الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمهيد:
كان لحملة نابليون على مصر -على الرغم من غرضها الاستعماري- أثر عميق في نهضتنا الحديثة، إذ هزت المصريين هزًا عميقًا، وأيقظتهم من سباتهم الطويل، وأطلعوا إبان مقام الفرنسيين بمصر على ألوان من الحياة وضروب من المخترعات، وأدوات حضارية، ونظم ثقافية لا عهد لهم بها، وأدركوا أن ثمة أمما أخرى تعيش وراء البحر قد حاولت جهدها تسخير قوى الطبيعة للإنسان، وانتهجت في الحياة نهجًا جديدًا يدعمه العلم والصناعة.
وقد وصف "عبد الرحمن الجبرتي" في تاريخه مبلغ الدهشة التي أبداها مثقفو المصريين من هذه المظاهر حين أتيح لهم الاطلاع عليها، كانت حملة نابليون مزودة بكل وسائل التفح والاستعمار، فصحبتها نخبة من العلماء في شتى فروع
المعرفة، وأسسوا المجمع العلمي، ومنهم من كشف أسرار اللغة الهيروغليفية عقب عثوره على حجر رشيد، وكان لديهم مطبعة عربية صغيرة.
كانت هذه الحملة أول اتصال وثيق بين مصر، وأوربا منذ عهد الحروب الصليبية، ومنذ ذلك الوقت بدأ هذا الاتصال يزداد على مر الأيام، إذ أتيح لمصر عقب خروج الجيوش الفرنسية منها أن تأخذ بأسباب النهضة عندما اختار المصريون محمد علي واليًا عليهم، وقد كان محمد علي طموحًا يعمل لنفسه قبل أن يعمل لمصر، وقد سخر كل شيء فيها لتحقيق آماله، وتشييد دولة قوية يحميها جيش منظم يسير على أحدث النظم الغربية، واتجه محمد علي نحو الغرب، وبخاصة فرنسا يستقدم الخبراء والعلماء، وأخذ يرسل البعثات
تباعًا إلى فرنسا ثم إلى الدول الغربية الأخرى، وينشئ المدارس الفنية لخدمة
الجيش، فأنشأ مدرسة الطب والهندسة والصيدلة وغيرها، كما أنشأ مطبعة بولاق التي عرفت فيما بعد باسم المطبعة
الأميرية، والتي كان لها أثر كبير في إحياء تراثنا القديم، وفي تزويد النهضة بالكتب الجديدة.
اعتمد محمد على في النهوض بالمدارس التي فتحها، وبخاصة العالية منها على أساتذة غربيين، ولم يكن الطريق ممهدًا أممامهم، إذا عهد إليهم بالتدريس لطلاب لا يعرفون لغتهم، واقتضى الأمر إقامة عدد من المسترجمين بين الطلبة وأساتذتهم كان معظمهم من المغاربة، والسوريين والأرمن من أمثال الأب "رفائيل راخور" و"يوسف فرعون" و"محمد عمر التونسي"، الذي وضع معجخمًا طبيًا بالفرنسية والعربية، ولقد كان عملهم هذا أول خطوة في تجديد شباب اللغة، وتزويدها بالمصطلحات الفنية، واضطروا إلى مراجعة معجمات اللغة، والكتب القديمة الفنية، كمفردات ابن البيطار وقانون ابن سينا في الطب، وإذا كانت قد غلبتهم الألفاط الأجنبية في كثير من الأحيان، فقد كان لهم الفضل في عقد أول صلة علمية بين الشرق والغرب.
ثم أخذ محمد علي يجني أول ثمار أتعابه، فعاد أعضاء البعثات تباعًا واعتمد عليهم في كثير من شئون النهضة، وقد بلغ من حرصه على معرفة ما أفادوه من بعثاتهم أن كان يحبسهم في القلعة عقب عودتهم، ولا يسمح لهم بتركها إلا إذا ألقوا أو ترجموا كتابًا في المادة التي تخصصوا فيها، ثم يدفع الكتاب إلى المطبعة.
ولما عاد رفاعة الطهطاوي بعد أن قضى خمس سنوات في فرنسا أشار على محمد علي بإنشاء مدرسة الألسن لتعليم اللغات المختلفة، وعهد إليه بإدارتها، وقد نشأ فيها جيل من المصريين زود اللغة العربية بكثير من ثمار الثقافة الغربية، حتى بلغ ما ترجمه رفاعة الطهطاوي، وتلاميذه أكثر من ألف كتاب.
كانت النهضة في عصر محمد علي علمية خالصة، إذ كان يرى أن حاجته إلى العلم أشد من حاجته إلى الأدب، ولذلك كان يوجهها الوجهة التي يريدها، كما أنه كان يؤثر التركية على العربية أول الأمر، ويؤثر الأتراك والألبان ومن على شاكلتهم لشغل منصاب الدولة، ولا سيما في الجيش، حتى الوقائع المصرية وهي
أول جريدة ظهرت بمصر كانت تصدر أول الأمر باللغة التركية، ولكن محمد علي لم يجد بدا من الاستعانة بالمصريين في الجيش، واختيارهم أعضاء في البعثات، وصدرت الوقائع في أخريات حياته بالتركية، والعربية معًا، وإن ظل الضغط على المصريين شديدًا في عهده وعهد عباس الأول، بل لقد بلغ من اضطهاد اللغة العربية في عهد عباس الأول أن من كان يتكلم بهما من طلبة المدارس الحربية توضع في فمه العقلة، التي توضع في فم الحمار حينما يقص، ويبقى كذلك نهارًا كاملًا عقوبة له على تحريك لسانه باللغة العربية في غير أوقات الدرس، ولم يشعر المصريون في عهد محمد علي بالحرية التي كانوا يتطلعون إليها، وتصبو لها نفوسهم، ولا شك أن اللغة ويتبعها الأدب لا يمكن أن تنهض في مثل هذا الجو، وفي ظل هذا الحاكم.
