المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، - الدرر السنية في الأجوبة النجدية - جـ ١٣

[عبد الرحمن بن قاسم]

الفصل: وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم،

وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه حتى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنات النعيم، في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشر مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون، والله أعلم.

[التأمين بعد الفاتحة]

سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد، عن التأمين بعد الفاتحة؟

فأجاب: وأما التأمين بعد الفاتحة، فثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إذا قال الإمام {وَلا الضَّالِّينَ} 1 فقولوا: آمين، فإن الملائكة في السماء تقول: آمين، فمن وافق قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه " ويسن للإمام والمأمومين أن يقولوها جهرا.

1 البخاري: تفسير القرآن (4475)، ومسلم: الصلاة (410)، والترمذي: الصلاة (250)، والنسائي: الافتتاح (927، 928، 929)، وأبو داود: الصلاة (935، 936)، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (851) ، وأحمد (2/233، 2/270، 2/449، 2/459)، ومالك: النداء للصلاة (195، 196، 197)، والدارمي: الصلاة (1246) .

ص: 86

‌سورة البقرة

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

المستفاد من سورة البقرة.

فيه مسائل:

الأولى: {ذلك الكتاب} معنى هذا الرجل، ولا ينفي أن غيره ليس هو رجل، لكنه للكمال.

ص: 86

الثانية: نفي الشك مثل القمر ليلة ثالثة.

الثالثة: أن الهداية بالكتاب للمتقين خاصة. هذا فيه كشف شبهك الأولى: أن الذي لا يتبعه ليس هو من المتقين، فهذا يبين قول الشياطين 1: القرآن لا يفسر، وهذا الكتاب مثل المطر للأرض; فالأرض الطيبة تنتفع به، والأرض الخبيثة لا ينفعها. وذكر في التقوى ثلاث مراتب:

الأولى: تجنب الشرك.

الثانية: اجتناب المحرمات وأداء الفرائض.

الثالثة: لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به، حذرا مما به البأس ; قال قتادة: هم الذين نعتهم الله، بقوله:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [سورة البقرة آية: 3] الآية والتي بعدها، وقوله:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [سورة البقرة آية: 3] فيه خمس عبارات ; فعن أبي العالية: يؤمنون بالله إلخ.

الثانية: غيب القرآن مثل قوله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً} [سورة الطلاق آية: 2]، وكقوله:{وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [سورة الصافات آية: 173] ، وهذا شيء يذكره الله تعالى، وأسبابه مختلفة، ويقع مثل ما ذكره الله ; وتعرفها بمبدأ حال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ; وما وقع في هذا الزمان.

الثالثة: ما أتى عن الله، وهو الوحيان. 2

1 المراد شياطين الإنس، طوائف ممن يدعي العلم.

2 الوحيان هما: الكتاب والسنة، وقد اختلف العلماء في السنة، هل جميعها وحي أم لا؟.

ص: 87

الرابعة: بغيب الإسلام احتراز عن كلام أهل الكتاب، لا تجعله مثل شرع الرسول، وما ذكر في الجبت والطاغوت، فهو من باب أولى.

الخامسة: الإيمان بالقدر ; وكل هذا من الإيمان بالغيب، والإيمان به واجب {وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} : عامة لجميع النفقات، لكن أعلاها الزكاة، وذكر أن وزنة 1 من الزكاة خير من أربعين غيرها. {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [سورة البقرة آية: 3] إلخ، وهذا من عطف الخاص على العام ; وهو نوعان:

الأول: كونه منهم.

الثانية: خوف الزلق، والزلق: أن ترد شيئا مما أنزل على الأنبياء المتقدمين، أو شيئا من الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن على هواك، خصوصا إذا كان لك منازع وبان الحق مع خصمك.

فالإيمان: أنك تصرح بالإذعان والانقياد، وهذا واقع {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [سورة البقرة آية: 4] والإيقان بالآخرة، يستلزم الاستعداد لها بالأعمال {أُولَئِكَ} يعني المتصفين بما تقدم {عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة البقرة آية: 5] علق الهداية والفلاح، بالاتصاف بما تقدم.

وقال رحمه الله تعالى: قال شيخ الإسلام رحمه الله

1 الوزنة: عيار للوزن، معروف في نجد، يساوي أقة وخمسا تقريبا.

ص: 88

تعالى، في تفسير آيات أشكلت، حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير، إلا ما هو خطأ، منها قوله تعالى:{بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} [سورة البقرة آية: 81] الآية ; ذكر: أن المشهور أن السيئة: الشرك ; وقيل: الكبيرة يموت عليها، قاله عكرمة ; وقال مجاهد: هي الذنوب تحيط بالقلب.

قلت: الصواب: ذكر أقوال السلف، وإن كان فيها ضعيف، فالحجة تبين ضعفه، فلا يعدل عن ذكر أقوالهم لموافقتها قول طائفة من المبتدعة، وهم ينقلون عن بعض السلف أن هذه الآية أخطأ فيها الكاتب، كما قيل في غيرها.

ومن أنكر شيئا من القرآن بعد تواتره استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وأما قبل تواتره عنده فلا يستتاب، لكن يبين له؛ وكذلك الأقوال التي جاءت الأحاديث بخلافها، فقها وتصوفا واعتقادا، وغير ذلك. وقول مجاهد في الآية صحيح، كما في الحديث الصحيح:" إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء " 1 إلى آخره، والذي يغشى القلب يسمى: رينا وطبعا وختما وقفلا ونحو ذلك، فهذا ما أصر عليه.

وإحاطة الخطيئة إحداقها به، فلا يمكنه الخروج، وهذا هو البسل بما كسبت نفسه، أي تحبس عما فيه نجاتها في الدارين، فإن المعاصي قيد وحبس لصاحبها عن الجولان في فضاء التوحيد، وعن جني ثمار الأعمال الصالحة.

1 الترمذي: تفسير القرآن (3334)، وابن ماجه: الزهد (4244) ، وأحمد (2/297) .

ص: 89

ومن المنتسبين إلى السنة، من يقول: إن صاحب الكبيرة يعذب مطلقا ; والأكثرون على خلافه، وأن الله سبحانه يزن الحسنات والسيئات ; وعلى هذا دل الكتاب والسنة، وهو معنى الوزن، لكن تفسير السيئة بالشرك هو الأظهر ; لأنه سبحانه غاير بين المكسوب والمحيط، فلو كانا واحدا لم يغاير، والمشرك له خطايا غير الشرك أحاطت به ; لأنه لم يتب منها.

وأيضا، قوله:{سَيِّئَةً} نكرة، وليس المراد جنس السيئات بالاتفاق، وأيضا: لفظ السيئة، قد جاء في غير موضع مرادا به الشرك، وقوله:{سَيِّئَةً} أي: حالا سيئة ; أو مكانة سيئة ونحو ذلك، كما في قوله:{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [سورة البقرة آية: 201] أي: حالا حسنة تعم الخير كله، وهذا اللفظ يكون صفة، وقد ينقل من الوصفية إلى الاسمية، ويستعمل لازما ومتعديا، يقال: ساء هذا الأمر، أي: قبح ; ويقال: ساءني هذا.

قال ابن عباس، في قوله:{وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} [سورة يونس آية: 27] أي: "عملوا الشرك; لأنه وصفهم بهذا فقط، ولو آمنوا لكان لهم حسنات وسيئات"، وكذا لما قال:{كَسَبَ سَيِّئَةً} لم يذكر حسنة. وقوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى} [سورة يونس آية: 26] أي فعلوا الحسن، وهو ما أمر به، كذلك السيئة تتناول المحظور، فيدخل فيها الشرك. ومنها قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} [سورة البقرة آية: 62] الآية.

ص: 90

يبين سبحانه وصف أهل السعادة من الأولين والآخرين، وهو الذي يدل عليه اللفظ ويعرف به معناه من غير تناقض، ومناسبة لما قبلها وما بعدها، وهو المعروف عن السلف.

