الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقَتْلِ، ثَبَتَ الْحُكْمُ لِسَيِّدِهِ، وَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ فِيمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ.
وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ ابْتِدَاءً، فَهَلْ يَثْبُتُ لِلسَّيِّدِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَثْبُتُ. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى غَيْرِهِ، فَأَشْبَهَتْ الْجِنَايَةَ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ. وَالثَّانِي، لَا يَثْبُتُ لَهُ مَالُهُ فِي عَبْدِهِ، وَلَا لَهُ الْعَفْوُ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِلسَّيِّدِ ابْتِدَاءً، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ. وَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ، وُجُوبُ الْحَقِّ فِي ابْتِدَائِهِ هَلْ يَثْبُتُ لِلْقَتِيلِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى وَارِثِهِ، أَوْ يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً؟ عَلَى وَجْهَيْنِ
وَكُلُّ مَوْضِعٍ يَثْبُتُ لَهُ الْمَالُ فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لِلْمَوْرُوثِ كَذَلِكَ، فَيَنْتَقِلُ إلَى وَارِثِهِ كَذَلِكَ، وَإِنْ اقْتَصَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُدِّمَ الْمَالُ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَالْقِصَاصُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَثْبُتُ لِلْمَوْرُوثِ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ وَارِثِهِ.
[فَصْلٌ جنى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى مُكَاتَبِ السَّيِّدِ]
(3350)
فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى مُكَاتَبِ السَّيِّدِ، فَهِيَ كَالْجِنَايَةِ عَلَى وَلَدِهِ، وَتَعْجِيزُهُ كَمَوْتِ وَلَدِهِ، فِيمَا ذَكَرْنَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ جنى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ]
(3351)
فَصْلٌ: فَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَكَانَ مِمَّنْ يَعْلَمُ تَحْرِيمَ الْجِنَايَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْ سَيِّدِهِ، فَهِيَ كَالْجِنَايَةِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا، أَوْ صَبِيًّا لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَالسَّيِّدُ هُوَ الْقَاتِلُ، وَالْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ مُتَعَلِّقَانِ بِهِ، لَا يُبَاعُ الْعَبْدُ فِيهَا، مُوسِرًا كَانَ السَّيِّدُ أَوْ مُعَسِّرًا كَمَا لَوْ بَاشَرَ السَّيِّدُ الْقَتْلَ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا آخَرَ، أَنَّ الْعَبْدَ يُبَاعُ إذَا كَانَ السَّيِّدُ مُعَسِّرًا؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَ الْجِنَايَةَ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ آلَةٌ، فَلَوْ تَعَلَّقَتْ الْجِنَايَةُ بِهِ بِيعَ فِيهَا وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ مُوسِرًا، وَحُكْمُ إقْرَارِ الْعَبْدِ بِالْجِنَايَةِ، حُكْمُ إقْرَارِ الْعَبْدِ غَيْرِ الْمَرْهُونِ، عَلَى مَا مَضَى بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ.
[مَسْأَلَةٌ جُرِحَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ أَوْ قُتِلَ]
(3352)
مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَإِنْ جُرِحَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ، أَوْ قُتِلَ، فَالْخَصْمُ فِي ذَلِكَ سَيِّدُهُ، وَمَا قَبَضَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ رَهْنٌ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا جُنِيَ عَلَى الرَّهْنِ، فَالْخَصْمُ فِي ذَلِكَ سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهُ، وَالْأَرْشُ الْوَاجِبُ بِالْجِنَايَةِ مِلْكُهُ، وَإِنَّمَا لِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ حَقُّ الْوَثِيقَةِ، فَصَارَ كَالْعَبْدِ الْمُسْتَأْجَرِ وَالْمُودَعِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ. فَإِنْ تَرَكَ الْمُطَالَبَةَ، أَوْ أَخَّرَهَا، أَوْ كَانَ غَائِبًا، أَوْ لَهُ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ مِنْهَا، فَلِلْمُرْتَهِنِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُوجِبِهَا، فَكَانَ لَهُ الطَّلَبُ بِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْجَانِي سَيِّدُهُ.
ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ، فَلِلسَّيِّدِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِيُسْتَوْفَى، فَإِنْ اقْتَصَّ، أُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَةُ أَقَلِّهِمَا قِيمَةً، فَجُعِلَتْ مَكَانَهُ رَهْنًا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ
شَيْءٌ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ مَالٌ، وَلَا اُسْتُحِقَّ بِحَالِ، وَلَيْسَ عَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يَسْعَى لِلْمُرْتَهِنِ فِي اكْتِسَابِ مَالٍ
وَلَنَا، أَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا اُسْتُحِقَّ بِسَبَبِ إتْلَافِ الرَّهْنِ، فَغَرِمَ قِيمَتَهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا ثَبَتَ الْقِصَاصُ لِلسَّيِّدِ فِي عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ، وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا أَقَلِّ الْقِيمَتَيْنِ، لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِيَّةِ، وَالْوَاجِبُ مِنْ الْمَالِ هُوَ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ، لِأَنَّ الرَّهْنَ إنْ كَانَ أَقَلَّ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْجَانِي أَقَلَّ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ، وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ صَحَّ عَفْوُهُ، وَوَجَبَ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ، لِمَا ذَكَرْنَا
هَذَا إذَا كَانَ الْقِصَاصُ قَتْلًا، وَإِنْ كَانَ جُرْحًا أَوْ قَلْعَ سِنٍّ وَنَحْوَهُ، فَالْوَاجِبُ بِالْعَفْوِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ؛ مِنْ أَرْشِ الْجُرْحِ، أَوْ قِيمَةِ الْجَانِي. وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا، أَوْ عَلَى غَيْرِ مَالٍ، انْبَنِي ذَلِكَ عَلَى مُوجِبِ الْعَمْدِ مَا هُوَ؟ فَإِنْ قُلْنَا: مُوجِبُهُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ. ثَبَتَ الْمَالُ
وَإِنْ قُلْنَا: مُوجِبُهُ الْقِصَاصُ عَيْنًا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ اقْتَصَّ؛ إنْ قُلْنَا ثَمَّ: يَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ. وَجَبَ هَاهُنَا. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ بَدَلَ الرَّهْنِ بِفِعْلِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اقْتَصَّ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ عَلَى الرَّاهِنِ شَيْءٌ ثَمَّ. لَمْ يَجِبْ هَاهُنَا شَيْءٌ. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ اكْتِسَابُ مَالٍ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ، أَوْ ثَبَتَ الْمَالُ بِالْعَفْوِ عَنْ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ، وَيَكُونُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ، كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، فَلَوْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهَا، أَوْ يَأْخُذَ حَيَوَانًا عَنْهَا، لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ أَذِنَ فِيهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، وَمَا قَبَضَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ رَهْنٌ، بَدَلًا عَنْ الْأَوَّلِ، نَائِبًا عَنْهُ، وَقَائِمًا مَقَامَهُ، فَإِنْ عَفَا الرَّاهِنُ عَنْ الْمَالِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَسْقُطُ حَقُّ الرَّاهِنِ دُونَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَتُؤْخَذُ الْقِيمَةُ تَكُنْ رَهْنًا، فَإِذَا زَالَ الرَّهْنُ رَجَعَ الْأَرْشُ إلَى الْجَانِي، كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّ الرَّهْنَ مَغْصُوبٌ أَوْ جَانٍ
وَإِنْ اسْتَوْفَى الدَّيْنَ مِنْ الْأَرْشِ، احْتَمَلَ أَنْ يَرْجِعَ الْجَانِي عَلَى الْعَافِي؛ لِأَنَّ مَالَهُ ذَهَبَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ، فَلَزِمَتْهُ غَرَامَتُهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ أَوْ اسْتَعَارَهُ فَرَهَنَهُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِي حَقِّ الْجَانِي مَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الضَّمَانِ، وَإِنَّمَا اُسْتُوْفِيَ بِسَبَبِ كَانَ مِنْهُ حَالَ مِلْكِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَنَى إنْسَانٌ عَلَى عَبْدِهِ. ثُمَّ وَهَبَهُ لِغَيْرِهِ، فَتَلِفَ بِالْجِنَايَةِ السَّابِقَةِ
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَصِحُّ الْعَفْوُ مُطْلَقًا، وَيُؤْخَذُ مِنْ الرَّاهِنِ قِيمَتُهُ تَكُونُ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ دَيْنَهُ عَنْ غَرِيمِهِ، فَصَحَّ، كَسَائِرِ دُيُونِهِ. قَالَ: وَلَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ رَهْنًا مَعَ عَدَمِ حَقِّ الرَّاهِنِ فِيهِ، فَلَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ، لِتَفْوِيتِهِ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ بَدَلُ الرَّهْنِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ عَفْوُ الرَّاهِنِ عَنْهُ كَالرَّهْنِ نَفْسِهِ، وَكَمَا لَوْ وُهِبَ الرَّهْنُ أَوْ غُصِبَ، فَعُفِيَ عَنْ غَاصِبِهِ. وَهَذَا أَصَحُّ فِي النَّظَرِ، وَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: أَسْقَطْت حَقِّي مِنْ ذَلِكَ. سَقَطَ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَعُ الرَّاهِنَ