المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فِي الْيَنَابِيعِ إذَا قَمَّطَ رَجُلًا وَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ فَغَرِقَ تَجِبُ - الجوهرة النيرة على مختصر القدوري - جـ ٢

[أبو بكر الحداد]

فهرس الكتاب

- ‌[كِتَابُ النِّكَاحِ]

- ‌[الْكَفَاءَةُ فِي النِّكَاحِ مُعْتَبَرَةٌ]

- ‌[نِكَاحُ الْمُتْعَةِ وَالنِّكَاحُ الْمُؤَقَّتِ بَاطِلٌ]

- ‌[فُرُوعٌ فِي النِّكَاحِ]

- ‌[كِتَابُ الرَّضَاعِ]

- ‌ مُدَّةِ الرَّضَاعِ

- ‌[يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ]

- ‌[كِتَابُ الطَّلَاقِ]

- ‌[الطَّلَاقُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ]

- ‌ طَلَاقٌ السُّنَّةِ

- ‌[طَلَاقُ الْبِدْعَةِ]

- ‌[الطَّلَاقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ]

- ‌[طَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَالسَّكْرَانِ]

- ‌[طَلَاقُ الْأَخْرَسِ]

- ‌[كِتَابُ الرَّجْعَةِ]

- ‌[الرَّجْعَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ سُنِّيٍّ وَبِدْعِيٍّ]

- ‌[تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ بِالشَّرْطِ]

- ‌[الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ لَا يُحَرِّمُ الْوَطْءَ]

- ‌[كِتَابُ الْإِيلَاءِ]

- ‌[مُدَّةُ إيلَاءِ الْأَمَةِ]

- ‌[كِتَابُ الْخُلْعِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةٍ عَلَى مَهْرٍ مُسَمًّى ثُمَّ طَلَّقَهَا بَائِنًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَهْرٍ آخَرَ ثُمَّ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ عَلَى مَهْرِهَا]

- ‌[كِتَابُ الظِّهَارِ]

- ‌[كَفَّارَةُ الظِّهَارِ]

- ‌[كِتَابُ اللِّعَانِ]

- ‌[صِفَةُ اللِّعَانِ]

- ‌[كِتَابُ الْعِدَدِ]

- ‌[الْعِدَّةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ]

- ‌[كِتَابُ النَّفَقَاتِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ إلَيْهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَقَالَ لَهَا أَنَا أُنْفِقُ عَلَيْك مَا دُمْت فِي الْعِدَّةِ]

- ‌[كِتَابُ الْعِتْقِ]

- ‌[كِتَابُ التَّدْبِيرِ]

- ‌[بَابُ الِاسْتِيلَادِ]

- ‌[كِتَابُ الْمُكَاتَبِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ كَاتَبَ الرَّجُلُ نِصْفَ عَبْدِهِ عَلَى مَالٍ]

- ‌[كِتَابُ الْوَلَاءِ]

- ‌[وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ تَعْصِيبٌ]

- ‌[كِتَابُ الْجِنَايَاتِ]

- ‌[الْقَتْلُ الْعَمْدِ]

- ‌[الْقَتْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ]

- ‌[الْقَتْلُ الْخَطَأِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلَيْنِ وَوَلِيُّهُمَا وَاحِدٌ فَعَفَا الْوَلِيُّ عَنْ الْقِصَاصِ فِي أَحَدِهِمَا]

- ‌[كِتَابُ الدِّيَاتِ]

- ‌[مَسَائِلُ قَالَ لِرَجُلٍ اُقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ عَمْدًا]

- ‌[بَابُ الْقَسَامَةِ]

- ‌[كِتَابُ الْمَعَاقِلِ]

- ‌[كِتَابُ الْحُدُودِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِحْصَانِ]

- ‌[بَابُ حَدِّ الشُّرْبِ]

- ‌[بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ]

- ‌[كِتَابُ السَّرِقَةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ]

- ‌[كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ]

- ‌[الْأَشْرِبَةُ الْمُحَرَّمَةُ أَرْبَعَةٌ]

- ‌[كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ حُكْمُ أَكْلِ الْمُتَوَلِّدْ بَيْنَ الْكَلْبِ وَالْمَاعِزِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْأَشْيَاء الَّتِي تَكْرَهُ مِنْ الذَّبِيحَةِ]

- ‌[كِتَابُ الْأُضْحِيَّةِ]

- ‌[حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ]

- ‌[وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ]

- ‌[كِتَابُ الْأَيْمَانِ]

- ‌[الْيَمِينِ الْغَمُوسِ]

- ‌ الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ

- ‌[الْيَمِينُ اللَّغْوِ]

- ‌[كَفَّارَةُ الْيَمِينِ]

- ‌[كِتَابُ الدَّعْوَى]

- ‌[كِتَابُ الشَّهَادَاتِ]

- ‌[الشَّهَادَةُ عَلَى مَرَاتِبَ]

- ‌[الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ]

- ‌[صِفَةُ الْإِشْهَادِ فِي الشَّهَادَة عَلَى الشَّهَادَة]

- ‌[كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ]

- ‌[كِتَابُ آدَابِ الْقَاضِي]

- ‌[طَلَبُ الْوِلَايَةِ]

- ‌[كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي]

- ‌[كِتَابُ الْقِسْمَةِ]

- ‌[شُرُوطُ الْمُقَسِّمِ]

- ‌[كِتَابُ الْإِكْرَاهِ]

- ‌[بِمَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْإِكْرَاهُ]

- ‌[كِتَابُ السِّيَرِ]

- ‌[الْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ]

- ‌[وُجُوبُ قِتَالِ الْكُفَّارِ]

- ‌[عَلَى مَنْ يَجِبُ الْجِهَادِ]

- ‌[بَيْعُ الْغَنَائِمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ]

- ‌[مَا أَوْجَفَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ قِتَالٍ]

- ‌[حُكْمُ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا]

- ‌[حُكْمُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ]

- ‌[الْجِزْيَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ]

- ‌[أَسْلَمَ وَعَلَيْهِ جِزْيَةٌ]

- ‌[كِتَابُ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ]

- ‌[الِاحْتِكَارُ فِي أَقْوَاتِ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ]

- ‌[لَا يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُسَعِّرَ عَلَى النَّاسِ]

- ‌[بَيْعُ السِّلَاحِ فِي أَيَّامِ الْفِتْنَةِ]

- ‌[بَيْعُ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا]

- ‌[كِتَابُ الْوَصَايَا]

- ‌[الْوَصِيَّةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ]

- ‌[الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ]

- ‌[الْوَصِيَّةُ لِلْقَاتِلِ]

- ‌[قَبُولُ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ]

- ‌[وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ]

- ‌[الرُّجُوعُ عَنْ الْوَصِيَّةِ]