ويدل عليه ما ذكروه من سبب نزولها بالأسانيد الثابتة، عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال سلمان:"سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم، فذكر من عبادتهم، فنَزلت الآية ولم يذكر فيه أنهم من أهل النار"، كما روي بأسانيد ضعيفة، وهذا هو الصحيح كما في مسلم:" إلا بقايا من أهل الكتاب "1. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجيب بما لا علم عنده، وقد ثبت أنه أثنى على من مات في زمن الفترة، كزيد بن عمرو، وغيره، ولم يذكر ابن أبي حاتم خلافا عن السلف، لكن ذكر عن ابن عباس، ثم أنزل الله: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً} [سورة آل عمران آية: 85] الآية، ومراده: أن الله يبين أنه لا يقبل إلا الإسلام من الأولين والآخرين ; وكثير من السلف، يريد بلفظ النسخ: رفع ما يظن أن الآية دالة عليه.

فإن من المعلوم أن من كذب رسولا واحدا فهو كافر، فلا يتناوله قوله:{مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} [سورة البقرة آية: 62] الآية. وظن بعض الناس أن الآية في من بعث إليهم محمد خاصة، فغلطوا، ثم افترقوا على أقوال متناقضة، اهـ.

1 مسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2865) ، وأحمد (4/162) .

ص: 91

[ذكر المسائل المستنبطة من قوله تعالى {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} ]

وقال أيضا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى:

قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [سورة البقرة آية: 102] إلى قوله: {أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [سورة البقرة آية: 102] فيه مسائل.

الأولى: كون أناس من أهل الكتاب إذا وقعت المسألة وأرادوا إقامة الدليل عليها، تركوا كتاب الله كأنهم لا يعلمون، واحتجوا بما في الكتب الباطلة.

الثانية: أن من العجب احتجاجهم بذلك على رسول من الرسل.

الثالثة: أن الكلام يدل على أنهم يعلمون، لقوله:{كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [سورة البقرة آية: 101] .

الرابعة: أن المسائل الباطلة قد تنسب إلى الأنبياء كذبا عليهم.

الخامسة: أن الكتب الباطلة قد تضاف إلى بعض الصديقين.

السادسة: أن ذلك مما تتلو الشياطين على زمان الأنبياء، كما وقع أشياء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

السابعة: أن الشياطين مزجت به الحق في زمن سليمان.

الثامنة: بيان ضلال من ضل ممن يدعي العلم في شأن سليمان، ممن نسب ذلك إليه واستحسنه ; أو قدح في سليمان، كما ضل أناس كثير في علي لما قتل عثمان.

التاسعة: أن من فعل السحر كفر، ولو عرف أنه باطل.

العاشرة: أن الشياطين يعلمونه الناس.

الحادية

ص: 92

عشر: أن العبد لو بلغ ما بلغ في العلم والعمل، فلا يأمن مكر الله.

الثانية عشر: لا ينبغي له التعرض للفتن وثوقا بنفسه ; بل يسأل الله العافية.

الثالثة عشر: سعة علم الله ومغفرته ورحمته.

الرابعة عشر: يجعل بعض نظره إلى القضاء والقدر.

الخامسة عشر: أن النساء من أكبر الفتن.

السادسة عشر: أن طاعة الهوى جماع الشر، كما أن مخالفته جماع الخير.

السابعة عشر: أن الشرك أكبر مما يخطر بالبال.

الثامنة عشر: أن التلفظ بالشرك بكلمة واحدة، لا يشترط في كفر من تكلم بها عقيدة القلب، ولا عدم الكراهة للشرك.

التاسعة عشر: أن المتكلم لا يعذر، ولو أراد أن يقضي به غرضا مهما.

العشرون: أن قتل النفس أعظم من الزنا.

الحادية والعشرون: أن المعاصي بريد الكفر.

الثانية والعشرون: أن بعضها يجر إلى بعض.

الثالثة والعشرون: أن عقوبة المعصية قد تكون أكبر مما يظن العالم.

الرابعة والعشرون: أن قبول التوبة بلا عذاب لا يحصل لكل أحد، بل هو فضل من الله.

الخامسة والعشرون: أن من النعم تعذيب العبد بذنبه في الدنيا.

السادسة والعشرون: حسن الظن بالله.

السابعة والعشرون: القاعدة التي هي خاصية العقل، وهو ارتكاب أدنى الشرين لدفع أعلاهما، وتفويت أدنى

ص: 93

الخيرين لتحصيل أعلاهما.

الثامنة والعشرون: أن السحر نوعان.

التاسعة والعشرون: أن له تأثيرا، لقوله:{يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [سورة البقرة آية: 102] .

الثلاثون: الإرشاد إلى التوكل، بكونه لا يضر أحدا إلا بإذن الله.

الحادية والثلاثون: أن في من يدعي العلم من اختار كتب السحر على كتاب الله.

الثانية والثلاثون: أنهم يعارضون به كتاب الله.

الثالثة والثلاثون: أن اتباع كتاب غير كتاب الله ضلال.

الرابعة والثلاثون: لا تأمن الكتب، ولا ممن ينتسب إلى العلم على دينك.

الخامسة والثلاثون: أن فساد العلماء يفسد الرعية.

السادسة والثلاثون: أن السحر وقع في زمن خلافة النبوة، حتى إن عمر وغيره أمر بقتل الساحر ولم يستتبه، كما استتاب المرتد.

السابعة والثلاثون: أن الحسد سبب لرد كتاب الله.

الثامنة والثلاثون: أن الحاسد قد يبغض الناصح، ويسعى في قتله.

التاسعة والثلاثون: أن الحسد يحمله على رد حظه من الله في الدنيا والآخرة.

الأربعون: أنه من أخلاق اليهود.

الحادية والأربعون: أن المحسود يرفعه الله على الحاسد.

الثانية والأربعون: أن بالطاعة خير الدنيا والآخرة، وبالمعصية العكس.

الثالثة والأربعون: أن في من ينتسب إلى العلم من يختار الكفر على الإيمان، مع علمه أن من اختاره لا حظ له

ص: 94

في الآخرة.

الرابعة والأربعون: أن الإنسان يجتمع فيه الضدان، يعلم ولا يعمل.

الخامسة والأربعون: بيان غبنهم، والتسجيل على فرط جهلهم في هذا الشرط.

السادسة والأربعون: أن السبب في هذا الشرك، اشتراء شيء خسيس تافه من الدنيا.

السابعة والأربعون: أنهم لمحبتهم ما هم عليه من الجاهلية وغرامهم به، نبذوا كتاب الله الذي عندهم وراء ظهورهم، كأنهم لا يعرفونه.

الثامنة والأربعون: أن الذي حملهم على هذه العظائم، أنه أتاهم أمر من الله موافق لدينهم، لكن مخالف لعادتهم الجاهلية.

التاسعة والأربعون: الفرق بين المعجزات والكرامات ; وبين ما يفعله الشياطين تشبها بذلك وتشبيها.

الخمسون: التنبيه على قول الصحابي: "أو يأتي الخير بالشر؟ ?" وجوابه صلى الله عليه وسلم.

الحادية والخمسون: أنه لا ينبغي للإنسان أن ينكر ما لم يحط به علمه، فقد ضل بالتكذيب بهذه القصة فئام من الناس، لظنهم أنها تخالف ما علموه من الحق ; وتكلم بسببها ناس في نبي الله سليمان بن داود عليه السلام.

[ذكر المسائل المستنبطة من قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ} ]

وقوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ

ص: 95

مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سورة البقرة آية: 109] .

فيه مسائل: الأولى: كون أناس ينتسبون إلى العلم والدين يجري منهم هذا عمدا، جراءة على الله، وما أكثر من ينكر هذا.

الثانية: التنبيه على كثرة هذا الصنف.

الثالثة: كون المنتسب إلى العلم يتمنى إضلال غيره إذا عجز عنه.

الرابعة: أن سبب هذا الأمر الغريب هو الحسد، لا خوف مضرة ولا طلب مصلحة.

