الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المحتاجة إلى التزود من المعارف الدينية، وينشر مجلة ومطبوعات باللغات المختلفة ويرسلها إلى بلاد كثيرة.
والأزهر هو المؤسسة الأصيلة التى تضطلع بأكبر نصيب فى هذا الميدان، نظرا لمركزه فى العالم وثقة المسلمين به، وله بعوثه الكثيرة فى الخارج وكتبه ومصاحفه التى يرسلها إلى العالم الإسلامي والعاهد التى يشرف عليها فى خارج القطر، والمراكز الإسلامية فى أهم البلاد فى أوروبا وأمريكا وبالمجلة التى تخصص جزءا منها باللغات بالأجنبية ليفيد منها من لا يعرفون العربية من مسلمى العالم، وباستقباله لوفود الطلاب من جميع أنحاء العالم، يعلمهم ويرعاهم ماديا واجتماعيا، حتى يعودوا إلى بلادهم رسل هداية وإصلاح، ولو مكن للأزهر فكان نشاطه أوسع وأثره أعظم. وهذا هو أملنا فى عهده الجديد، وبخاصة فى هذه الظروف التى تحتاج إلى مزيد من العناية بالناحية الروحية فى العالم أجمع.
رابعا:
لا بد من إعداد الداعى الذى يتولى نشر الدعوة العالمية فى الأقطار الخارجية، وإعداده يقوم على ثلاث دعائم أساسية هى التمكن العلمى، أى وفرة
المادة وصدقها، الدراية الفنية التى تساعده على حسن استعمال هذه المادة، والكمال الخلقى والخلقى.
1 -
التمكن العلمى هو زاد الداعى، فليس كل إنسان يصلح لأداء هذه المهمة، والداعى سيتحدث أو يرغم على التحدث فى موضوعات شتى يفرضها عليه واقع البيئة التى يدعو فيها، والظرف الذى يتحتم عليه مراعاته، فلا بد أن يكون عنده علم بكل ما يمكن أن يوجه إليه من أسئلة أو يطلب منه من حديث.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يختار مبعوثيه ويتأكد من مقدرتهم العلمية فى النوع الذى يوفدون من أجله، ومن كيفية التصرف فى المواقف الحرجة، حتى يطمئن إليه ويرجو الخير من وراء بعثه. لقد زود النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل بالمعلومات الكافية والتوجيهات اللازمة عندما بعثه إلى اليمن فقال له: "إنك تأتى قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات فى كل يوم وليلة فإن أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن
هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينهما وبين الله حجاب" (1).
وبعد أن زوده بالقدر اللازم من العلم فى مهمته التى أرسل من أجلها اختبر مدى قدرته على التصرف عندما يجد شئ لم يتلق العلم به أو التوجيه بخصوصه، قال له: كيف تصنع إذا عرض لك قضاء قال: أقض بما فى كتاب الله. قال فإن لم يكن فى كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم يكن فى سنة رسول الله؟ قال: أجتهد برأيى لا آلو جهدا. قال معاذ: فضرب رسول الله صدرى ثم قال: الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله" (2).
إن الثقة العلمية مطلوبة فى الداعى كما يشير إليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما سبق "نضر الله امرأ سمع مقالتى فوعاها وأداها كما سمع" أى أداها أداء صحيحا متقنا لا تزيد فيه ولا تشويه بحال.
وللتمكن العلمى مظاهر نشير إلى بعضها فيما يلى: (أ) أن يكون على معرفة تامة بأحكام الكتاب والسنة، فى العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق وغيرها، وعلى دراية كافية بالسيرة النبوية والتاريخ
(1) رواه البخارى ومسلم.
(2)
رواه أبو داود والترمذى.
الإسلامي، وبالجملة أن يكون عالما بالعلوم الأصيلة للثقافة الإسلامية بفروعها المختلفة، لأن الداعى سيكون ممثلا للدين كله وللمعهد الذى أوفده، فلا بد أن يكون خير ممثل للدين ولمعهده.
(ب) أن يجمع إلى العلم القديم علما حديثا بالمعارف المختلفة التى توضح العلوم الدينية بأسلوب العصر، أن الناس ينتظرون من ممثل الدين ومعهده أن يكون حجة فى العلوم الشرعية، أو خبيرا وقديرا بالنوع الذى ينشره، كما تنتظر منه أن يكون نموذجا مشرفا يعيش مع العصر وأحداثه، ويتصل بالمجتمع وما يعج به من مشاكل، وبالثقافة وما تتنفس عنه من معلومات لأن ذلك كله، إلى جانب وضع الثقة فيه والاحترام له، يساعده على إبراز مبادئ الإسلام وهدايته إبرازا ميسرا.
