المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أحوال أصحاب الجنة وأصحاب النار في الآخرة - التفسير الموضوعي ١ - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 التوحيد (1)

- ‌الوحدانية والتوحيد

- ‌التوحيد أساس دعوة جميع الرسل عليهم السلام

- ‌الربوبية والألوهية وصلتهما بالتوحيد

- ‌الدرس: 2 التوحيد (2)

- ‌(أوجه استعمال الربوبية والألوهية في القرآن، وشمولية عقيدة التوحيد)

- ‌أساليب القرآن الكريم في الحديث عن الوحدانية والتوحيد

- ‌الاستدلال القرآني على توحيد الله سبحانه وتعالى

- ‌الدرس: 3 التوحيد (3) - الإيمان بالقدر (1)

- ‌الأدلة النفسية أو الداخلية على توحيد الله

- ‌التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب نوعان

- ‌الإيمان بالقدر

- ‌الدرس: 4 الإيمان بالقدر (2)

- ‌أصل القدر، والنزاع بين الناس في القدر، وحكم التكذيب به

- ‌أنواع المراد من الله سبحانه وتعالى

- ‌إرادة الله سبحانه في الكون، ومسألة الاحتجاج بالقدر

- ‌الدرس: 5 الإيمان بالقدر (3)

- ‌الإضلال والهداية

- ‌الإيمان بالقدر لا ينافي الاكتساب

- ‌القدر خيره خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى

- ‌تقدير آجال الخلائق، وتفسير كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله

- ‌الدرس: 6 الإيمان بالبعث (1)

- ‌الإيمان بالبعث، وذم المكذبين بالمعاد

- ‌الرد على منكري البعث

- ‌جزاء الأعمال في الآخرة، وإثبات العرض والحساب يوم القيامة

- ‌الدرس: 7 الإيمان بالبعث (2)

- ‌معنى الورود في القرآن

- ‌الإيمان بالميزان، وبيان حقيقته

- ‌أدلة أن الجنة والنار موجودتان، وأهوال يوم القيامة

- ‌الدرس: 8 الإيمان بالبعث (3)

