الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَالزَّكَاةُ بِالْمَالِ لَا غَيْرُ وَكَانَ الْحَجُّ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى تُقَدَّمُ الزَّكَاةُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ فَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الْفَرْضِيَّةِ إلَّا أَنَّ الزَّكَاةَ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْآدَمِيِّ فَكَانَتْ أَقْوَى قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ إذَا أَوْصَى أَنْ يَتَّخِذ طَعَامًا لِلنَّاسِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِلَّذِينَ يَحْضُرُونَ التَّعْزِيَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ الثُّلُثِ لِلَّذِي يَطُولُ مُقَامُهُ عِنْدَهُمْ وَلِلَّذِي يَجِيءُ مِنْ بَعِيدٍ وَيَسْتَوِي فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَلَا يَجُوزُ لِلَّذِي لَا يَطُولُ مُقَامُهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ وَإِنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِشَيْءٍ لِيَقْرَأَ عَلَى قَبْرِهِ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ وَكَذَا إذَا أَوْصَى أَنْ يُضْرَبَ عَلَى قَبْرِهِ قُبَّةٌ أَوْ يُطَيَّنَ قَبْرُهُ وَإِنْ أَوْصَى بِأَنْ يُحْمَلَ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ فَإِنْ حَمَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَرَثَةِ ضَمِنَ مَا أَنْفَقَ فِي حَمْلِهِ وَلَوْ قِيلَ لِمَرِيضٍ أَوْصِ بِشَيْءٍ فَقَالَ بِثُلُثِ مَالِي وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا إنْ أَخْرَجَهُ عَلَى أَثَرِ السُّؤَالِ يُخْرَجُ ثُلُثُ مَالِهِ وَيُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَإِنْ قَالَ تَصَدَّقُوا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ وَمَصْرِفُهَا لِلْفُقَرَاءِ وَإِنْ قَالَ لِغَرِيمِهِ إذَا مِتُّ فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لِي عَلَيْك فَهُوَ هِبَةٌ مُعْتَبَرٌ مِنْ الثُّلُثِ قَوْلُهُ (وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ قُدِّمَ مِنْهُ مَا قَدَّمَهُ الْمُوصِي) يَعْنِي النَّوَافِلَ لِأَنَّهَا مُتَسَاوِيَةٌ وَالْإِنْسَانُ يُقَدِّمُ الْأَهَمَّ فَكَانَ مَا قَدَّمَهُ أَوْلَى
قَوْلُهُ (وَمَنْ أَوْصَى بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَحَجُّوا عَنْهُ رَجُلًا مِنْ بَلَدِهِ يَحُجُّ رَاكِبًا) لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ بَلَدِهِ وَإِنَّمَا قَالَ رَاكِبًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ مَاشِيًا فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ كَذَلِكَ وَهَذَا إذَا كَانَ الثُّلُثُ يَتَّسِعُ لِذَلِكَ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَوْطَانٌ كَثِيرَةٌ حَجَّ عَنْهُ رَاكِبًا مِنْ أَقْرَبِ أَوْطَانِهِ إلَى مَكَّةَ وَإِنْ كَانَ مَكِّيًّا فَمَاتَ بِخُرَاسَانَ فَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ حُجَّ عَنْهُ مِنْ مَكَّةَ إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِالْقِرَانِ فَيَحُجُّ عَنْهُ قَارِنًا مِنْ خُرَاسَانَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَطَنٌ حُجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ وَإِنْ كَانَ ثُلُثُ مَالِهِ لَا يَفِي بِذَلِكَ حُجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ تَبْلُغُ قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ الْوَصِيَّةُ النَّفَقَةَ أَحَجُّوا عَنْهُ مِنْ حَيْثُ تَبْلُغُ) لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْمُوصِيَ قَصَدَ تَنْفِيذَ الْوَصِيَّةِ فَوَجَبَ تَنْفِيذُهَا مَا أَمْكَنَ وَالْمُمْكِنُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا قَوْلُهُ (وَمَنْ خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ حَاجًّا فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ وَأَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ حُجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ) وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا مَاتَ الْحَاجُّ عَنْ غَيْرِهِ فِي الطَّرِيقِ فَعِنْدَهُمَا يَحُجُّ عَنْهُ بِالْبَاقِي مِنْ حَيْثُ مَاتَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَضُمُّ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ إلَى مَالِ الْمُوصِي وَيُؤْخَذُ ثُلُثُهُ وَيَحُجُّ بِهِ عَنْهُ مِنْ وَطَنِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَوَّلِ فِيمَا أَنْفَقَ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ
[وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ]
قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ) لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ هِبَتُهُ فِي حَالِ صِحَّتِهِ وَحَالُ الصِّحَّةِ آكَدُ فِي الثُّبُوتِ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّ لِلْبَالِغِ أَنْ يَهَبَ جَمِيعَ مَالِهِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ فَإِذَا لَمْ تَجُزْ هِبَتُهُ لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُ وَكَذَا لَوْ أَوْصَى ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ وَقْتَ الْمُبَاشَرَةِ وَكَذَا إذَا قَالَ إذَا أَدْرَكْت فَثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ وَصِيَّةً لَمْ تَصِحَّ لِقُصُورِ أَهْلِيَّتِهِ فَلَا يَمْلِكُهُ تَنْجِيزًا وَتَعْلِيقًا كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ إذَا أَضَافَا الْوَصِيَّةَ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ بِحَيْثُ تَصِحُّ لِأَنَّ أَهْلِيَّتَهُمَا مُسْتَتَمَّةٌ وَالْمَانِعَ حَقُّ الْمَوْلَى فَتَصِحُّ إضَافَتُهُمَا إلَى حَالِ سُقُوطِهِ قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمُكَاتَبِ وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً) لِأَنَّ مَالَهُ لَا يَقْبَلُ التَّبَرُّعَ وَقِيلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ
[الرُّجُوعُ عَنْ الْوَصِيَّةِ]
قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ لِلْمُوصِي الرُّجُوعُ عَنْ الْوَصِيَّةِ) لِأَنَّهَا نَوْعُ تَبَرُّعٍ لَمْ تَتِمَّ فَجَازَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا كَالْهِبَةِ قَالُوا إلَّا فِيمَا وَقَعَ لَازِمًا كَالْمُحَابَاةِ الْمُنْجَزَةِ وَالتَّبَرُّعِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْهِبَةِ الْمَقْبُوضَةِ لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهَا كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ.
(قَوْلُهُ فَإِذَا صَرَّحَ بِالرُّجُوعِ أَوْ فَعَلَ مَا يَدُلُّ
عَلَى الرُّجُوعِ كَانَ رُجُوعًا) أَمَّا الصَّرِيحُ فَيَقُولُ أَبْطَلْت وَصِيَّتِي أَوْ الْعَبْدُ الَّذِي أَوْصَيْت بِهِ لِفُلَانِ فَهُوَ لِفُلَانٍ فَهُوَ رُجُوعٌ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ إذْ لَوْ أَرَادَهَا لَبَيَّنَ لَفْظَهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَجُلٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْمَحَلَّ يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ وَاللَّفْظُ صَالِحٌ لَهَا، وَأَمَّا الْفِعْلُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ كَمَا إذَا أَوْصَى بِثَوْبٍ ثُمَّ قَطَعَهُ وَخَاطَهُ أَوْ بِغَزْلٍ فَنَسَجَهُ أَوْ بِدَارٍ فَبَنَى فِيهَا أَوْ بِشَاةٍ فَذَبَحَهَا أَوْ بِأَمَةٍ ثُمَّ بَاعَهَا أَوْ أَعْتَقَهَا أَوْ كَاتَبَهَا أَوْ دَبَّرَهَا فَهَذَا كُلُّهُ يَكُونُ رُجُوعًا وَإِبْطَالًا لِلْوَصِيَّةِ وَغَسْلُ الثَّوْبِ الْمُوصَى بِهِ لَا يَكُونُ رُجُوعًا
قَوْلُهُ (وَمَنْ جَحَدَ الْوَصِيَّةَ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا) هَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَيَكُونُ رُجُوعًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ
قَوْلُهُ (وَمَنْ أَوْصَى لِجِيرَانِهِ فَهُمْ الْمُلَاصِقُونَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ هُمْ الْمُلَاصِقُونَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَسْكُنُ مَحَلَّةَ الْمُوصِي وَيَجْمَعُهُمْ مَسْجِدٌ وَاحِدٌ وَجَمَاعَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يُسَمَّوْنَ جِيرَانًا قَالَ عليه السلام «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» وَفَسَّرُوهُ بِكُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْجَارَ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ وَهِيَ الْمُلَاصَقَةُ وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِهَذَا الْجِوَارِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي لِجِيرَانِي فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ لِجِيرَانِهِ الْمُلَاصِقِينَ لِدَارِهِ وَيَسْتَوِي فِيهِ السَّاكِنُ وَالْمَالِكُ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً صَبِيًّا كَانَ أَوْ بَالِغًا وَيَدْخُلُ فِيهِ الْعَبْدُ السَّاكِنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَيْسَ لِلْمَمَالِكِ وَالْمُدَبَّرِينَ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُمْ وَصِيَّةٌ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِذَلِكَ وَهُوَ لَيْسَ بِجَارٍ لِلْمُوصِي، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَيَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِذَلِكَ دُونَ مَوْلَاهُ