بيد أن هذا الضغط في كل شئون الحياة لم يمنع المصريين من الأخذ بأسباب النهضة والإفادة منها، فهؤلاء الطليعة الذين سافروا إلى بلاد الغرب، وعرفوا من نظم الحياة والحكم، واغترفوا من ينابيع الثقافة الغربية ما لم يتح لهم أن يروه في بلادهم، قد عادوا وهم يحملون في جوانحهم آمالًا كبيرة لمستقبل بلادهم من أمثال رفاعة الطهطاوي، وعلي مبارك، ومحمد علي البقلي وإسماعيل الفلكي، وعشرات سواهم.
كانت هذه الطليعة تتولى قيادة الحركة الفكرية في عهد إسماعيل الذي جاء عقب النكسة التي أصيبت بها النهضة إبان حكم عباس وسعيد، إذ كان عباس من المعوقين فعلًا للتقدم، فسرح الجيش وأغلق المدارس التي فتحها محمد علي، ولم يستثن إلا مدرسة الصيدلة، ونفى رفاعة الطهطاوي إلى السودان بحجة فتح مدرسة ابتدائية في الخرطوم، ولم يكن الحال في عهد سعيد أحسن منه في عهد عباس، اللهم إلا أنه كان عطوفًا على المصريين، ورأى أنهم مغبونون في بلادهم، ولكنه لم يقم بعمل إيجابي لرفع الضرر عنهم.
ولما جاء إسماعيل، وكان شديد الطموح -وهو ممن تعلموا في فرنسا- رأى الأخذ بكل وسائل النهضة الحديثة إلى حد الطفرة، وتولى شئون التعليم في عهده
على مبارك مستعينًا بأمثال رفاعة الطهطاوي، وكانت سياسة إسماعيل ترمي إلى التحرر من سيطرة الخليفة التركي بالآستانة، فطفق يعمل على توهين الصلات بينه وبين تركيا، وكلف عبد الله فكري تعريب دواوين الحكومية ونقل كل اللوائح التركية إلى العربية، فنهض بهذه المهمة على أكمل وجه.
أعيدت في عهد إسماعيل المدارس التي أغلقت في عهد عباس، وتوسع علي مبارك في فتح المدارس الثانوية، والعالية، والابتدائية، وفي عهده أنشئت دار العلوم لتكون حلقة وسطى بين التعليم الأزهري الذي أبى أن يساير النهضة، وبين المدارس المدنية الجديدة، ولتنهض باللغة العربية، كما أنشئت دار الكتب لتيسر سبل الإطلاع للراغبين في العلم والتأليف، وزاد الاهتمام بالترجمة، وانشترت الصحافة في عهد إسماعيل، وقد شجع كثيرًا من المسيحيين السوريين، واللبنانيين على الإقامة بمصر حينما لجأوا إليها هربًا بحريتهم، وعقيدتهم من جو التعصب الذميم الذي كان يختم على بلاد الشام، وأدى إلى مذابح سنة 1860، وقد أسهم هؤلاء في نهضة الصحافة، وأطلق إسماعيل لهم الحرية؛ ليتهجموا على تركيا ما شاء لهم التهجم لما عانوه على يد ولاتها من اضطهاد في ديارهم، وكان ذلك مما يروق لإسماعيل؛ لأنه كان يعمل على الانفصال عن تركيا، وقامت الصحافة بمهمة جليلة في نهضة اللغة والأدب، وطوعت العربية للفكر الحديث، والأغراض الجديدة كما سنرى فيما بعد إن شاء الله.
ووجد في عهد إسماعيل كذلك ميل شديد إلى إحياء تراثنا القديم، وتيسير الاطلاع عليه، فألفت لذلك الجمعيات المختلفة منها: جمعية المعارف التي انضم إليها نحو ستين وستمائة شخص من ذوي النفوذ، والثقافة بمصر، ومن الكتب القديمة التي نشرتها: أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير في خمسة مجلدات، وتاج العروس، وتاريخ ابن الوردي، وشرح التنوير على سقط الزند، وديوان ابن خفاجة الأندلسي، وديوان ابن المعتز، والبيان والتبيين للجاحظ، ورسائل بديع الزمان الهمذاني، وغيرها من الكتب القيمة، وأنشأ رفاعة الطهطاوي
كذلك جمعية لنشر المخطوطات العربية القديمة منها تفسير الفخر الرازي، ومعاهد التنصيص، وخزانة الأدب، ومقامات الحريري وسواها.
وإذا كان الطابع العام للنهضة في عهد محمد علي علميًا، فقد سار إسماعيل على نهجه أول الأمر، بيد أن أن التحكم في الميول والمواهب، وتوجيهها قسرا إلى ما تصدف عنه ولا ترغب فيه أمر عسير، ولذلك ما لبثت هذه المواهب الأدبية التي نهلت من الثقافة الغربية أن حاولت الإفصاح عن نفسها، وعن ميولها، فابتدأت الترجمة عن الأدب الغربي إلى الأدب العربي تزداد وتتنوع، بل إن بعض بذور الأدب الحديث بدأت تنمو في هذه العهد، حين أخذ المصريون يشعرون بأنفسهم، ورسالتهم في نهضة بلادهم بعيدًا عن سيطرة الدولة.
ومن أوائل الذين عنوا بنقل بعض الآثار الأدبية إلى اللغة العربية رفاعة الطهطاوي من ذلك: كتاب الأب "فينلون" عن مغامرات "تليماك"، وقد ترجمه
رفاعة أيام أن كان منفيًا في السودان، ونشره عقب عودته إلى مصر باسم "مواقع الأفلاك في وقائع تليماك"، ويعد هذا الكتاب أول محاولة لنقل القصة
الغربية إلى العربية، بل نقل الأدب الأسطوري الخرافي اليوناني إلى الفكر العربي، وترجم كذلك رثاء "فولتير" للويس الرابع عشر، كما ألف أو ترجم كتاب "تعريب الأمثال في تأديب الأطفال"، وترجم نشيد المارسيليز، "ووضع عدة أناشيد شعرية تفيض حماسة ووطنية ينشدها الجنود، وكان هذا لونًا لا عهد للشعر العربي به من قبل.