الخامسة: أن المنتسب إلى العقل والعلم قد يسعى فيما يعلم أنه مصلحة لدنياه ليزيله، وفيما يعلم أنه مضرة لدنياه ليأتي به ; فإنهم يعلمون أن زوال المفاسد، وحصول المصالح في هذا الدين، وكانوا يستفتحون به قبل مجيئه على من ظلمهم ; فلما جاءهم حملهم الحسد على ما ذكر.

السادسة: أن الحسد قد يكون سببا للكفر، كما وقع لهؤلاء ولإبليس.

السابعة: ذكر العفو الذي هو من أسباب العز وقهر الخصم، كما ورد في الحديث.

الثامنة: الرفق في الأمر وفعله بالتدريج، كما فعل عمر بن عبد العزيز.

التاسعة: أنه سبحانه يمهل ولا يهمل.

العاشرة: الإشعار بالنسخ قبل وقوعه.

الحادية عشر: تسلية المظلوم المحسود.

الثانية عشر: التنبيه على العلة.

ص: 96

الثالثة عشر: أن الظالم الحاسد يذله الله، كما جرى لهؤلاء إلى يوم القيامة. وقوله:{إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة البقرة آية: 109] فيه:

الرابعة عشر: وهي الاستدلال بالصفات على الأفعال.

والخامسة عشر: وهي الاستدلال بالقدرة على ما لا يظن وقوعه.

والسادسة عشر: وهي الاستدلال بها على جعل العفو سببا لعز العافي، وذلة المعفو عنه، عكس ما يظن الأكثر.

وأما الاستدلال بها على ما كذب به الجهال استبعادا، مثل عذاب القبر وغيره، أو مثل الصراط والميزان وغيرهما، أو ما يجري في الدنيا من تبديل الأحوال من الغنى إلى الفقر وضده ; ومن الذل إلى العز وضده ; فأكثر من أن يحصر، ولكن من أحسن ما فيها المسألة:

السابعة عشر: وهي: تنبيه أعلم الناس على أشكل المسائل، بقوله:{إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة البقرة آية: 109] . والله سبحانه وتعالى أعلم ; وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.

[ذكر المسائل المستنبطة من قوله تعالى: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} ]

وقال: ذكر بعض ما في قوله تعالى: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} [سورة البقرة آية: 139] إلى قوله: {يَعْلَمُونَ} من بيان الحق وإبطال الباطل.

الأولى: إذا كانت المحاجة في الله سبحانه من أقرب ما يكون إليه من المختلفين في مسألة التوحيد، وبيان ذلك

ص: 97

بمعرفة الله تعالى فيما اجتمعنا وإياكم عليه، ومعرفة حالنا وحالكم في المسألة.

وذلك أنا مجمعون على استوائنا وإياكم في العبودية، بخلاف ملوك الدنيا، فإن بعض الناس يكون أقرب إليهم من بعض بالقرابة وغيرها. ونحن مجمعون أيضا أنه لا يظلم أحدا من عبيده، بل كل نفس {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [سورة البقرة آية: 286] بخلاف ملوك الدنيا فإنهم يأخذون مال هذا ويعطونه هذا.

فإذا كان الأمر كذلك، فكيف تدعون أنكم أولى بالله منا، ونحن له مخلصون وأنتم به مشركون؟ وكيف يظن به أنه يساوي بين من قصده وحده لا شريك له، ومن قصد غيره وأعرض عنه؟ وهل يظن عاقل أو سفيه برجل من بني آدم - خصوصا إذا كان كريما - أن من قصده وضاف عنده يكرهه ولا يضيفه، ويخص بالرضى والكرامة والضيافة من أعرض عنه وضاف عند غيره، مع استواء الجميع في القرب منه والبعد؟ هذا لا يظن في الآدمي، فكيف يظن برب العالمين؟! فتبين بقضية العقل أن ما جاءت به الرسل من الإخلاص هو الموافق للعقل، وما فعل المشركون هو العجاب المخالف للعقل، فيا لها من حجة ما أعظمها وأبينها! لكن لمن فهمها كما ينبغي.

ص: 98

[ذكر بعض ما في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} ]

وقال الشيخ رحمه الله: ذكر بعض ما في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [سورة البقرة آية: 124] إلى الجزء.

ففي الآية الأولى مسائل:

الأولى: معرفة أنه تعالى حكيم لا يضع الأشياء إلا في مواضعها; لأنه ما جعله إماما إلا بعد ما أتم ما ابتلاه به; وسئل بعضهم: أيما الابتلاء أو التمكين؟ فقال: الابتلاء ثم التمكين.

الثانية: إذا كان يبتلي الأنبياء هل يفعلونه أم لا، فكيف بغيرهم؟

الثالثة: الثناء على إبراهيم بأنه أتم الكلمات التي ابتلاه بها ; وقيل: إن الله لم يبتل أحدا بهذا الدين فأتمه إلا إبراهيم، ولهذا قال:{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [سورة النجم آية: 37] .

الرابعة: أنه سبحانه جازاه على ذلك بأمور: منها: أنه جعله للناس إماما ; ولما علم عليه السلام كبر هذه العطية، سألها للذرية: وهي الخامسة.

السادسة: أن الله أجابه أن هذه المرتبة لا ينالها ظالم، ولو من ذرية الأنبياء.

السابعة: أن هذا يدل على أن الإمامة في الدين تحصل لغير الظالم، فليست بمختصة.

الثامنة: معرفة قدر هذه المرتبة التي أكرم بها، وهي: الإمامة في الدين.

وأما الآية الثانية، ففيها مسائل:

الأولى: كونه سبحانه جعل البيت الذي بناه إبراهيم مثابة، مع المشاق العظيمة، وذلك من الآيات.

الثانية: أنه

ص: 99

جعله أمنا عند الكفار، وذلك من أعجب الآيات.

الثالثة: أمره أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، وهذا من الخصائص، فيتفطن المؤمن لشبهة المبتدعة; لأنه لا يجوز أن يتخذ من مقام غيره مصلى.

الرابعة: أن فيها الرد على أهل الكتاب الذين لا يعظمونه، مع ما فيه من الآيات، ومع ما عندهم من العلم بذلك.

وقال أيضا في قوله: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [سورة البقرة آية: 124] : فإن الكلمات تطلق ويراد بها الكلمات القدرية، كقوله:{وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ} [سورة التحريم آية: 12] ، وتطلق ويراد بها الشرعية، كقوله:{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [سورة البقرة آية: 124] . قال: وأما الآية الثالثة، ففيها مسائل:

الأولى: ذكره أنه عهد إلى إبراهيم وإسماعيل أن يطهراه لهذه الطائفة، ولذلك أنزل الله {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} [سورة التوبة آية: 28]

الثانية: أن فيها الرد على أهل الكتاب والمشركين.

الثالثة: العجب العجاب معاكستهم هذا الأمر، فلا يردون عنه إلا الطائفة المأمور بتطهيره لهم.

الرابعة. أنه نعتهم بالطواف والركوع والسجود والعكوف، فدل على أن نفس العكوف فيه عبادة.

الخامسة: أن التقدم عند الله بالأعمال الصالحة لا بالنسب، فأمره بتطهيره

ص: 100

لهم وإن لم يكونوا من ذريته، وأمره بطرد ذريته عنه إذا لم يكونوا كذلك. وقال أيضا: قال ابن أبي حاتم: وروي عن عبيد بن عمير، وأبي العالية ومجاهد وقتادة:{أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ} [سورة البقرة آية: 125] : لاقوا بلا إله إلا الله من أشرك.

وأما الآية الرابعة، ففيها مسائل:

الأولى: دعوة إبراهيم أن يجعله آمنا، ولا يناقض تحريمه يوم خلق الله السماوات والأرض.

الثانية: دعوة إبراهيم للبلد وأهله بالأمن والرزق.

الثالثة: الآية العظيمة في إجابة هذه الدعوة.

الرابعة: تخصيصه بها من آمن بالله واليوم الآخر.