- ‌[الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْوَصِيَّةِ]

- ‌[كِتَابُ الْفَرَائِضِ] [

- ‌الْمُجْمَعُ عَلَى تَوْرِيثِهِمْ مِنْ الرِّجَالِ وَالنَّسَاءِ]

- ‌[مَوَانِعُ الْإِرْثِ]

- ‌[الْفُرُوضُ الْمَحْدُودَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى]

- ‌[بَابُ أَقْرَبِ الْعَصَبَاتِ]

- ‌[بَابُ الْحَجْبِ]

- ‌[بَابُ الرَّدِّ]

- ‌[بَابُ ذَوِي الْأَرْحَامِ]

- ‌[مَسَائِلٌ فِي الْمِيرَاثِ]

- ‌[حِسَابُ الْفَرَائِضِ]

الفصل: فِي الْيَنَابِيعِ إذَا قَمَّطَ رَجُلًا وَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ فَغَرِقَ تَجِبُ

فِي الْيَنَابِيعِ إذَا قَمَّطَ رَجُلًا وَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ فَغَرِقَ تَجِبُ الدِّيَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ سَبَحَ سَاعَةً ثُمَّ غَرِقَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ.

وَلَوْ غَلَّقَ عَلَى حُرٍّ بَيْتًا أَوْ طَيَّنَهُ فَمَاتَ جُوعًا أَوْ عَطَشًا لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَا يُؤَدِّي إلَى التَّلَفِ وَإِنَّمَا مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرُ وَهُوَ فَقْدُ الطَّعَامِ، وَالْمَاءِ فَلَمْ يَبْقَ لَا الْيَدَ، وَالْحُرُّ لَا يُضْمَنُ بِالْيَدِ.

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ سَبَبٌ أَدَّاهُ إلَى التَّلَفِ كَسَقْيِ السُّمِّ وَإِنْ سَقَى رَجُلًا سُمًّا أَوْ أَطْعَمَهُ إيَّاهُ فَمَاتَ فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ أَكَلَهُ بِنَفْسِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الَّذِي أَطْعَمَهُ وَلَكِنْ يُعَزَّرُ وَيُضْرَبُ وَإِنْ أَوْجَرَهُ إيَّاهُ أَوْ كَلَّفَهُ أَكْلَهُ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ إذَا أَكَلَهُ بِنَفْسِهِ فَهُوَ الْقَاتِلُ لَهَا وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ إلَيْهِ إنَّمَا غَرَّهُ، وَالْغُرُورُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانُ النَّفْسِ وَإِنْ أَلْقَاهُ مِنْ سَطْحٍ أَوْ مِنْ جَبَلٍ عَلَى رَأْسِهِ فَمَاتَ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إذَا كَانَ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ (قَوْلُهُ: مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ) سَوَاءٌ تَعَمَّدَ الْمَقْتَلَ أَوْ غَيْرَهُ حَتَّى لَوْ تَعَمَّدَ مَوْضِعًا مِنْ جَسَدِهِ فَأَخْطَأَهُ فَوَقَعَ فِي غَيْرِهِ فَمَاتَ مِنْهُ فَهُوَ عَمْدٌ يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ. قَوْلُهُ: (وَمُوجَبُ ذَلِكَ الْمَأْثَمُ، وَالْقَوَدُ وَلَا كَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ عِنْدَنَا) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْعَمْدَ وَحُكْمَهُ فَقَالَ {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93] وَلَمْ يَذْكُرْ الْكَفَّارَةَ وَذَكَرَ الْخَطَأَ وَحُكْمَهُ فَبَيَّنَ الْكَفَّارَةَ فِي الْخَطَأِ فَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي الْعَمْدِ كَوُجُوبِهَا فِي الْخَطَأِ لَبَيَّنَهَا وَمِنْ حُكْمِ الْقَتْلِ أَنْ يُحْرَمَ الْمِيرَاثَ.

قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْأَوْلِيَاءُ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ وَكَذَا لَهُمْ أَنْ يُصَالِحُوا عَنْهُ عَلَى مَالٍ فَإِذَا صَالَحُوا سَقَطَ حَقُّهُمْ عَنْ الْقِصَاصِ كَمَا لَوْ عَفَوْا.

(قَوْلُهُ: وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ) .

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ ثُمَّ إذَا صَالَحَ الْأَوْلِيَاءُ عَنْ مَالٍ جَازَ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا مِنْ جِنْسِ الدِّيَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا فَإِنْ لَمْ يُصَالِحُوا وَلَكِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ بَطَلَ الْقِصَاصُ وَلَا يَنْقَلِبُ نَصِيبُ الْعَافِي مَالًا وَيَنْقَلِبُ نَصِيبُ الْبَاقِي مَالًا لِأَنَّ الْقِصَاصَ مَتَى تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ قِبَلِ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ لَا يَنْقَلِبُ نَصِيبُهُ مَالًا وَمَتَى تَعَذَّرَ مِنْ جِهَةِ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ يَنْقَلِبُ نَصِيبُهُ مَالًا ثُمَّ نَصِيبُ الْعَافِي لَا يَنْقَلِبُ مَالًا لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ تَعَذَّرَ مِنْ جِهَتِهِ وَنَصِيبُ الَّذِي لَمْ يَعْفُ يَنْقَلِبُ مَالًا لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ.

[الْقَتْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ]

قَوْلُهُ: (وَشِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ وَلَا مَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ) بَلْ يَضْرِبُهُ بِشَيْءٍ الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكُ كَمِدَقَّةٍ الْقَصَّارِينَ، وَالْحَجَرِ الْكَبِيرِ، وَالْعَصَا الْكَبِيرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِذَا قَتَلَهُ بِذَلِكَ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَهُ وَقَالَا هُوَ عَمْدٌ وَأَمَّا إذَا ضَرَبَهُ بِعَصًا صَغِيرَةٍ أَوْ لَطَمَهُ عَمْدًا فَمَاتَ أَوْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ فَمَاتَ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ إجْمَاعًا وَإِنْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ صَغِيرٍ وَوَالَى الضَّرْبَ حَتَّى قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.