وعني إسماعيل بالمسرح، فأنشأ "ألأوبرا"، واستقدم لها الفرق الأجنبية، وشجع المسرح العربي الذي أنشاه يعقوب بن صنوع الذي عرف فيما بعد باسم "أبي نضارة"، وأخذ هذا يترجم لمسرحه كثيرًا من الروايات الأجنبية، وكان إسماعيل يشهد مسرحه، ويغدق عليه الأموال ويسميه "موليير مصر" كما شجع المسرح الذي أنشأه سليم نقاش، وأديب إسحاق بالإسكندرية أولًا ثم بالقاهرة، وقد مثلت عليه كذلك مسرحيات غربية عديدة نقلت إلى العربية، فكان لهذا
أثره في الاتصال بالفكر الغربي، وألوان أدبه.
ومن الذين نشطوا في عالم الترجمة، وزودوا اللغة العربية ببعض الآثار الغربية محمد عثمان جلال، فنقل إلى العربية أمثال "لافوتين"، وسماها "العيون اليواقظ" كما ترجم بعض روايات "موليير" الهزلية:"الأربع روايات من نخب التياترات، ومنها رواية "ترتوف"، وسماها "الشيخ متلوف" ومنها "النساء العالمات"، وترجم كذلك بعض روايات "راسين"، وسماها "الروايات المفيدة في علم التراجيدة"، وترجم بجانب هذه المسرحيات قصة "بول وفرجيني" للكتاب الفرنسي "برناردين دي سان بيير" وسماها "الأماني والمنة في حديث قبول وورد جنة".
وأسهم كثير من السوريين الذين هاجروا إلى مصر في الترجمة، وكان من أشهرهم نجيب الحداد، وبشارة شديد وطانيوس عبده، وبهذا أخذ تيار الثقافة الغربية يشتد ويقوى، ويؤثر في الفكر العربي الحديث على مر الأيام.
وفي عهد إسماعيل كذلك وفد إلى مصر السيد جمال الدين الأفغاني، والتف حوله نخبة ممتازة من المفكرين المصريين، وكان جمال الدين الأفغاني قد طوف في البلاد الإسلامية عله يجد قطرًا يصلح أن يكون نواة يلتف حولها العالم الإسلامي، ويعيد للإسلام قوته ومجده، وقد رأى في مصر التربة الصالحة، وأخذ في أول أمره يدعو إلى الإصلاح الديني، ثم ما لبث أن رأى الأحوال السياسية في مصر تتجه اتجاهًا سيئًا نتيجة إسراف إسماعيل، واستدانته وتراكم الديون على مصر مما يسر للإنجليز والفرنسيين التدخل في شئونها، ولا سيما بعد أن باع أسهم مصر في قناة السويس لإنجلترا، وأنشئ صندوق الدين، ووضعت رقابة ثنائية أجنبية على الوزارة المصرية، وأخذ إسماعيل يرهق الفلاحين بالضرائب العديدة التي بلغت تسعة أنواع، مما جعل الفلاح يفر من أرضه هربًا من الضرائب، ومن السياط التي كان يتلقاها حين يعجز عن أداء ما عليه، وأخذ التجار كذلك يحتفظون بأموالهم دون أن يستغلوها خوفًا من الحكومة، وقد وصف البارودي تلك الحالة السيئية بقوله:
وأهمل الأرض جرا الظلم حارثها
…
وأمسك المال خوف العدم تاجره
كل هذه الأحوال دعت جمال الدين الأفغاني أن يشتغل بالسياسة، ويحاول أن يحد مخن ذلك الحكم المطلق الذي كان يمارسه إسماعيل، ويرهق به البلاد إرهاقًا شديدًا، ويدفعها إلى أحضان الاستعمار والنفوذ الأجنبي، ووجه مريديه وتلاميذه إلى المطالبة بالنظام الشوري في الحكم، وإلى الإصلاحات الاجتماعية الكثيرة، وإلى محاربة النفوذ الأجنبي، وكانت الصحافة ألسنة، ومنابر تجأر بآرائهم، فظهرت أقلام قوية فتية في تلك الحقبة في يد محمد عبده، وإبراهيم المويلحي وعبد الله نديم وأديب إسحاق، ويعقوب بن صنوع وغيرهم، واتجه النثر الحديث بذلك وجهات جديدة في الموضوع والصيانة، كما سنرى فيما بعد إن شاء الله.
انتهت أزمة إسماعيل والحملات الشيدية التي وجهت إليه، وشعور المصريين بحقهم في المشاركة في الحكم بتنازله عن العرش لابنه توفيق، وكان الشعب يؤمل فيه خيرًا؛ لأنه كان يحضر مجالس جمال الدين ويعده بالإصلاح إذا ولى العرش، ولكنه سرعان ما تنكر لوعوده، وأخرج جمال الدين من مصر، ووقع توفيق تحت تأثير الأجانب.