الخامسة: قوله: {وَمَنْ كَفَرَ} ، فلما دعا بأمر الدين منع الله الظالم من ذريته، ولما خص بالأمر الآخر من آمن قال الله:{وَمَنْ كَفَرَ} ، وذلك للفرق بين الدارين.

السادسة: أنه لما أخبر أن ذلك للمؤمن وغيره، فقد يتوهم منه كرامة الجميع، فأخبر أنه لو عم العاصي فيه بالأمن والرزق فإنه يضطره إلى عذاب النار.

السابعة: أن المجاورة عنده كما أنها تنفع المطيع، فهي تضر العاصي، لقوله:{ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ} [سورة البقرة آية: 126] ، ولذلك انتقل ابن عباس منها إلى الطائف.

وأما الآية الخامسة، ففيها مسائل:

ص: 101

الأولى: التصريح بأن الاثنين بنياه.

الثانية: جلال الله وعظمته في قلوب الذين يعرفونه لدعوتهما بالقبول، وكان بعض السلف لما قرأها جعل يبكي، ويقول: ما بال خليل الله يرفع قواعد بيت الله، ويخاف أن لا يقبله؟

الثالثة: توسلهما بالصفات.

الرابعة: طلبهما أن يرزقهما الله الإسلام، وهما هما ; والغفلة عن هذه الكلمة من العجائب.

الخامسة: إشراكهما في الدعوة بعض الذرية، ففيها رغوب المؤمن وحرصه على صلاح ذريته.

السادسة: طلبهما أن يعلمهما المناسك، ففيها حرصهما على العمل بالنص مع عصمتهما.

السابعة: طلبهما أن يتوب عليهما وهما هما ; ففيها خوفهما من الذنوب.

الثامنة: التوسل بالصفات.

التاسعة: التعليل بكونه (التواب الرحيم) ولولا ذلك لاستحقا العقوبة.

العاشرة: الرد على المشركين وأهل الكتاب.

الحادية عشر: أن دعوتهما بهذه النعمة التي هي أعظم النعم للذرية، جعلها الذرية من أعظم المصائب.

وأما الآية السادسة، ففيها مسائل:

الأولى: دعوتهما للذرية ببعثة الرسول، فكانت عندهم أعظم البلاء مع دعواهم أنهم على ملتهما.

الثانية: أنهما أرادا بذلك أن يعلمهم الكتاب والحكمة، ويتلو عليهم الآيات ويزكيهم ; قيل: إن استماع التلاوة والتزكي بها فرض عين ;

ص: 102

وأما الكتاب والحكمة ففرض كفاية.

الثالثة: أن نسبة الزكاة إلى السبب لا بأس بها، مع أن المزكي في الحقيقة هو الله وحده.

الرابعة. التوسل بالصفات.

وأما الآية السابعة، فهي من جوامع الكلم، وأظهر البراهين، فنذكر شيئا من ذلك:

الأولى: أنه بين أن ملة إبراهيم هي الإسلام، ومنه تعظيم البيت وحجه ; ومع إقرار علماء أهل الكتاب بذلك يرغبون عنه ; وهذه مسألة مهمة، يدل عليه، قوله:" ومن رغب عن سنتي فليس مني "1.

الثانية: أن أكثر الناس رغبوا عن اسم الإسلام، وعندهم لا فضيلة فيه، ولا بد عندهم من نسبة دين خاصة.

الثالثة: أعجب من ذلك أنهم لا يعرفون معنى الإسلام، وعندهم لا فضيلة فيه؛ بل هذا عندهم صورة لا معنى لها.

الرابعة: أعجب من الجميع أنهم إذا بين لهم معناه اشتد إنكارهم لذلك، مع قراءة هذه الآية وأمثالها.

الخامسة: التي سبق الكلام لأجلها أنك إذا عرفت ملته فالواجب الاتباع، لا مجرد الإقرار مع الرغوب عنها.

السادسة: أن من فعل ذلك لم يضر إلا نفسه.

السابعة: أن ذلك في غاية الجهل والسفه الواضح، مع ادعائهم الكمال في العلم، كيف يطلب أفضل من طريقه، والله سبحانه هو الذي اصطفاه، ووعده في الآخرة ما وعده بسبب طريقه؟!

1 البخاري: النكاح (5063)، ومسلم: النكاح (1401)، والنسائي: النكاح (3217) ، وأحمد (3/241، 3/259، 3/285) .

ص: 103

وأما الآية الثامنة، ففيها مسائل:

الأولى: أن مسألة الإسلام، الذي هو سبب الكلام والخصومة، أن الله سبحانه هو الذي أمره بذلك.

الثانية: أنه استجاب لله فيما أمره، فقال:{أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة البقرة آية: 131] .

الثالثة: وصفه ربه سبحانه بما يوضح المسألة، وهو الربوبية للعالم كله، فانظر رحمك الله تعالى إلى هذا التقرير والثناء، والتوضيح للإسلام، مع حقارته وإنكاره عند من يقرأ هذه الآيات وما بعدها.

وأما الآية التاسعة: ففيها العجب العجاب:

الأولى: أن الله سبحانه ذكر أن إبراهيم وصى بالإسلام ابنيه وهما هما.

الثانية: أن يعقوب وصى بها بنيه وهم هم.

الثالثة: تحريضه الذرية على ذلك، بأن الله الذي اختاره لهم، فلا ترغبوا عن اختيار الله.

الرابعة: أنه مع هذا التقرير الواضح عند من يدعي كمال العلم ويدعي اتباع الملة، أحقر الطرائق ولا مدح فيه، ولا يصير من المسكوت عنه إلا من رغب عنه إلى اسم غيره، وإلا من اقتصر عليه اتخذوه هزوا، فاعتقدوا غاية جهله، بل أفتوا بكفره وقتله.

والخامسة: قوله: {فَلا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [سورة البقرة آية: 132] فحرضهم على لزوم ذلك إلى الممات، وعدم الزيادة عليه، لما في طبع الإنسان من طلب الزيادة، خصوصا مع طول الأمل.

وأما الآية العاشرة: ففيها مسائل:

ص: 104

الأولى: وصية يعقوب عند الموت، ولم يكتف بما تقدم.

الثانية: لبنيه وهم هم.

الثالثة: أنه لشدة التحريض وكبر الأمر عنده، أخرجه مخرج السؤال.

الرابعة: أنه قال: {من بعدي} لأن الغالب أن الأتباع بعد موت كبيرهم ينقصون.

الخامسة: جوابهم له {نَعْبُدُ إِلَهَكَ} الآية، لأن في هذا معنى الحجة، وظهور الأمر أن من اتبع الصالحين يسلك طريقهم ; وأما كونه يترك طريقهم بزعمه أنه اتباع لهم، فهذا خلاف العقل.

السادسة: قولهم: {إِلَهًا وَاحِدًا} يعنون للخلائق كلهم، لكن متبع مهتد وضال.

السابعة: إخباره لهم بلزومهم الإسلام بعد موته.

الثامنة: ذكرهم له أن ذلك الإسلام لله وحده لا شريك له، ليس لك ولا لآبائك منه شيء.

التاسعة: أن العم أب; لأن إسماعيل عمه، لكن مع التغليب.

العاشرة: أن ذلك من أوضح الحجج على ذريتهم، مع إقرارهم بذلك، ومع هذا يزعمون أنهم على ملتهم، مع تركها وشدة العداوة لمن اتبعها.

الحادية عشر: أن فيها ردا عليهم في المسألة الخاصة، وهي: اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا.

وأما الآية الحادية عشر: ففيها مسائل:

الأولى: المسألة التي ضل بها كثير، وهي: ظنهم أن صلاح آبائهم ينفعهم.

الثانية: البيان أن الذي ينفع الإنسان

ص: 105

عمله.

الثالثة: أن الذي يضره عمله، ولا يضره معصية أبيه وابنه.