- ‌انقلاب الكون في اليوم الآخر، وصور من أحوال هذا اليوم

- ‌أحوال أصحاب الجنة وأصحاب النار في الآخرة

- ‌الدرس: 9 الإيمان بالرسل

- ‌الإيمان بجميع الرسل

- ‌دلائل نبوة الأنبياء

- ‌صدق دعوة الأنبياء، وبيان أن إنكار الرسالة طعن في الرب سبحانه

- ‌الدرس: 10 تابع الإيمان بالرسل - الإيمان بالملائكة والكتب السماوية

- ‌وجوب الإيمان بجميع الرسل

- ‌الإيمان بالملائكة والكتب السماوية

- ‌الدرس: 11 بيان فساد عقائد المشركين والمنافقين ومذاهبهم

- ‌إظهار فساد عقائد المشركين

- ‌بطلان عقيدة تعدد الآلهة، وإنكار المشركين للبعث

- ‌فساد عقيدة المنافقين والكافرين، ومذاهبهم في التحليل والتحريم

- ‌الدرس: 12 بيان عناد اليهود والنصارى وضلالهم، والرد عليهم

- ‌مظاهر انحراف وتحلل اليهود عن منهج الله سبحانه

- ‌دعاوى اليهود والنصارى الكاذبة

- ‌الدرس: 13 حديث القرآن الكريم عن السحر

- ‌معنى السحر، وحقيقته، وضروبه عند المعتزلة، وحكم تعلمه

- ‌اليهود والسحر

- ‌الدرس: 14 أنواع الأحكام في القرآن، وبيان حكم بعض علل التشريع

- ‌أحكام العبادات والمعاملات

- ‌الأحكام المدنية

- ‌بيان حِكم بعض علل التشريع في القرآن الكريم

- ‌الدرس: 15 الطهارة والصلاة في القرآن الكريم

- ‌الطهارة: أقسامها، حكمها

- ‌الصلاة، وخطورة التهاون فيها، وحكم تاركها

- ‌الدرس: 16 الصوم والزكاة والحج في القرآن الكريم

- ‌الصوم في القرآن الكريم، وأثره في النفوس والأبدان

- ‌الزكاة وأهميتها وحكم تاركها

- ‌الحج في القرآن الكريم

- ‌الدرس: 17 الجهاد في القرآن الكريم

- ‌تعريف الجهاد، وبيان أقسامه، وحكمه، والحكمة منه

- ‌تاريخ تشريع الجهاد، وأول الآيات نزولًا فيه

- ‌حالات مشروعية الجهاد، وبيان أن الجهاد وسيلة لدفع العدوان

- ‌فضل الجهاد وثوابه، والآثار المترتبة على تركه

- ‌الدرس: 18 الجريمة في القرآن الكريم: أنواعها، وعلاجها

- ‌تعريف الجريمة، وبيان أصلها، وأنواعها، وطرق إثباتها

- ‌علاج الجريمة

- ‌أنواع العقوبات في الشريعة

- ‌الدرس: 19 النظام المالي في القرآن الكريم

- ‌مكانة المال، وقواعد الميراث فى الإسلام

- ‌الاستغلال الاقتصادي لجماعة المسلمين

- ‌الدرس: 20 المعاملات في القرآن الكريم

- ‌البيوع

- ‌الإجارة والرهن

- ‌الدرس: 21 الربا: أنواعه، وضرره على المجتمع

- ‌تعريف الربا، وبيان الأدوار التي مر بها تحريمه، ومشروعية التحريم

- ‌الربا المحرّم في الشريعة الإسلامية

- ‌الربا جريمة اجتماعية خطيرة

الفصل: ‌أحوال أصحاب الجنة وأصحاب النار في الآخرة

وكأنها تتخفف من هذه الأثقال التي تحملها طويلًا.

إنه مشهد يهز وقعَ أقدام المستمعين لهذه الصورة، كل شيء ثابت ويخيل إليهم أنهم يترنحون ويتأرجحون، والأرض من تحتهم تهتز وتمور، مشهد يخلع القلوب من كل ما تتشبث به من هذه الأرض، وتحسبه ثابتًا باقيًا، قال تعالى:{إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا} (الزلزلة: 1 - 3) إلى آخر السورة.

‌أحوال أصحاب الجنة وأصحاب النار في الآخرة

صور من أحوال الجنة والنار:

حال السعداء والأشقياء يوم القيامة:

قال تعالى: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون * وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون} (النمل: 89 - 90) في هاتين الآيتين يبين الله حال السعداء والأشقياء يوم القيامة في هذا اليوم الفزع الرهيب يكون الأمن والطمأنينة من الفزع جزاء الذين أحسنوا في الحياة الدنيا فوق ما ينالهم من ثواب هو أجزل من حسناتهم وأوفر، قال تعالى:{مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون} الأمن من الفزع هو وحده جزاء، وما بعده فضل من الله ومنة، ولقد خافوا الله في الدنيا، فلم يجمع عليهم خوف الدنيا وفزع الآخرة، بل أمنهم يوم يفزع من في السموات ومَن في الأرض، إلا مَن شاء الله.

وقال تعالى: {وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} وهو مشهد مفزع، وهم يكبون في النار على وجوههم، ويزيد عليهم التبكيت والتوبيخ:{هَلْ تُجْزَوْنَ إلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون} فقد تنكبوا الهدى وأشاحوا عنه بوجوههم، فهم

ص: 106

يجزون به كبًّا لهذه الوجوه في النار، وقد أعرضت من قبل عن الحق الواضح وضوح الليل والنهار.

ويراد بالحسنة في الآية الأولى الإخلاص، والمراد بالسيئة في الآية الثانية الشرك.

