الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والجواب: أن آية سبأ تقدم قبلها تعالى مخبراً عن الكافرين: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ)(سبأ: 20)، ثم قال بعد آية من تمام الآية التي قبلها:(قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ)(سبأ: 22)، فجيء بالاسم الظاهر ليكون أبعد على إيهام عودة الضمير ورجوعه إلى المتبع لهم في الآية المتقدمة، وإنما المراد قل ادعوا كل من اتبعتم بعبادة أو صغو إلى ما يريده من إضلالكم، ولا شك أن إبليس رأس المضلين، وأولى من أمروا تعجيزاً لهم وقطعاً (بهم) بدعائه في قوله (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) (سبأ: 22)، فورد التحفيظ بإيراد الظاهر مما كان المضمر يوهمه، وجاءت الآية على ما يجب.
أما آية بني إسرائيل فإن قبلها قوله تعالى: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ)(الإسراء: 54)، ثم قال:(وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)(الإسراء: 55) الآية، ثم قال:(قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ)(الإسراء: 56) بالضمير مناسبة، ولم يكن ليناسب الظاهر هنا، فجاء كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم.
فإن قيل: فقد ورد قبل قوله: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ)(الإسراء: 54)، وقوله:(إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ)(الإسراء: 53) كما ورد قبل آية سبأ، فلم خصت آية سبأ بعودة الاسم ظاهراً دون آية بني إسرائيل؟ قلت: ورد ذكره في بني إسرائيل (محذراً منه) موصوفاً بنزعه وعداوته، مع أن الآية خطاب بأمر المؤمنين بقوله:(وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(الإسراء: 53)، والإضافة في قوله:(وَقُلْ لِعِبَادِي) إضافة تخصيص، والأمر أمر بما هو أولى، وليس يواجه ولا يخاطب بها إلا المؤمنون، ثم إنها أتبعت بما يلائم الآية المتكلم فيها أجل ملاءمة. وأما ورود ذكر إبليس في سورة سبأ فمتصل بالآية، وإبلييس فيها موصوف بأنه أتبع، وأنه صدق ظنه على المذكورين، والآية إخبار عن الكفار، والكلام كله إعلام بحالهم إلى قوله:(قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ)(سبأ: 22)، فهذا الاعتراض غير لازم، وورود كل من الآيتين على أعلى تناسب وأجل ملاءمة، ولو قدر عكس الوارد لما صح على الجاري المطرد في نظم الكتاب العزيز، والله أعلم بما أراد.
الآية الثالثة
قوله تعالى: (أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا * أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا)(الإسراء: 68 - 69)، ثم ورد بعد هذا بآيات:(إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) (الإسراء:
75)، (ثم) قال بعد:(وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا)(الإسراء: 86)، للسائل أن يسأل عن وجه ختم الآية الأولى بقوله:(لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا)، والثانية بقوله:(ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا)، والثالثة بقوله:(ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا)، والرابعة بقوله:(ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا)؟
والجواب: أن معنى كل آية منها استدعى تعقيبها بما به أعقبت، فأما الأولى فلما تقدمها قوله تعالى:(وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ)(الإسراء: 67، أي اضمحل تعلقكم بشيء من أندادكم ومعبوداتكم سواه، وبطل ذلك، ولجأتم إليه سبحانه، كما قال في آية أخرى: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ)(النحل: 53)، فلما دعوتموه ونجاكم إلى البر أعرضتم ورجعتم إلى ما كنتم قبل من شرككم (وظنكم) أن قد أمنتم عذابه، أفأمنتم عذابه (أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ) (الإسراء: 68) أي يقلب بكم جانب البر، وهو الذي حملكم وأقلكم عند انفصالكم من البحر، ونجاتكم منه، وذلك جانب من البر إذ ليس البر كله هو المستقل بهم إذ ذاك، وإنما هم في قطعة من البر وجانب من الأرض، والأرض كلها لله سبحانه، أفأمنتم أخذه سبحانه لكم بالخسف وإرسال حاصب من الريح (وهي الرييح الشديدة)، ترميكم بالحصباء حتى تهلككم رجماً، ثم لا تجدوا إذ ذاك من يتوكل بصرف ذلك عنكم ودفعه عن إهلاككم، فيتدارككم المتوكل لكم بدفع ذلك وصرفه عنكم، فتحصلون في حزب الناجين بعد مشاهدة الهلاك، هل تجدون براً، فهذا تقدير دافع قبل الإمضاء. ثم قال:(ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا)(الإسراء: 69)، أي مطالباً يطلبنا بثأركم بعد إهلاككم بغرقكم، فلما كان القدر تعلقهم به من بعد الموت والتلف بالإغراق ناسب ذلك ولاءنه تسمية هذا المقدر الطالب تبيعاً، ولأنه يتبع بعد الموت، كما يسمى طلب ذمة (من مات) تبعاً واتباعاً، ومنه (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) (القرة: 178)، والتابع من يجيء بعد. ولما كان المقدر في الآية الأولى دافعاً قبل الفوت (ومانعاً) دون الاستئصال ناسبه العبارة:(بوكيل) لأنه الذي يدفع ويمنع الوصول أو الاستئصال، فجاء كل على ما يجب، ولم ين ليلائم ختام هذه الآية ختام تلك ولا ختام تلك ما ختمت به هذه وأما قوله:(إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ)(الإسراء: 75) فالمراد