(جـ) أن يكون على دراية بلغة القوم الذين أرسل إليهم، فاللسان أكبر وسيلة للاندماج مع الناس والالتحام بهم ومعرفة أحوالهم، وأيسر طريق لإيصال المعلومات الدينية إليهم وحسن تفهمهم لها، والعاجز أو الضعيف فى لغة "القوم مقيد بالأغلال لا يستطيع التحرك ولا الانطلاق، وأعمى لا يهتدى إلى الطريق إلا بمن يأخذ بيده ويعتمد عليه.
ولعل هذا هو السر فى أن الرسل تبعث بألسنة أقوامها كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (1).
والتعبير بالتبيين فيه إشارة إلى التمكن من اللغة، لأن التبيين شرح وتوضيح ولا تفيد فيه شذرات لغوية أو عبارات مبهمة غير واضحة، بل ولا أساليب غير قوية. وقد رأيت فيما سبق أن رسل النبي بالكتب إلى الملوك كانوا على علم، ولو إلى حد ما، بلغات البلاد التى أوفدوا إليها، وكانت مهمتهم بسيطة لا تكاد تعدو الدعوة العامة إلى الإيمان، ولكن الذين كانوا يقيمون ليعلموا الناس كان لا بد فيهم من إجادة لغتهم. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم لسان اليهود لمعرفة كتبهم الواردة منهم، وللاتصال بهم اتصالا صحيحا مطمئنا. وكان أبو جمرة يترجم بالفارسية بين ابن عباس وبين وفد عبد القيس كما رواه مسلم (2).
وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض القبائل كانت تراعى فيها لهجاتهم وألفاظهم التى يتفاهمون بها، وكان رده على وفودهم مناسبا للغة التى تحدثوا بها،
(1) سورة إبراهيم: 4
(2)
ج 1 ص 186
عندما وفد بنو نهد عليه قام زعيمهم يشكو الجدب فقال: أتيناك يا رسول الله من غورى تهامة بأكوار. الميس، ترتمى بنا العيس. نستحلب الصبير، ونستخلب الخبير، ونستعضد البرير، ونستخيل الرهام، ونستجيل الجهام، من أرض غائلة العطا، غليظة الوطا، قد نشف المدهن، ويبس الخعثن، وسقط الأملوج، ومات العسلوج، وهلك الهدى، ومات الودى
…
فدعا لهم النبي قائلا: اللهم بارك لهم فى محضها ومذقها وابعث راعيها فى الدثر بيانع الثمر، وافجر له الثمد، وبارك فى المال والولد.
ثم كتب معه كتابا إلى قومه جاء فيه: لكم يا بنى نهد فى الوظيفة الفريضة ولكم الفارض والفريش وذو الضنان الركوب والفلو الفبيس
…
ومن أراد تفسير ذلك فليرجع إلى المواهب اللدنية للقسطلانى (1).
فالتمكن من لغة القوم لا بد منه لنجاح الدعوة.
3 -
الخبرة الفنية: إن الدعوة تربية وتعليم ورعاية وتوجيه لا بد فيها من الدراية بأصول القواعد التربوية والأحوال النفسية، والجاهل بهذه الطرق يخفق كثيرا
(1) ج 1 ص 265.
فى مهمته، فقد يضر من حيث يظن أو يعتقد أنه ينفع، وقد يكون تصرف واحد منه قاضيا على كل جهوده.
لقد نصح النبي صلى الله عليه وسلم معاذا وزميله حين أرسلهما إلى اليمن قائلا: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا"(1). ولما شكا الناس إليه إطالة معاذ فى الصلاة قال له: "أفتان أنت يا معاذ"؟ .
ومن مظاهر الفنية فى الدعوة ما روى أن عمر ابن الخطاب-رضي الله عنه، عندما بلغه أن عظيما بالشام يسرف فى الشراب، كتب إليه آية {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} وآية {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} .
وقال لحامل الكتاب: لا تدفعه إليه حتى يصحو من سكره، ثم قال لإخوانه: ادعوا له بالتوبة. فحسن حال الرجل، ثم قال عمر: هكذا افعلوا إذا أردتم الدعوة، وهذه الخبرة الفنية مستقاة من قول الله تعالى:"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن"(2)، وسيأتى شرح الحكمة فيما بعده.
(1) رواه مسلم.
(2)
سورة النحل: 125
3 -
مما يلزم لنجاح الداعى أن "يكون على خلق كريم، وعلى هيئة غير منفرة.
(1)
فالأخلاق سلاح فعال فى نجاح الدعوة، وهى فى الوقت نفسه دعاية صامتة، قد تغنى عن الدعاية القولية، والأخلاق اللازمة للداعى كثيرة، منها الصبر والتحمل، فميدان الدعوة ميدان جهاد لا بد فيه من متاعب ومشاق، ينبغى أن تقابل بالصبر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو قدوة الدعاة فى ذلك، والشواهد كثيرة زخرت بها كتب السيرة.
ومنها عدم الحرص على الدنيا، والعفة والقناعة التى تملأ النفس رضا، والقلب طمأنينة، وتكف عن التفاهات والدنايا التى يتردى فيها الشرهون الحريصون، وصدق رسول الله إذ يقول "ازهد فى الدنيا يحبك الله، وازهد فيما فى أيدى الناس يحبك الناس"(1).
فليكن رائد الداعى من دعوته هو رضاء الله وحب الخير للناس، وفى الحديث الشريف "من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة
(1) رواه ابن ماجه.
همه جمع الله له أمره، وجعل غناه فى قلبه، وأتته الدنيا وهى راغمة " (1).
ومن الأخلاق استقامة السلوك بوجه عام فى أداء الواجبات والبعد عن المنهيات، حتى يكون الداعى قدوة للناس وحتى يجتذب قلوبهم إليه ويكسب ثقتهم به، وحتى لا يشك الناس فى صدق ما يدعو إليه إذا كان هو غير عامل به، والثقة والمحبة من أقوى عوامل النجاح.
ومن الأخلاق اللازمة للدعاة إذا كانوا فى مكان واحد الاتفاق وعدم الاختلاف، وهذا أمر له أهميته البالغة ولعل مما يعين عليه هو الإخلاص للواجب ورعاية المصلحة العامة، وإطراح الأهواء الشخصية والأغراض الخاصة، فإن الاختلاف بين الزملاء أكبر عوامل الهدم لجهودهم، وأول ما ينزع الثقة منهم، ويسئ إساءة إلى الدعوة بعامة. ولهذا أكد النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ وزميله فى وصيته لهما أن يلتزما التعاون فقال "وتطاوعا ولا تختلفا".
وما يشير إلى أهمية الأخلاق فى الدعوة قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا
(1) رواه ابن ماجه.
وَقَالَ: إنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ" (1) فمدار تفضيل الله للداعى هو العمل الصالح والإخلاص فيه والاستسلام له سبحانه.
وكانت أخلاق الدعاة إلى الله فى الزمن الأول من الأسباب القوية فى سرعة انتشار الإسلام، وتقبل الناس له كما شهد بذلك المؤرخون المنصفون وكل ذلك من هدى النبي صلى الله عليه وسلم فى قوله وفعله الذى فسر معنى الحكمة فى الدعوة، ويحضرنى الآن من ذلك موقفه من اليهودى الذى أراد امتحانه فى أخلاقه فنجح النبي وأسلم الرجل، ذلك أن زيد بن سعنة قال: لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته فى وجه محمد حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما: فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فابتعت منه تمرا إلى أجل، فأعطيته الثمن، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة أتيت فأخذت بمجامع قميصه وردائه، ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت: ألا تقضينى يا محمد حقى، فو الله إنكم يا بنى عبد المطلب مطل. فقال عمر: أى عدو الله أتقول لرسول الله ما أسمع؟ فو الله لولا ما أحاذر فوته لضربت
(1) سورة فصلت: 33
بسيفى رأسك. ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر فى سكون وتؤدة وتبسم، ثم قال: أنا وهو كنا أحوج إلى غير ذلك منك يا عمر، أن تأمرنى بحسن الأداء وتأمره بحسن اتباع الاقتضاء اذهب يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعا مكان ما رعته. ففعل، فقلت يا عمر كل علامات النبوة قد عرفتها فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما يسبق حلمه جهله ولا تزيده شدة الجهل إلا حلما.
فقد خبرتهما، فأشهدك أنى رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمدا نبيا (1).
وروى أنه قال لعمر فى موقف آخر من مواقف الدعوة التى أغلظ فيها الأعرابى، أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيا؟ وقد أسلم الأعرابى لهذه المعاملة وعاد إلى قومه داعيا إلى الإسلام (2).
ومن حسن أخلاف النبي أيضًا فى الدعوة أن أعرابيا دخل المسجد فبال فيه، فصاح الناس به مستنكرين عمله، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:"دعوه ولا تزرموه"
(1) رواه الطبراني وابن حبان والحاكم.
