من كل ما يرون تعظيمه، مصحوبًا ذلك برفع اليدين معًا، على وجه يُمثل فيه وضعهما المعنوي الذي استقر في القلب، حينما ينطلق اللسان بكلمة التكبير.
ثم جَعل مِن أركانها القيام المصحوب بتلاوة آيات من كتابه، وأوجب في كل صلاة وعلى كل مصلي قراءة "الفاتحة"، التي تعتبر أم الكتاب، وقد جَمعت كل ما تفرق في القرآن نصًّا وإشارة.
ثم الانحناء المعروف باسم الركوع، مصحوبًا بالتكبير في الانخفاض والرفع، ثم يجيء السجود نهاية لما يتصوره من وجوه التعظيم، وبذلك يكون العبد قد وقف من ربه في موضع العبودية الحقة، وكأن الله بأسلوب تعظيمه على هذا الوجه يلفت نظر المؤمنين، إلى أن تعظيمه يجب بمقتضى الإيمان بربوبيته وألوهيته، أن يكون فوق كل تعظيم عرفه الناس في تعظيم بعضهم لبعض.
وأن هذه الصورة من التعظيم التي رسمها الله لنفسه لا يصح أن يُعظم بها غيره، كما لا يصح أن ينتقصها المؤمن، أو أن يُغير شيئًا من أوضاعها أو أن يزيد فيها، فهو سبحانه المعبود وهو المعظم، وقد شرع لنا طريق عبادته وأسلوب تعظيمه، وليس لأحد من خلقه أن يفكر أو يستظهر شيئًا غير ما رسمه في تعظيمه بزيادة أو نقص.
ولعل هذا هو الأساس الذي بني عليه حظر الابتداع في الدين، وفي سبيله كثرت الأحاديث الصحيحة في التحذير من البدع، التي ينساق إليها الناس، بناء على ما يتصورون من الزيادة في معنى العبودية.
حكم تارك الصلاة:
اتفق المسلمون على أن الصلاة واجبة على كل مسلم بالغ عاقل، طاهر، أي: غير ذي حيض أو نفاس، ولا ذي جنون أو إغماء، وهي عبادة بدنية محضة لا تقبل النيابة أصلًا، فلا يصح أن يصلي أحد عن أحد كما لا يصح أن يصوم أحد عن أحد.
وأجمع المسلمون على أن من جحد وجوب الصلاة فهو كافر مرتد؛ لثبوت فرضيتها بالأدلة القطعية من القرآن والسنة والإجماع، ومَن تركها تكاسلًا وتهاونًا فهو فاسق عاص، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة. وترْك الصلاة موجب للعقوبة الأخروية والدنيوية، أما الأخروية فلقوله تعالى:{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} .
وقال صلى الله عليه وسلم: ((من ترك الصلاة متعمدًا فقد برأت منه ذمة الله ورسوله)) رواه أحمد بإسناده عن مكحول وهو مرسل جيد.
والإنسان إذا تركها جاحدًا وجوبها فهو كافر؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة)).
هذا، والله أعلم.