قَوْلُهُ (وَمَنْ أَوْصَى لِأَصْهَارِهِ فَالْوَصِيَّةُ لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ امْرَأَتِهِ) وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ زَوْجَةِ ابْنِهِ وَمِنْ زَوْجَةِ أَبِيهِ وَمِنْ زَوْجَةِ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَصْهَارُهُ وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الزَّوْجَةُ وَلَا زَوْجَةُ الِابْنِ وَلَا زَوْجَةُ الْأَبِ وَلَا زَوْجَةُ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ لِأَنَّ الْأَصْهَارَ يَخْتَصُّونَ بِأَهْلِهَا دُونَهَا وَلَوْ مَاتَ الْمُوصِي وَالْمَرْأَةُ فِي نِكَاحِهِ أَوْ فِي عِدَّتِهِ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ فَالصِّهْرُ يَسْتَحِقُّ الْوَصِيَّةَ وَإِنْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا لِأَنَّ بَقَاءَ الصِّهْرِيَّةِ بِبَقَاءِ النِّكَاحِ وَهُوَ شَرْطٌ وَقْتَ الْمَوْتِ
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَوْصَى لِأَخْتَانَهُ فَالْخَتَنُ زَوْجُ كُلِّ ذَات رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ) وَكَذَا مَحَارِمُ الْأَزْوَاجِ لِأَنَّ الْخَتَنَ اسْمٌ لِزَوْجِ الْبِنْتِ وَزَوْجِ الْأُخْتِ وَزَوْجِ كُلِّ ذَاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ وَمِنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُمْ لِأَنَّ الْكُلَّ يُسَمَّى خَتَنًا وَأُمُّ الزَّوْجِ وَجَدَّتُهُ وَغَيْرُهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ قِيلَ هَذَا فِي عُرْفِهِمْ أَمَّا عُرْفُنَا فَلَا يَتَنَاوَلُ الْأَزْوَاجُ الْمَحَارِمَ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ وَيَسْتَوِي فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى كُلُّهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ لَا يُفَضَّلُ أَحَدُهُمْ عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ مِنْ الْمُوصِي
قَوْلُهُ (وَمَنْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ فَالْوَصِيَّةُ لِلْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ) وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ ثُلُثُ مَالِي لِذَوِي قَرَابَتِي وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ الرَّحِمُ الْمَحْرَمُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ الصِّلَةُ فَاخْتَصَّتْ بِالرَّحِمِ الْمَحْرَمِ كَالنَّفَقَةِ وَإِيجَابِ الْعِتْقِ قَوْلُهُ (وَلَا يَدْخُلُ فِيهِمْ الْوَالِدَانِ وَالْوَلَدُ) لِأَنَّ الْقَرَابَةَ اسْمٌ لِمَا يَقْرُبُ مِنْ الْإِنْسَانِ بِغَيْرِهِ وَالْأَبَوَانِ أَصْلُ الْقَرَابَةِ وَالْوَلَدُ يَقْرُبُ بِنَفْسِهِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُمْ الِاسْمُ وَلِهَذَا قَالُوا مَنْ سَمَّى وَالِدَهُ قَرِيبًا كَانَ ذَلِكَ عُقُوقًا مِنْهُ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَطَفَ الْأَقْرَبِينَ عَلَى الْوَالِدَيْنِ وَالْمَعْطُوفُ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَتَكُونُ لِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا) ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَأَقَلُّ الْجَمْعِ فِي الْمَوَارِيثِ اثْنَانِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] وَالْمُرَادُ بِهِ اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ وَفِي الْمِيرَاثِ يُعْتَبَرُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ وَقَدْ قَالُوا إذَا أَوْصَى لِذِي قَرَابَتِهِ وَلَمْ يَقُلْ
لِذَوِي فَهُوَ عَلَى الْوَاحِدِ لِأَنَّ هَذَا اسْمٌ لِلْوَاحِدِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اشْتَرَطَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْقَرَابَةَ وَعَدَمَ الْوِرَاثَةِ وَأَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ أَوْلَادٌ وَالْجَمْعِيَّةُ وَالْمَحْرَمِيَّةِ وَالْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ وَوَافَقَهُ صَاحِبَاهُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُولَى وَخَالَفَاهُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ فَلَمْ يَشْتَرِطَاهَا وَهِيَ الْجَمْعِيَّةُ وَالْمَحْرَمِيَّةُ وَالْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ.