ثم حدثت الثورة العرابية، وقد ابتدأت بتذمر الضباط المصريين من سوء المعاملة التي يلاقونها في الجيش على يد الجراكسة، والأتراك الذين يستأثرون بالمناصب العليا، ويعاملونهم معاملة غير كريمة، ولكنها ما لبثت أن تطورت إلى مطالبة بالإصلاح الاجتماعي والسياسي، فنادوا بحق المصريين في الدستور والمجالس الشورية، والعيش الحر الكريم، عرف المصريون عن طريق اتصالهم بالحضارة الغربية منذ عصر محمد علي بعض هذه النظم الدستورية، ورأينا رفاعة الطهطاوي في كتابه "تخليص الإبريز" يعد موازنات بين الحكم المطلق الذي يراه في مصر، ويعانيه المصريون من كبت وحرمان، وبين ما يتمتع به الفرنسيون من مجالس نيابية تحاسب الوزراء على اعمالهم وتشرع، وتشرف على الجهاز الحكومي كله، وما يراه الشعب الفرنسي من حرية في القول والعمل، ونراه في أخريات حياته يحدثنا عن الوطن والوطنية، والمواطن الصالح والحرية، وغير ذلك من الكلمات الجديدة على مسامع المصريين بعد تلك القرون الطويلة من الحكم التركي، وعسف محمد علي،
كتب هذه الأبحاث في "المرشد الأمين"، ولما جاء جمال الدين أخذ يلح على هذه الكلمات، وصارت تدوي في آذان المصريين، فلا نعجب إذا حين نرى الحركة العرابية تنقلب إلى ثورة شعبية ترمي إلى الإصلاح الشامل، والتمرد على الظلم والطغيان، وهنا يجد لون جديد من النثر طال احتجابه منذ قرون عديدة، ألا وهو الخطابة التي تضاءل أمرها منذ العصر العباسي، وانحصرت في خطب الجمعة، وصارت تقليدا لخطب ابن نباتة الذي كان معاصرًا لسيف الدولة، ثم صارت ألفاظًا محفوظة لا روح فيها ولا حياة، فلما قامت الثورة العرابية اعتمدت في بث مبادئها، والدفاع عن قضيتها على الخطابة، وكان عرابي نفسه خطيبًا مفوها ذا تاثير قوي على الشعب حين يتكلم، كما كان عبد الله نديم خطيب الثورة المفوه الذي كان ينتقل من مكان إلى آخر مع زعماء الثورة، ويخطب بتدفق وغزارة، وحماسة أينما حلوا، يروج لهم ويشرح للشعب قضيته العادلة، وبذلك فتح الطريق أمام عهد خطابي زاهر بلغ أشده على يد مصطفى كامل في أخريات القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، وشاركه في هذه النهضة كثير من رجال الحزب الوطني، وحزب الأمة وحزب الإصلاح الذي أسسه الشيخ علي يوسف، وشاهدت الجمعية العمومية خطباء مصاقع من أمثال سعد زغلول، وإسماعيل أباظة وعلي يوسف ومن على شاكلتهم.
انتهت الثورة العرابية بالاحتلال البريطاني، وكان كارثة عوقت ركب النهضة في شتى مناحي الحياة، وفرض الإنجليز في سنة 1889 لغتهم على المدارس المصرية تلقى بها كل الدروس ما عدا اللغة العربية، وقابل المصريون الاحتلال بوجوم شديد، ولكنهم ما لبثوا حتى أفاقوا من هول الصدمة، وعاد بعض المنفيين من زعماء الأمة، فيرجع محمد عبده وعبد الله نديم الذي يستأنف جهاده بإصدار صحيفة "الأستاذ" يندد فيها بالاحتلال البريطاني، ويستثير حمية المصريين للتخلص من وطأة الأجنبي، ويمهد الطريق لمصطفى كامل الذي يصدر صحيفة "اللواء"، ويوقدها نارًا مشهوبة الضرام في الداخل، والخارج على هذا الاحتلال البغيض، ومن قبله يصدر الشيخ علي يوسف "المؤيد" وتساندها الأقلام القوية، وينتشر
صيتها حتى يعم توزيعها في معظم البلاد الإسلامية، ويصدر حزب الأمة "الجريدة"، ويحررها لطفي السيد ويجند لها الأقلام المستنيرة.
وكان حزب الأمة متأثرًا بطريقة الشيخ محمد عبده في الإصلاح، حيث كان يبغي تهيئة الأمة عقليًا، ونفسيًا، واجتماعيًا للاستقلال، حتى إذا نالته استطاعت المحافظة عليه، ولم يكن تأثرا ثورة مصطفى كامل في مناوأته للإنجليز.
وكان من مساوئ الاحتلال إلغاء البعثات إلى الخارج، وسيطرة المستشار الإسكتلندي القسيس المتعصب "دانلوب" على شئون التعليم في مصر حقبة من الزمن، حاول فيها أن يقصر مهمته على تخريج موظفين محدودي الثقافة للعمل في الحكومة، تنقصهم سعة الأفق، وحرية التصرف، والقدرة على الابتكارن كما أنهم اهتموا بالتعليم الأولي دون التعليم العالي، وحاربوا اللغة العربية حربًا لا هوادة فيها، ودعوا مع لفيف من الأقلام المأجورة للغة العامية، وفطن المصريون إلى كل هذا، فأسس الحزب الوطني مدارس الشعب لتناهض مدارس الحكومة التي تسيطر عليها اللغة الإنجليزية، ودعا في سنة 1905 إلى تأسيس جامعة مصرية، ووجدت دعوته صدى في النفوس، وتم إنشاء الجامعة في سنة 1908، فكانت فتحًا جديدًا في عالم الثقافة والفكر واللغة، واستقدم لها عدد كبير من مشهوري المستشرقين من أمثال نالينو وجويدي الكبير وجويدي الصغير وغيرهم.
وكان من الطبيعي في عصر الاحتلال أن ينشأ جيل من المصريين يحذق الإنجليزية ويتأثر بالأدب الإنجليزي، وقد عرفنا أن اللغة الإنجليزية قد فرضت على مدارسنا، ودامت سيطرتها عشرين سنة حتى قررت الجمعية العمومية في سنة 1907 عودة اللغة العربية إلى المدارس، فتم ذلك على يد سعد زغلول سنة 1908، أخذ هذا الجيل الذي حذق الإنجليزية، ويقرأ فيها المذاهب الأدبية الأوروبية، وروافع الآداب العالمية يثور على أدبنا التقليدي، وينادي بنظريات جديدة في الأدب شعره ونثره، ولم تكن الثقافة الفرنسية على الرغم من قوة الاحتلال قد قل شأنها بمصر، بل كانت لها قوتها ممثلة في مدارسها وبعثاتها التبشيرية، ومحبي الثقافة الفرنسية
من المصريين الذين تعلموا في فرنسا، واشتدت تبعًا لكل هذا حركة النقل والترجمة من الآداب الغربية، كما اشتدت الثورة على الأدب التقليدي.
