المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أسواق الذهب لأحمد شوقي: - نشأة النثر الحديث وتطوره

[عمر الدسوقي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات

- ‌مقدمة

- ‌المحتويات:

- ‌تمهيد:

- ‌البعث

- ‌مدخل

- ‌رفاعة الطهطاوي

- ‌في العراق والشام

- ‌السيد محمود الألوس أبو الثناء

- ‌نصايف اليازجي

- ‌بطرس البستاني:

- ‌أثر الصحافة في تطور الأسلوب:

- ‌الوقائع المصرية:

- ‌مدرسة جمال الدين الأفغاني، وأدب المقالة:

- ‌محمد عبده:

- ‌أديب إسحق

- ‌إبراهيم اللقاني:

- ‌عبد الله نديم:

- ‌أدباء الشام:

- ‌إبراهيم اليازجي:

- ‌نجيب حداد:

- ‌تنوع المقالة:

- ‌أدب الرسائل:

- ‌عبد الله فكري:

- ‌محمد عبده:

- ‌حمزة فتح الله:

- ‌عبد الكريم سلمان:

- ‌أحمد مفتاح:

- ‌عبد العزيز جاويش:

- ‌حفني ناصف:

- ‌إبراهيم اليازجي:

- ‌الكتب الأدبية:

- ‌أسواق الذهب لأحمد شوقي:

- ‌حديث عيسى بن هشام للمويلحي:

- ‌ليالى سطيح لحافظ إبراهيم:

- ‌صهاريج اللؤلؤ للبكري:

- ‌تطور المقال الأدبي

- ‌مدخل

- ‌مصطفى لطفي المنفلوطي

- ‌مدخل

- ‌الاشتراكية عند المنفلوطي:

- ‌اللغة العربية عند المنفلوطي:

- ‌المراثي عند المنفلوطي:

- ‌مقالاته الأدبية:

- ‌رسائله:

- ‌البيان في رأي المنفلوطي:

- ‌أسلوب المنفلوطي:

- ‌منزلة المنفلوطي في موكب الأدب العربي:

- ‌أثر الثقافة الأجنبية في تطور المقال الأدبي:

الفصل: ‌أسواق الذهب لأحمد شوقي:

‌أسواق الذهب لأحمد شوقي:

وممن أسهم في هذا الباب أمير الشعراء شوقي في كتابه أسواق الذهب، وقد كتبه على سنوات كما يبدو في موضوعاته ومناسباتها، فموضوع قناة السويس كتبه وهو يعبرها في طريقه إلى منفاه، والجندي المجهول كتبه بعد الاحتفال بالجندي المجهول بباريس، ويقول لنا شوقي في مقدمة هذا الكتاب:

"وبعد، فهذه فصول من النثر، ما زعمت أنها غرر زياد أو فقر الفصيح من إياد، ولا توهمت حين أنشأتها أني صنعت "أطواق الذهب" للزمخشري، أو طبعت "أطباق الذهب" للأصفهاني، وإن سميت هذا الكتاب بما يشبه اسميهما، ووسمته بما يقرب في الحسن من رسميهما، وإنما هي كلمات اشتملت على معان شتى الصور، وأغراض مختلفة الخبر جليلة النظر، منها ما طال عليه القدم، وشاب على تناوله القلم، وألم به الغفل من الكتاب والعلم، ومنها ما كثر على الألسنة في هذه الأيام، وأصبح يعرض في طرق الأقلام، وتجري به الألفاظ في أعنة الكلام من مثل: الحرية، والوطن، والأمة والدستور، والإنسانية، وكثر غير ذلك من شئون المجتمع وأحواله، وصفات الإنسان وأفعاله، أو ماله علاقة بأشياء الزمن ورجاله، يكتنف ذلك، أو يمتزج به حكم عن الأيام تلقيتها، ومن التجارب استمليتها، وفي قوالب العربية وعيتها، وعلى أساليبها خبرتها ووشيتها، بعض هذه الخواطر قد نبع من القلب، وهو عند استجمام عفوه، وطلع في الذهن وهو عند تمام صحوه وصفوه، وغيره، -ولعله الأكثر- قد قبل والأكدار سارية، والأقدار بالمكاره جارية والدار نائية، وحكومة السيف عابشة عاتية، فأنا أستقبل القارئ فيه السقطات، وأستوهبه التجاور عن الفرطات، اللهم غير وجهك ما ابتغيت وسوى النفع لخلقك ما نويت، وعليك رجائي ألقيت، وإليك بذلي، وضعفي انتهيت".