الموازنة بين نصيب المؤمنين يوم القيامة ونصيب الكافرين:

إن نصيب المؤمنين يتلقونه من يد الله في جنات تجري من تحتها الأنهار، فالله هو الذي يدخلهم، وهو إذًا نصيب كريم علوي رفيع، وهم ينالونه من بين يدي الله في علاه جزاءً على الإيمان والصلاح، متناسقًا في رفعته وكرامته مع الارتفاع المنطلق من الإيمان والصلاح، ونصيب الذين كفروا متاع وأكل، قال تعالى:{كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ} (محمد: 12) وهو تصوير ذري يذهب بكل سمات الإنسان ومعالمه، ويلقي ظلال الأكل الحيواني الشره، والمتاع الحيواني الغليظ بلا تذوق وبلا تعفف عن جميل أو قبيح.

إنه المتاع الذي لا ضابط له من إرادة ولا من اختيار، ولا حارس عليه من تقوى، ولا رادع عنه من ضمير، وفي الآخرة لهم العذاب والنار مثوى لهم، إن هناك فارقًا أصيلًا في الحالة التي عليها الفريقان، وفي المنهج والسلوك سواء، فالذين آمنوا على بينة من ربهم رأوا الحق وعرفوه، واستيقنوا من مصدره واتصلوا بربهم فتلقوه عنه، وهم على يقين بما يتلقون غير مخدوعين ولا مضللين.

والذين كفروا زين لهم سوء أعمالهم فرأوه حسنًا وهو سيء، ولم يروا ولم يستيقنوا، واتبعوا أهواءهم بلا ضابط يرجعون إليه، ولا أصل يقيمون عليه، ولا نور يكشف لهم الحق من الباطل، أهؤلاء كهؤلاء؟! إنهم يختلفون حالًا ومنهجًا واتجاهًا، فلا يمكن أن يتفقوا ميزانًا ولا جزاءً ولا مصيرًا.

ص: 107

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُم} (محمد: 12)

ألوان النعيم والعذاب، وصنوف المتاع والآلام للمؤمنين والكافرين:

الله الذي خلق البشر أعلم بمن خلق، وأعرف مما يؤثر في قلوبهم، وما يصلح لتربيتهم ثم ما يصلح لنعيمهم ولعذابهم، والبشر صنوف، والنفوس ألوان، والطبائع شتى تلتقي كلها في فطرة الإنسان، ثم تختلف وتتنوع بحسب كل إنسان، ومن ثم فصل الله ألوان النعيم والعذاب وصنوف المتاع والآلام وفقَ علمه المطلق بالعباد.

هناك ناس يصلح لتربيتهم ولاستجاشة همتهم للعمل، كما يصلح لجزائهم ويرضي نفوسهم أن يكون لهم أنهار من ماء غير آسن، أو أنهار من لبن لم يتغير طعمه أو أنهار من عسل مصفى، أو أنهار من خمر لذة للشاربين، أو صنوف من كل الثمرات، مع مغفرة من ربهم تكفل لهم النجاة من النار والمتاع بالجنات.

فلهؤلاء ما يصلح لتربيتهم وما يليق لجزائهم، وهناك ناس يعبدون الله؛ لأنهم يشكرونه على نعمه التي لا يحصونها؛ أو لأنهم يحبونه ويتقربون إليه بالطاعات تقرب الحبيب للحبيب، أو أنهم يستحيون أن يراهم الله على حالة لا يحبها، ولا ينظرون وراء ذلك إلى جنة أو إلى نار، ولا إلى نعيم أو عذاب على الإطلاق، وهؤلاء يصلح لهم تربية، ويصلح لهم جزاء أن يقول لهم:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} (مريم: 96).

وقال تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} (محمد: 15) فهنا نوعان من الجزاء، هذه الأنهار مع كل الثمرات مع المغفرة من الله، والنوع آخر:{كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُم} (محمد: 15) وهي صورة حسية عنيفة من العذاب، تتناسب مع غلظ طبيعة القوم، وهم

ص: 108

يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، فالجو جو متاع غليظ وأكل غليظ، والجزاء ماء حميم ساخن، وتقطيع للأمعاء التي كانت تحش وتلتهم الأكل كالأنعام، ولن يكون هؤلاء كهؤلاء في الجزاء، كما أنهم في الحال والمنهج ليسوا سواء.