ثم جاءت الحماية وما صحبها من الأحكام العرفية بعد إعلان الحرب العالمية الأولى، فكممت الأفواه، وعطلت الأقلام، وتضاءلت الصحافة، وخفتت الأصوات، وتحمل المصريون كل ذلك بصبر بالغ، ما أرهقتهم به السلطة البريطانية إبان الحرب العالمية الأولى من مصادرة الأموال والماشية، والرجال لخدمة الحرب، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها ظن المصريون أن الوطأة ستخفف، والحماية ستزول، ولكن مماطلة الإنجليز ونقضهم لعهودهم عرفتهم أن ذلك لن يتم إلا بثورة عاتية، فقامت ثورة 1919، وضحى المصريون فيها بالدم الغالي يبلل ثرى الوطن، وعرف زعماؤهم النفي والتشريد، وغصت السجون بالشباب الحر، وكانت هذه الثورة انفجارًا عنيفًا للكبت الشديد الذي عاناه المصريون، وبخاصة مدة الحرب، وانتهت هذه الثورة بتصريح 28 فبراير 1922، وبه نالت مصر بعض حريتها واستقلالها.
واعتمدت الثورة في انتشارها والدفاع عن مبادئها، وفضح أعمال المستعمر الغاصب، وقوته وطغيانه على الخطابة؛ لأنها توجه مباشرة إلى جماهير الشعب، كان الزعماء يخطبون وفي مقدمتهم سعد زغلول، وكان الشباب يخطبون في المدارس والأندية والمساجد، والكنائس، وكانت هذه الخطب مفعمة بالشعور الوطني الصادق، ترتفع أحيانًا إلى مستوى عال في عبارتها ومعانيها، وتهبط أحيانًا إلى مستوى الجماهير في لغتها، ولكنها على كل حال تقدمت بفن الخطابة تقدمًا عظيمًا ربما لم يشهد مثله الأدب العربي الحديث.
واعتمدت الثورة كذلك على المنشورات السياسية الحماية التي تكشف عن فظاعة الاستعمار، وعلى البيانات الرائعة التي كان يصدرها زعماء الأمة، تنشر أحيانًا في الصحف، فإذا صودرت الصحف، أو منعت من نشرها وزعت سرا.
ولما قبلت مصر تصريح 28 فبراير سنة 1922، وجاءت الحياة النيابية، وانقسمت الدولة أحزابًا، كل حزب له أنصاره وصحفه، ونوابه، ساعدت الحياة
النيابية على رواج الخطابة السياسية والاجتماعية، كما أن الصحافة الحزبية قد عملت على حشد الأقلام القوية لمناصرتها، وخلط الأدباء بين العمل السياسي والعمل الأدبي، وأنشئت المجلات الأدبية بجانب الصحف السياسية تعرض تراثنا القديم عرضًا جديدًا، وتزود الفكر العربي بكثير من ثمار الثقافة الغربية شعرًا أو نثرًا في صورة مقالات، أو أقاصيص أو سير وتراجم، أو أبحاث أدبية أو نظريات نقدية، على اختلاف الموضوعات التي تعالجها من اجتماعية وأدبية وفنية، واشتهرت السياسة الأسبوعية، والبلاغ الأسبوغي والجديد للمرصفي، ثم الرسالة والثقافة، ولم تعد مجلة الهلال التي صدرت قبل الحرب العالمية الأولى وحدها في الميدان.
وكان لهذه الصحافة الأدبية القوية أثرها المشكور في الترويج للأدب، والكشف عن كثير من المواهب الأدبية فيما بين الحربين العالميتين.
كما قويت حركة الترجمة من الآداب الغربية، واهتمت الصحافة اليومية بنشر الأقاصيص مسلسلة، أو غير مسلسلة، ولم تخل مجلة من قطع مترجمة، وعمد كبار الأدباء إلى ترجمة روائع الأدب الغربي مثل: باقة من حديقة أبيقور، والزئبقة الحمراء، وتاييس لأناقول فرانس، وهدية العشاق لطاغور وزاديج لفولتير، وفاوست وآلام فرتر لجيته، وروفائل للأمرتين، واشتهرت ترجمات المنفلوطي لبول وفرجيني "باسم الفضيلة"، وماجدولين والشاعر، ويترجم السباعي لتشارلز دكنز عشرات الأقصوصات عن الأدب الفرنسي والروسي والإنجليزي، وعمرت الترجمات المكتبة العربية من كل لون وكل موضوع، وبشتى الأساليب، فمنها السامية التي تتحرى الدقة ونصاعة الأسلوب، ومنها المسفة موضوعًا وعبارة، ومنها ما بين بين.
وفي أوائل عهد الاستقلال والتحرر من سيطرة المستشار الإنجليزي أنشئت الجامعة المصرية الحديثة في سنة 1926، وضمت إليها كثير من المعاهد العليا، واهتمت كلية الآداب بدراسة اللغات الحية والقديمة، وباللغة العربية واستقدمت المستشرقين في شتى فروع اللغة والأدب، فأفدنا منهم طرق البحث والمناهج
الصحيحة، وكان النتاج العلمي لهيئة التدريس في الجامعة شرطًا للترقية، فنهض البحث والتأليف على الطرق العلمية الصحيحة.
واشتد الإقبال على التعليم الجامعي على مدى الأيام، ولم تعد جامعة القاهرة وحدها كافية، فأنشئت جامعة الإسكندرية ثم جامعة عين شمس وأخيرًا جامعة أسيوط، ثم الجامعات الإقليمية.
وفي عهد الاستقلال كذلك زاد عدد البعثات كل عام في شتى الفنون والمعارف إلى مختلفة بلاد الغرب، ورجع هؤلاء إلى مصر مزودين بثمرات الثقافة الغربية، وساعدوا على نشرها في مؤلفاتهم، ومقالاتهم، ومحاضراتهم.
ومن كل ما تقدم نرى أن التيار الفكري الغربي أخذ ينمو، ويشتد منذ الاحتلال البريطاني، ولقد كان لهذا التيار ولا ريب أثره القوي في اللغة والأدب كما سنرى فيما بعد إن شاء الله.
ولكن بجانب هذا التيار الغربي كان التيار العربي القديم يقوى كذلك ويشتد، وكانت ترفده ينابيع كثيرة منها إحياء الكتب القيدمة وتحقيقها ونشرها، وقد عرفنا ما قامت به في عهد إسماعيل جمعية المعارف وجمعية رفاعة الطهطاوي، وفي سنة 1898 ألفت جمعية جديدة لنشر الكتب كان من أعضائها حسن عاصم، وأحمد تيمور وعلي بهجت، فنشرت كتاب الموجز في فقه الإمام الشافعي، وفتوح البلدان للبلاذري، والإحاطة في أخبار غرناطة، وغيرها.