ص: 123

ومن يستعرض موضوعات الكتاب يجدها أنواعًا، فمنها التاريخي أو الذي يستطرد فيه لشوقي إلى التاريخ، وهنا تتجلى براعته، وقدرته على بعث الماضي حيا نضرا كموضوع قناة السويس، والأهرام، والمسجد الحرام، والبحر الأبيض المتوسط، وبعضها آراء خاصة في موضوعات اجتماعية مع تصوير دقيق موجز للآفات منها كالظلم، وشاهد الزور "والطلاق"، والكاتب العمومي، وبعضها تأملات تكاد تشبه الفلسفة كالحياة، والموت والمال، والأمس، واليوم والغد، والجمال، والصبر، والعلم، والذكرى، واللسان، والبيان، وبعضها وصفي خالص كالشمس والظبي، والأسد، والأسد في حديقة الحيوان، والشباب والزهر، والقلب، وبعضها ديني كالشهادة والصلاة والزكاة والحج والطلاق، وخطيب المسجد.

وقد آثر شوقي في كثير من الموضوعات السجع مع قصر الجمل، والإشارات التاريخية، وهو أشبه بالشعر المنثور، ففيه خيال شوقي، ورائع تصويره، وعاطفته، وجمال موسيقاه، وإن كان أحيانًا يولع بالغريب، ويتكلف في إيراد الألفاظ، ونرى شوقي في أخريات الكتاب قد عدل عن السجع إلى الازدواج، ولكن بعد ما بين رأيه في السجع ودافع عنه كما سيجيء.

ونرى شوقي في أوج أسلوبه حين يعرض للتاريخ، وحين يكون أسوان جياش العاطفة، خذ مثلًا موضوع قناة السويس، وتكاد تذكرنا في ملامحها العامة، وما ورد فيها من صور، وأفكار بقصيدته "كبريات الحوادث في وادي النيل"، لولا أنه قالها، وهو في طريقه إلى المنفى، فأضفى عليها حزنه لفرقة وطنه، وشعوره الحاد بالظلم عاطفة قوية زادتها روعة، وجمالًا.

يقول شوقي مخاطبًا ولديه حين عبرا معه القناة:

"تلكما يا ابني القناة لقومكما فيها حياة، ذكرى إسماعيل ورياه، وعليا مفاخر دنياه، دولة الشرق المرجاة، وسلطانه الواسع الجاه، طريق التجارة، والوسيلة والمنارة، ومشرع الحضارة، تعبرانها اليوم على مزجاة كأنها فلك النجاة، خرجت بنا بين طوفان الحوادث، وطغيان الكوارث، تفارق برًا مغتصبه مضرى

ص: 124

الغضبة، قد أخذ الأهبة، واستجمع كالأسد للوثبة، وتلاقى بحرًا جنت جواريه، ونزت بالبشر نوازيه، وتمثلت بكل سبيل عواديه، مملوءًا ببغتات الماء، مترعًا بفجاءات السماء، ومن نون ينسف الدوارع، أو طير يقذف البيض مصارع.

فقلت: سيرى عوذتك بوديعة التابوت، وبصاحب الحوت، وبالحي الذي لا يموت وأسري يا ابنة اليم زمامك الروح، وربانك نوح، فكم عليك من منكوب ومجروح.

إن للنفي لروعة، وإن للنأي للوعة، وقد جرت أحكام القضاء بأن نعبر هذا الماء حين الشر مضطرم، واليأس محتدم والعدو منتقم، والخصم محتكم وحين الشامت جذلان مبتسم، يهزأ بالدمع وإن لم ينسجم.

ثم يقول: ماذا تهمسان؟ كأني بكما تقولان: أي شيء بدا له، على هذه الضاحية! وماذا شجا خياله، من هذه الناحية، وأي حس أو طيب لملح يتصبب في كثيب؟ ماء عكر في رمل كدر، قناة حمئة كأنها قناة صدئة، بل كأنها وعبريها رمال، بعضها متماسك، وبعضها منهال، وكأن راكب البحر مصحر، وكأن صاحب البر مبحر.

رويدكما! ليس الكتاب بزينة جلده، وليس السيف بحلية غمده تلك التنائف، من تاريخكم صحائف، وهذه القفار كتب منه وأسفار، وهذا المجاز هو حقيقة السيادة، ووثيقة الشقاء أو السعادة، خيط الرقبة من اغتصبه اختص بالغلبة، ووقف الأعقاب عقبة، ولو سكت لنطقت العبر، وابن العيان وأين الخبر؟

انظرا لتريا على العبرين عبرة الأيام، حصون وخيام، وجنود قعود وقيام، جيش غيرنا فرسانه وقواده، ونحن بعرانه وعلينا أزواده، ديك على غير جداره خلا له الجو فصاح، وكلب في غير داره، انفرد وراء الدار بالنياح.