وأما الآية الثانية عشر: ففيها مسائل، وهي من جوامع الكلم أيضا:

الأولى: أن من دعا إلى أي ملة كانت، وهي من الملل الممدوحة السالم أهلها، قيل له: بل ملة إبراهيم؛ لأنها إن كانت باطلة فواضح، وإن كانت صحيحة فملة إبراهيم أفضل، كما قال صلى الله عليه وسلم:" أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة ".

الثانية: وهي مما ينبغي التفطن لها، أنه سبحانه وصفها بأن إبراهيم حنيفا بريئا من المشركين، وذلك لأن كلا يدعيها، فمن صدق قوله بالفعل، وإلا فهو كاذب.

الثالثة: أن الحنيف معناه: المائل عن كل دين سوى دين الإسلام لله.

الرابعة: أن من الناس من يدعي أنه لا يشرك، وأنه مخلص، ولكن لا يتبرأ من المشركين؛ وملة إبراهيم الجمع بين النوعين.

وأما الآية الثالثة عشر: ففيها مسائل:

الأولى: أمر الله سبحانه، أن نقول ما ذكر في الآية، وليس هذا إظهار العمل الذي إخفاؤه أفضل.

الثانية: الإيمان بجميع المنزل.

الثالثة: عدم التفريق بينهم.

الرابعة: التصريح بالإسلام.

الخامسة: التصريح بإخلاص ذلك لله، وليس هذا من الثناء على النفس ; بل من بيان الدين الذي أنت

ص: 106

عليه، ولهذا قال بعض السلف: ينبغي لكل أحد أن يعلم هذه الآية أهل بيته وخدمه.

وأما الآية الرابعةعشر: ففيها مسائل:.

الأولى: قوله: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} [سورة البقرة آية: 137] فيها التصريح أن الإيمان هو العمل.

الثانية: أن هذا الكلام في غاية إنصاف الخصم.

الثالثة: أن الذي لا ينقاد له، ليس داؤه داء جهالة بل مشاقّة.

الرابعة: أنك إذا أنصفته وأصر فهو سبب الانتقام لله منه.

الخامسة: الاستدلال بالصفات.

وأما الآية الخامسة عشر: ففيها مسائل:.

الأولى: قوله: {صِبْغَةَ اللَّهِ} أي: دين الله، فدل على أن ذلك هو العمل.

الثانية: الدلالة الواضحة، وهو أنه لا أحسن من الدين الذي تولى الله بيانه والأمر به.

الثالثة: أنكم أيها الخصوم إن افتخرتم بإسلامكم للأنبياء والصالحين، فإسلامنا لله وحده ; ومعنى ذلك: لزوم هذا الدين الذي تولى الله بيانه.

وأما الآية السادسةعشر: ففيها مسائل:

الأولى: أمر الله لنا أن نحاجهم بهذه الحجة القاطعة، فإذا كان الله رب الجميع، وأيضا أنه بإقراركم أنه عدل لا يظلم، بل كل عامل فعمله له، وافترقنا في كوننا قاصدينه مخلصين له الدين، وأنتم قصدتم غيره ; فكيف يساوي بيننا وبينكم، أو يخص بكرامته من أعرض عنه دون من قصده؟ هذا لا يدخل عقل عاقل.

الثانية: أن الخصوم محاجتهم في الله لا

ص: 107

في غيره، مع فعلهم هذا في هذه الخصومة.

وأما الآية السابعة عشر: ففيها مسائل:

الأولى: إن كانت الخصومة في الصالحين، ودعواهم أنهم على طريقهم، فهم لا يقدرون أن يدعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على طريقتهم ; بل يصرحون أنهم على غيرها، ولكن يعتذرون أنهم لا يقدرون عليها، فكيف هذا التناقض؟! يدعون أنهم تابعوهم مع تحريمهم اتباعهم، وزعمهم أن أحدا لا يقدر عليه.

الثانية: قوله: {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [سورة البقرة آية: 140] فهذه لا يقدر أحد أن يعارضها، فإذا سلمها وسلم لك أن العلم الذي أنزله الله، ليس هو لعدم القدرة، فهذا الذي عليه غيره، وهذا إلزام لا محيد عنه.

الثالثة: أن منهم من يعرف الحق ويكتمه خوفا من الناس، مع كونه لا ينكره، فلا أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله، فكيف بمن جمع مع الكتمان دفعها وسبها وتكفير من آمن بها.

الرابعة: الوعيد بقوله: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سورة البقرة آية: 74] . والله أعلم.

[ما يستفاد من قوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} ]

وقال أيضا رحمه الله تعالى: وأما قوله: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ} [سورة البقرة آية: 140] الآية فهذه حجة أخرى ; وبيانها: أنا إذا أجمعنا على الإمام والأئمة أنهم ومن

ص: 108

اتبعهم على الحق، ومن خالفهم فهو على الباطل، فهذه أيضا مثل التي قبلها.

فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والأئمة بعدهم قد أجمعنا أنهم ومن اتبعهم على الحق، ومن خالفهم فهو على الباطل ; فنقول: هذه المسألة التي اختلفنا وإياكم فيها، هل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على قولنا أو على قولكم؟ .

فإذا أقروا أن دعاء أهل القبور، والبناء عليها، وجعل الأوقاف والسدنة عليها، من دين الجاهلية، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك كله، وهدم البناء الذي جعلته الجاهلية على القبور، ونهى عن دعاء الصالحين، وعن التعلق عليهم، وأمر بإخلاص الدعوة لله وأمر بإخلاص الاستعانة لله.

وبلغنا عن الله أنه يقول: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} [سورة الجن آية: 18] ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون وأتباعهم، والأئمة وأصحابهم على ذلك، ولم يحدث هذا إلا بعد ذلك، أعني: دعاء غير الله والبناء على القبور، وما يتبع ذلك من المنكرات.

فكيف تقرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والأئمة بعدهم على ما نحن عليه، ثم تنكرونه أعظم من إنكار دين اليهود والنصارى، مع إقراركم أنه الدين الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والأئمة؟ ! أم كيف تنصرون الشرك وما يتبعه من المنكرات، وتبذلون في نصره النفس والمال، مع إقراركم أنه دين الجاهلية المشركين؟ هذا هو الشيء

ص: 109

العجاب، لا جعل الآلهة إلها واحدا، يا أعداء الله لو كنتم تعقلون!! وليس هذا في هذه المسألة وحدها، بل كل مسألة اختلفنا وإياهم فيها، وأقروا أن ما نحن عليه هو الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ; فهذه الخصومة فيها واقعة فاصلة لها.

فإن أقروا بذلك لكن زعموا أن الناس أحدثوا أمورا تقتضي حسن ما هم عليه، كقولهم: هذه بدعة حسنة، فيها من المصالح كذا وكذا ; وفي تركها من المفاسد كذا وكذا ; فيجاوبون بالمسألة الثالثة، وهي قوله:{أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [سورة البقرة آية: 140]، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقراركم أوصانا بقوله:" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " 1، فقد أقررتم أنه أمر بلزوم ما أمرتم بتركه، وأنه نهى عما أمرتم بفعله.

مع إقراركم أنه أوصى بهذه الوصية، عند وقوع الاختلاف في أمته، مع إقراركم أنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فالله سبحانه قد علم ما يحدث في خلقه إلى يوم القيامة، ومع هذا أمر بطاعة رسوله الذي أقررتم به، وأنتم تشهدون أنه قاله.

فإذا بان لك أن الأولى في الأمر بالإخلاص والنهي عن الشرك، وأن الثانية في الأمر بلزوم السنة، والنهي عن البدعة، بان لك أن هذا هو تقرير القاعدتين اللتين عليهما

1 أبو داود: السنة (4607)، والدارمي: المقدمة (95) .

ص: 110

مدار الدين، وهما: لا يعبد إلا الله ; والثانية: لا يعبد إلا بما شرع، فالأولى قوله:" إنما الأعمال بالنيات " 1 والثانية قوله: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "2.

