الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(ب) منهج التبليغ
أولا- فى مكة:
بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يبلغ رسالة ربه كما أمر، وكان من الطبيعى أن يعلم بها أولا أسرته التى علمت خبر الناموس من أول مجيئه، فاستجاب للدعوة خديجة وعلى وزيد بن حارثة. وعلم بهذا الأمر خاصة أصحابه فأسلم أبو بكر الصديق، الذى استطاع أن يضم إلى حظيرة الإسلام من أنس فيهم الخير، كعثمان ابن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص
…
ثم أسلم غيرهم من السابقين.
ثم خرجت الدعوة عن نطاق الأسرة الخاصة ومدت رواقها إلى الأسرة العربية العامة التى تمثلها الشخصيات المذكورة، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليواجه الناس بها علنا قبل أن يجس النبض ويتخذ له أعوانا، وحتى يقلب الناس النظر فى الدعوة الجديدة ويبحثوها على مهل. فاستمر على النهج السرى فى الدعوة الذى لا يعدو سماع الناس به وإعجابهم بما جاء به أو دهشتهم إليه.
وقد يكون أمر هذه الدعوة سهلا لو أنها كانت مجرد فكرة لمحمد ولمن يعجب به، دون أن يكلف بعرضها على غيره، ويعلن بها جهرا أنها تهدم ما تواضع عليه
الناس من عقائد وسلوك لا يتفق معها، لكنها دعوة جاءت للتبليغ والنشر. فبعد الفترة السرية التى مهدت لها، جهر بها علنا فى شكل عام، وكان من الطبيعى أن يعلن بها أسرته الكبيرة من قريش، لعلها تسلم معه، أو على الأقل لا تمسه بسوء. فنادى بها على الصفا صادعا بأمر ربه، وبنى نداءه على أسلوب نفسي حكيم، إذ انتزع منهم أولا الاعتراف بأنه صادق أمان، وأنه لا يغشهم ولا يخدعهم، فقال لهم:(أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى؟ ) قالوا: نعم ها جربنا عليك إلا صدقا. قال: (فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد
…
). وقال لهم فى إحدى اللقاءات (إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم)(1). وهذا أسلوب عظيم فى أخذ الحجة على الغير، ولكن عناد القوم صرفهم عن الإيمان به، بل دعاهم إلى الاستهزاء به والكيد له، وصدف الله إذ يقول:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} (2).
لقد أرادوها دعوة أرستقراطية، تنزل على كبار السادة فيهم، ولا يزحمهم فيها سواد الناس من العبيد
(1) رواهما البخارى.
(2)
سورة النمل: 14
والفقراء، وأرادوها دعوة عنصرية تراعى فيها الأحساب والأسر وما إلى ذلك، ولكن الإسلام دين عام لكل الأجناس، وهو فى الوقت نفسه تكريم يكرم الله به من يصطفيه من خلقه لمواصفات أدبية عالية لا تكون لكل الناس.
لقد قال الوليد بن المغيرة: أينزل على محمد وحى وأترك أنا كبير قريش وسيدها، ويترك أبو مسعود الثقفى ونحن عظيما القريتين -مكة والطائف-؟ فأنزل الله في ذلك قوله:{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} (1).
ولما قال الأخنس بن شريق لأبى جهل، وكانا قد سمعا القرآن مع أبى سفيان من النبي ليلا: ما رأيك فيما سمعنا من محمد؟ أجابه: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبى يأتيه الوحى من السماء. فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. ونزل فى ذلك قوله تعالى:
(1) سورة الزخرف: 31، 32
وقد طلبت قريش من النبي أن يطرد من حوله العبيد والفقراء فقال الله له: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (2).
لقى النبي وصحبه من ضروب الأذى ما لقوا، فصبروا وصابروا، وكان رسول الله أسوتهم الحسنة في التحمل، مؤكدا لهم: أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا. عندما قدم له خباب بن الأرت تقريرا شفويا عن سير الدعوة وما يوضع فى طريقها من عقبات، قال له عليه الصلاة والسلام:(إن من كان قبلكم كان يؤتى بالرجل فتحفر له الحفرة ويوضع فيها، وينشر بالمنشار ويشق نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يخرجه ذلك عن دين الله) ثم يقسم بأن الله ناصرهم
(1) سورة الأنعام: 124
(2)
سورة الكهف: 28، 29
فيقول: (والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)(1).
خرج النبي بالدعوة من حدود مكة الجغرافية والقبلية، وذهب بها إلى ثقيف فى الطائف، مؤملا فيهم الخير، ولكنهم ردوه أقبح رد، ومع ذلك لم ييأس من النجاح، ولم يقطع الرجاء فى تكوين أمة مؤمنة ولو بعد حين. بل قال (أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا) ثم دعا لهم وقال:(اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون)(2).
ظل رسول الله يتابع الدعوة على الرغم من كل العقبات، وهداه تفكيره الواسع الممتد إلى أن يوسع دائرة الدعوة لتعم أهل الجزيرة العربية كلها، ممثله فى الوفود التى ترد كل عام تشهد المواسم من جميع القبائل العربية، فحرض الدعوة على القبائل فى لطف، عرضا عالميا ليست فيه أغراض خاصة، ولا حدود تقف بها عند نقطة معينة لا تتجاوزها.
كذلك كان لا يسمع برجل قدم مكة وله شرف في قومه إلا جلس إليه يحدثه عن الإسلام، وبهذه الطريقة
(1) رواه البخارى.
(2)
الروض الأنف ج 1 ص 262
سرى خبر الدعوة إلى الجزيرة كلها تقريبا، فوفد عليه بعض الأفراد بمكة وأسلموا ورجعوا إلى قومهم منذرين، ومن حكمته كان يرجو من هؤلاء الوافدين ألا يأتوا بأقوامهم المسلمين إلى مكة، وهو فى هذه الحالة من الحصار القرشى، حتى لا تكون فتنة، لا يستطيع النبي معها أن يحمى الوافدين فتكون حرب طاحنة تعرقل سير الدعوة وهى ما تزال تحبو، بل أوصاهم أن يلحقوا به إن استقر به المقام.
ومن هؤلاء الوافدين بمكة: الطفيل بن عمرو الدوسى، الذى دعا قومه ثم وفد بهم على النبي بعد فتح مكة، وأبو ذر الغفارى، الذى أسلم نصف قومه بدعوته ثم أسلم الباقون بعد الهجرة، وكذلك وفد على النبي بمكة عشرون رجلًا من النصارى، وقد سمعوا عنه بالحبشة فأسلموا على الرغم من تسفيه قريش لهم.
تخطت الدعوة وهى فى مكة حدود الجزيرة العربية، فوصلت إلى الحبشة فى السنة الخامسة من النبوة، وصلت سماعا وعلما عندما هاجر إليها المسلمون الأولون، ومكثوا فيها عدة سنين، مكونين أول جالية إسلامية بأفريقيا. ولم يكن الغرض من الهجرة تبليغ