القناة! وما أدراكما ما القناة، حظ البلاد الأغبر من التقاء الأبيض والأحمر، بيد أنها أحلام الأول، وأماني الممالك والدول، الفراعنة حاولوها، والبطالسة زاولوها، والقياصرة تناولوها، والعرب لأمر ما تجاهلوها

إلخ".

ص: 125

ويمضي شوقي في الوصف ويتكلم على من عبر القناة من الأنبياء كإبراهيم وموسى وعيسى، وعمرو بن العاص والإسكندر، وصلاح الدين ونابليون، وإبراهيم "باشا" في عرض شائق، وغوص إلى أعماق التاريخ، واستحضار لمشاهده حتى كأنك حاضره، وكأنك تسمع قصيدة عصماء من قصائد شوقي التاريخية بكل ما فيها من روعة، وحلاوة.

وفي الموضوعات الاجتماعية، والآفات الإنسانية لا يطيل التحليل، ولا يتعمق في التعليل، وإنما يورد رأيه، ويصور الآفة تصويرًا يبشعها وينفر منها، داعما آراءه بالحكمة يسوقها محكمة رصينة، خذ مثلًا قوله عن الظلم:

"قليل المدة" كليل العدة، وإن تظاهر بالشدة وتناهى في الجدة، عقرب بشولتها مختالة، لا تعدم نعلًا قتالة، ريح هوجاء لا تلبث أن تتمزق في البيد، أو تتحطم على أطراف الجلاميد، فتبيد، جامع راكب رأسه، مخايل ببأسه، غايته صخرة يوافيها، أو حفرة يتردى فيها، سيل طاغ لا يعدم هضابًا، تقف في طريقه، أو هادًا تجتمع على تفريقه، جدار متداع، أكثر ما يتهدد، حين يهم أن يتهدد هو غدا خراب، وكومة من تراب، نار مقطعة المدد، وإن سدت الجدد، وملأت البلد، يأكل بعضها كنار الحسد".

فيصف الظلم بأنه عقرب ستداس بالنعال، وريح ستتمزق في البيد أو تتحطم على الصخور، والظالم يركب رأسه لا يستمع لنصح، وغايته أن تتحطم رأسه على صخرة عناده، أو يتردى في حفرة خيلائه

إلخ.

وفي هذا تنفير من الظلم، وتقديم الموعظة للظالم وتهديده، وتعزية للمظلومين فالظلم جدار متداع أكثر ما يتهدد حين يهم أن يتهدد، هو غدا خراب وكومة من تراب، وكأني به يدعوهم للصبر، ويقول لهم: إن يوم الظالم قريب.

ويرى شوقي من بين الآفات الاجتماعية المتفشية بين شبابنا اعتقادهم أن الشهادة هي جواز المرور إلى الحياة، فإن حصلوا عليها انصرفوا عن القراءة ومزقوا الكتب، ولم يفيدوا شيئًا من تجارب الحياة، ويصيبهم الغرور لنيلهم الشهادة

ص: 126

الدراسية، فيعتقدون أن لديهم علم الأوائل والأواخر، فيقول شوقي مسديًا إليهم نصيحة الحكيم الذي عرك الحياة وعركته:

"وما بال الناشئ وصل اجتهاده، حتى حصل على الشهادة، فلما كحل بأحرفها عينيه، وظفر بزخرفها، هجر العلم وربوعه، وبعث إلى معاهده بأقطوعة، طوى الدفاتر، وترك المحابر، وذهب بخايل ويفاخر، ويدعي علم الأوائل والأواخر؟

فمن ينبيه، بارك الله فيه، لأبيه، وجزى سعى معلمه ومربيه: أن الشهادة طرف السبب، وفاتحة الطلب، والجواز إلى أقطار العلم والأدب، وأن العلم لا يملك بالصكوك والرقاع، وأن المعرفة عند الثقات غير وثائق الإقطاع، ومن يقول له أرشده الله: إن شهادة المدرسة غير شهادة الحياة؟ فيا ناشئ القوم، بلغت الشباب، ودفعت على الحياة الباب، فهل تأهبت للمعمعة، وجهزت النفس للموقعة، ووطنتها على الضيق بعد السعة، وعلى شظف العيش بعد الدعة؟ دعت الحياة نزال فهلم اقتحم المجال، وتزود للقتال، أعانك الله على الحياة، إنها حرب فجاءت، وغدر وبيات وخداع من الناس والحادثات، فطوبى لمن شهدها كامل الأدوات، موفور المعدات، سلاحه صلاحه، وترسه دربته، ويلبه أدبه وصمصامته استقامته، وكنانته أمانتاه، وحربته وداعته".