(قَوْلُهُ: وَشِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَهُمَا أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا) لِأَنَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ يُقْصَدُ التَّأْدِيبُ. قَوْلُهُ: (وَمُوجَبُ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَأْثَمُ، وَالْكَفَّارَةُ) فَإِنْ قُلْت: وَجَمَعَ فِي هَذَا بَيْنَ الْإِثْمِ، وَالْكَفَّارَةِ وَهِيَ سِتَارَةٌ قُلْت: جَازَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَالْإِثْمُ ابْتِدَاءً ثُمَّ يَسْقُطُ الْإِثْمُ بِأَدَاءِ الْكَفَّارَةِ وَقَوْلُهُ: عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَيْ اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ. قَوْلُهُ: (وَلَا قَوَدَ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَمْدٍ مَحْضٍ وَإِذَا الْتَقَى صَفَّانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُشْرِكِينَ فَقَتَلَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا ظَنَّهُ كَافِرًا لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ أَيْضًا إذَا كَانُوا مُخْتَلَطِينَ أَمَّا إذَا كَانَ فِي صَفِّ الْكُفَّارِ لَا تَجِبُ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ عِصْمَتَهُ بِتَكْثِيرِ سَوَادِهِمْ قَالَ عليه السلام «مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. قَوْلُهُ:(وَفِيهِ الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) وَيُحْرَمُ الْمِيرَاثَ أَيْضًا وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَيَدْخُلُ الْقَاتِلُ مَعَهُمْ فِي الدِّيَةِ فَيَكُونُ كَأَحَدِهِمْ.

[الْقَتْلُ الْخَطَأِ]

قَوْلُهُ: (وَالْخَطَأُ عَلَى وَجْهَيْنِ خَطَأٌ فِي الْقَصْدِ وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا يَظُنُّهُ صَيْدًا فَإِذَا هُوَ آدَمِيٌّ) أَوْ ظَنَّهُ حَرْبِيًّا فَإِذَا

ص: 120

هُوَ مُسْلِمٌ أَوْ رَمَى إلَى حَرْبِيِّ أَسْلَمَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَوْ رَمَى إلَى رَجُلٍ فَأَصَابَ غَيْرَهُ فَهَذَا كُلُّهُ خَطَأٌ فِي الْقَصْدِ وَأَمَّا إذَا قَصَدَ عُضْوًا مِنْ شَخْصٍ فَأَصَابَ عُضْوًا آخَرَ مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ فَهُوَ عَمْدٌ يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ. قَوْلُهُ: (وَخَطَأٌ فِي الْفِعْلِ وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ غَرَضًا فَيُصِيبُ آدَمِيًّا) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ خَطَأٌ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا فِي الْفِعْلِ، وَالْآخَرَ فِي الْقَصْدِ. قَوْلُهُ:(وَمُوجَبُ ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) وَيُحْرَمُ الْمِيرَاثَ وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَسَوَاءٌ قَتَلَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ، وَالْكَفَّارَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] وَإِنْ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ هُنَاكَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إلَيْنَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الْكَفَّارَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ لَا غَيْرُ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ لِأَنَّهُ لَمَّا يُحْرَزْ دَمُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ وَلَا يُشْبِهُ ذَلِكَ إذَا أَسْلَمَ هُنَاكَ وَهَاجَرَ إلَيْنَا ثُمَّ عَادَ إلَيْهِمْ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ قِيمَةٌ لِأَنَّهُ قَدْ أَحْرَزَهُ بِدَارِنَا.

قَوْلُهُ: (وَلَا مَأْثَمَ فِيهِ) يَعْنِي لَا إثْمَ فِيهِ فِي الْوَجْهَيْنِ وَسَوَاءٌ كَانَ خَطَأً فِي الْقَصْدِ أَوْ خَطَأً فِي الْفِعْلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْفِعْلَ، وَالْمُرَادُ إثْمُ الْقَتْلِ أَمَّا نَفْسُ الْإِثْمِ فَلَا يَعْرَى عَنْهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّثَبُّتَ فِي حَالَةِ الرَّمْيِ وَيُحْرَمُ الْمِيرَاثَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْقَتْلَ وَيُظْهِرَ الْخَطَأَ فَاتُّهِمَ فَسَقَطَ مِيرَاثُهُ، وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ قَتْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقِصَاصُ أَوْ الْكَفَّارَةُ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ وَمَا لَا فَلَا أَمَّا الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقِصَاصُ فَقَدْ بَيَّنَّاهُ وَأَمَّا الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْكَفَّارَةُ فَهُوَ الْقَتْلُ بِالْمُبَاشَرَةِ أَوْ تَطَؤُهُ دَابَّةٌ وَهُوَ رَاكِبُهَا أَوْ انْقَلَبَ عَلَيْهِ فِي النَّوْمِ فَقَتَلَهُ أَوْ سَقَطَ عَلَيْهِ مِنْ سَطْحٍ أَوْ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ حَجَرٌ أَوْ لَبِنَةٌ أَوْ خَشَبَةٌ أَوْ حَدِيدَةٌ فَهَذَا كُلُّهُ خَطَأٌ بِالْمُبَاشَرَةِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ وَيُحْرَمُ الْمِيرَاثَ إنْ كَانَ وَارِثًا، وَالْوَصِيَّةَ إنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا وَأَمَّا الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قِصَاصٌ وَلَا كَفَّارَةٌ فَهُوَ أَنْ يَقْتُلَ الصَّبِيُّ أَوْ الْمَجْنُونُ مُورِثَهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ عِنْدَنَا وَكَذَا إذَا قَتَلَ مُورِثَهُ بِالسَّبَبِ كَمَا إذَا أَشْرَعَ جَنَاحًا فِي الطَّرِيقِ فَسَقَطَ عَلَى مُورِثِهِ أَوْ حَفَرَ بِئْرًا عَلَى الطَّرِيقِ فَوَقَعَ فِيهَا مُورِثُهُ فَمَاتَ لَا يُمْنَعُ الْمِيرَاثَ إذَا قَتَلَهُ قِصَاصًا أَوْ رَجْمًا أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا فَرُجِمَ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ الْمِيرَاثَ.