وفي سنة 1900 تكونت هيئة أخرى برئاسة الشيخ محمد عبده لإحياء الكتب القديمة النافعة، وكان مما نشرته كتابا عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز، ونشرت كتاب المخصص لابن سيده في سبعة عشر مجلدًا، وابتدأت في طبع كتاب المدونة في فقه الإمام مالك.
ومن ذلك الوقت دأبت دور النشر المختلفة على إحياء الكتب القديمة، واهتمت بها دار الكتب أيما اهتمام، ومن الكتب التي طبعت في خلال الحرب
العالمية الأولى: صبح الأعشى، والخصائص لابن جني، وديوان ابن الدمينة، والمكافأة لابن البداية، والاعتصام للشاطبي، ومن دور النشر التي كان لها أثر واضح في حركة الإحياء: لجنة التأليف والترجمة والنشر التي أسست سنة 1914، ولا تزال تؤدي رسالتها حتى اليوم، وقد أخرجت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ما يربو على ثلاثمائة كتاب بين منشور ومؤلف ومترجم.
ومن الكتب التي أخرجتها دار الكتب: نهاية الأرب للنويري، ومالك الأبصار لابن فضل الله العمري، والأغاني للأصفهاني، والنجوم الزاهرة لابن تغر بردي ويدوان مهيار، وغير ذلك من نوادر المخطوطات النفيسة، وقد بلغ عدد الهيئات التي تعني بنشر الكتب في سنة 1948 أربعًا وعشرين هيئة، ودار نشر.
وانتشرت كذلك المطابع في شتى أنحاء القطر تيسر السبيل للمؤلفين والقراء، وقد بلغ عددها في أعقاب الحرب العالمية الثانية ألف مطبعة، ومما ساعد على قوة التيار العربي الجمعيات الأدبية والدينية، وقد ابتدأت الحركة الدينية في الظهور منذ عهد جمال الدين الأفغاني، وسار على نهجه محمد عبده، وتتلمذ عليه نخبة من رجال الإصلاح، كان من أكثرهم حماسة الشيخ رشيد الذي أنشأ مجلة "المنار" يعالج فيها المشكلات الدينية، ويعرض قضايا الدين عرضًا جديدًا خاليًا من شوائب الخرافات والخزعبلات، ويرجع به إلى بساطته الأولى، وقد اهتم رجال الأحزاب في مستهل القرن العشرين بالدين، وتثبيته في النفوس، وكانوا في أشد الحاجة إليه لمقاومة المستعمر، وغزواته الفكرية التي يريد أن يخدر بها الأمة حتى تولع بثقافته، ومن ثم تستنيم لحيله الاستعمارية، ولكنهم اختلفوا في المنهج والطريقة فبينما نرى لطفي السيد، ورجال حزب الأمة يحاولون التوفيق بين الحضارة الغربية والدين الإسلامي، نرى الحزب الوطني يدعو إلى التمسك بأصول الدين وأخلاقه نقيا قويًا، ورأى مصطفى كامل أن الدين أكبر حصن للوطنية، يعصم النفوس من الزلل والخيانة، وفي هذا يقول: "قد يظن بعض الناس أن الدين ينافي الوطنية، أو أن الدعوة إلى الدين ليست من الوطنية في شيء، ولكني أرى أن الدين والوطنية
توأمان وأن الرجل الذي يتمكن الدين من فؤاده يحب وطنه حبا صادقًا، ويفديه بروحه وما تملك يداه".
ودعا الرجال الحزب الوطني للاحتفال بالعيد الهجري لأول مرة، وأقيم الاحتفال في غرة المحرم سنة 1328-يناير 1910، وكانت صحيفة المؤيد تعد صحيفة العالم الإسلامي، تسعى جاهدة في الدفاع عن قضاياه، وتغذية الشعور الديني، وتنميته في نفوس الشباب.
وكان لثورة 1919 أثر في الالتفات إلى الدين، ويقظة المصريين إلى الدعوة الدينية بين الشباب الذين حاول المستعمرون جذبهم إلى مفاتن الحضارة الأوربية والثقافة الغربية، والبعد عن تعاليم الإسلام، فتألفت عدة جمعيات دينية غايتها رعاية الشباب، والحفاظ على عقيدته، وخلفه مثل الشبان المسلمين، والهداية الإسيلامية التي أسسها الشيخ محمد الخضر حسين، والتعارف الإسلامي، والإخوان المسلمين، كما أسهمت الصحافة الإسلامية في هذه المعركة، تعقد الصلات بين المسلمين، وتدحض مفتريات المتجنين على الدين من المستشرقين وأذنابهم، وتقوى العاطفة الدينية في نفوس الناشئين، وكان محب الدين الخطيب هو الموحي بهذه الجمعيات الدينية، وهو حامل لواء الصحافة الدينية، فأنشأ "الزهراء" ثم "الفتح".
كانت هذه الجمعيات، وهذه الصحافة الدينية رد فعل لموجة من الإلحاد سادت بعض المفكرين نتيجة انخداعهم بأعداء الدين من الغربيين، وقد قوى الشعور الديني على مر الأيام حتى اضطر هؤلاء إلى الرجوع إلى الدين إما مداراة أو إيمانًا، وأخذت المؤلفات الدينية على الطرق العلمية الحديثة تظهر تباعًا مثل: على هامش السيرة لطه حسين، والعبقريات للعقاد ومحمد والصديق وعمر لهيكل، وكثرت كذلك الكتب التي تحاول تبسيط أمور الإسلام، واهتمت الجهات الرسمية بالدين، فأصدر الأزهر مجلته ومجلة "لواء الإسلام"، التي يصدرها قسم الوعظ والإرشاد، كما اهتمت المجلات الأدبية الخالصة بقضايا الدين، وصارت
تصدر في رأس كل عام هجري عددًا ممتازًا يدور كله حول الدين الإسلامي، ونرى هذا واضحًا في الرسالة والثقافة، وصار عندنا بكل هذا أدب ديني سنتعرف على حقيقته فيما بعد إن شاء الله.