وإذا كان المضمون كما رأيت يزخر بالحكمة البالغة، والنصيحة الصريحة، فإن الأداء على الرغم مما به من سجع، وجناس كان أقرب إلى الشعر منه إلى النثر، له رنين محبب في الأذن، ودل على ذوق شوقي، وحسن تأتيه في إيراد الكلمات واختيارها، يزين كل ذلك خيال شاعر، وعاطفة الشفقة، والمنفعة العامة للوطن.

أما تأملاته في بعض المعنويات، والقضايا الكلية، فمنها ما ردده القدماء، ومنها ما خاض فيه غير متأثر برأي سواه، فكلامه عن الحياة يشبه ما أثر عن الإمام علي في نصيحته لضرار الصدائي من "أنها حلوة مرة، عواقبها نغص، ومشاربها غصص، وأنها أفعى خداعة ولذة لذاعة".

ص: 127

وقد تكلم عنها شوقي ثلاث مرات، كل مرة في موضوع مستقل، جرى في المرة الأولى في وصف مظاهرها، وأبدى سخطه عليها، وفي المرة الثانية حاول أن يستشف سرها، ويدرك كنهها فيقول: "أحق أنها هي الدم حتى يجمد، وأنها الحرارة حتى تبرد، وأنها هي الحركة حتى يقطعها السكون، وأنها هي الجاران حتى تفرق بينهما المنون؟؟

الحق أن افتئات الفلسفة، على ضنائن الله سفه، وأن علم الحياة عند الذي يهبها ويستردها، والذي يقصرها ويمدها، والذي يخلعها ويستجدها، والذي كل حي سواه يموت، وكل شيء ما خلاه يفوت".

وهذه هي عقيدة المسلم الصادق، وقديمًا تساءل المسلون عن كنه الروح، فقال لهم الله في كتابه:{وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} ، ونرى شوقي يحاول أن يفيد من المتنبي حين قال: إنها الجاران حتى تفرق بينهما المنون، متأثرًا بقول المتنبي:"ومفترق جاران دارهما العمر".

ومعظم موضوعات تأملاته مما حار الناس فيها قديمًا وحديثًا، وكأني بنفسه الطلعة تريد أن تهتك عنها الحجاب، وتطلع على أسرارها، ثم تعجز ولا تملك إلا أن تبدي خواطرها إزاء ما أعياها إدراك كنهه، فاليوم والأمس، والغد، ومنها تتكون الحياة، موضوع شائق للبحث الفلسفي، وقد تناوله شوقي بمزيج من الشعر والفلسفة، في عبارة مركزة موجزة، فيقول عن أمس: "أمس ما أمس؟ خطوة إلى الرمس!، خرزة هوت عن السلك أغلى من خرزات الملك، صحيفة طويت والصحف قلائل من كتاب العمل الزائل، ثلمة في الجدار، وهت لها الدار وأنت غير دار، جزء من عمرك حضرت وفاته، وقبرت بيديك رفاته لم ترق عليه عبرة، ولم تشيعه بالتفاتة.

وهو القاعدة التي يبنى عليها العمر، والحب الذي بنيت عليه الشجر، ويخرج منه الثمر، وهو الخير والأثر، والكبت والسير، والأسى والعبر، وهو أبو يومك، والولد سر أبيه، وجد غدك فاجعله النبيل في الجدود النبيه".

ص: 128

فالموضوع كما ترون يشتمل على فكرتين تناول كل فكرة، وعرضها في شتى الصور، فأمس يوم اقتطع من العمر، وهو أساس الغد، وكان لخيال شوقي الشاعر أثر في إيراد هذه الصور المتعددة للمعنى الواحد، وكلها صور رائعة الخيال، تزيد المعنى وضوحًا، والنفس أسى على أمس الدابر.