وَكَذَا إذَا وَضَعَ حَجَرًا عَلَى الطَّرِيقِ فَتَعَقَّلَ بِهِ مُورِثُهُ أَوْ سَاقَ دَابَّةً أَوْ قَادَهَا فَأَوْطَأَتْ مُورَثَهُ فَمَاتَ لَا يُمْنَعُ الْمِيرَاثَ وَكَذَا إذَا وَجَدَ مُورَثَهُ قَتِيلًا فِي دَارِهِ تَجِبُ الْقَسَامَةُ، وَالدِّيَةُ وَلَا يُمْنَعُ الْمِيرَاثَ وَكَذَا الْعَادِلُ إذَا قَتَلَ الْبَاغِيَ لَا يُمْنَعُ الْمِيرَاثَ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَلَا الْكَفَّارَةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا وَأَمَّا إذَا قَتَلَ الْبَاغِيَ الْعَادِلَ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ قَالَ قَتَلْته وَأَنَا عَلَى الْبَاطِلِ وَأَنَا الْآنَ عَلَى الْبَاطِلِ لَا يَرِثُهُ إجْمَاعًا وَإِنْ قَالَ قَتَلْته وَأَنَا عَلَى الْحَقِّ، وَالْآنَ أَيْضًا أَنَا عَلَى الْحَقِّ وَرِثَهُ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ هَذَا قَتْلٌ لَا يُوجِبُ قِصَاصًا وَلَا كَفَّارَةً وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَرِثُهُ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالْأَبُ إذَا قَتَلَ ابْنَهُ عَمْدًا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَلَا الْكَفَّارَةُ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَرِثُ وَيُشْكِلُ هَذَا عَلَى أَصْلِنَا إلَّا أَنَّا نَقُولُ قَدْ وَجَبَ الْقِصَاصُ هُنَا ثُمَّ سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ،.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَرِثُ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْقَتْلِ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ وَعَاقِلٍ وَمَجْنُونٍ وَمُتَأَوِّلٍ وَيُورَثُ دَمُ الْمَقْتُولِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ وَيَسْتَحِقُّهُ مَنْ يَرِثُ مَالَهُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجَانِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُوصَى لَهُ وَلَيْسَ لِلْبَعْضِ أَنْ يَقْتَصَّ حَتَّى يَجْتَمِعُوا كُلُّهُمْ فَإِنْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَوْلَادٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ فَلِلْكِبَارِ أَنْ يَقْتَصُّوا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَبْلَ بُلُوغِ الصِّغَارِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رضي الله عنهما اقْتَصَّ مِنْ ابْنِ مُلْجَمٍ، وَفِي وَرَثَةِ عَلِيٍّ رضي الله عنه صِغَارٍ وَقَدْ أَوْصَى إلَيْهِ عَلِيٌّ بِذَلِكَ، وَقَالَ اضْرِبْهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً.

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَيْسَ لِلْكِبَارِ أَنْ يَقْتَصُّوا حَتَّى يَبْلُغَ الصِّغَارُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ يَقُولُ مُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَدِيَةُ الْمَقْتُولِ خَطَأً تَكُونُ مِيرَاثًا عَنْهُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ لِجَمِيعِ وَرَثَتِهِ.

وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَرِثُ مِنْهَا الزَّوْجَانِ لِأَنَّ وُجُوبَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالزَّوْجِيَّةُ تَرْتَفِعُ بِالْمَوْتِ بِخِلَافِ الْقَرَابَةِ وَلَنَا حَدِيثُ «الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ عَقْلِ زَوْجِهَا أَشَيِمَ» وَإِذَا أَوْصَى رَجُلٌ بِثُلُثِ مَالِهِ دَخَلَتْ دِيَتُهُ فِي تِلْكَ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ وَلِأَنَّ الدِّيَةَ مَالُ الْمَيِّتِ حَتَّى تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ مِنْهَا وَصَايَاهُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ.

قَوْلُهُ: (وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ مِثْلُ النَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى رَجُلٍ فَيَقْتُلُهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْخَطَأِ) يَعْنِي مِنْ سُقُوطِ

ص: 121

الْقِصَاصِ كَمَا لَوْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَفَاءٍ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً وَوَارِثُهُ غَيْرُ الْمَوْلَى فَلَا قِصَاصَ لَهُمْ وَإِنْ اجْتَمَعُوا مَعَ الْمَوْلَى) لِأَنَّ الْمَوْلَى سَقَطَ حَقُّهُ بِالْعِتْقِ فَاجْتِمَاعُهُ مَعَ الْوَارِثِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فَبَقِيَ الْوَارِثُ وَحْدَهُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا قِصَاصَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا قُتِلَ عَبْدُ الرَّهْنِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ حَتَّى يَجْتَمِعَ الرَّاهِنُ، وَالْمُرْتَهِنُ) لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا مِلْكَ لَهُ فَلَا يَلِيهِ، وَالرَّاهِنُ لَوْ تَوَلَّاهُ لَبَطَلَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِي الدَّيْنِ فَشُرِطَ اجْتِمَاعُهُمَا لِيَسْقُطَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ بِرِضَاهُ وَهَذَا. قَوْلُهُمَا.

وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا قِصَاصَ لَهُ وَإِنْ اجْتَمَعَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِثْلُهُ وَقَيَّدَ بِاجْتِمَاعِهِمَا حَتَّى لَوْ اخْتَلَفَا فَلَهُمَا الْقِيمَةُ تَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ، وَلَوْ قُتِلَ عَبْدُ الْإِجَارَةِ يَجِبُ الْقِصَاصُ لِلْمُؤَجِّرِ وَأَمَّا الْمَبِيعُ إذَا قُتِلَ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي إجَازَةَ الْبَيْعِ فَلَهُ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ وَإِنْ اخْتَارَ رَدَّ الْمَبِيعِ فَلِلْبَائِعِ الْقِصَاصُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا رَدَّ الْمَبِيعَ انْفَسَخَ الْعَقْدُ مِنْ أَصْلِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا قِصَاصَ وَلِلْبَائِعِ الْقِيمَةُ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْقِصَاصُ عِنْدَ الْجِرَاحَةِ لِأَنَّ الْمِلْكَ كَانَ لِلْمُشْتَرِي فَلَا يَثْبُتُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ جَرَحَ رَجُلًا عَمْدًا فَلَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) لِأَنَّ سَبَبَ الْقَتْلِ وُجِدَ مِنْهُ وَاتَّصَلَ بِالْمَوْتِ وَلَمْ يُوجَدْ بَيْنَهُمَا مَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ، وَلَوْ شَقَّ بَطْنَ رَجُلٍ وَأَخْرَجَ أَمْعَاءَهٌ ثُمَّ ضَرَبَ آخَرُ عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ عَمْدًا فَالْقَاتِلُ الَّذِي ضَرَبَ الْعُنُقَ لِأَنَّهُ قَدْ يَعِيشُ بَعْدَ شَقِّ الْبَطْنِ وَلَا يَعِيشُ بَعْدَ ضَرْبِ الْعُنُقِ فَإِنْ كَانَ ضَرَبَ رَقَبَتَهُ خَطَأً فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَعَلَى الَّذِي شَقَّ الْبَطْنَ ثُلُثُ الدِّيَةِ أَرْشُ الْجَائِفَةِ فَإِنْ كَانَ الشَّقُّ نَفَذَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَجَبَ ثُلُثَا الدِّيَةِ وَهَذَا إذَا كَانَ الشَّقُّ يُتَوَهَّمُ مَعَهُ الْحَيَاةُ بِأَنْ كَانَ يَعِيشُ مَعَهُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ أَمَّا إذَا كَانَ لَا يُتَوَهَّمُ مَعَهُ الْحَيَاةُ وَإِنَّمَا يَضْطَرِبُ اضْطِرَابَ الْمَقْتُولِ فَالْقَاتِلُ الَّذِي شَقَّ الْبَطْنَ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْعَمْدِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ وَاَلَّذِي ضَرَبَ الْعُنُقَ يُعَزَّرُ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ الْمُنْكَرَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ذَبَحَ الْمَفْرُوغَ مِنْهُ وَكَذَا إذَا جَرَحَهُ جِرَاحَةً لَا يَعِيشُ مِنْهَا وَجَرَحَهُ آخَرُ فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْجِرَاحَتَانِ عَلَى التَّعَاقُبِ أَمَّا إذَا كَانَتَا مَعًا فَهُمَا قَاتِلَانِ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَ إنْسَانٍ وَرِجْلَيْهِ إنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ اقْتَصَّ مِنْهُ وَتُحَزُّ رَقَبَتُهُ وَلَا يُقْطَعُ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا قُتِلَ بِالسَّيْفِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ غَيْرِهِ مِنْ الْمَفْصِلِ عَمْدًا قُطِعَتْ يَدُهُ، وَلَوْ كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ يَدِ الْمَقْطُوعِ) وَهَذَا كَانَ بَعْدَ الْبُرْءِ وَلَا قِصَاصَ قَبْلَ الْبُرْءِ. قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ الرِّجْلُ وَمَارِنُ الْأَنْفِ، وَالْأُذُنُ) يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ بِقَطْعِ ذَلِكَ الْقِصَاصُ أَمَّا الرِّجْلُ فَمَعْنَاهُ إذَا قَطَعَهَا مِنْ مَفْصِلِ الْقَدَمِ أَوْ مِنْ مَفْصِلِ الرُّكْبَةِ وَأَمَّا الْأَنْفُ فَإِنْ قُطِعَ مِنْهُ الْمَارِنُ وَجَبَ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ وَأَمَّا إذَا قَطَعَ بَعْضَ الْقَصَبَةِ أَوْ كُلَّهَا فَلَا قِصَاصَ لِأَنَّهُ عَظْمٌ وَلَا قِصَاصَ فِي الْعَظْمِ لِتَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ إلَّا السِّنَّ وَأَمَّا الْأُذُنُ إذَا قَطَعَهَا مِنْ أَصْلِهَا وَجَبَ الْقِصَاصُ لِإِمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَهَا إنْ كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ يُمْكِنُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ وَجَبَ الْقِصَاصُ بِقَدْرِهِ وَإِلَّا فَلَا.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ ضَرَبَ عَيْنَ رَجُلٍ فَقَلَعَهَا فَلَا قِصَاصَ فِيهَا) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً وَذَهَبَ ضَوْءُهَا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) وَأَمَّا إذَا انْخَسَفَتْ أَوْ قَوِرَتْ فَلَا قِصَاصَ وَكَيْفِيَّةُ الْقِصَاصِ فِيهَا إذَا كَانَتْ وَتُرْبَطُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَهُوَ. قَوْلُهُ: تُحْمَى لَهُ الْمِرْآةُ وَيُجْعَلُ عَلَى وَجْهِهِ قُطْنٌ رَطْبٌ أَيْ مَبْلُولٌ عَيْنُهُ الْأُخْرَى بِقُطْنٍ رَطْبٍ أَيْضًا وَيُقَابِلُ عَيْنَهُ بِالْمِرْآةِ حَتَّى يَذْهَبَ ضَوْءُهَا قَضَى بِذَلِكَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ الْعَيْنُ الْيُمْنَى بِالْيُسْرَى وَلَا الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى وَكَذَا الْيَدَانِ، وَالرِّجْلَانِ وَكَذَا أَصَابِعُهُمَا وَيُؤْخَذُ إبْهَامُ الْيُمْنَى بِالْيُمْنَى السَّبَّابَةِ بِالسَّبَّابَةِ، وَالْوُسْطَى بِالْوُسْطَى وَلَا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنْ أَعْضَاءِ الْيُمْنَى إلَّا بِالْيُمْنَى وَلَا الْيُسْرَى إلَّا بِالْيُسْرَى.

قَوْلُهُ: (وَفِي السِّنِّ الْقِصَاصُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} [المائدة: 45] وَسَوَاءٌ كَانَ سِنُّ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ لِأَنَّ

ص: 122

مَنْفَعَتَهَا لَا تَتَفَاوَتُ وَكَذَا الْيَدُ وَمَنْ نَزَعَ سِنَّ رَجُلٍ فَانْتَزَعَ الْمَنْزُوعَةُ سِنُّهُ سِنَّ النَّازِعِ فَنَبَتَ سِنُّ الْأَوَّلِ فَعَلَى الْأَوَّلِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى بِغَيْرِ حَقٍّ لِأَنَّهُ لَمَّا نَبَتَتْ أُخْرَى انْعَدَمَتْ الْجِنَايَةُ؛ وَلِهَذَا يَسْتَأْنِي حَوْلًا وَقِيلَ إنْ فِي سِنِّ الْبَالِغِ لَا يَسْتَأْنِي لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا أَنَّهَا لَا تَنْبُتُ، وَالنَّادِرُ لَا عِبْرَةَ بِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ لَكِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي الْقَلْعِ أَمَّا فِي التَّحْرِيكِ يَسْتَأْنِي حَوْلًا صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، وَلَوْ قَلَعَهَا مِنْ أَصْلِهَا عَمْدًا لَمْ تُقْلَعْ سِنُّ الْقَالِعِ بَلْ تُؤْخَذُ بِالْمِبْرَدِ إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ إلَى اللَّحْمِ وَيَسْقُطَ مَا سِوَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ:(وَفِي كُلِّ شَجَّةٍ يُمْكِنُ فِيهَا الْمُمَاثَلَةُ الْقِصَاصُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] قَوْلُهُ: (وَلَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ إلَّا فِي السِّنّ) وَلَا تُؤْخَذُ الْيُمْنَى بِالْيُسْرَى وَلَا الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى وَتُؤْخَذُ الثَّنِيَّةُ بِالثَّنِيَّةِ، وَالنَّابُ بِالنَّابِ، وَالضِّرْسُ بِالضِّرْسِ وَلَا يُؤْخَذُ الْأَعْلَى بِالْأَسْفَلِ وَلَا الْأَسْفَلُ بِالْأَعْلَى، وَلَوْ كَسَرَ بَعْضَ السِّنِّ يُؤْخَذُ مِنْ سِنِّ الْكَاسِرِ بِقَدْرِ ذَلِكَ بِالْمِبْرَدِ وَلَا قِصَاصَ فِي السِّنِّ الزَّائِدَةِ وَإِنَّمَا تَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ وَلَا قِصَاصَ فِي اللَّطْمَةِ، وَاللَّكْمَةِ، وَاللَّكْزَةِ، وَالْوَجَاءَةِ، وَالدَّقَّةِ.

قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ شِبْهُ عَمْدٍ إنَّمَا هُوَ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ) سَوَاءٌ كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِسِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَفِيهِ الْقِصَاصُ وَإِذَا آلَتْ الضَّرْبَةُ إلَى النَّفْسِ فَإِنْ كَانَتْ بِحَدِيدَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ مُحَدَّدَةٍ فَفِيهِ الْقِصَاصُ إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَتْ بِشَيْءٍ لَا يَعْمَلُ عَمَلَ السِّلَاحِ فَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّ السِّرَايَةَ تَبَعٌ لِلْجِنَايَةِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا قِصَاصَ بَيْنَ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ) حَتَّى لَوْ قَطَعَ يَدَهَا عَمْدًا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِأَنَّ الْأَرْشَ مُخْتَلِفُ الْمِقْدَارِ، وَالتَّكَافُؤُ مُعْتَبَرٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ الْيَمِينَ بِالْيَسَارِ وَلَا الْيَدَ الصَّحِيحَةَ بِالشَّلَّاءِ وَنَاقِصَةِ الْأَصَابِعِ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ فِي الْأَنْفُسِ فَإِنَّ التَّكَافُؤَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ؛ وَلِهَذَا يُقْتَلُ الصَّحِيحُ بِالزَّمِنِ، وَالْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ فَإِنْ كَانَ التَّكَافُؤُ مُعْتَبَرًا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَلَا تَكَافُؤَ بَيْنَ يَدِ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ لِأَنَّ يَدَهَا تَصْلُحُ لِمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ يَدُهُ كَالطَّحْنِ، وَالْخَبْزِ، وَالْغَزْلِ وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ وَجَبَ الْأَرْشُ فِي مَالِهِ حَالًّا.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا اعْتِبَارًا بِالْأَنْفُسِ (قَوْلُهُ: وَلَا بَيْنَ الْحُرِّ، وَالْعَبْدِ) لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ لَا تُكَافِئُ يَدَ الْحُرِّ لِأَنَّ أَرْشَهُمَا مُخْتَلِفٌ فَأَرْشُ يَدِ الْعَبْدِ قِيمَتُهَا. قَوْلُهُ: (وَلَا بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ) لِأَنَّ اتِّفَاقَهُمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْحَزْرِ، وَالظَّنِّ.

قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ، وَالْكَافِرِ) يَعْنِي الذِّمِّيَّ وَكَذَا بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ الْحُرَّتَيْنِ، وَالْمُسْلِمَةِ، وَالْكِتَابِيَّةِ وَكَذَا بَيْنَ الْكِتَابِيَّتَيْنِ، وَلَوْ رَمَى بِسَهْمٍ إلَى مُسْلِمٍ فَقَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ السَّهْمُ ارْتَدَّ الْمَرْمِيُّ إلَيْهِ فَوَقَعَ بِهِ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّامِي فِي الْخَطَأِ، وَفِي مَالِهِ فِي الْعَمْدِ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَاعْتُبِرَ حَالَةُ خُرُوجِ السَّهْمِ وَعِنْدَهُمَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مُبَاحَةَ الدَّمِ، وَلَوْ رَمَى إلَى مُرْتَدٍّ فَأَسْلَمَ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ ثُمَّ وَقَعَ بِهِ وَهُوَ مُسْلِمٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

وَقَالَ زُفَرُ تَجِبُ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ حَالَةُ الْإِصَابَةِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ أَوْ جَرَحَهُ جَائِفَةً) فَبَرِئَ مِنْهَا فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ السَّاعِدَ عَظْمٌ وَلَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ وَلِأَنَّ هَذَا كَسْرٌ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكْسِرَ سَاعِدَهُ مِثْلَ مَا كَسَرَهُ وَكَذَا إذَا قَطَعَ نِصْفَ السَّاقِ وَكَذَا إذَا جَرَحَهُ جَائِفَةً لَا قِصَاصَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ وَيَجِبُ الْأَرْشُ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَتْ يَدُ الْمَقْطُوعِ صَحِيحَةً وَيَدُ الْقَاطِعِ شَلَّاءَ أَوْ نَاقِصَةَ الْأَصَابِعِ فَالْمَقْطُوعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَطَعَ الْيَدَ الْمَعِيبَةَ وَلَا شَيْء لَهُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْأَرْشَ كَامِلًا) وَلَا يُشْبِهُ هَذَا إذَا قَطَعَ لَهُ أُصْبُعَيْنِ وَلَيْسَ لِلْقَاطِعِ إلَّا أُصْبُعٌ وَاحِدَةٌ فَإِنَّهُ يَقْطَعُهَا وَيَأْخُذُ أَرْشَ الْأُخْرَى وَمَنْ قَطَعَ أُصْبُعًا زَائِدَةً، وَفِي يَدِهِ مِثْلُهَا فَلَا قِصَاصَ

ص: 123

الْقِصَاصُ وَوُجُوبُ الدِّيَةِ وَحِرْمَانُ الْمِيرَاثِ أَمَّا سُقُوطُ الْقِصَاصِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ وَأَمَّا وُجُوبُ الدِّيَةِ فَلِأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِ وَأَمَّا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فَلِأَنَّهُ مَاتَ بِثِقَلِهِ وَأَمَّا حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ فَلِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اعْتَمَدَ قَتْلَهُ وَأَظْهَرَ النَّوْمَ وَإِنَّمَا أُجْرِيَ ذَلِكَ مُجْرَى الْخَطَأِ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُ الْخَطَأِ لِأَنَّ النَّائِمَ لَا قَصْدَ لَهُ فَلَا يُوصَفُ فِعْلُهُ بِعَمْدٍ وَلَا خَطَأٍ فَلِهَذَا لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ اسْمُ الْخَطَأِ.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْقَتْلُ بِسَبَبٍ كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَمِّدٍ الْقَتْلَ وَلَا خَاطِئٍ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ سَبَبٌ فِيهِ لِتَعَدِّيهِ.