فإذا كان المحاج لا يقر ببعض ذلك، بل أنكر شيئا من تفاصيل ما ذكرنا، فهي المسألة الرابعة، وهو قوله:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} [سورة البقرة آية: 140] ، فإذا كان هذا في الكاتم مع المحبة وتمني ظهوره، ولكن أحب الدنيا عليه، فكيف بالكاتم المبغض؟ .

فإن كان يدعي أنه لم يفعل ذلك، وأنه تابع لهذا الحق ولكن يكتم إيمانه، كمؤمن آل فرعون، مع معرفتك أنه كاذب، فهي المسألة الخامسة، وهي أن تقول له:{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سورة البقرة آية: 74] .

فإن أقر بهذا كله، ولكنه استروح إلى أنه من ذرية رسول الله، أو أنهم جيرانه، أو غير ذلك من الأسباب، مثل مدحه الإمام الذي ينتسب إليه أو أصحابه، فهي المسألة السادسة، وهي قوله:{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة البقرة آية: 134] .

وقال الشيخ سليمان بن سحمان: قال ابن القيم رحمه الله في الصواعق: الوجه الثامن عشر: أن تفسير وجه الله بقبلة الله، وإن قاله بعض السلف كمجاهد وتبعه الشافعي، فإنما قالوه في موضع واحد لا غير،

1 البخاري: الأيمان والنذور (6689) والحيل (6953)، ومسلم: الإمارة (1907)، والترمذي: فضائل الجهاد (1647)، والنسائي: الطلاق (3437) والأيمان والنذور (3794)، وأبو داود: الطلاق (2201)، وابن ماجه: الزهد (4227) ، وأحمد (1/43) .

2 مسلم: الأقضية (1718) ، وأحمد (6/180، 6/256) .

ص: 111

وهو قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [سورة البقرة آية: 115] .

إلى أن قال: على أن الصحيح في قوله: {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [سورة البقرة آية: 115] أنه كسائر الآيات التي ذكر فيها الوجه ; فإنه قد اطرد مجيئه في القرآن والسنة مضافا إلى الرب تعالى على طريقة واحدة ومعنى واحد، فليس فيه معنيان مختلفان في جميع المواضع، غير الموضع الذي ذكر في سورة البقرة، وهو قوله:{فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [سورة البقرة آية: 115] ، وهذا لا يتيقن حمله على القبلة والجهة، ولا يمتنع أن يراد به وجه الرب حقيقة، فحمله على موارده ونظائره كلها أولى؛

يوضحه الوجه التاسع عشر: أنه لا يعرف إطلاق وجه الله على القبلة لغة ولا شرعا ولا عرفا؛ بل القبلة لها اسم يخصها، والوجه له اسم يخصه، فلا يدخل أحدهما على الآخر، ولا يستعار اسمه له; نعم القبلة تسمى وجهة كما قال تعالى:{وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [سورة البقرة آية: 148] ، وقد تسمى جهة وأصلها وجهة، إلى أن قال:

وأما تسميتها وجها فلا عهد به، فكيف إذا أضيف إلى الله تعالى، مع أنه لا يعرف تسمية القبلة وجهة الله في شيء من الكلام، مع أنها تسمى وجهة، فكيف يطلق عليها وجه الله، ولا يعرف تسميتها وجها؟ !

وأيضا فمن المعلوم أن قبلة الله التي نصبها لعباده هي قبلة واحدة، وهي القبلة التي أمر الله عباده أن يتوجهوا إليها

ص: 112

حيث كانوا، لا كل جهة يولي الرجل وجهه إليها، فإنه يولي وجهه إلى المشرق والمغرب والشمال وما بين ذلك، وليست تلك الجهات قبلة لله، فكيف يقال: أي وجهة وجهتموها واستقبلتموها، فهي قبلة الله؟

فإن قيل: هذا عند اشتباه القبلة على المصلي، وعند صلاة النافلة في السفر ; قيل: اللفظ لا إشعار له بذلك البتة، بل هو عام مطلق في الحضر والسفر، وحال العلم والاشتباه والقدرة والعجز، إلى أن قال:

وحمل الآية على استقبال المسافر في التنفل على الراحلة، أو على حال الغيم ونحوه، بعيد جدا عن ظاهر الآية وإطلاقها وعمومها وما قصد بها، فإن (أين) من أدوات العموم، وقد أكد عمومها بما أراده لتحقيق العموم، كقوله:{وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} [سورة البقرة آية: 144] والآية صريحة في أنه أينما ولى العبد فثم وجه الله من حضر أو سفر، في صلاة أو غير صلاة ; وذلك أن الآية لا تعرض فيها للقبلة ولا لحكم الاستقبال، بل سياقها لمعنى آخر، وهو بيان عظمة الرب تعالى وسعته، وأنه أكبر من كل شيء وأعظم منه، وأنه محيط بالعالم العلوي والسفلي.

فذكر في أول الآية إحاطة ملكه في قوله: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} [سورة البقرة آية: 115] منبها بذلك على ملكه لما بينهما، ثم ذكر عظمته سبحانه، وأنه أكبر وأعظم من كل شيء، فأينما ولى العبد

ص: 113

وجهه فثم وجه الله، ثم ختم باسمين دالين على السعة والإحاطة، فقال:{إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة آية: 115] فذكر اسمه الواسع عقب قوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [سورة البقرة آية: 115] كالتفسير والبيان والتقرير له، فتأمله.

ثم ذكر كلاما طويلا في تقرير هذا المعنى، وبيان عظمة الرب، وبيان سعة علمه وملكه وحلمه ; ثم قال في الوجه الحادي والعشرين: أنه لو كان المراد بوجه الله قبلة الله، لكان قد أضاف إلى نفسه القبل كلها إلى أن قال:

يوضحه الوجه الثالث والعشرون: أنه لو أريد بالوجه الجهة والقبلة لكان وجه الكلام أن يقال: فأينما تولوا فهو وجه الله، لأنه إذا كان المراد بالوجه الجهة، فهي التي تولي نفسها ; وإنما يقال، ثم كذا إذا كان هناك أمران، كقوله تعالى:{وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً} [سورة الإنسان آية: 20] ، فالنعيم والملك تم; لأنه نفس الظرف؛ والوجه لو كان المراد به الجهة نفسها لم يكن ظرفا لنفسها، فإن الشيء لا يكون ظرفا لنفسه ; فتأمله، إلى أن قال: الوجه السادس والعشرون: أنك إذا تأملت الأحاديث، وجدتها مفسرة للآية مشتقة منها، كقوله صلى الله عليه وسلم:" إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإنما يستقبل ربه "1 وذكر الأحاديث.

وقال أيضا - في ذكر أقوال المعطلين - إنه على المجاز لا على الحقيقة، إنه ثوابه وجزاؤه ; ثم قال:

قال عثمان بن

1 أحمد (3/24) .

ص: 114

سعيد الدارمي، وقد حكى قول بشر المريسي، أنه قال في قول النبي:" إذا قام العبد يصلي، أقبل الله عليه بوجهه " 1 يحتمل أن يقبل الله عليه بنعمته وإحسانه وأفعاله، وما أوجب للمصلي من الثواب.

فقوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [سورة الرحمن آية: 27] أي: ما توجه به إلى ربك من الأعمال الصالحة ; وقوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [سورة البقرة آية: 115] أي: قبلة الله ; قال الدارمي: لما فرغ المريسي من إنكار اليدين ونفيهما عن الله، أقبل قبل وجه الله ذي الجلال والإكرام، لينفيه عنه، إلى أن قال:

واستمر الجحود به، حتى ادعى أن وجه الله الذي وصفه بأنه ذو الجلال والإكرام، مخلوق ; لأنه ادعى أنه أعمال مخلوقة يتوجه بها إليه، وثواب وإنعام مخلوق يثيب به العامل، وزعم: أنه قبلة الله، وقبلة الله لا شك مخلوقة ; ثم ساق الكلام في الرد عليه، والقول بأن لفظ الوجه مجاز، باطل. انتهى.