ولقد فطن كثير من المفكرين منذ عهد جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده إلى المشكلات الاجتماعية العديدة التي تخلفت في مصر منذ قرون طويلة، وكان من أهمها مشكلة الفقر والغنى، حيث يرون فريقًا من المصريين يحظى بثروة عريضة، وغنى فاحش ينفقون بإسراف وسعة، بينما سواد الأمة في فقر مدقع، فكثر الأطفال المشردون، والميل إلى الجريمة، والتسول على اختلاف فنونه، وقد خاض في هذه المشكلة عشرات الكتاب في الصحف والمجلات والكتب، كما قرنوا بين الفقر، والجهل الذي كان متفشيًا في غالبية الشعب، والذي أوقع الفلاحين فريسة للمرابين الأجانب نتيجة جهلهم بالحساب، حتى انتزعوا أملاكهم، وأذلوهم كما وقعوا فريسة للمخدرات والسموم والأمراض، ولم يكن الأدباء يملكون إبان العهد السائد إلا الصرخات المدوية في آذان من بيدهم المال، ومن بيدهم السلطان علهم يفيقون من غشيتهم فيولوا جمهرة الشعب البئيسة بعضًا من عنايتهم بأنفسهم، وقد كانت الاستجابة بطيئة، وفيها كثير من المباهاة، وظل الأمر كذلك لا يجد علاجا حاسمًا، ودواء ناجعًا حتى أتت ثورة يوليو 1952 فقصمت ظهر الإقطاع، وحاولت تضميد الجراح الدامية التي طال عليها الأمد.
وكان لمشكلة المرأة ونهضتها، وشعورها وتعليمها، وشغلها الوظائف، وخروجها إلى ميدان العمل نصيب غير منقوص من البحث والجدل، فمن مناصر لها كقاسم أمين صاحب الدعوة إلى السفور، ومن منكر عليها سفورها، ومن معتدل يحاول أن يحصنها أولا بالعلم والتهذيب، ويسلح الشباب بالخلق الكريم قبل أن تسفر المرأة وتزاول العمل.
وما لبثت المرأة بعد مدة حتى أخذت مكانتها في المجتمع، وفتحت لها أبواب الجامعة، وغشيت كل الكليات على مر الأيام، وأسهمت في النهضة الأدبية والفكرية.
هذه لمحة خاطفة عن العوامل التي أثرت في نثرنا الحديث، لم أشأ أن أبسطها بسطا، فقد فعلت ذلك في كتاب الأدب الحديث، وإنما أردت أن أمهد للكلام عن نشأة النثر وتطوره، وستأتي إشارات عند معالجة هذا الموضوع لا تفهم إلا إذا كانت قد مهد لها.
وقيل أن أدع هذا التمهيد أذكر كلمة موجزة عن النهضة في بلاد الشام، إذ كان لأدبائها نصيب غير مجحود في تطوير هذا النثر، وبخاصة الذين هاجروا إلى مصر، واشتغلوا بالصحافة أو بالأدب.
ونقصد ببلاد الشام ما كانت عليه قبل أن يمزقها الاستعمال الغربي عقب الحرب العالمية الأولى إلى تلك الأقسام: سورية، ولبنان، وفلسطين والأردن كانت تلك البلاد تحكم حكمًا مباشرًا من قبل الأتراك يرسلون إليها الولاة يتولون إدارة شئونها، وطلت كذلك إلى أن هزمت تركيا في الحرب العالمية الأولى، وكان حكم الأتراك من أسوأ أنواع الحكم، عرفوا كيف يغزون الشعوب بسيوفهم وجيوشهم، ولكنهم أخفقوا في سياستها وحكمها، ولم يعنوا أية عناية بإصلاح شئونها وتثقيفها، بل إن المدارس التي كانت قبل الاحتلال التركي بدمشق أغلقت بعد دخولهم.
وفي بلاد الشام نصارى كثيرون متعددو الوظائف، كما أن فيها نحلا كثيرة إسلامية وغير إسلامية، وقد أدى سوء الحكم التركي إلى التعصب الديني، ومناهضة هذه الطوائف بعضها لبعض، وكثيرا ما قامت المذابح الدامية بينهم، وكان أفظعها مذابح سنة 1860، وقد أدت هذه المذابح إلى تدخل الدول الغربية المسيحية لحماية الطوائف المنتسبة إليها دينيًا، واضطرت تركيا أن تخضع لهذا التدخل، وسلمت الأوقاف الدينية المسيحية لأهلها ينفقون من ربعها على نهضتهم، فأنشأوا المدارس العديدة والكليات، في حين بقي المسلمون متخلفين يعانون من ظلم الأتراك، وإهمالهم لشئونهم ما لا يتصوره العقل، يقسرون على تعلم اللغة التركية في المدارس الحكومية التي لم تتعد المرحلة الابتدائية، فإذا أبوا ذلك دخلوا إحدى المدارس العربية الخاصة على قلتها.
وفي سنة 1866 أنشئت ببيروت الكلية الأمريكية، ثم أخذت تتسع على مر الأيام حتى صارت جامعة بها فروع للطب والتجارة والآثار والآداب، ولها قسم إعدادي، وبها مرصد فلكي، وصارت قبلة كثير من طلاب العرب، وبخاصة بعد أن ازداد نفوذ الإنجليز في الشرق العربي بعد الحرب العالمية الأولى، وفي سنة 1874 نقلت الكلية اليسوعية إلى بيروت واهتمت بتعليم اللغات والآداب، وبها ثلاث شعب رئيسية: الحقوق والهندسة والطب، والتعليم فيها باللغة الفرنسية، وبها مكتبة من أنفس المكتبات العربية، وعنى اليسوعيون بنشر المخطوطات العربية القديمة، وبوضع المعاجم اللغوية.