قَوْلُهُ (فَإِذَا أَوْصَى بِذَلِكَ وَلَهُ عَمَّانِ وَخَالَانِ فَالْوَصِيَّةُ لِعَمَّيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لَمَا بَيَّنَّا أَنَّ مِنْ أَصْلِهِ اعْتِبَارَ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ وَالْعَمَّانِ أَقْرَبُ مِنْ الْخَالَيْنِ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ لَهُ عَمٌّ وَخَالَانِ فَلِلْعَمِّ النِّصْفُ وَلِلْخَالَيْنِ النِّصْفُ) لِأَنَّ الْبَعِيدَ عِنْدَهُ لَا يُسَاوِي الْقَرِيبَ فَكَأَنَّ الْعَمَّ انْفَرَدَ فَيَسْتَحِقُّ نِصْفَ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّ الْمُوصِيَ جَعَلَ الْوَصِيَّةَ لِجَمْعٍ وَأَقَلُّهُ اثْنَانِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَمُّ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهَا وَبَقِيَ النِّصْفُ الثَّانِي لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ أَقْرَبَ مِنْ الْخَالَيْنِ فَكَانَ لَهُمَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا عَمٌّ وَاحِدٌ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ غَيْرُهُ كَانَ لَهُ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ لِمَا بَيَّنَّا وَمَا بَقِيَ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ فَتَبْطُلُ فِيهِ الْوَصِيَّةُ فَيُرَدُّ عَلَى الْوَرَثَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى لِذِي قَرَابَتِهِ حَيْثُ يَكُونُ لِلْعَمِّ كُلُّ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّ اللَّفْظَ لِلْفَرْدِ فَيُحْرِزُهَا كُلَّهَا إذْ هُوَ الْأَقْرَبُ وَلَوْ تَرَكَ عَمًّا وَعَمَّةً وَخَالًا وَخَالَةً فَالْوَصِيَّةُ لِلْعَمِّ وَالْعَمَّةِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ لِاسْتِوَاءِ قَرَابَتِهِمَا وَهِيَ أَقْوَى مِنْ قَرَابَةِ الْأَخْوَالِ وَالْعَمَّةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَارِثَةً فَهِيَ مُسْتَحِقَّةٌ لِلْوَصِيَّةِ كَمَا لَوْ كَانَ الْقَرِيبُ رَقِيقًا أَوْ ذِمِّيًّا.
قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ الْوَصِيَّةُ لِكُلِّ مِنْ يُنْسَبُ إلَى أَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ) وَيَسْتَوِي فِيهِ الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ وَالْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ وَيَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ كُلُّ قَرِيبٍ يُنْسَبُ إلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ وَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ لِجَمِيعِ قَرَابَتِهِ جِهَةَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إلَى أَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ فِي الطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا يَشْتَرِكُونَ فِي الثُّلُثِ وَالْأَقْرَبُ مِنْهُمْ وَالْأَبْعَدُ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ بَيَانُهُ إذَا أَوْصَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ لِأَقَارِبِهِ دَخَلَ فِي الْوَصِيَّةِ كُلُّ مِنْ يُنْسَبُ إلَى الْعَبَّاسِ وَكَذَلِكَ الْعَلَوِيُّ إذَا أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ دَخَلَ فِي الْوَصِيَّةِ كُلُّ مَنْ يُنْسَبُ إلَى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ثُمَّ عَلَى أَصْلِهِمَا إذَا أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ وَلَهُ عَمَّانِ وَخَالَانِ اشْتَرَكَ فِيهِ الْعَمَّانِ وَالْخَالَانِ فَتَكُونُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْتَبِرَانِ الْأَقْرَبَ وَإِنْ تَرَكَ عَمًّا وَخَالَيْنِ فَلِلْعَمِّ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ وَلِلْخَالَيْنِ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا هِيَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا وَلَوْ كَانَ لَهُ عَمٌّ وَاحِدٌ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا النِّصْفَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْوَصِيَّةِ عَلَى أَصْلِهِمَا لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَسْتَحِقُّ الْجَمِيعَ وَلَوْ أَوْصَى لِأَهْلِ فُلَانٍ فَهُوَ عَلَى زَوْجَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ اسْمَ الْأَهْلِ حَقِيقَةً فِي الزَّوْجَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} [القصص: 29] وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ تَأَهَّلَ فُلَانٌ بِبَلَدِ كَذَا أَيْ تَزَوَّجَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ اسْمُ الْأَهْلِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ يَعُولُهُ وَتَضُمُّهُمْ نَفَقَتُهُ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ وَهُوَ مُؤَيَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} [يوسف: 93] قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ الْقِيَاسُ فِي هَذَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلزَّوْجَةِ خَاصَّةً لَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا أَنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ مَنْ يَعُولُهُ مِمَّنْ يَجْمَعُهُمْ مَنْزِلُهُ مِنْ الْأَحْرَارِ وَالزَّوْجَةِ وَالْيَتِيمِ فِي حِجْرِهِ وَالْوَلَدِ إذَا كَانَ يَعُولُهُ فَأَمَّا إذَا كَانَ كَبِيرًا قَدْ اعْتَزَلَ أَوْ كَانَتْ بِنْتًا قَدْ تَزَوَّجَتْ فَلَيْسَا مِنْ أَهْلِهِ وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَمَالِيكُ وَلَا وُرَّاثٌ لِلْمُوصِي وَلَا يَدْخُلُ الْمُوصَى لِأَهْلِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لِمَنْ أُضِيفَ إلَيْهِ وَالْمُضَافُ غَيْرُ الْمُضَافِ إلَيْهِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ كَمَنْ أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ لَا يَدْخُلُ فُلَانٌ فِي الْوَصِيَّةِ
قَوْلُهُ (وَمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ دَرَاهِمِهِ أَوْ بِثُلُثِ غَنَمِهِ فَهَلَكَ ثُلُثَا ذَلِكَ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ فَلَهُ جَمِيعُ مَا بَقِيَ) وَقَالَ زُفَرُ لَهُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ غَنَمِهِ فَهَلَكَ الْغَنَمُ كُلُّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَنَمٌ فِي الْأَصْلِ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إيجَابٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَيُعْتَبَرُ قِيَامُهُ حِينَئِذٍ وَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ تَعَلَّقَتْ بِالْعَيْنِ فَتَبْطُلُ بِفَوَاتِهَا عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَوْ قَالَ لَهُ شَاةٌ مِنْ مَالِي وَلَيْسَ لَهُ غَنَمٌ يُعْطَى قِيمَةَ شَاةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَضَافَهَا إلَى الْمَالِ عَلِمْنَا أَنَّ مُرَادَهُ الْوَصِيَّةُ بِمَالِيَّةِ الشَّاةِ وَإِنْ أَوْصَى بِشَاةٍ وَلَمْ يُضِفْهَا إلَى مَالِهِ وَلَا غَنَمَ لَهُ قِيلَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْمُصَحَّحَ إضَافَتُهُ إلَى الْمَالِ وَبِدُونِهَا يُعْتَبَرُ صُورَةُ الشَّاةِ وَقِيلَ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الشَّاةَ وَلَيْسَ فِي مِلْكِهِ شَاةٌ عُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ الْمَالِيَّةُ وَلَوْ قَالَ شَاةٌ مِنْ غَنَمِي وَلَا غَنَمَ لَهُ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِسَيْفِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ أُعْطِيهِ السَّيْفَ بِجَفْنِهِ وَحِلْيَتِهِ وَكَذَا قَالَ زُفَرُ يَعْنِي أَنَّ لَهُ جَفْنَهُ وَحَمَائِلَهُ وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِسَرْجٍ فَلَهُ السَّرْجُ وَتَوَابِعُهُ مِنْ اللِّبْدِ وَالرِّفَادَةِ وَكَذَا إذَا أَوْصَى لَهُ بِمُصْحَفٍ فَلَهُ الْغِلَافُ عِنْدَ زُفَرَ وَقَالَ