الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القلوب الذين لا يسمعون سماع تدبر وتقبل وهم المشركون، سيبعثهم الله من قبورهم يوم القيامة ويحاسبهم حسابا عسيرا على أقوالهم الباطلة وأعمالهم السيئة.
فالمراد بالموتى هنا الكفار لأنهم موتى القلوب فشبههم- سبحانه- بموتى الأجساد، وهذا من باب التهكم بهم والتحقير من شأنهم.
وقيل: إن لفظ الموتى على حقيقته وأن الله- تعالى- بقدرته النافذة سيبعث الجميع يوم القيامة ويرجعهم إليه فيجازى الذين أساؤا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
ثم حكى- سبحانه- بعض الشبهات التي تذرع بها المشركون تعنتا، ورد عليها بما يخرس ألسنتهم، وبما يؤكد قدرته النافذة وعلمه المحيط فقال- تعالى-:
[سورة الأنعام (6) : الآيات 37 الى 39]
وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (37) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (39)
ولَوْلا هنا تحضيضية بمعنى هلا. والمعنى: وقال أولئك الكافرون: هلا نزل عليك يا محمد معجزة حسية كتفجير الأنهار، وفلق البحر، ونزول الملائكة معك.. إلخ.
فهذه الآيات الكريمة تحكى عنهم أنهم لم يكتفوا بالقرآن معجزة خالدة للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما يريدون معجزات حسية من جنس معجزات الأنبياء السابقين.
وإنما قالوا ذلك مع تكاثر ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات، لتركهم الاعتداد بما أنزل عليه، حتى لكأنه لم ينزل عليه شيء عنادا وجحودا منهم.
وفي قولهم- كما حكى القرآن عنهم- لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ببناء الفعل للمجهول وذكر لفظ الرب، للإشارة إلى أنهم لا يوجهون الطلب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يوجهونه إلى الله تعالى، لأنه إذا كان رسولا من عنده، فليجب له هذا الطلب الذي نتمناه ونكون من بعده مؤمنين.
وقد رد الله- تعالى- عليهم بقوله: قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.
أى: قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التوبيخ والتقريع إن الله- تعالى- قادر على تنزيل ما اقترحوا من آيات، لأنه- سبحانه- لا يعجزه شيء، ولكنه- سبحانه- ينزل ما تقتضيه حكمته، إلا أنهم لجهلهم وعنادهم لا يعلمون شيئا من حكم الله في أفعاله، ولا من سننه في خلقه.
وقوله- تعالى-: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ يفيد أنهم لا يؤمنون حتى ولو جاءتهم الآيات التي اقترحوها، لأن عدم إيمانهم ليس عن نقص في الدليل ولكنه عن تكبر وجحود.
ثم ذكر- سبحانه- بعض الآيات الكونية المبثوثة في الأرض والجو والمعروضة على البصائر والأبصار فقال- تعالى-:
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ.
الدابة: كل ما يدب على الأرض من حيوان. والطائر: كل ذي جناح يسبح في الهواء، والأمم: جمع أمة وهي جماعة يجمعهم أمر ما.
والمعنى: إنه لا يوجد نوع ما من أنواع الأحياء التي تدب على الأرض ولا من أنواع الطير التي تسبح في الهواء إلا وهي أمم مماثلة لكم في أن الله خلقهم وتكفل بأرزاقهم.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما الغرض من ذكر ذلك؟ قلت: الدلالة عن عظم قدرة الله. وسعة سلطانه، وتدبير تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس، المتكاثرة الأصناف، وهو حافظ لما لها، وما عليها، مهيمن على أحوالها، لا يشغله شأن عن شأن، وأن المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان» «1» وذكر الجناحين في الطير لتوجيه الأنظار إلى بديع صنعه- سبحانه- وحسن خلقه.
قال- تعالى-: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ «2» .
ثم قال- تعالى-: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.
التفريط في الأمر: التقصير فيه وتضييعه حتى يفوت. والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ وقيل المراد به القرآن.
(1) تفسير الكشاف ج 2 ص 21.
(2)
سورة الملك: الآية 19.
والمعنى: ما تركنا في الكتاب شيئا لم نحصه ولم نثبته، وإنما أحطنا بكل شيء علما، وليس من مخلوق صغر أو كبر في هذا الوجود إلا وسيجمع يوم القيامة أمام خالقه.
فالآية الكريمة مسوقة لبيان سعة علم الله- تعالى- وكمال قدرته، لتكون كالدليل على أنه- سبحانه- قادر على تنزيل الآية التي اقترحوها، وإنما لم ينزلها لأن حكمته تقتضي ذلك.
وجملة ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ معترضة لتقرير مضمون ما قبلها.
والتعبير بثم في قوله ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ للإشارة إلى أنهم أعداد لا يحصيها العد، وجمعهم ليس يسيرا في ذاته، وإن كان بالنسبة لقدرته- تعالى- أمرا هينا.
ويرى بعض العلماء أن المراد بحشر البهائم موتها. ويرى آخرون أن المراد بعثها يوم القيامة لقوله- تعالى-: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ. وفي الحديث الشريف عن أبى ذر الغفاري أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شاتين تتناطحان فقال: يا أبا ذر هل تدرى فيم تتناطحان؟ قال: لا. قال:
ولكن الله يدرى وسيقضي بينهما.
ثم قال- تعالى-: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ.
أى: مثلهم في جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم كمثل الأصم الذي لا يسمع، والأبكم الذي لا يتكلم وهو مع ذلك في ظلمات لا يبصر، فكيف يهتدى مثل هذا إلى الطريق القويم أو يخرج مما هو فيه من ضلال.
ففي التعبير القرآنى استعارة تمثيلية إذ شبهت حال الجاحدين المعرضين عن كل دليل وبرهان بحال الصم البكم الذين يعيشون في الظلام من حيث لا نور يهديهم.
ثم قال- تعالى-: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
أى: من يشأ الله له الضلالة أضله بأن يجعله يسير في طريق هواه بسبب إعراضه عن طريق الخير، وإيثاره العمى على الهدى، ومن يشأ الله له الهداية يهده، لأنه قد خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فالهداية والضلالة ليسا إجباريين لا اختيار للعبد فيهما، وإنما الحق أن للعبد اختيارا في الطريق الذي يسلكه، فإن كان خيرا خطا فيه إلى النهاية، وإن كان شرا سار فيه إلى الهاوية.
ثم بين- سبحانه- أن هؤلاء المشركين عند ما تحيط بهم المصائب والأهوال لا يتوجهون بالضراعة والدعاء إلا إلى الله، وأنهم مع ذلك لا يخصونه بالعبادة كما يخصونه بالدعاء لكشف الضر، فقال- تعالى-: