الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس العشرون
(المعاملات في القرآن الكريم)
البيوع
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
لقد عرضت شريعة الإسلام إلى الجوانب التي تتعلّق بشئون الأموال ومعاملاتها، ذلك هو جانب النظم التي تبنى عليها المبادلات المالية، وفيها أحكام البيع والإجارة، وبيان ما يجوز بيعه وإجارته، وما لا يجوز بيعه ولا إجارته، وتشمل طرق استثمار الأموال والمضاربة والشركة، وأحكام الأمانات، وطرق الاستيثاق في الديون، وغير ذلك مما يجري بين الناس، ويحتاجون إلى ضبطه في انتظام حياتهم وحفظ حقوقهم ومصالحهم.
والمعاملات المالية عمدتها في الإسلام وأساسها الارتباطُ بالالتزام، والوفاء بالحقوق، وعدم أكل أموال الناس بالباطل، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (المائدة: 1)، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (النساء: 29).
من أول هذه المعاملات في درسنا البيوع:
البيع مبادلة المال بالمال، تملكًا وتمليكًا، واشتقاقه من الباع؛ لأنّ كل واحدٍ من المتبايعين يمد باعه للأخذ والإعطاء، ويحتمل أن كلّ واحد منهما كان يبايع صاحبه، أي: يصافحه عند البيع، ولذلك سمّي البيع صفقة.
والبيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع:
- أمّا الكتاب: فقول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (البقرة: 275)، وقوله تعالى:{وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} (البقرة: 282)، وقوله تعالى:{إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (النساء: 29)، وقوله تعالى:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} (البقرة: 198).
وروى البخاري عن ابن عباس قال: "كانت عكاظ ومَجِنّة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فلمّا كان الإسلام تأثّموا فيه -أي: تحرجوا فيه- فنزل قول الله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} ". (البقرة: 198) يعني: في مواسم الحج.
- وأمّا الدليل من السنة: فهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقَا)) متفق عليه. ويروي رفاعة أنّه: ((خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلّى، فرأى الناس يتبايعون، فقال: يا معشر التجار، فاستجابوا للرسول صلى الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا، إلا مَنْ بَرّ وصدَقَ)) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء)) قال الترمذي: هذا حديث حسن. وأخرجه الدارمي. وأحاديث كثيرة سوى هذه.
- وأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة، والحكمة تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلّق بما في يدي صاحبه، وصاحبه لا يبذله، أي: لا يبذله المال بغير عوض، ففي شرع البيع وتجويزه شَرَع طريقًا إلى وصول كلّ واحد منهما إلى غرضه، ودفع حاجته.
أركان عقد البيع:
1 -
العاقدان: وهما البائع والمشتري.
2 -
المعقود عليه: وهو الثمن والمثمّن.
3 -
صيغة العقد: وينعقد البيع بكلّ قولٍ أو فعل يرَدّ أو يدل على إرادة البيع والشراء، وللبيع صيغتان:
أ- الصيغة القولية: وتسمّى الإيجاب.
ب- والقبول الصيغة الفعلية، وتسمّى المعاطاة.
شروط البيع:
لا يكون البيع صحيحًا حتى تتوفّرَ فيه سبعة شروط، متى فُقِدَ منها شرطٌ صار البيع باطلًا، وهذه الشروط هي كالتالي:
1 -
التراضي بين المتبايعين.
2 -
أن يكون العاقد جائزَ التصرف.
3 -
أن تكون العين مباحةَ النفع من غير حاجة.
4 -
أن يكون البيع من مالك، أو مَن يقوم مقامه.
5 -
أن يكون المبيعُ مقدورًا على تسليمه.
6 -
أن يكون المبيعُ معلومًا برؤية أو وصفٍ منضبطٍ.
7 -
أن يكون الثمنُ معلومًا.
هذه هي شروط البيع.
آدابُ البيع والشراء:
من آداب البيع والشراء جملة أمور؛ منها:
1 -
ألّا يعرضَ ثمنًا على البائع ليفسخَ البيع في فترة الاختيار، وهذا بخلاف المزايدات قبل استقرار الثمن؛ ليتمّ الاختبار الحر، ويتفرعوا الوقت له. قال صلى الله عليه وسلم:((لا يسم المسلم على سوم أخيه)) الحديث رواه مسلم.
ومعنى هذا: أنّ البائع والمشتري يتراضيان بثمن معين، ويقع الركون فيه، فيجيء آخر فيدفع للمالك أكثر أو مثله.
2 -
ألّا يبيع على بيع أخيه؛ كأن يعرض على المشتري في فترة الاختيار فسخَ البيع مقابل بيع ما هو أجود أو أرخص؛ ليتم الاختيار الحرّ. قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يبع بعضكم على بيع بعض)) رواه مسلم.
معنى هذا: أنْ يتراضَى البائع والمشتري على ثمن سلعة، فيقول آخر: أنا أبيعك مثلها بأقلّ من هذا الثمن.
3 -
ألّا يروّج للسلعة بالكذب وبما ليس فيها، وبالقسم بالله باطلًا، وبالتضليل والغَش والغدر؛ كأن يدّعي كذبًا أنه اشتراها بثمنٍ معين، أو دفع له ثمنًا معينًا. عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أنّ رجلًا أقام سلعة في السوق، فحلف بالله: لقد أُعطِيَ فيها ما لم يعطَ؛ ليوقع فيها رجلًا من المسلمين، فنزل قول تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (آل عمران: 77)، وقال صلى الله عليه وسلم:((مَن حلَفَ على يمين وهو فيها فاجرٌ؛ ليقطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبانُ)) الحديث رواه البخاري.
4 -
أن تكون مواصفات السلعة وثمنها معلومةً لدعاوي المتابعين.
5 -
على البائع أن يبيّن عيوبَ السلعة وثمنها، ولا يحاول إخفاءها؛ حتى تنتفي كل جهالة أو غموض أو غش في السلع وفي النقود، ويقدم المشتري على الشراء عن ثقة، ويتجنّب التخاصم. قال صلى الله عليه وسلم:((البيعان بالخيار ما لم يتفرقَا، فإن صدقَا البيعان، بُورك لهما في بيعهما، وإن كذباَ وكتماَ في نفسه أن يربحا ربحًا، ويمحقا بركة بيعهما)) رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم:((مَن باع بيعًا لم يبينه لم يزل في مقت الله، ولم تزل الملائكة تلعنه)) (سنن ابن ماجه).
6 -
على المشتري وعلى البائع التحلي بالسماحة والرفق في المعاملة، وأن يكون المشتري جادًّا في الشراء، فلا يتعب البائعَ بهدف التسليةِ وقضاء الوقتِ. أيضًا ألّا يبيع البائع ما لا يملك، ولا يبيع البائع السلعة قبل حيازتها. على المشتري أن يحذر النجش، وهو أن يزيد ثمن السلعة، ولا يريد شراءها بهدف تربيح التاجر على حساب العمل، قال صلى الله عليه وسلم:((لا تناجشوا)) رواه البخاري ومسلم.
7 -
على البائع ألّا يبيع مسروقًا أو مغتصبًا؛ لأن البائع يكون بذلك مشتركًا في الإثم مع السارق.
أيضًا من ضمن هذه الشروط:
على البائع قالة نادم، بمعنى: أن يقبل البائع إرجاعَ السلعة بعد بيعها لحاجة المشتري إلى المال، أو اكتشاف أنه غير محتاج لها وندمه على الشراء، فَمِن حسن