الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الله سبحانه من ابتداء ونشأة، إلى توجهه إلى مدين ورجوعه من عند شعيب، عليهما السلام، إلى ما تخلل ذلك وما أعقبت به، إلى أخذ فرعون وهلاكه، ولما كانت سورة الشعراء مذكوراً فيها قصص الرسل مع أممهم ابتداء واختتاماً فيما يخص حال الرسالة، إلى أخذ كل طائفة بما أخذت به، خصت من قصص موسى، عليه السلام، بما يلائم دعاء ومحاورة، إلى أخذ فرعون وملئه.
ولما كان قوله تعالى في سورة القصص: (نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ)(القصص: 3) تأنيساً وتنبيهاً لنبينا صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:(وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ)(هود: 120)، وفي آخر السورة الإفصاح من هذا التأنيس برجوعه إلى مكة بعد أن أخرج عنها، عليها السلام، مهاجراً لأجل قومه، قال تعالى:(إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ)(القصص: 85)، ناسب ذلك من قصص موسى، عليه السلام، خروجه إلى مدين ورجوعه إلى مصر، فتناسب هذا أكمل مناسبة في السور الثلاث، (وإذا عتبر ذلك علم أنه لا يناسب كل سورة من الثلاث) إلا ما خصت به، والله أعلم بما أراد.
الآية الرابعة
من سورة طه: غ - قوله تعالى: (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ)(طه: 47)، وفي سورة الشعراء:(فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ)(الشعراء: 16 - 17)، ففي الأولى:(فَأْتِيَاهُ) وفي الثانية: (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ)، وفي الأولى:(إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ) بالتثنية والإضافة إلى ضمير الخطاب وفي الثانية: (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، فورد هنا (رسول) بلفظ الإفراد وإضافة رب (إلى) العالمين، والظاهر أن أمر موس وهارون، عليهما السلام، في الآيتين كان أول أمر أُمرا به في إرسالهما إلأى فرعون، وأن أمرهما معاً بهذا لم يتكرر، وقد تقدم في سورة طه أمر موسى، عليه لاسلام منفرداً عن أخيه هارون في أول تكليم الله تعالى، وأمره بخلع نعليه، وإعطائه آيتي العصا واليد، وأمره بالذهاب إلى فرعون، وطلبه شرح صدره، إلى طلبه المعونة بأخيه هارون، وبعد ذلك أُمرا معاً بما في هاتين الآيتين، ثم لم يتكرر حسبما ذكرناه بمقتضى الظاهر، فللسائل أن يسأل عن وجه الاختلاف فيهما؟ ووجه اختصاص كل سورة بما ورد فيها؟
والجواب عن الأول: ما تقدم من أن الإخبار عن ذلك كله في كتابنا معتمد فيه المعنى، وقد تقدم بيان ذلك مستوفى، وأما وجه التخصيص، فإن ورود اسم فرعون مضمراً في قوله:(فأتياه) إنما ذلك لتقدم ذكره في قوله: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى
فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ) (طه: 43 - 44)، فلم تكن إعاجى اسمه ظاهراً مع الاتصال والقرب، إذ لم يفصل بين ظاهره ومضمره إلا كلمتان. أما آية الشعراء فقد اجتمع فيها أمران: أحداهما الفصل بين مضمر الاسم وظاهره، مع إتيان الظاهر مضافاً إليه فضلة إلى ما ذكر إليه من الفصل ببضع وعشرين كلمة، والثاني أن أمر موسى، عليه السلام، أولاً إنما ورد بإتيان قوم فرعون، قال تعالى:(وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ)(الشعراء: 10 - 11)، فقد يتوهم أن الجاري على هذا أن لو قيل عوض قوله:(فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ) فأتياه، إلا أنه لم يقصد إلا ذكر متبوعهم، فلم يكن بد من الإفصاح باسمه غير مضمر.
وأما قوله تعالى في الأولى: (فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ)(طه: 47) بتثنية لف الرسول فوارد على اللغة الشهيرة، أما قوله في الثانية:(إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(الشعراء: 16) فعلى لغة من يقول رسول للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، وعلى ذلك قول الهذلي:
ألكني إليها وخير الرسول أعلمهم بنواحي الخبرَّ
فورد (الأول) في الترتيب على اللغة الشهيرة، والثاني على اللغة الأخرى على ما تقدم في مثل هذا، وعكس الوارد مخالف للترتيب ولا يناسب.
وأما قوله: (إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ) بإضافة اسمه تعالى إلى ضمير الخطاب، فإنه يناسب من حيث ما فيه من (التلطف) والرفق لما تقدمه من قوله تعالى (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا) (طه: 44)، وقد تفسر هذا القول وتبين ما فيه من التلطف بقوله تعالى في سورة النازعات:(فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى)(النازعات: 18 - 19)، وناسب هذا ما بنيت عليه سورة طه من تأنيس نبينا صلى الله عليه وسلم وتأميس موسى كليمه صلى الله عليه وسلم بقوله:(وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى)(طه: 13) وما بعد إلى قوله تعالى: (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى)(طه: 36) وما بعد، فلما كان بناء هذه السورة بجملتها على التلطلف (والتأنيس ناسب ذلك ما أمر به موسى، عليه السلام، من دعاء فرعون آنسه وألطفه)، وأمر موسى، عليه السلام، وأخوه هارون بذلك فقيل لهما:(فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا)، وجرى على ذلك (قوله):(إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ)، فأشعرت هذه الإضافة بالتلطف الرباني، ولما لم تكن سورة الشعراء مبنية على ما ذكر، وإنما تضمنت تعنيف فرعون وملئه وإغراقهم وأخذ المكذبين للرسل بتكذيبهم، وهذا في طرف من التلطف، ورد فيها: (فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