الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهذه السورة الكريمة على وجازتها جامعة لكل ما يليق بالله تعالى وحده؛ من صفات الكمال: أحدية، استغناء، تنزيه له عن الشركاء والأشباه، ثم هي مصححة لضلالات المشركين وأهل الكتاب في باب الاعتقاد.
إن الآية الأولى تثبت الوحدانية لله تعالى على أبلغ الوجوه؛ لأن لفظ أحد أكمل من الواحد، ولذلك لا يوصف به إلا الله تعالى. والآية الثانية بيان لأسباب أحديته؛ إذ إنه هو وحده السيد الكامل في جميع صفاته وأفعاله، وهو المقصود في جميع الحوائج، وهو الغني عن كل شيء، بل كل شيء محتاج إليه. والآيتان الثالثة والرابعة تقرير لهذه الأسباب أيضًا؛ لأنه سبحانه متفرد عن الأصول والفروع، وما يلزمها من الصاحبة أُمًّا أو زوجة، وكذلك هو متفرد عن الشبيه والمماثل، وإن لم يكن أصلًا أو فرعًا. انظر تفسير سورة الإخلاص في تفسير البيضاوي والخازن وأبي السعود.
الربوبية والألوهية وصلتهما بالتوحيد
لقد تحدث القرآن الكريم طويلًا عن الربوبية والألوهية، وأبطل كل ادعاء لأحدهما من دون الله، وأثبت أنه لا رب ولا إله بحق إلا الله، وأوجب سبحانه على عباده أن يفردوه بهما معًا في التوحيد.
والرب شرعًا يطلق على معان، أجمعها:
1 -
المربي الذي تعهَّد خلقه بالتنشئة والتربية وقضاء الحاجات على معنى أنه هو المتصف بكل صفات التأثير، مِن خلق، رزق، مُلك، إحياء، إماتة، تدبير، هداية
…
إلى آخره.
2 -
من معاني الربوبية: السيد المطاع النافذ الحكم.
أما الإله فيطلق على معانٍ، أجمعها:
1 -
المعبود الذي يستحقّ وحده أقصى غايات التذلل والخضوع، مِن صلاة، ذكر، حب، خوف، توكل، دعاء، نذر، وقسم به سبحانه وتعالى
…
إلى آخره.
2 -
من معاني الإله: المستعلي على عباده، الخليق بالطاعة فيما أمر ونهى.
وصف الألوهية: وصف الألوهية والربوبية لله وصفان لا يفترقان، ومن هنا يتضح التلازم التام بين الربوبية والألوهية، وأنهما لا ينفصلان من حيث الحقيقة الشرعية، ومن حيث الوجود الواقعي؛ لما يأتي:
أولًا: لأنهما وصفان لذات واحدة، لا يوجدان في غيرهما، ولا يجتمعان في سواها، ولا يتحققان بمعناهما الصحيح إلا لله الواحد الأحد.
ثانيًا: لأنهما يجتمعان في معنًى مشترك بينهما، وهو المعنى رقم 2 من كل منهما، وإن اختص كل منهما بمعنى خاص به، كما رأينا في المعنى رقم 1.
الوحدانية والتوحيد، مجموع الأمرين: مجموع الألوهية والربوبية، ومن هنا يتضح أيضًا أن الوحدانية تعني اتصاف الله تعالى بالربوبية والألوهية جميعًا، والتوحيد يعني وجوب إفراده سبحانه وتعالى بالأمرين جميعًا، فلا يقال: توحيد الربوبية هو كذا، ولا يقال: توحيد الألوهية هو كذا؛ لأن التوحيد لا يقبل التجزئة أصلًا، حتى يقوم به أحد الجزأين مقام الآخر في الإطلاق.
لذلك لا يصح أن يقال: التوحيد المضاف لأحد الوصفين يقوم مقام الحقيقة الجامعة، ولا يصح أن يقال: هذا من باب المجاز؛ لأن المجاز لا يصار إليه في حقائق الاعتقاد.
أما من حيث الحقيقة الشرعية فالتوحيد: هو أن يؤمن العبد بأن الله تعالى هو
وحده الرب، صاحب كل صفات التأثير والكمال، وأنه لذلك هو وحده الإله المستحقّ للعبادة والطاعة بلا شريك، فإذا أقر العبد بأحدهما فقط لم يكن موحدًا، وإنما يقال: هو مقر أو معترف بأحدهما، ولكن لا يصح أن يسمى موحدًا؛ لأن التوحيد هو مجموع الأمرين معًا.
ولهذا لم يُطلق القرآن على الكفار أنهم موحدون توحيد الربوبية، حين أقروا أن الله تعالى هو الخالق المالك الرازق، وإنما سماهم كفارًا مشركين. قال تعالى:{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} (يونس: 31). ثم يقول تعالى بعد هذه الآية: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} (يونس: 33، 34).
لقد سماهم القرآن كفارًا مشركين؛ لأنهم لم يأتوا بحقيقة التوحيد الجامعة، وإنما أقروا بوصف منها، والتوحيد لا يقبل التجزئة أصلًا، فمن أشرك في وصف فقد أشرك في الكل؛ لأنه لم يأت بحقيقة مسمى التوحيد الشرعي الجامعة، ولذلك يقول سبحانه:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (النساء: 48).
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.