وانتشرت المدارس الطائفية بلبنان كان أقدمها مدرسة "عينطورا" سنة 1834، ولا تزال مفتوحة حتى اليوم، وقد تعلم فيها كثير من زعماء النهضة اللبنانية، وأنشأ المعلم بطرس البستاني المدرسة الوطنية في سنة 1863، وتتابعت المدارس لكل طائفة مدرستها ونظمها، واهتم المسيحيون بتعليم البنت لما تؤديه الأم المثقفة لبنيها، وللوطن من أياد جليلة.
وإذا كان التعليم قد ارتقى بلبنان، والنهضة أخذت تزدهر فيه منذ الربع الثاني من القرن التاسع عشر، فإن دمشق وحلب ظلتا متخلفتين، ولم تنشأ بهما إلا المدارس التي أسسها بعض الغرباء.
كان طابع النهضة في بلاد الشام من أول الأمر أدبيًا بعكس ما رأيناه بمصر، وذلك لوجود الطوائف الدينية، والإرساليات التبشيرية ممازج بهم في لجج الجدل الديني، ودعا هذا إلى الاهتمام باللغة والأدب، وكان لاتصالهم بالثقافات الأجنبية في قوت مبكر أثره في حذق كثير منهم للغات الأجنبية، والإقبال على القراءة.
وسبق السوريون في بلادهم بإصدار الصحف السياسية، فصدرت مرآة الأحوال بحلب سنة 1855، وإن لم تعمر أكثر من عام واحد، ثم صدرت حديقة الأخبار ببيروت سنة 1858، وظلت تصدر حتى سنة 1909، ومن الصحفيين
الذين كان لهم شأن في نهضة النثر أحمد فارس الشدياق الذي أسس الجوائب بالآستانة سنة 1860، وقد طلعت على الناس بأسلوب جديد في الكتابة العربية كما سنرى فيما بعد، ومنهم أديب إسحاق الذي نشأ في دمشق، ثم تحول إلى بيروت وحرر جريدة التقدم، ثم هاجر إلى مصر في عهد إسماعيل، وسنخصه بالذكر فيما بعد إن شاء الله.
كان حكم الأتراك في بلاد الشام جائرًا في عمومه، وقد بلغ هذا الظلم غايته في عهد السلطان عبد الحميد الذي حكم من 1876-1909، جاء عبد الحميد عقب خلع مراد الذي مات منتحرًا بعد خلعه ببضعة أيام، فتجسمت المخاوف في نفس عبد الحميد، وانتصبت أمام ناظريه عملاقًا بشعًا مشرع البرائن يهدد حياته وسلطانه، وكان من الأسباب التي طوحت بمراد وعرشه معارضته في إنقاذ الدستور، أو القانون الأساسي كما كانوا يسمونه حينذاك، واشترطوا على خلفه عبد الحميد أن يخرج الدستور إلى نور الحياة، فجرت الانتخابات حتى في الولايات العربية التي كانت تحكم حكمًا مباشرًا، وأرسل كل منها مبعوثًا إلى مجلس المبعوثين، أو كما كان يسميه الأتراك "المبعوثان"، ولكنه اجتمع دوره واحدة، وعطل عبد الحميد الدستور ثلاثين عامًا، لم يفكر خلالها في إعادة الحياة إليه، بل حكم البلاد حكمًا مطلقًا رهيبًا، وعد كل من يطالب بالدستور، أو يشير إليه ولو تلميحًا خارجًا على القانون خائنًا للدولة متآمرًا على السلطان خليفة المسلمين، وأمير المؤمنين وظل الله في أرضه، وكان جزاؤه الاعتقال والتعذيب، والنفي والتشريد، ومصادرة أمواله، وتشتيت أسرته وإهدار حقوقه.
ومن الوسائل التي اتخذها حفاظًا على حياته -كما يزعم- فرضه رقابة صارمة على الصحافة والطباعة، حتى الإعلانات كانت تراقب، ولا بد لنشرها من موافقة الرقيب، أما الكتاب الذي سيطبع فكان يسير في إجراءات معقدة، ويتعرض للفحص عنه عدة مرات، ومرات تستغرق شهورًا وسنوات، والفاحسون يخافون الزلل ومختلف التأويلات، ويعيد الاحتمالات خوفًا على حياتهم من حاكم لا
يرحم، فلا عجب إذا رفضوا كل كتاب قيم يعالج موضوعًا هامًا يهدف إلى الإصلاح ورقي الأمة، فأغلقت نوافذ النور والمعرفة، وكمت الأفواه، وتحطمت الأقلام، وتعطلت العقول.
وأرسل عبد الحميد على الأقاليم العربية ولاة جبابرة من قواده العسكريين، فكانوا نماذج شيطانية في الاستبداد، والقهر يعاملون الناس كقطعان من السائمة في غلظة وجسارة، وكان إعدام الأشخاص من غير محاكمة، ولا سؤال من مألوف الأمور، ولم يكن يتم بناء على أمر الوالي، ويعقب الإعدام مصادرة الأموال، وكثيرًا ما كانت تلفق التهم التي تسبب الإعداد بغية مصادرة الأموال.
في مثل هذا الجو الخانق الذي يسوده الخوف، والكبت والتعصب الديني والمؤمرات كان يعيش أهل الشام، وكان النصارى منهم على الرغم من حماية الدول الغربية لهم يشعرون شعورًا حادًا بهذا الجو الموبوء، فلا بدع إذا آثروا الهجرة بحريتهم، ودينهم، وأرواحهم.
وكانت مصر من قديم موئل الأحرار، منذ غارات المغول على الشرق العربي، وقد فسحت لهؤلاء العرب المهاجرين بحريتهم من صدرها، فنزح منهم عدد كبير كان منهم لحسن الحظ عدد من المثقفين الذين أسهموا في نهضتها، وقد عرفنا أن إسماعيل كان يشجعهم على النيل من تركيا رغبة الانفصال عنها، فوجدوا في مصر حرية ورحابة صدر، واشتغل عدد منهم بالصحافة يومية وأسبوعية ونهضوا بها، وكان لهم في النثر أثر غير منكور، وسنتعرض لبعضهم عند حديثنا عن تطور النثر إن شاء الله.