بعد ذلك نأتي إلى أصحاب الجنة وأصحاب النار:

قال تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُون * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِؤُون * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُون * سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيم * وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُون * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيم * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُون * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُون * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون * وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُون * وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُون} (يس: 55 - 67).

إن أصحاب الجنة مشغولون بما هم فيه من النعيم، ملتذون متفكهون، وإنهم لفي ظلال مستطابة، يستروحون نسيمها، وعلى آرائك متكئين في راحة ونعيم، هم وأزواجهم لهم فيها فاكهة ولهم كل ما يشاءون، وهو محقق لهم فيها كل ما يدعون، ولهم فوق اللذائذ التأهيل والتكريم سلام يتلقونه من ربهم الكريم قولًا من رب رحيم، فأما الكافرون فلا يطوي السياق موقف حسابهم، بل يعرضه، ويبرز فيه التبكيت والتنكيل، قال تعالى:{وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُون * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيم * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُون * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُون} إنهم يتلقون التحقير

ص: 109

والتذليل، قال تعالى:{وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُون} انعزلوا هكذا بعيدًا عن المؤمنين: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين} ونداءه هنا: يا بني آدم. فيه من التبكيت ما فيه، وقد أخرج الشيطان أباهم من الجنة ثم هم يعبدونه وهو لهم عدو مبين.

{وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيم} واصلوا العبادة إلي، فهذا هو الصراط المستقيم الذي يؤدي إلى رضاي، إنكم لم تحذروا عدوكم الذي أضل منكم أجيالًا كثيرة:{أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُون} وفي نهاية هذا الموقف العصيب المهين يعلن الجزاء الأليم في تهكم وتأنيب: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُون} ثم بعد ذلك يخذل المشركون بعضُهم بعضًا، وتشهد عليهم جوارحهم، وتتفكك شخصيتهم، يكذب بعضهم بعضًا، وتعود كل جارحة إلى ربها مفردةً، ويثوب كل عضو إلى بارئه مستسلمًا.

قال تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون} إنه مشهد عجيب رهيب، تذهل عن تصوره القلوب، كذلك انتهى المشهد وألسنتهم معقودة، وأيديهم تتكلم، وأرجلهم تشهد على غير ما كانوا يعهدون من أمرهم، وعلى غير ما كانوا ينتظرون، ولو شاء الله لفعل بهم غير ذلك، ولأجرى عليهم من البلاء ما يريد.

ويعرض الله هنا نوعين من هذا البلاء، لو شاء الله لأخذ بهما من يشاء، قال تعالى:{وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُون * وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُون} وهما مشهدان فيهما من البلاء قَدْرِ ما فيهما من السخرية والاستهزاء، السخرية بالمكذبين والاستهزاء بالمستهزئين الذين كانوا يقولون:{مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِين} فهم في المشهد الأول عميان مطموسون، ثم هم مع هذا العمى

ص: 110

يستبقون الصراط، ويتزاحمون على العبور، ويتخبطون تخبطَ العميان حين يتسابقون ويتساقطون تساقطَ العميان حين يسارعون متنافسين، فأنى يبصرون!

وهم في المشهد الثاني قد جمدوا فجأةً في مكانتهم، واستحالوا تماثيلَ لا تمضي ولا تعود بعد أن كانوا منذ لحظة عميانًا يستبقون ويضربون، وإنهم ليبدون في المشهدين كالدمية وكاللعبة في حالة تثير السخرية والتحقيرَ، وقد كانوا من قبل يستخفون بالوعيد ويستهزئون.

كتاب اليمين وكتاب الشمال:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيه * فأما مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وأما مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِه * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُور * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا} (الانشقاق: 6 - 15).

