الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مِنْ عِنْدِنَا) لتمكن (عند) فيما قصد، وعلى الثاني:(رَحْمَةً مِنَّا) إذ ليس موقعها موقع (مِنْ عِنْدِنَا)، ثم قيل في الأولى:(وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) مناسبة لما تقدم، وقيل في الثانية:(لِأُولِي الْأَلْبَابِ) مناسبة أيضاً، إذ اعتبار أولي الألباب يورثهم مقام العابدين، وهو أسنى مقام، وكل ذلك بعد مقامات عليه وأوال جليلة، وقد جرى مع (كل) مقام ما يناسبه، ووضح أن كلاً من هذه المبينات على ما قبلها لا يناسبه غير ما بني عليه، والله أعلم.
وأما وجه خصوص الواقع في كل من السورتين بموضعه، فإن سورة الأنبياء لما رود فيها من قصص الأنبياء المذكورين قبل ذكر أيوب، عليه السلام، إعلاء مقاماتهم، ولم يرد في ذلك ما يخرج عن هذا، وذلك من لدن قوله تعالى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ)(الأنبياء: 51) إلى قوله: (وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ)(الأنبياء: 82)، ناسب ذلك من قصة أيوب، عليه السلام، ما يلائم هذا الغرض، فلما ورد في ص ما بني عليه قوله تعالى:(وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ)(ص: 24) إلى قوله: (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ
…
) (ص: 25) وما بني عليه (قوله): (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا)(ص: 34) ظغلى قوله: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي)(ص: 35)، ناسب ذلك أيضاً ما أعقبت به من قصة أيوب، عليهم السلام، فتأمل الوارد من قصص داود وسليمان في قوله في الأنبياء:(وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ)(الأنبياء: 78) إلى قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ)(الأنبياء: 80)، والوارد من قصصهما في سورة ص، واعتبر ذلك، فإن الفرق في ذلك بين، وقد تنزل على كل من هذه القصص في السورتين ما يناسبهما من قصص أيوب، وإذا استوضحت ذلك علمت أن كلاً منهما لا يناسبهما من قصص أيوب، وإذا استوضحت ذلك علمت أن كلا منهما لا يناسبه غير موضعه، ثم إن كلا من الآيتين في السورتين قد جرى على ما اتصل به مما تقدمه وتأخر عنه من فواصل الآي ومقاطعها، فلو وردت على العكس لما ناسب آية منها ما اتصل بها، فحصل التناسب في اللفظ والمعنى على أوضح شيء، وأنه لا يمكن عكس الوارد على ما قد تمهد بوجه، والله أعلم بما أراد.
الآية السابعة
من سورة الأنبياء قوله تعالى: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا)(الأنبياء: 91)، وفي سورة التحريم:(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا)(التحريم: 12)، فيسأل عن وجه الاختلاف في الضميرين مع اتحاد المعنى المقصود من الواقع به الثناء وإن اختلف الحامل على ذكر قصتها في الموضعين؟ وعن وجه اختصاص كل واحد من الموضعين بالوارد (فيه)؟
والجواب عن الأول، والله أعلم: بعد تسلمي اتحاد المعنى الواقع به البناء، إن الضمير في الأولى عائد إلى ما أشير إليه بالموصول الذي هو التي، وهي مريم ابنة عمران
المفتتح باسمها في آية التحريم، أعيد الضمير هنا إليها من حيث إن ذلك تخصيص وتكريم جليل وآية باهرة، وقد قصد ههنا تشريفها وتشريف ابنها، عليه السلام، بالذكر في قوله:(وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً)(الأنبياء: 91)، ولم يقع في آية التحريم ذكر ابنها، فلما اتسع المقصود هنا بذكر من لم يذكر هناك، وقصد من التشريف ما هو أكثر، ناسبه التوسعة في عودة الضمير، فأعيد إلى الذات المطهرة (بجملتها، فقيل): (فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا)، وأفهم ذلك ما أفهمه الضمير الخاص بمحل النفخ من غير إشكال، وقيل في آية التحريم:(فيه) لعوده إلى الموضع المخصوص على ما يجب، لم يقصد هنا من توسع المدح ما قصد في الأولى، وإنما قصد بآية التحريم تخصيصها في ذاتها بعظيم إيمانها، وتصديقها، وإثباتها في القانتين، وتشبيه حالها في سابق سعادتها بالمذكورة قبلها، واجتماعهما في ضرب المثل بهما للمؤمنين، فالحامل على ذكرها هنا غير الحامل في سورة الأنبياء مع اتحاد الوصف الواقع به التمدح، مع تناظر الألفاظ (وتشاكلها)، وهي قوله تعالى:(وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا)(الأنبياء: 91)، فاجتمع في هذا الموضع ما قصد من مدحها ومدح ابنها، عليه السلام، مع مضارعة الألفاظ وتشاكلها، فجاء كل على ما ثبت فيه، ولم يقصد في التحريم غير ذكرها بالحال التي ناسبتها فيها امرأة فرعون، ولم يوسع الكلام بذكر ابنها، عليه السلام، كما ذكر في الأخرى، ولا هنا داعية تشاكل كما هناك، فلهذا ورد الضمير على ما ورد من الخصوص فقيل:(فيه).
والجواب، عن وجه اختصاص كل واحد من الموضعين بالوارد فيه: أن آية الأنبياء ورت منسوقة على آيات تضمنت ذكر جملة من الرسل، موصوفين بخصائص عليه وآيات نبوية، أولهم إبراهيم، عليه السلام، ثم ابنه إساحاق ثم ابنه يعقوب ثم نوح ولوط وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذو الكفل وذو النون وزكرياء، فلما ذكر هؤلاء العلية، عليهم السلام، بخصائص ومنح ناسب ذلك ذكر مريم وابنها بما منحا عليهما السلام. وأما آية التحريم فمقصود فيها ذكر عظيمتين جليلتين يبين بهما حكم سبقية القدر بالإيمان والكفر، وهما قضية امرأتي نوح ولوط، وإن انضواءهما إلى هذين النبيين الكريمين، عليهما السلام، انضواء الزوجية التي لا أقرب منها، ومع ذلك لم يغنيا عنهما من الله شيئاً، وقصة امرأة فرعون وقد انضوت إلى أكفر كافر، فلم يضرها كفره، ثم ذكرت مريم، عليها السلام، للالتقاء في الاختصاص وسبقية السعادة، ولم يدع داع إلى ذكر ابنها فلا وجه لذكره هنا، وأما آيةالأنبياء فلذكره هناك أوضح حامل، فجاء كل على ما يجب، ولا يمكن فيه عكس الوارد، والله أعلم.