الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلم يكلمني عندها بشء وأخذ القرطاس ومدّ يده إلى دواة وجعل يكتب شيئاً لاأدري ماهو، ثمّ قال: يانضر، كيف تأمر إذا أردت أن تترب الكتاب؟ قلت: أتربه! قال: فمن الطين؟ قلت: طنه! قال: فهو ماذا؟ قلت: مترب مطين. قال: هذه أحسن من الأولى. ثمّ ناول الكتاب خادما، فمضى به إلى الفضل بن سهل، ففتح الكتاب وقال لي: مالسبب الذي وصلك فيه أمير المؤمنين بثلاثين ألفا؟ فأخبرته. فقال: سبحان الله ألحنت أمير المؤمنين؟ قلت: كلا، أيها الوزير، وإنما لحنه هشيم لأنه كان لحانه! فقال: حدثني عن الخليل بن أحمد! قلت: أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم الناس - وقال ابن مخلد والجوهري: صرت أنا والخليل إلى أبي ربيعة الأعرابي، فإذا هو على سطحٍ، فسلمنا فرد علينا السلام وقال لنا: استتوا! فبقينا متحيرين لم ندر ما قال. فقال أعرابي بحنبه: إنه يقول لكم: ارتفعوا! فاستخرجها الخليل من قول الله عز وجل: (ثُمَّ اسنوى إلى السَّماءِ وَهيَ دُخانٌ) أي ارتفع. فصعدنا فقال: هل لكم في خبز فطير ولبن خمير وماء نمير؟ فقلنا: لا! فقال: سلاماً! فبقينا أيضاً متحيرين لم ندر ماقال لنا. فقال الأعرابي: إنه سألكم متاركة لاخير بيننا ولاشرَّ! فاستخرجها الخليل من قول الله عز وجل: (وإذا خاطبهمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلَاما) . فقال الفضلُ: هذا أحسن مما حكيت للخليفة! فزادني من عنده عشرين ألفاً، فانصرفت بخمسين ألفاً.
ومرض النضر، فدخل الناس إليه يعودونه، فقال له رجل: مسح الله مابك! فقال النضر: لاتقل مسح بك، ولكن مصح! ألم تسمع قول الأعشى " من الرمل ":
وإذا ما الخمر فيها أزبدت
…
أفل الإزبادُ فيها فمصحْ
فقال الرجل: لابأس! السين قد تعاقب الصاد فتقوم مقامها. فقال النضر: إن كان كذا فينبغي أن تقول لمن أسمه سليمان صليمان، وتقول: قال رصول الله! ثمّ قال النضر: لايكون هذا في السين إلا مع أربعة أحرف، الطآء والخآء والقاف والغين، فيبدلون السين بهذه، وربما أبدلوها بزاي، كما قالوا: سراط وصراط وزراط. - قال الصولي: وهذه يقال لها حروف الاستعلاء، تبدل إذا كانت بعد السين، فأما إذا كانت قبل فلا.
وقال النضر يوماً: أنشدونا من زهد ابي نواس! فأنشده " من الطويل ":
وما الناس إلا هالك وابن هالكٍ
…
وذو نسبٍ في الهالكين عريقِ
فقال: قاتله الله لكأنه سمع الحسن يقول: إن امرءاً ليس بينه وبين آدم عليه السلام إلا أب ميت لنعرق في الموت. - وحدث حرب بن ميمون قال: رأيت خاتم النبي صلى الله عليه وسلم عند النضر وهو فضة أبيض.
ومات النضر رحمه الله سنة أربع ومائتين.
28 - ومن أخبار أبي فيد مؤرِّج بن عمرو السَدُوسيّ
كان يقول: اسمي وكنيتي غريبان، اسمي مؤرج، والعرب تقول: أرجت بين القوم وأرشت إذا حرَّشت، وأنا أبو فيد والفيد ورد الزعفران زيقال: فاد الرجل يفيد فيداً إذا مات.
وقال: القنديد الكافور وأنشد " من الطويل ":
ببابل لم تعصر فجاءت سلافة
…
تخالط قنديداً ومسكاً مختما
وقال المؤرج " من البسيط ":
روُعت بالبين حتى ما أراع به
…
وبالمصائب في أهلي وجيراني
لم يترك الدهر لي إلفاً أضن به
…
إلا اصطفاه بنأي أو بهجران
سمع " كتاب الأنواء " لمؤرج بجرجان، وخرج المأمون منه سنة أربع ومائتين، وخرج المؤرج إلى البصرة، فمات فيها.
29 - ومن أخبار أبي زيد الأنصاري
وهو سعيد بن أوس بن ثالب " بن بشير بن ثابت بن زيد " بن قيس بن زيد بن النعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج. وشهد ثابت أحداً والمشاهد بعدها، وهو أحد العشرة الذين بعث عمر رضي الله عنه مع أبي موسى الأشعري إلى البصرة وأحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلة الله عليه وسلم، وله عقب بالبصرة.
وكان أبو زيد أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو وكانا بعده يتقاربان.
وقال المبرد: أبو زيد صاحب لغة وغريب ونحو وكان أكبر من الأصمعي في النحو، وكان أبو عبيدة أعلم من أبي زيد والأصمعي بالأنساب والأيام والأخبار، وكان الأصمعي بحراً في اللغة لايعرف مثله فيها وفي كثرة الرواية.
