الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل إعفاء اللحية من خصال الفطرة
عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ (1): قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ " قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ. (2).
أما الفطرة، فقد قال الراغب: أصل الفطرة الشق طولا، ويطلق على الوهى وعلى الاختراع.
وقال أبو شامة: أصل الفطرة الخلقة المبتدأة، ومنه "فاطر السموات والأرض" أي مبتدئ خلقهن، والمراد بقوله صلي الله عليه وسلم:"كل مولود يولد على الفطرة" أي على ما ابتدأ الله خلقه عليه، وفيه إشارة إلى قوله تعالى:{فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} والمعنى أن كل أحد لو ترك وقت ولادته وما يؤديه اليه نظره لأداه إلى الدين والحق وهو التوحيد، ويؤيده أيضا
(1) قوله "عشرة من الفطرة" يدل على عدم انحصارها فيها، والله أعلم.
(2)
رواه مسلم وأحمد والنسائي والترمذي.
قال لشوكاني: (الحديث أخرجه أيضا أبو داود من حديث عمار، وصححه ابن السكن،
قال الحافظ: وهو معلول، ورواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس موقوفا في تفسير قوله تعالى:{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} قال: خمس في الرأس، وخمس في الجسد فذكره) اهـ، وأنظر تحقيقه في المجموع شرح المهذب للنووي (1/ 316).
قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ} وإليه يشير في بقية الحديث حيث عقبه بقولها فأبواه يهودانه أو ينصرانه") (1).
وفي "النهاية" الفطرة: أي السنة، يعني سنن الأنبياء عليهم السلام التي أمرنا أن نقتدي بهم فيها، وقال الإمام أبو بكر ابن العربي رحمه الله في شرح الموطأ: عندي أن الخصال المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة، فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين فكيف من جملة المسلمين؟ (2).
وقد تعقبه أبو شامة: بأن الأشياء التي مقصودها مطلوب لتحسين الخلق وهى النظافة لا تحتاج إلى ورود أمر إيجاب للشارع فيها اكتفاء بدواعي الأنفس، فمجرد الندب إليها كاف، والحديث الذي يقصده هو قوله صلى الله عليه وسلم:«الْفِطْرَةُ خَمْسٌ الِاخْتِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ» (3).
وقال أبو سليمان: ذهب أكثر العلماء إلى أنها -أي الفطرة- السنة، وكذا ذكره جماعة غير الخطابي، قالوا: ومعناه أنها من سنن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقيل هي الدين.
وقال السيوطي رحمه الله: وأحسن ما قيل في تفسير الفطرة أنها السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع فكأنها أمر جبلي فطروا عليه اهـ (4).
وقال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله بعد أن ذكر الخلاف في معنى الفطرة: وأول الوجوه بما ذكرنا: أن تكون الفطرة ما جبل الله الخلق عليه، وجبل طباعهم على فعله، وهي كراهة ما في جسده مما هو ليس من زينته (5) اهـ.
وقال الإمام المحقق شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيم الجوزية رحمه الله في تحفة المودود بأحكام المولود عند كلامه على حديث (الفطرة خمس):
(1) نيل الأوطار (1/ 123 - 124).
(2)
فتح الباري (10/ 339 - 340).
(3)
أخرجه مسلم.
(4)
تنوير الحوالك شرح موطأ الإمام مالك (2/ 219).
(5)
إحكام الأحكام بحاشية العدة (1/ 339).
والفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب، وهي معرفة الله ومحبته وإيثاره على ما سواه، وفطرة عملية: وهي هذه الخصال، فالأولى تزكي الروح وتطهر القلب، والثانية: تطهر البدن، وكل منهما تمد الأخرى وتقويها، وكان رأس فطرة البدن: الختان اهـ (1).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ويتعلق بهذه الخصال أي خصال الفطرة مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبع، منها: تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملة وتفصيلا، والاحتياط للطهارتين والإحسان إلى المخالط والمقارن. بكف ما بتأذى به من رائحة كريهة، ومخالفة شعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وعباد الأوثان، وامتثال أمر الشارع، والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى:{وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك، وكأنه قيل قد حسنت صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها، أو حافظوا على ما يستمر به حسنها، وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة وعلى التآليف المطلوب، لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة كان أدعى لانبساط النفس اليه، فيقبل قوله، ويحمد رأيه، والعكس بالعكس اهـ (2).
شبهة:
كون إعفاء اللحية من خصال الفطرة يدل على عدم وجوبها بدلالة اقترانه بما هو مستحب.
الجواب:
الصحيح أن يقال: إن كون إعفاء اللحية أحد خصال الفطرة لا يدل بذاته على الوجوب، وإنما يستفاد الوجوب من أدلة أخرى ودلالة الاقتران هنا لا تقوى على معارضة أدلة الوجوب، أما الاستدلال باقتران الإعفاء بغيره من خصال الفطرة الغير الواجبة فمردود بأنه لا يمتنع قرن الواجب بغيره. قال الإمام النووي رحمه الله: قد يقرن المختلفان كقول الله تعالى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (3).
(1) تحفة المودود بأحكام المولود ص161.
(2)
فتح الباري (10/ 339).
(3)
الأنعام: 141