[مواعظ القرآن]

وقال عبد الله بن الشيخ محمد: وما ذكرت من حال الموعظة فلا أرى أعظم من مواعظ القرآن، قد ذكر أن رجلا طلب من أخ له موعظة، فسأله: هل أنت تقرأ القرآن؟ فقال. نعم ; فقال: إن لم يعظك القرآن ما وعظك غيره.

ولكن آية قرأت على الشيخ في سورة البقرة ; قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [سورة البقرة آية: 213] إلى قوله {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [سورة البقرة آية: 213] وتكلم عليها كلاما

1 ابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1023) .

ص: 115

حسنا، أحببت أن أنقله لكم، بسبب عظم فائدته، وما أحسن ما قال أبو العالية، قال: وفي هذه الآية مخرج من الشبهات والضلالات والفتن.

وصفة كلامه في المذاكرة.

الأولى: قوله: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [سورة البقرة آية: 213] يعني على الإسلام، ثم اختلفوا بعد ذلك كما في بعض القراءات " كان الناس أمة واحدة ثم اختلفوا ".

الثانية: كونه سبحانه أرسل الرسل.

الثالثة: الحكمة في إرسالهم، كما قال تعالى:{رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [سورة النساء آية: 165] .

الرابعة: إنزال الكتب.

الخامسة: كونه بالحق، فيها علم من أعلام النبوة.

السادسة: الحكمة في إنزاله الكتاب، فذكر المراد في إنزاله، وهو: الحكم بين الناس عند الاختلاف ; فما أعظم هذه الحكمة، وما أكبر فائدتها لمن فهمها، وما أكثر الجهل بها خصوصا للذين يدعون العلم، وهم من أبعد الناس عنه؛ ولا يعرف ذلك إلا من تأمل أصولهم وفتاويهم الباطلة.

السابعة: قوله: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ} [سورة البقرة آية: 213] كما قال الشاعر: عثا بها يا ابن الندى تسيارها

وهذه من آيات الخوف، وفيها عدم الوثوق بنفسك وبغيرك، خصوصا إذا عرفت أن الذين أوتوه هم الذين اختلفوا فيه، وعرفت قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ

ص: 116

كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ}

[سورة التوبة آية: 34] الآية.

الثامنة: اختلافهم في ذلك ليس هو لعدم العلم، بل من بعدما جاءتهم البينات.

التاسعة: كونه بغيا بينهم.

العاشرة: قوله: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [سورة البقرة آية: 213] فيها معنى قوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [سورة الحجرات آية: 7] .

الحادية عشر: التنبيه على ثمرة ما هداهم إليه من الاختلاف، وذلك قوله:{من الحق} .

الثانية عشر: قوله: {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [سورة البقرة آية: 213] .

فإذا أشكلت عليك مسألة الهداية والإضلال، وأردت ما يزيل هذا الإشكال، فاعرف المسألة الثالثة عشر، وهي مسألة علم الله، ومعرفتها من أجل العلوم وأنفعها، وذلك قوله:{بإذنه} وبالله التوفيق.

وقال أيضا الشيخ محمد، قدس الله روحه، في الدرس من الفقه بعد الآية، وقوله:

تعدون قتلا في الحرام عظيمة

وأعظم منه لو يرى الرشد راشد

صدودكمو عما يقول محمد

وكفر به والله راء وشاهد

وإخراجكم من مسجد الله أهله

لئلا يرى لله في البيت ساجد

فإني وإن عنفتموني بقتله

وأرجف بالإسلام باغ وحاسد

سقينا من ابن الحضرمي رماحنا

بنخلة لما أوقد الحرب واقد

وفي القصة من الفقه: معرفة الأشهر الحرم، والبلد الحرام، ما لا يوجد. وفيها: ما كان في الجاهلية من بقايا دين إبراهيم ما لا يوجد مثله اليوم. وفيها: أن من الكبائر

ص: 117

كبير وأكبر. وفيها: أن الصد عن سبيل الله أكبر من الكبائر. وفيها: أن الكفر بالله نوع آخر غير الصد. وفيها: بيان الرب الرحيم أن القتل لو كان شديدا فالشرك أشد منه. وفيها: بيان مطلب عدو الدين وما يرضيه منك.

وقال أيضا: وأما قوله: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} [سورة البقرة آية: 260] ، فمن أعظم الأدلة على تفاوت الإيمان ومراتبه، حتى الأنبياء عليهم السلام، فهذا طلب الطمأنينة مع كونه مؤمنا، فإذا كان محتاجا إلى الأدلة التي توجب له الطمأنينة، فكيف بغيره؟ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:" نحن أحق بالشك من إبراهيم عليه السلام "1.

وأما قوله في كلام البقرة والذئب: " آمنت به أنا وأبو بكر وعمر" 2 رضي الله عنهما، وليسا في ذلك المكان؛ هذا من الإيمان بالغيب المخالف للمشاهدة; وذلك أن الناس يشاهدون البهائم لا تتكلم، فلما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا جرى فيما مضى، تعجبوا من ذلك مع إيمانهم، فقال:"آمنت به أنا وأبو بكر وعمر "3.

فلما ذكرهما في المقام العظيم الذي طلب إبراهيم في مثله العيان ليطمئن قلبه، مع كونهما ليسا في المجلس، دل على أن إيمانهما أفضل من إيمان غيرهما، خصوصا لما قرنهما بإيمانه صلى الله عليه وسلم، ومع هذا فأمور الإيمان من الأمور البينة، لكن لعلكم تفهمون منها شيئا، إذا قرأتم كتاب الإيمان، والله أعلم.

1 البخاري: أحاديث الأنبياء (3372)، ومسلم: الإيمان (151)، وابن ماجه: الفتن (4026) .

2 البخاري: المزارعة (2324)، ومسلم: فضائل الصحابة (2388)، والترمذي: المناقب (3695) ، وأحمد (2/245، 2/382) .

3 البخاري: المزارعة (2324)، ومسلم: فضائل الصحابة (2388)، والترمذي: المناقب (3695) ، وأحمد (2/245، 2/382) .

ص: 118

وقال أيضا الشيخ: محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:

فصل [فيما اشتملت عليه سورة البقرة من تقرير أصول العلم]

قد ذكرت في مواضع ما اشتملت عليه سورة البقرة، من تقرير أصول العلم، وقواعد الدين، أن الله افتتحها بذكر الكتاب الهادي للمتقين ; فوصف حال أهل الهدى، ثم الكافرين، ثم المنافقين، فهذه جمل خبرية.

ثم ذكر الجمل الطلبية فدعا الناس إلى عبادته وحده، ثم ذكر الدلائل على ذلك من فرش الأرض وبناء السماء، وإنزال الماء وإخراج الثمار رزقا للعباد، ثم قرر الرسالة وذكر الوعد والوعيد، ثم ذكر مبدأ النبوة والهدى، وما بثه في العالم من الخلق والأمر، ثم ذكر تعليم آدم الأسماء، وإسجاد الملائكة له لما شرف به من العلم.

فإن هذا تقرير لجنس ما بعث به محمدا صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، فقص جنس دعوة الأنبياء. ثم انتقل إلى خطاب بني إسرائيل، وقصة موسى معهم، وضمن ذلك تقرير نبوته، إذ هو قرين محمد صلى الله عليه وسلم، فذكر آدم الذي هو أول، وموسى الذي هو نظيره، وهما اللذان احتجا، وموسى قتل نفسا فغفر له، وآدم أكل من الشجرة فتاب عليه. وكان في قصة موسى رد على الصابئة ونحوهم ممن يقر بجنس النبوات ولا يوجب اتباع ما جاؤوا به، وقد

ص: 119

يتأولون أخبار الأنبياء. وفيها رد على أهل الكتاب بما تضمنه ذلك من الأمر بالإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وتقرير نبوته.

وذكر حال من عدل عن النبوات إلى السحر ; وذكر النسخ الذي ينكره بعضهم ; وذكر النصارى وأن الأمتين لن يرضوا حتى يتبع ملتهم ; كل هذا في تقرير أصول الدين من الوحدانية والرسالة.