قال عبَّاس الأزرق: كنت عند شعبة بن الحجاج ذات يوم وقد اجتمع أصحاب الحديث ليحدثهم، فنظر إلى أبي زيد النحوي في أخريات الناس فرفع رأسه ثمّ قال " من البسيط ":
استعجمت دار نعم لاتكلمنا
…
والدارُ لو كلمتنا ذات أخبار
أدن، يا أبا زيد، ادنه! فما زالا يتناشدان الشعر، فقال بعض أصحاب الحديث: ياأبا بسطام، نقطع إليك ظهور الإبل لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتركنا وتقبل على إنشاد الشعر! فغضب شعبة وقال: ياهذا، أنا أعلم بأمري، أنا والله في هذا أسلم مني في ذاك! - قال أبو زيد: قال لي شعبة: سلني عما شئت من الشعر! قلت له: فما معنى قوله " من الطويل ":
بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم
…
ولم تكثر القتلى بها حين سلَّت
فأطرق ثمّ قال: لاأدري. ومعناه: لم يشيموها أي لم يغمدوها إلا وقد كثرت القتلى بها.
حضر أعرابي عند أبي زيبد، فقال: أنتم أهل خشونة، ياأهل البادية، ونحن أهل لين وغزل. فقال الأعرابي: كيف تكونون أغزل منا ومنا من يقول " من البسيط ":
هيفاءُ مقبلةً عجزاء مدبرةً
…
لم تجف طولاً ولا أزرى بها قصر
غراء كالقمر المشهور طلعته
…
لابل يرى مثلها لما أستوى القمر
مالان قلبي لناه عن مودتها
…
وهل يلين لقول الواعظ الحجر
قال: فكتبنا. قال: وفينا من يقول أيضاً " من البسيط ":
هيفاءُ فيها إذا استقبلتها قصف
…
عجزاء خامصة الكشخين معطار
غراء لم يرها مما يحذرها
…
بساحة الدار لابعل ولاجار
قال أبو زيد: قلت لأعرابي: أقرأ! فقال: سبح اسم ربك الأعلى، الذي خلق فسَّوى، والذي منَّ على الحبلى، فأخرج منها نسمة تسعى، حتى إذا شبَّ واستوى، أدبر وتولى.
ذكر عند أبي زيد تفسير الأصمعي لقول الأعشى " من الكامل ":
وسيئة مما تعتق بابل
…
كدم الذبيح سلبتها جريالها
وإنه قال: معناه شربتها حمراء وبلتها بيضاء فسلبتها الجريال. فقال أبو زيد: لم يقل أبو سعيد شيئاً، قد نرى الزنجي يفعل ذلك يشربها حمراء ويبولها بيضاء، وإنما أراد: أخذت حمرتها في وجنتي فصار لونها في خدي، وهذا مانراه أبداً عند الامتحان.
كان ديسم العنزي لايزال يحفظ أشياء من هجو حماد عجرد وأبي هشام الباهلي في بشار بن برد فبلغه ذلك فقال " من الطويل ":
أديسم يا ابن الذئب من نجل زراع
…
أتروي هجائي سادراً غير مقصر
قال أبو حاتم: فأنشدت أبا زيد هذا البيت وقلت له: ماتقول؟ فقال: لمن الشعر؟ قلت لبشار. قال: قاتله الله، ما أعلمه بكلام العرب! ثمّ قال له: الديسم ولد الذئب من الكلبة، وزارع اسم الكلب ويقال للكلاب: أولاد زارع، والعسبار ولد الضبع من الذئب، والسمع ولد الذئب من الضبع، وزعمت العرب أن السمع لايموت حتف أنفه، وإنه لأسرع من الريح.
وقال أبو زيد: مرّ بي رؤبة فاستنشدته، فأنشدني أرجوزته:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
فاجتمع الناس عليه حتى سدوا الطريق، ومرت به عجوز فلم يمكنها أن تتخطى، فقال " من الرجز ":
تنح للعجوز عن طريقها
…
إذ اقبلت رائحة من سوقها
دعها فما النحوي من صديقها
قال أبو زيد: ما سمعت أحداً يقول: فلان من صديقي! قبل رؤبة. - وشهد رؤبة قوماً يلعبون بالنرد وهو لايدري ماهم فيه، ثمّ حضر الطعام فقال " من الرجز ":
ياأخوتي جاء الطعام فارفعوا
…
خيابة كعابها تقعقع
لم أدر ما ثلاثها والأربع
وقف أعرابيٌّ على أبي زيد، فظن أنه جاء يسأله عن مسألةٍ في النحو، فقال: سل عما بدا لك! فقال الأعرابي " من الخفيف ":
لست للنحو جئتكم
…
لا ولا فيه أرغب
أنا مالي ولأمري
…
أبد الدهر يضرب
خل زيداً لشأنه
…
حيثما شاء يذهب
واستمع قول عاشق
…
قد شجاه التطرب
همه الدهر طفلة
…
فهو فيها يشيب
قال أبو زيد: وقفت على قصاب فقلت: بكم البطنان؟ فقال: بمصفعان، يامضرطان! قال: فغطيت رأسي وفررت لئلا يسمع الناس فيضحكوا مني. - وأنشد أبو زيد " من المتقارب ":
إذ أنت لم تعف عن صاحب
…
أساء وعاقبته إن عثر
بقيت بلا صاحب فاحتمل
…
وكن ذا وفاءٍ وإن هو غدر
ولا تسأل الحرَّ عن عورة
…
وإن قام يوماً عليها ستر