في هذا الجو الخاشع الطائع يجيء النداء العلوي للإنسان، وأمامه الكون بسمائه وأرضه، مستسلمًا لربه هذا الاستسلام:{يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيه} يا أيها الإنسان الذي خلقه ربه بإحسان، والذي ميزه بهذه الإنسانية التي تفرده في هذا الكون بخصائص من شأنها أن تجعله أن يكون أعرفَ بربه، وأطوعَ لأمره من الأرض والسماء، وقد نفخ فيه من روحه وأودعه القدرة على الاتصال به، وتلقى قبسًا من نوره، والفرح باستقبال فيوضاته، والتطهر بها، أو الارتفاع على غير حد؛ حتى يبلغ الكمال المقدر لجنسه، وآفاق هذا الكمال عالية بعيدة.

{يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيه} أيها الإنسان إنك تقطع رحلة حياتك على الأرض كادحًا، تحمل عبئك وتجهد جهدك، وتشق طريقك لتصل

ص: 111

في النهاية إلى ربك، فإليه المرجع وإليه المآب بعد الكد والكدح والجهاد، يا أيها الإنسان إنك كادح حتى في متاعك، فأنت لا تبلغه في هذه الأرض إلا بجهد وكد، إن لم يكن جهد بدن وكد عمل، فهو جهد تفكير وكد مشاعر الواجد والمحروم سواء، إنما يختلف نوع الكدح، ولون العناء، وحقيقةُ الكدح هي المستقرةُ في حياة الإنسان، ثم النهاية في آخر المطاف إلى الله سواء.

يا أيها الإنسان إنك لا تجد الراحةَ في الأرض أبدًا، إنما الراحة هنالك لمن يقدم لها بالطاعة والاستسلام، التعب واحد في الأرض، والكَدْح واحد، وإن اختلف لونه وطعمه، أما العاقبة مختلفة عندما تصل إلى ربك، فواحد إلى عناء دونه عناء الأرض، وواحد إلى نعيم يمسح على آلام الأرض كأنه لم يكن كد ولا كدح.

يا أيها الإنسان الذي امتاز بخصائص الإنسان، ألا فاختَرْ لنفسك ما يليق بهذا الامتياز الذي خصك الله به، اختر لنفسك الراحة من الكدح حينما تلقاه؛ ولأن هذه اللمسة الكامنة في هذا النداء فإنه يصل بها مصير الكادحين حينما يصلنا إلى نهاية الطريق، ويلقون ربهم بعد الكدح والعناء:{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} .

والذي يؤتى كتابه بيمينه هو المرَضْي السعيد الذي آمَنَ وأحسنَ، فرضي الله عنه، وكتب له النجاة، وهو يُحاسب حسابًا يسيرًا، فلا يناقش ولا يدقق معه في الحساب، والذي يصور ذلك هو الآثار الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وفيها غَنَاء، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن نوُقِشَ الحساب عذِّب، قالت: قلت: أفليس قال الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا}؟ قال: ليس ذلك بالحساب، ولكن ذلك العرض، من نُوقش الحساب يوم القيامة عذِّبَ)) أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.

ص: 112

وعنها كذلك قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته: ((اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا، فلما انصرفَ، قلت: يا رسول الله، ما الحساب اليسيرُ؟ قال: أن ينظرَ في كتابه، فيتجاوز له عنه، من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك)) رواه الإمام أحمد بإسناده، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، وهو صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجه.

فهذا هو الحساب اليسير الذي يلقاه من يؤتَى كتابه بيمينه، الذي يؤتى كتابه بيمينه ثم ينجو وينقلب إلى أهله مسرورًا من الناجين الذين سبقوه إلى الجنة، وهو تعبير يفيد تجمع المتوافقين على الإيمان والصلاح من أهل الجنة، كل من أحب من أهله وصحبه. ويصور القرآن رجعة الناجي من الحساب إلى مجموعته المتآلفة بعد الموقف العصيب، يصور رجعته متهللًا فرحًا مسرورًا بالنجاة واللقاء في الجنان، وهو وضع يقابل وضع العذاب الهالك المأخوذ بعمله السيئ الذي يؤتى كتابه وهو كاره، قال تعالى:{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِه * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا} يعني ينادي على الهلاك أن يأخذه، والإنسان حينما يكون في وضع ويتمنى الهلاك لنفسه، فلا شك أن الموضع الذي هو فيه أشد من الهلاك نفسه، وهذا تصوير لشدة العذاب الذي يلاقيه.

