الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدعوة بل طلب الأمان والاستقرار بعد أن تزايد اضطهاد قريش لهم. فقابلهم النجاشى واطلع على بعض ما جاءت به دعوة الإسلام، فأنصفهم وحماهم.
وتم لقاء النبي أخيرا بالأولى والخزرج الوافدين من المدينة ففتح الله قلوب أهلها للإسلام، فعادوا ونشروا الدين فى المدينة ومهدوا بكثرة عددهم لهجرة النبي والمسلمين إليها، فكانت الهجرة.
ثانيا - فى المدينة:
بعد الهجرة إلى المدينة وجد النبي صلى الله عليه وسلم -فيها جبهتين معارضتين انضمتا إلى الجبهة الثالثة التى تركها فى مكة وهى قريش، الجبهة الأولى أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، وكان اليهود فى المدينة قوة عظيمة فى العدد والعدد والمال، والجبهة الثانية تمثلت فى المنافقين الذين أسس حزبهم اليهود ووجهوهم إلى الأغراض التى يريدون تحقيقها. فماذا يفعل الرسول الآن؟ .
إنه لم ينزل المدينة ليستريح من أذى قريش فإنه يعلم أنها لن تتركه ينعم بالراحة، ولا تتيح له الفرصة ليقوى فيكون قوة أخرى فى الجزيرة تنافسها السيادة. ولم ينزل المدينة ليستريح من أعباء الدعوة، فإن
الأوامر ما زالت تلاحقه بوجوب متابعة تبليغهما ليبرئ ذمته منها.
(1)
لقد دعا اليهود إلى الإسلام فأبوا. إذ كانوا يعتقدون أنهم خارج نطاقها، لأنهم أهل كتاب لا حاجة لهم بكتاب غيره، ولأن النبي المنتظر كان فى اعتقادهم سيكون من سلالتهم، فاكتفى منهم أولا بعقد معاهدة على حسن الجوار وعلى التعاون على حماية الوطن الذى يضمهم جميعا، وعلى أن يأمنوا على دينهم وأموالهم، وترك لهم الحرية فى التدين، وعاملهم بالحسنى، وإن كانوا لم يبادلوه هذه المعاملة السلمية.
واستمر الرسول على استقبال قبلتهم "بيت المقدس" حتى يشعرهم بأنه ليس بدعا من الرسل، ولم يجئ للهدم والتخريب، بل للإصلاح والتكميل، ولم يجئ بالأنانية والاستئثار، بل بالتعاون والسلام، وعلى الرغم من أنهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وأنهم كانوا يستفتحون به من قبل على الأوس والخزرج، ناصبوه العداء بكل وسيلة، ووضعوا فى طريقه العقبات وحاولوا غير مرة أن يقتلوه.
وقد صفى النبي صلى الله عليه وسلم الحساب معهم فحارب قبيلة بنى قينقاع إحدى قبائلهم، لإهانتهم لسيدة مسلمة فى سوقهم خرقوا بها اتفاق الهدنة وأجلاهم إلى أذرعات
بالشام وكانوا نحو سبعمائة مقاتل. ثم طلب من بنى النضير، قبيلتهم الثانية، التعاون مع يهود بنى عامر حلفائهم فى دفع دية سرية القراء، فهموا بإلقاء حجر عليه من فوق جدار فحاصرهم ثم أجلاهم، فنزل بعضهم بخيبر وبعضهم ذهب إلى أذرعات.
وقد تفاوض بنى النضير مع قريش على حرب الرسول فكانت غزوة الأحزاب، وخان بنو قريظة، قبيلتهم الثالثة، العهد فصفى النبي معهم الحساب وبعد صلح الحديبية قضى على وكر اليهود فى خيبر فأجلى بعضهم وأبقى البعض لزراعة الأرض، وتمم إخضاعهم فى وادى القرى وتيماء، وفى عهد عمر طهرت الجزيرة العربية من فتنهم ورجسهم فلم يبق فيها إلا دين واحد.
(ب) ودعا النبي صلى الله عليه وسلم النصارى إلى الإسلام، ولكن بطريق غير مباشر حيث كانوا ينزلون بعيدا عن المدينة فى أطراف الجزيرة فأرسل إليهم البعوث وأرسل إليهم الكتب كما سيجئ الحديث عنه.
وقد أخبر الله تعالى عن شدة عداوة اليهود للإسلام والمسلمين وعن ضعف مقاومة النصارى للدعوة، كما فى قوله تعالى {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ
آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} " (1).
وأمره ربه أن يصبر على ما يلاقيه من أذى فى المدينة حتى تتهيأ الظروف للانتصاف من الظالمين، ووقفهم عند حدهم، فقال تعالى:{وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} " (2).
وكان جداله لهم بالحسنى، ومعاملته لهم سلاما، ولكن تلك الأساليب لم تجد معهم نفعا، فالحياة الاجتماعية الصحيحة تبادل للشعور والمعاملة ينبغى أن تكون من كل الأطراف لا من طرف دون آخر "فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم"(3).
(جـ) وسار النبي صلى الله عليه وسلم مع المنافقين سيرة أساسها قبول الظاهر والله يتولى السرائر، وكم حدثه أصحابه بوجوب أخذهم بالشدة للأمارات القوية على أنهم يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام تقية {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} (4).
(1) المائدة 82
(2)
آل عمران 186
(3)
التوبة 7
(4)
البقرة 14
ولكن الرسول يأبى خشية أن يقال إن محمدا يقتل أصحابه، والرسول فى حاجة إلى سمعة طيبة تسير بها الدعوة فى الطريق آمنة، وتكسب أصدقاء بقدر ما يمكنها، وبخاصة عندما تكون الدعوة فى بداية أمرها فى مجتمعها الجديد فى المدينة.
حتى إذا استتب الأمر للرسول، وقضى على أكثر أعدائه صفى الحساب مع المنافقين وطهر منهم المجتمع، والحوادث فى ذلك كثيرة.
وعلى طول عهد النبي بالمدينة حدثت عدة التحامات مع قريش توجت بنصر الله وفتح مكة وإسلام المعاندين، وتحطيم آخر وكر لمقاومة الدعوة فى الجزيرة العربية.
كان النبي صلى الله عليه وسلم مشغولا فى المدينة بالعدو الداخلى مِن اليهود والمنافقين، وبالعدو الخارج عنها من قريش ومن سار فى ركابها، ولم يكن لديه الوقت الكافى لنشر الدعوة خارج المدينة بشكل رسمى، فإن أهلها لم يطمئنوا على أنفسهم بعد، فانتهز فرصة الهدنة التى وقعها مع قريش فى الحديبية واتخذ خطوة إيجابية لنشر الدعوة خارج المدينة، سواء أكان ذلك فى داخل الجزيرة أم فى خارجها. وكان يرسل بين الفينة والفينة بعوثا تبلغ الدعوة أو ترشد المسلمين إلى واجبهم.