الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة المؤمنون
الآية الأولى
منها قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (المؤمنون: 1 - 11)، وفي سورة المعارج:(إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ) (المعارج: 19 - 35)، للسائل أن يسأل عما اختلف في هاتين السورتين من هذه الأوصاف بالتكرار فيهما والزيادة مع اتحاد مرماهما من ذكر حِلي المؤمنون وأوصافهم التي بها نجاتهم بتوفيق الله إياهم؟ ففي الأولى: ذكر الخشوع في الصلاة، والإعراض عن اللغو، والتنصيص على الزكاة، ولم يرد إفصاح بهذه الخصال الثلاث في سورة المعارج، وفي سورة المعارج المداومة على الصلاة، وتعيين ذوي الحق في المال بأنهم السائل والمحروم، وذكر التصديق بيوم الدين، والدين الجواء، وذكر الإشفاق من عذاب ربهم وأنه غير مأمون، وذكر القيام بالشهادة، ولم يقع إفصاح بهذه الخصال الخمس من سورة المؤمنون، وتوارد على الاتفاق في السورتين التساوي على حفظ الفروج، وذكر الأمانة، والعهد والمحافظة على الصلاة، أربعتها، فهذه ثلاثة سؤالات: أحدها التكرر والاتفاق؟ والثاني وجه ما اختصت به سورة المؤمنون؟ والثالث (وجه) ما اختصت به سورة المعارج؟
والجواب عن الأول: أن حفظ الفروج أحد الأصول الخمسة التي اتفقت فيها
الشرائع، ولم يخالف فيها أحد من العقلاء، وهي: حفظ النفوس، والأموال، والفروج، والعقول، والأعراض.
وأما الأمانة فلا يتم حفظ هذه الخصال إلا بها، فهي الأصل لتلك الأصول، والضابط لجميع التكاليف، وزمام الأديان، وفي الحديث:(الدين الأمانة ولا دين لمن لا أمانة له)، وهي التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبت عن حملها، وهي بالجملة ملاك الددين.
وأما الوفاء بالعهد فلاحقُ بالأمانة في نصاب التأكيد، قال تعالى:(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ)(الإسراء: 34)، وتكرر الأمر بذلك لعظيم قدر الأمانة و (العهد).
وأما المحافظة على الصلوات، رعياً لأوقاتها، وكيفية أدائها، وما تنظوي عليه من جميع مطلوباتها ومتعلقاتها، وما تستلزمه وتستتعبه حتى تكون ناهية عن الفحشاء والمنكر، فذلك كل الدين، والمعبر به عن أخص صفات الناجين في قوله تعالى إخباراً عن جواب الهالكين:(قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ)(المدثر: 43)، فموقع هذه الخصال الأربع وضمها لما سواها من المطالب الإيمانية، واشتمالها على جميعها، أوجب تعيينها بالذكر، ولم يكن ليحصل من ذكر غيرها ما حصل من التنصيص عليها فتكررت في السورتين، ونص فيهما عليها لأنها أمهات لما سواها.
فإن قلت: فإن الزكاة شقيقة الصلاة في التأكيد لأنها أم العبادات المالية، ولهذا قاتل أبو بكر مانعيها ورجع الصحابة، رضي الله عنهم، إلى قوله، وقل ما يرد الأمر بالصلاة في كتاب الله إلا مقروناً به الأمر بالزكاة، قال تعالى:(فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ)(التوبة: 5)، وهذا هو الذي تهدي إليه الصديق، رضي الله عنه، غير متذكر في الوقت والله أعلم للآية، وإذا وضح ذلك فللقائل أن يقول: فلم لم تذكر مع أنها من الأمهات؟ والجواب عن هذا - والله أعلم - أن وصف الحق بمعلوم في قوله: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) جار مجرى الإفصاح بذكر الزكاة، إذ لا مطلوب معلوماً مقدراً في المال إلا الزكاة، فقام الوصف مقام الإفصاح بذكرها.
والجواب عن السؤال الثاني، وهو وجه ما خصت به آية المؤمنون، وهو أنه افتتحها تعالى بقوله:(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)، والمفلح الظافر ببغيته، ابتداء من أوصاف المفلحين بأجل خصالهم، وهو خشوعهم في صلاتهم المنبئ بعظيم خوفهم الذي لا يمكن معه
تفريط ولا فتور في العبادة، ثم قال:(وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)، ومن أعرض عن اللغو سلم من كل ما يشين دينه، وحصل من هذا وما قبله ترك الممخالفات جملة، ثم قال:(وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)(المؤمنون: 4)، وهذه أخت الصلاة، قال تعالى:(فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ)(التوبة: 5)، وقال بعد:(فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ)(التوبة: 11)، وقد حصل بحصول هذه الخصائص ما به وصف المتقون في قوله:(يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) إلى قوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(البقرة: 5)، فوضح منه أن هذه أخص صفات من أفلح وفاز برضى الله سبحانه، فهذا ما أوجب تخصيص هذه السورة بالإفصاح بهذه الأوصاف الثلاثة.
وأما ما خصت به سورة المعارج - وهو الجواب الثالث - إنه سبحانه لما وصف الإنسان بقوله: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا)(المعارج: 19)، والهلوع الفزع الشديد يقال هلع بكسر ثانية فهو هلع وهلوع، ثم ذكر سبحانه ما يثمره للإنسان هلعه فقال:(إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا)(المعارج: 20)، والجزع ضد الصبر، (وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) (المعارج: 21) والمنع ضد الإعطاء وكلا الوصفين من الجزع والمنع مذموم، مأمور شرعاً بضدهما من الصبر والإيثار، وقد أثنى سبحانه على الصابرين والمؤثرين، فالهلع من أرذل صفات الإنسان، فذكر تعالى صفات من سلم منه، وأنهم المداومون على صلاتهم، لأن المداومة على الصلاة عنوان على تلقي الأوامر بالقبول والامتثال، ولا يكون ذلك إلا عن يقين صادق، وقد قال تعالى:(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ)(طه: 132)، ومن تيقن أن خالقه تكفل له برزقه أجمل في الطلب، وذهب عنه الجزع، ومن علم الحق في ماله من زكاة مفروضة أو صدقة مندوب إليها لم يكن منوعاً للخير، فإذا اتصف بما ذكر، وكان ذلك عن تصديق يقيني بيوم حسابه، وإشفاق من عذاب ربه وعقابه، ولم يأمن المكر (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (الأعراف: 99)، فمن كان هكذا فليس بهلوع، فلهذا استثنى من اتصف بهذه الصفات الجليلة عن مسببات الهلع من المنع والجزع، فلهذا وجه تخصيص هذه السورة بالإفصاح بما خصت به من هذه الأوصاف مفحصاً به.
وإنما قلت: مفصحاً به لأن ما ذكر في هذه السورة مما لم يقع به إفصاح في سورة المؤمنون داخل تحت ما ذكر هناك، كما أن ما أفصح به هناك داخل تحت ما ذكر مفصحاً به هنا. ألا ترى أن أفعال المكلفين من الأحكام الخمسة وهي: الواجب والمحظور والمندوب والككروه والمباح، كل ذلك داخل تحت ضابط الأمانة والوفاء بالعهد، ومن