يقول سيد قطب في (ظلال القرآن): والذي ألفناه في تعبيرات القرآن من قبل هو كتاب اليمين وكتاب الشمال، فهذه صورة جديدة صورة إعطاء الكتاب من وراء الظهر، وليس يمتنع أن يكون الذي يعطى كتابه بشماله يُعطاه كذلك من وراء ظهره، فهو هيئة الكاره والمكره الخزيان من المواجهة.

يعني: لا تعارض بين قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِه} وبين قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} (الحاقة: 25) يعني: لا تعارض بين الصورتين،

ص: 113

فهو يأخذ الكتاب بالشمال، ويضعه وراء ظهره حتى لا يطلع عليه أحد؛ لأنه يعلم أن هذا الكتاب مليء بالمعاصي، فهو لا يريد أن يطلع الناسُ على ما عمله من أشياءَ تغضب اللهَ سبحانه وتعالى وهو لذلك يأخذ الكتاب بشماله، ويضع شماله وراء ظهره؛ إذًا لا تنافي بين الصورتين.

يقول سيد قطب: ونحن لا ندري حقيقة الكتاب ولا كيفية إتيانه باليمين أو بالشمال أو من راء الظهر، إنما تخلص لنا حقيقة النجاة من وراء التعبير الأول الذي صورته الآية الكريمة، التي تحدثت عن ذلك في قول الله سبحانه وتعالى:{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} ، وكذلك الآية الثانية تعبر عن حقيقة الهلاك الذي بينه الله سبحانه وتعالى بقوله:{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِه * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا} هاتان الحقيقتان المفروض أن يستيقنهما الإنسان، ويعتبر بهما، ويعتبر أيضًا بما وراء ذلك من ألوان العذاب التي ذكرها الله سبحانه وتعالى وكذلك ألوان النعيم التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه.

هذا الإنسان الذي قطع أو قضى حياته في الأرض كدحًا، وقطع طريقه إلى ربه كدحًا، لكن في المعصية والإثم والضلال، هو تعب وعمل، لكن عمله كان معصية، أما الإنسان الذي عمل في الطاعة، ومن أجل رضا ربه لا شك أنه سوف يلقَى مصيرًا غير مصير الآخر، الأول تعب، لكنه استراح، تعب في الطاعة، لكنه استراح في الآخرة. لكن الإنسان الآخر تعب في المعاصي، ووجد تعبًا أشد من التعب الذي كان يتعبه في الدنيا، هذا الإنسان العاصي الذي قضى حياته في المعصية والإثم والضلال، انظر لتصوير القرآن له بما يعانيه، هذا الإنسان يدعو الهلاك ويناديه؛ لينقذه مما هو مقدم عليه من الشقاء، يُشوَى في

ص: 114

النار: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا} أي: غافلًا عما وراء اللحظة الحاضرة: {إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُور} إلى ربه ظن أنه لن يرجع إلى بارئه، والحقيقة أن ربه كان مطلعًا على أمره، محيطًا بحقيقته، عالمًا بحركاته وخطواته.

منظر المتقين في الجنة، ومنظر الطاغين في النار، يعني: صورتان متقابلتان، صورة لأهل الجنة، وصورة لأهل النار:

قال تعالى: {هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآب * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَاب * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَاب * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَاب * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَاب * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَاد} (ص: 49 - 54).

هذه صورة المتقين في الجنة.