(2)
رواه الدارقطنى والبيهقى والحاكم.
-لا تقطعوا عليه بوله- فلما فرغ دعا بدلو من ماء فصبه عليه (1).
(ب) وحسن هيئة الداعى، فى هندامه الجميل ومظهره الكريم وعدم التشويه المنفر، له دخل كبير فى تقبل ما يدعو إليه، وفى التفاف القلوب حوله، وهذه طبيعة بشرية لا يشك فيها أحد، ولذلك كان رسل الله بريئين من كل ما ينفر الناس، فمهمتهم تأليفهم لا تنفيرهم، وتقريبهم لا إبعادهم.
وإذا لم يكن للداعى نصيب فى الحسن الخلقى الجذاب فليكن ذلك بما يستطيعه من حسن الهندام، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة يلبسها للعيدين والجمعة، كما ذكره ابن القيم (2)، وقال لأصحابه:"ما على أحدكم لو اشترى، إن وجد سعة، ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبى مهنته"(3).
ومما يدل على تأثير المظهر بوجه عام فى الدعوة ما ذكره "أرنولد" فى كتابه "تاريخ الدعوة"(4). إذ يقول: يتحدث سعيد بن الحسن أحد يهود الاسكندرية
(1) رواه مسلم.
(2)
زاد المعاد ج 2 ص 121
(3)
رواه أبو داود وابن ماجة.
(4)
ص 458
الذي اعتنق الإسلام سنة 1238 م، عن مشهد صلاة الجمعة فى مسجد باعتباره عاملا حاسما فى تحوله إلى الإسلام فيقول: وعندما دخلت المسجد ورأيت المسلمين يقفون صفوفا كأنهم الملائكة سمعت هاتفا يقول: هذه هى الجماعة التى أخبر الأنبياء بقدومها، ولما ظهر الخطيب مرتديا عباءته السوداء استولى علىَّ شعور عميق من الرهبة، ولما بدأت الصلاة أحسست بقوة تدفعنى إلى النهوض، لأن صفوف المسلمين بدت أمامى كأنها صفوف الملائكة التى يتجلى الله القدير فى سجداتهم وركعاتهم، وأيقنت فى نفسي أنى خلقت لأكون مسلما.
وقال رينان: ما دخلت مسجدا قط دون أن تهزنى عاطفة حادة أو بعبارة أخرى، دون أن يصيبنى أسف محقق على أننى لم أكن مسلما.
فالمظاهر الحسنة بوجه عام لها أثرها الكبير فى النفوس وبخاصة وسط قوم يحبون ذلك، ولأمر ما أقر عمر رضى الله عنه ما رأى عليه معاوية بن أبى سفيان حين كان واليا على الشام، ورأي ما فيه من المظاهر التى لا عهد للعرب بها، لأنه عرفه أنه بين قوم يقدسون هذه المظاهر، والذكى اللبق هو من عرف كيف يسيطر على القوم وبأي وسيلة ينجذبون إليه.
وبهذا تعرف أن إعداد الداعي علميا وخلقيا وفنيا له أثره الكبير فى نجاح الدعوة، ولا بد لهذا من ترتيبات خاصة ودراسة معينة، وتوجيهات فعالة واختيار موفق، إن هذا الإعداد لا يكون بمثل التوجيهات العامة لفترة محدودة، بل لا بد أن يستغرق سنين طويلة وبخاصة من أجل، الاطمئنان على الناحية الفنية والخلقية، إن بعث واحد فيه هذه المواصفات كاملة خير من ألف ينقصهم هذا الإعداد، إن الإرساليات الدينية فى أوربا لها معاهدها ومؤسساتها الخاصة يربى فيها الدعاة على نظام دقيق، وبخاصة من الناحية الخلقية، وقد يكون من الأوفق التفكير فى إنشاء معاهد لتخريج الدعاة تكون مناهجها متناسبة مع مهمتهم، ولا يلحق بها إلا المعروفون بالملاحظة والتجربة الدقيقة أنهم ذوو أخلاق حسنة ترشحهم للقيام بهذه المهمة النبيلة.
ويعجبنى في هذا المقام حديث للمرحوم الشيخ المراغى فى جريدة الدستور سنة 1938 جاء فيه:
ومن لوازم الداعى أن يكون شجاعا صادقا قوى الإيمان بما يدعو إليه، يرى في الإقدام لذة وحقا للنفس الخيرة، يؤديه احتسابا لله لا على أنه مكلف به يؤديه للأجر وزيادة الدرجات والمرتبات، ومن حق الداعى