(قَوْلُهُ: وَمُوجِبُ ذَلِكَ إذَا تَلِفَ فِيهِ آدَمِيٌّ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) لِأَنَّهُ سَبَبُ التَّلَفِ. قَوْلُهُ: (وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ بِنَفْسِهِ وَلَا وَقَعَ بِثِقَلِهِ وَلَا يُشْبِهُ الرَّاكِبَ عَلَى الدَّابَّةِ إذَا وَطِئَتْ آدَمِيًّا أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ لِأَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِوَطْئِهَا وَثِقَلِ الرَّاكِبِ؛ وَلِهَذَا قَالُوا لَا كَفَّارَةَ عَلَى السَّائِقِ، وَالْقَائِدِ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُبَاشِرَا الْقَتْلَ وَلَا مَاتَ بِثِقَلِهِمَا وَلَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ بِسَبَبِ الْحَفْرِ وَوَضْعِ الْحَجَرِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي ذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا حَفَرَهَا فِي مَمَرِّ النَّاسِ أَمَّا فِي غَيْرِ مَمَرِّهِمْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ:(وَوَاضِعُ الْحَجَرِ) إنَّمَا يَضْمَنُ بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ الْمَشْيَ عَلَى الْحَجَرِ أَمَّا إذَا تَعَمَّدَ الْمَارُّ ذَلِكَ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَنَى عَلَى نَفْسِهِ بِتَعَمُّدِهِ الْمُرُورَ عَلَيْهِ، وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا فَنَحَّاهُ غَيْرُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي نَحَّاهُ وَإِذَا اخْتَلَفَ الْوَلِيُّ، وَالْحَافِرُ فَقَالَ الْحَافِرُ هُوَ الَّذِي أَسْقَطَ نَفْسَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْحَافِرِ اسْتِحْسَانًا.

وَفِي الْخُجَنْدِيِّ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ.

قَوْلُهُ: (وَالْقِصَاصُ وَاجِبٌ بِقَتْلِ كُلِّ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ) احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ عَنْ الْمُسْتَأْمَنِ لِأَنَّ دَمَهُ إنَّمَا هُوَ مَحْقُونٌ فِي دَارِنَا أَمَّا إذَا رَجَعَ إلَى دَارِهِ وَصَارَ مُبَاحَ الدَّمِ، وَالْحَقْنُ هُوَ الْمَنْعُ يُقَالُ حَقَنَ دَمَهُ أَيْ مَنَعَهُ أَنْ يُسْفَكَ، وَالْحَقْنُ أَيْضًا الْحِفْظُ.

قَوْلُهُ: (وَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْحُرِّ، وَالْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَيَكُونُ الْقِصَاصُ لِسَيِّدِهِ) .

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ لِأَنَّ مَبْنَى الْقِصَاصِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ بَيْنَهُمَا؛ وَلِهَذَا لَا يُقْطَعُ طَرَفُ الْحُرِّ بِطَرَفِهِ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ. قَوْلُهُ: (وَالْعَبْدُ بِالْحُرِّ) وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ لِأَنَّهُ نَاقِصُ عَنْ الْمَقْتُولِ فَإِذَا جَازَ أَنْ يَسْتَوِيَ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَهُوَ أَكْمَلُ فَهَذَا أَوْلَى. قَوْلُهُ: (وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) ، وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ الْآخَرَ وَهُمَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ ثَبَتَ لِلْمَوْلَى الْقِصَاصُ وَكَذَا الْمُدَبَّرُ إذَا قَتَلَ عَبْدًا لِمَوْلَاهُ.

قَوْلُهُ: (وَيُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ) .

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقْتَلُ بِهِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا سَرَقَ مِنْ الذِّمِّيِّ أَنَّهُ يُقْطَعُ. قَوْلُهُ: (وَلَا يُقْتَلُ بِالْمُسْتَأْمَنِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَلَا يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالْمُسْتَأْمَنِ وَيُقْتَلُ الْمُسْتَأْمَنُ بِالْمُسْتَأْمَنِ قِيَاسًا لِلْمُسَاوَاةِ وَلَا يُقْتَلُ اسْتِحْسَانًا لِقِيَامِ الْمُبِيحِ وَهُوَ الْكُفْرُ.

قَوْلُهُ: (وَيُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ، وَالْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ، وَالصَّحِيحُ بِالْأَعْمَى وَالزَّمِنِ) وَكَذَا بِالْمَجْنُونِ وَنَاقِصِ الْأَطْرَافِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] وَلِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي النَّفْسِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ حَتَّى لَوْ قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، وَالْأُذُنَيْنِ، وَالْمَذَاكِيرِ وَمَفْقُوءَ الْعَيْنَيْنِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ إذَا كَانَ عَمْدًا كَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِابْنِهِ وَلَا بِعَبْدِهِ) لِقَوْلِهِ عليه السلام «لَا يُقَادُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ وَلَا السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ» وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي قَتْلِ الِابْنِ لِأَنَّ هَذَا عَمْدٌ، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَعْقِلُ الْعَمْدَ وَتَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَكَذَا لَا قِصَاصَ عَلَى الْأَبِ فِيمَا جَنَى عَلَى الِابْنِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ أَيْضًا وَكَذَا حُكْمُ الْجَدِّ وَإِنْ عَلَا لَا يُقْتَلُ بِابْنِ الِابْنِ وَكَذَا الْجَدُّ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ وَإِنْ عَلَا الْجَدُّ وَسَفَلَ الْوَلَدُ وَكَذَا الْأُمُّ وَإِنْ عَلَتْ وَكَذَا الْجَدَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَالْأُمِّ وَإِنْ عَلَوْنَ فَأَمَّا الِابْنُ إذَا قَتَلَ الْأَبَ أَوْ الْأُمَّ أَوْ الْجَدَّةَ أَوْ الْجَدَّ وَإِنْ عَلَا فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَفِيمَا دُونَهَا.

ص: 124

إذَا كَانَ عَمْدًا وَإِنْ كَانَ خَطَأً تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الِابْنَ فِي حُكْمِ الْجُزْءِ مِنْ الْأَبِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قِصَاصٌ فِي بَعْضِ أَجْزَائِهِ وَأَمَّا الْأَبُ فَلَيْسَ فِي مَعْنَى الْجُزْءِ مِنْ الْوَلَدِ فَكَانَ مَعَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَوْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي قَتْلِ إنْسَانٍ أَحَدُهُمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لَوْ انْفَرَدَ، وَالْآخَرُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لَوْ انْفَرَدَ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَالْأَبِ، وَالْخَاطِئِ، وَالْعَامِدِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِالسَّيْفِ، وَالْآخَرُ بِالْعَصَا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ وَتَجِبُ الدِّيَةُ وَاَلَّذِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لَوْ انْفَرَدَ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَالْخَاطِئِ وَاَلَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لَوْ انْفَرَدَ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَهَذَا فِي غَيْرِ شَرِيكِ الْأَبِ فَأَمَّا الْأَبُ، وَالْأَجْنَبِيُّ إذَا اشْتَرَكَا الدِّيَةُ فِي مَالِهِمَا لِأَنَّ الْأَبَ لَوْ انْفَرَدَ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ. قَوْلُهُ:(وَلَا بِعَبْدِهِ) لِأَنَّهُ مَالُهُ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِإِتْلَافِ مَالِهِ شَيْءٌ وَلِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْمُطَالَبَةِ بِدَمِهِ وَمُحَالٌ أَنْ يَسْتَحِقَّ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ. قَوْلُهُ:(وَلَا بِمُدَبَّرِهِ وَلَا بِمَكَاتِبِهِ) لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ مَمْلُوكٌ، وَالْمُكَاتَبَ رِقٌّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَكَذَا لَا يُقْتَلُ بِعَبْدٍ مَلَكَ بَعْضَهُ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَجَزَّأُ.