ثم أخذ سبحانه في بيان شرائع الإسلام المبني على ملة إبراهيم، فذكر إبراهيم الذي هو إمام الناس، وبناءه البيت الذي بتعظيمه تميز الإسلام عما سواه، وذكر استقباله وقرر ذلك، فإنه شعار الملة الفارقة بين أهلها وغيرهم، ولهذا يقال: أهل القبلة، كما قال:" من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم "1. وذكر من المناسك ما يختص بالمكان، وذلك أن الحج له مكان وزمان ; والعمرة لها المكان فقط، والعكوف والركوع والسجود شرع فيه، ولا يقيد به ولا بمكان ولا زمان; لكن الصلاة تتقيد باستقباله، فذكر سبحانه هذه الأنواع الخمسة، من العكوف، والصلاة، والطواف، والعمرة، والحج؛ والطواف يختص بالمكان فقط. ثم أتبع ذلك بما يتعلق بالبيت من الطواف بين الجبلين، وأنه لا جناح فيه، جوابا لما كان عليه الأنصار في الجاهلية من كراهة الطواف بهما لأجل إهلالهم لمناة ; وجوابا لقوم

1 البخاري: الصلاة (391)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (4997) .

ص: 120

توقفوا عن الطواف بهما، وجاء ذكر الطواف بعد ذكر العبادات المتعلقة بالبيت. بل وبالقلوب والأبدان والأموال، بعدما أمروا به من الاستعانة بالصبر والصلاة، اللذين لا يقوم الدين إلا بهما؛ وكان ذلك مفتاح الجهاد المؤسس على الصبر ; لأن ذلك من تمام أمر البيت، لأن أهل الملل يخالفون فيه، فلا يقوم أمر البيت إلا بالجهاد عنه.

وذكر الصبر على المشروع والمقدور، وبين ما أنعم به على هذه الأمة من البشرى للصابرين، فإنها أعطيت ما لم تعطه الأمم قبلها، فكان ذلك من خصائصها وشعائرها، كالعبادات المتعلقة بالبيت.

ولهذا يقرن بين الحج والجهاد لدخول كل منهما في سبيل الله ; فأما الجهاد فهو أعظم سبيل الله، بالنص والإجماع في الأصح، كما قال:"الحج من سبيل الله" وبين أن هذا معروف عند أهل الكتاب، بذمه لكاتم العلم.

ثم ذكر أنه لا يقبل دينا غير ذلك، ففي أولها {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً} [سورة البقرة آية: 22] ، وفي أثنائها:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً} [سورة البقرة آية: 165] . فالأولى نهي عام ; والثانية نهي خاص؛ وذكر بعد البيت، لينهى عن قصد الأنداد المضاهية له ولبيته، من الأصنام والمقابر ونحو ذلك، ووحد نفسه قبل ذلك، وأنه {لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [سورة البقرة آية: 163]

ص: 121

ثم ذكر ما يتعلق بتوحيده من الآيات، ثم ذكر الحلال والحرام، وأطلق الأمر في المطاعم; لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث بالحنيفية وشعارها وهو البيت؛ وذكر سماحتها في الأموال المباحة، وفي الدماء بما شرعه من القصاص ومن أخذ الدية.

ثم ذكر العبادات المتعلقة بالزمان، فذكر الوصية المتعلقة بالموت، ثم الصيام المتعلق برمضان، وما يتصل به من الاعتكاف، ذكره في عبادات المكان وعبادات الزمان، فإنه يختص بالمسجد الحرام، والصلاة تشرع في جميع الأرض، والعكوف بينهما.

ثم أتبع ذلك بالنهي عن أكل الأموال بالباطل، وذلك أن المحرم نوعان: نوع لعينه كالميتة، ونوع لكسبه كالربا والمغصوب، فأتبع المنع الثابت بالمحرم الثابت تحريمه لعينه، وذكر في أثناء عبادات الزمان المنتقل الحرام. ولهذا أتبعه بقوله:{يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} [سورة البقرة آية: 189] الآية، وهي أعلام العبادات الزمنية؛ وأخبر أنه جعلها مواقيت للناس في أمر دينهم ودنياهم; وللحج; لأن البيت تحجه الملائكة والجن، فكان هذا نصا في أن الحج موقت بالهلالي الزماني، كما أنه موقت بالبيت المكاني.

ولهذا ذكر بعد هذا من أحكام الحج ما يختص بالزمان مع المكان، من إتمام الحج والعمرة ; وذكر المحصر، وذكر تقديم الإحلال

المتعلق بالمال وهو الهدي، عن الإحلال

ص: 122

المتعلق بالنفس وهو الحلق ; لأن المتحلل يخرج من إحرامه فيحل بالأسهل فالأسهل، ولهذا كان آخر ما يحل عنه الوطء، فإنه أعظم المحظورات، ولا يفسد النسك بمحظور سواه.

وذكر التمتع بالعمرة إلى الحج لتعلقه بالزمان مع المكان، فإنه لا يكون متمتعا حتى يحرم بالعمرة في أشهر الحج، وحتى لا يكون أهله حاضري المسجد الحرام، وهو الأفقي، فإنه الذي يظهر التمتع في حقه لترفهه بسقوط أحد السفرين عنه؛ أما الذي هو حاضر، فسيان عنده، تمتع أو اعتمر قبل أشهر الحج.

ثم ذكر وقت الحج وأنه أشهر معلومات، وذكر الإحرام والوقوف بعرفة ومزدلفة، فإن هذه تختص بزمان ومكان، ولهذا قال:{فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [سورة البقرة آية: 197] ولم يقل والعمرة لأنها تفرض كل وقت.

ولا ريب أن السنة فرض الحج في أشهره، ومن فرض قبل خالف السنة; فإما أن يلزمه ما التزمه كالنذر، إذ ليس فيه نقض للمشروع، وليس كمن صلى قبل الوقت، وإما أن يلزم الإحرام ويسقط الحج ويكون معتمرا، وهذان قولان مشهوران.

ثم أمر عند قضاء المناسك بذكره ; وقضاؤها - والله أعلم - هو قضاء التفث والإحلال. ولهذا قال بعد ذلك: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [سورة البقرة آية: 203] هو أيضا من العبادات الزمانية

ص: 123

المكانية، وهو ذكر الله مع رمي الجمار ومع الصلوات، ودل على أنه مكاني قوله:{فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} [سورة البقرة آية: 203] الآية. وإنما يكون التعجيل والتأخير بالخروج من المكان، ولهذا تضاف هذه الأيام إلى مكانها فيقال: أيام منى، وإلى عملها فيقال أيام التشريق، كما يقال: ليلة جمع، وليلة مزدلفة ; ويوم عرفة، ويوم الحج الأكبر، ويوم العيد، ويوم الجمعة، فتضاف إلى الأعمال وأماكن الأعمال، إذ الزمان تابع للحركة والحركة تابعة للمكان.

فتدبر تناسب القرآن وارتباط بعضه ببعض، وكيف ذكر أحكام الحج فيها في موضعين: موضع ذكر فيه بيته وما يتعلق بمكانه ; وموضع ذكر فيه الأهلة فذكر ما يتعلق بزمانه.

وذكر أيضا القتال في المسجد الحرام، والمقاصة في الشهر الحرام، لأن ذلك مما يتعلق بالزمان المتعلق بالمكان، ولهذا قرن سبحانه ذكر كون الأهلة مواقيت للناس والحج.

وذكر أن البر ليس أن يشقي الرجل نفسه، ويفعل ما لا فائدة فيه، من كونه يبرز للسماء فلا يستظل بسقف بيته حتى إذا أراد دخول بيته لا يأتيه إلا من ظهره، فأخبر أن الهلال الذي جعل ميقاتا للحج شرع مثل هذا، وإنما تضمن شرع التقوى. ثم ذكر بعد ذلك أحكام النكاح والوالدات، وما يتعلق بالأموال، والصدقات والربا والديون وغير ذلك. ثم ختمها

ص: 124