أما صورة الطاغين في النار يقول الله سبحانه:

{هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآب * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَاد * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاق * وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاج * هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّار * قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَار * قَالُوا رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّار * وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الأَشْرَار * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَار * إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّار} (ص: 55 - 64).

إن المشهد يبدأ بمنظرين متقابلين تمام التقابل في المجموع وفي الأجزاء وفي السمات والهيئات، منظر المتقين لهم حسن مآب، ومنظر الطاغين لهم شر مآب، فأما الأولون فلهم جنات عدن مفتحة لهم الأبواب، ولهم فيها راحة الاتكاء، ومتعة الطعام والشراب، ولهم كذلك متعة الحوريات الشواب، وهن مع شبابهن

ص: 115

قاصرات الطرف، لا يتطلعن، ولا يمددن بأبصارهن، وكلهن شواب أتراب. أتراب يعني: في سن واحدة، سنهم واحد، سنهم شباب، وهو متاع دائم، ورزق من عند الله ما له من نفاد، وأما الآخرون فلهم مِهاد، لهم مكان يعيشون فيه، لكن لا راحةَ فيه، إنه جهنم فبئس المهادُ، ولهم فيه شراب ساخن، وطعام مقيت، إن ما يخرج ويسيل من أهل النار إنما هو طعامٌ لهم، ولهم صُنوف أخرى من جنس هذا العذاب.

ثم يتم المشهد بمنظر ثالث حي شاخص بما فيه من حوار، فها هي ذي جماعة من أولئك الطاغين من أهل جهنم كانت في الدنيا متوادة متحابة، فهي اليوم متناكرة متنابذة، كان بعضهم يملي لبعض في الضلال، ينصر بعضهم بعضًا على الإثم والعدوان، وكان بعضهم يتعالى على المؤمنين، ويهزأ من دعوتهم ودعواهم في النعيم، كما يصنع الملأُ من قريش:{أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} (ص: 9) قريش كانت تقول هذا، يعني: كانت لا تصدق أن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم أرسله الله رسولًا إلى الناس، فكانوا يتكبرون على الإيمان برسالته ويقولون:{أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} ؟!

هاهم أولاء يقتحمون النار فوجًا بعد فوج، وهاهم أولاء يقول بعضهم لبعض:{هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} يعني: هذا فوج قادم للدخول في النار معكم، فماذا يكون الجواب، يكون الجواب في اندفاع وحنق يقولون لهم:{لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّار} لكن حينما يسمعون ذلك هل يسكتون؟ هل يسكت المشئومون؟ كلا، إنهم يردون عليهم:{قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَار} فلقد كنتم أنتم السببُ في هذا العذاب، وإذا دَعْوة فيها الحنق والضيق والانتقام من الذين هم موجودون في النار قبل هؤلاء، يتوجهون بدعوة إلى

ص: 116

ربهم: {قَالُوا رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّار} .

ثم ماذا؟ ثم هاهم أولاء يفتقدون المؤمنين، لا يجدون المؤمنين معهم في النار، الذين كانوا يتعالون عليهم في الدنيا، ويظنون بهم شرًّا، ويسخرون من دعواهم في النعيم، يسخرون منهم حينما يقولون لهم: نحن ندخل الجنة، هذا في الدنيا فكان الكفار يسخرون من كلامهم، ها هم الآن في النار لا يجدون المؤمنين معهم، فيفتقدونهم، فيتساءلون: أين هم؟ أين ذهبوا؟ لم نرهم هنا، أو يقولون: أم نراهم هنا لكن زاغت عنهم الأبصار، بينما هؤلاء الرجال الذين يتساءلون عنهم هناك في الجِنان، الرجال الذين يتساءلون عنهم أنهم لم يجدوهم في النار هم في الجنة.

ويُختم هذا المشهد بتقرير واقع أهل النار: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّار} فما أبعد مصيرهم عن مصير المتقين الذين كانوا يسخرون منهم، ويستكثرون اختيارَ الله لهؤلاء المؤمنين في الجنة.

هذا والله أعلم.

ص: 117