قَوْلُهُ: (وَلَا بِعَبْدِ وَلَدِهِ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ مِلْكِهِ قَالَ عليه السلام «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِوَطْءِ جَارِيَةِ ابْنِهِ فَكَذَا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهَا كَأَمَتِهِ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَوْلَى بِقَتْلِ عَبْدِهِ وَمُدَبَّرِهِ وَمُكَاتَبِهِ وَعَبْدِ وَلَدِهِ فَإِنْ قَتَلَ الْمُكَاتَبُ مَوْلَاهُ عَمْدًا اُقْتُصَّ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ وَرِثَ قِصَاصًا عَلَى أَبِيهِ سَقَطَ) لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ وَإِذَا سَقَطَ وَجَبَتْ الدِّيَةُ وَصُورَتُهُ بِأَنْ قَتَلَ أُمَّ ابْنِهِ عَمْدًا أَوْ قَتَلَ أَخَا وَلَدِهِ مِنْ أُمِّهِ وَهُوَ وَارِثُهُ وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ قَتَلَهُ الْأَبُ وَوَلَدُهُ وَارِثُهُ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ. قَوْلُهُ: وَرِثَ الْقِصَاصَ وَهُوَ لِلْوَارِثِ ثَبَتَ ابْتِدَاءً بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ عَفْوُ الْوَارِثِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُورَثِ، وَالْمُورَثُ يَمْلِكُ الْقِصَاصَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلتَّمْلِيكِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَثَبَتَ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً قُلْنَا ثَبَتَ عِنْدَ الْبَعْضِ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ أَوْ نَقُولُ تَعَيَّنَ صُورَةٌ يَتَحَقَّقُ فِيهَا الْإِرْثُ بِأَنْ قَتَلَ رَجُلٌ أَبَا امْرَأَتِهِ يَكُونُ وِلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمَرْأَةِ ثُمَّ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ وَلَهَا وَلَدٌ مِنْ الْقَاتِلِ فَإِنَّهُ يَرِثُ الْقِصَاصَ الْوَاجِبَ عَلَى أَبِيهِ كَذَا فِي الْمُشْكِلِ قَالَ فِي الْكَرْخِيِّ إذَا عَفَا الْمَجْرُوحُ ثُمَّ مَاتَ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ عَفَوْهُ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَثْبُتُ ابْتِدَاءً لِلْوَرَثَةِ لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ فَكَأَنَّهُ أَبْرَأهُ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ، وَالِاسْتِحْسَانُ يَجُوزُ عَفْوُهُ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَإِنَّمَا يَقُومُ الْوَارِثُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَائِهِ فَأَسْقَطَ حَقَّهُ فَإِذَا أَسْقَطَهُ جَازَ وَيَكُونُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَيْسَ بِمَالٍ كَالطَّلَاقِ وَقَالُوا فِي الْوَارِثِ إذَا عَفَا عَنْ الْجَارِحِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ عَفْوُهُ لِأَنَّهُ عَفَا عَنْ حَقِّ غَيْرِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَجْرُوحَ لَوْ عَفَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ جَازَ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ الْحَقُّ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِذَا عَفَا قَبْلَ ثُبُوتِ حَقِّهِ لَمْ يَجُزْ، وَالِاسْتِحْسَانُ يَجُوزُ عَفْوُهُ لِأَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ عِنْدَ الْجُرْحِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ فَإِذَا أَبْرَأَ عَنْهُ عِنْدَ ثُبُوتِ سَبَبِ الْمَوْتِ وَهُوَ الْجِرَاحَةُ جَازَ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ إلَّا بِالسَّيْفِ) سَوَاءٌ قَتَلَهُ بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمُحَدَّدِ أَوْ النَّارِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُقْتَلُ بِمِثْلِ الْآلَةِ الَّتِي قَتَلَ بِهَا وَيُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ إنْ كَانَ فِعْلًا مَشْرُوعًا فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا تُحَزُّ رَقَبَتُهُ لِأَنَّهُ مَبْنَى الْقِصَاصِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ وَلَنَا. قَوْلُهُ: عليه السلام «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» وَقَالَ عليه السلام «لَا تُعَذِّبُوا عِبَادَ اللَّهِ» .

قَوْلُهُ: (وَإِذَا قَتَلَ الْمُكَاتَبُ عَمْدًا وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إلَّا الْمَوْلَى فَلَهُ الْقِصَاصُ) هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَلِلْمَوْلَى الْقِصَاصُ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ مِلْكُ الْمَوْلَى لِأَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا، وَالْحُرُّ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ وَإِذَا تَرَكَ وَفَاءً وَوَارِثُهُ غَيْرُ الْمَوْلَى فَلَا قِصَاصَ فِيهِ إجْمَاعًا لِأَنَّ الْجِرَاحَةَ وَقَعَتْ، وَالْمُسْتَحِقُّ الْمَوْلَى لِبَقَاءِ الرِّقِّ فِيهِ وَحَصَلَ الْمَوْتُ، وَالْمُسْتَحِقُّ غَيْرُ الْمَوْلَى فَلَمَّا تَغَيَّرَ الْمُسْتَحِقُّ صَارَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ كَمَنْ جَرَحَ عَبْدَهُ وَبَاعَهُ وَمَاتَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِيَ لَا يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي قِصَاصٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ عِنْدَ الْجِرَاحَةِ وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إلَّا الْمَوْلَى فَلِلْمَوْلَى الْقِصَاصُ عِنْدَهُمَا.

وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا قِصَاصَ لَهُ لِأَنَّ الْمَوْلَى يَسْتَحِقُّ عِنْدَ الْجِرَاحَةِ بِسَبَبِ الْمِلْكِ وَعِنْدَ الْمَوْتِ بِسَبَبِ الْوَلَاءِ فَلَمَّا اخْتَلَفَتْ جِهَتَا الِاسْتِحْقَاقِ صَارَ كَاخْتِلَافِ الْمُسْتَحِقِّ فَمَنَعَ الْقِصَاصَ وَلَهُمَا أَنَّ الْمَوْلَى هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِحُقُوقِ الْمُكَاتَبِ فِي الْحَالَيْنِ فَوَجَبَ لَهُ

ص: 125