ولا يسعني هنا -والمقام ضيق- أن أتناول كل ما تعرض له شوقي في كتابه هذا، والذي يعنينا هو أنه تناول موضوعات تشغل الفكر الإنساني المثقف، واستخدم النثر في مقام الشعر، وكلف بالسجع أول الأمر ثم نراه يكاد يعدل عنه آخريات الكتاب، وإن لم تضعف ديباجته، أو يكبو خياله من ذلك قوله عن الجمال:

"جمعت الطبيعة عبقريتها فكانت الجمال، وكان أحسنه وأشرفه ما حل في الهيكل الآدمي، وجاور العقل الشريف، والنفس اللطيفة، والحياة الشاعرة. فالجمال البشري سيد الجمال كله، لا المثال البارع استطاع أن يخلعه على الدمى الحسان، ولا للنيرات الزهر في ليالي الصحراء ماله من لمحة وبهاء، ولا لبديع الزهر وغريبه في شباب الربيع ماله من بشاشة وطيب، وليس الجمال بلمحة العيون، ولا ببريق الثغور، ولا هيف القدود، ولا أسأله الخدود، ولا لؤلؤ الثنايا وراء عقيق الشفاه، ولكن شعاع علوي يبسطه الجميل البديع على بعض الهياكل البشرية يكسوها روعة، ويجعلها سحرًا، وفتنة للناس".

هل تشعر أنك فقدت شيئًا في أسلوب شوقي؟ هل لا يزال لأسلوبه رونقه وبهاؤه وطلاوته؟، أترى هذه القطعة أشد أسرًا، وأقوى جاذبية وجمالًا من نثره المسجوع؟

لعل شوقي لم يتعود الكتابة بالنثر المرسل، ومع كثرة تمرسه بالنثر المقفي، ولعله شعر بأنه ليس في أحسن حالاته، فحاول التجربة مرة ثانية وثالثة في الأمومة، والكاتب العمومي، والحياة وهم ولعب، وأخيرًا أخذ يذرف دمعة على السجع، ويدافع عنه حين افتقده في كتابته ولم يحسن الازدواج إلا قليلًا، ففقد ولا شك شيئًا من موسيقى نثره، فقال:

ص: 129

"السجع شعر العربية الثاني، وقواف مرنة ريضة، خصت بها الفصحى، يستريح إليها الشاعر المطبوع، ويرسل فيها الكاتب المتفنن خياله، ويسلو بها أحيانًا عما فاته من القدرة على صياغة الشعر، وكل موضع للشعر الرصين محل السجع، وكل قرار لموسيقاه قرار كذلك للسجع، فإنما يوضع السجع النابغ فيما يصلح مواضع الشعر الرصين، من حكمة تخترع أو مثل يضرب، أو وصف يساق وربما وشيت به الطوال من رسائل الأدب الخالص، ورصعت به القصار من فقر البيان المحض، وقد ظلم العربية رجال قبحوا السجع، وعدوه عيبًا فيها، وخلطوا الجميل المتفرد بالقبيح المرذول منه، يوضع عنوانًا لكتاب، أو دلالة على باب، أو حثوا في رسائل السياسة، أو ثرثرة في المقالات العلمية، فيا نشء العربية إن لغتكم لسرية، مثرية، ولن يضيرها عائب ينكر حلاوة الفواصل في الكتاب الكريم، ولا سجع الحمام فيا لحديث الشريف، ولا كل مأثور خالد من كلام السلف الصالح".

وشوقي هنا يبين عدة أمور: فهو شاعر، ولذلك يسهل عليه السجع كما تسهل القافية في الشعر، ويقرر أن هذا اللون من النثر يحل محل الشعر في موضوعه، وفي موسيقاه فيستخدم في الحكمة والمثل، والوصف والرسائل الأدبية الطويلة والقصيرة، وإذا كان تكلفه بين الناس، واستخدموه في المقالة السياسية والعلمية والاجتماعية، فإنهم لم يفرقوا بين النثر الأدبي وسواه، ويضرب شوقي مثلًا بحلاوة فواصل القرآن الكريم، والحديث الشريف برهانًا على أن السجع قد يكون مصدر جمال ولا شك، إذا تناولته يد صناع، وقلم بارع.

كتب شوقي عدة موضوعات بالنثر في أخريات كتابه، وإن كان يحن بين الفينة والفينة إلى السجع، على أن ما يعنينا هو اتساع أفق النثر وعمق فكرته، وتناوله موضوعات حية، نتيجة الثقافة القوية في العربية وفي الأدب الغربي معًا، ويهمنا كذلك أن الهوة في هذه الفترة أخذت تتسع بين الأسلوب الصحفي والأسلوب الأدبي، وبدأ كل منهما يتميز عن صاحبه.

وإذا كنا لم نوف هذا الكتاب حقه من الدرس والتحليل، فإن المقام يعجلنا عن ذلك، ولعل هذه الدراسة الواسعة تلح على من يدرس شوقي دراسة كاملة وافية، وبحسبنا هذا الإجمال، وتلك الأمثلة، أداء للغرض الذي ترمى إليه.

ص: 130