الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جبهات المقاومة لعالمية الإسلام
لقد تعرضت الدعوة الإسلامية لعدة مصادمات من أول يوم نادى فيه الرسول قومه إلى التوحيد، واتخذت هذه المصادمات عدة ميادين، فهى لم تقف عند حد التكذيب للدعوة، بل تعدنا إلى ميدان العمل الإيجابى لوقف تيار الإسلام الجارف ومدة الواسع، وحيكت له عدة مؤامرات من داخل المجتمع الذى يعيش فيه النبي وصحبه، على يد المنافقين واليهود وغيرهم من الرعايا الموجودين بين المسلمين، ومن خارجه فى الدول المحيطة النافسة على القوة الجديدة التى غطت على كل قوة فى هذه المنطقة.
وكان للأعداء على مختلف ألوانهم وميادينهم أساليب منوعة فى هذا السبيل، وقد سمعنا فى التاريخ عن الغزوات التى وجهت إلى الإسلام، إما بالسلاح المادى فى الميدان المكشوف، وإما بالسلاح المعنوى من وراء الجدر، فمرة بالتشكيك فى أصل الدين، وبالدعوة إلى الإلحاد، ومرة بالغزو الثقافى لتحل الآراء الهدامة محل الآراء الدينية، وأخرى بالغزو الخلقى والاجتماعى لينسلخ المسلمون من مقومات شخصيتهم
الأصيلة، وكذلك بالنظم السياسية وقواعد الحكم بمسمياتها المختلفة، وعناوينها الخلابة.
وعلى الرغم من كل هذه المصادمات فإن الدعوة العالمية ما تزال ثابتة صامدة، بل مندفعة بقوة تخطت كل الحواجز والعقبات، لأنها -كما قدمنا- تحمل عوامل قوتها فى نفسها، غير إن هذا الإثبات وهذه المواجهة يختلفان كيفا حسب ما يكون عند المسلمين من إيمان وتعلق بالدين وغيرة على الدعوة إليه.
دعا من المقومات العنيفة التى واجهتها الدعوة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم من قريش اليهود وغيرهم، فكتب السيرة وفت هذا الموضوع حقه، والمقام هنا مقام إيجاز يكفى فيه أن نعطى لمحة خاطفة للعبرة والعظة.
حدثت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، مصادمات حربية معروفة، وبخاصة مع الفرس والرومان ثم كانت الفتوح الممتدة شرقا وغربا وإلى كل البلاد، كما عرفت من السرد الموجز لسير الدعوة. ومع المصادمات الحربية كانت مؤامرة اغتيال عمر بن الخطاب، والفتنة التى استشهد فيها عثمان، والمصادمات الداخلية بين جبهتى علي ومعاوية، واستغلال ذلك
كله للقضاء على الدين، حيث ظهرت الفرق ولعب لعبته عبد الله بنُ سبأ اليهودى ليطيح بالعقيدة الإسلامية الموحدة لكلمة المسلمين "إن هذه أمتكم "أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" (1).
وكانت الشعوبية أصبعا من أصابع الهدم لبناء الإسلام، والعودة به إلى عهد الجاهلية حيث التعصب للأنساب والأحساب، واتخذت هذه الحركة مركزها فى فارس على الباب الشرقى لدار الحرب، فظل بعض الفرس متمسكين بماضيهم البائد، ممتلئة قلوبهم حسرة على ضياع مجدهم السياسي، على الرغم من قيام دولة إسلامية كبيرة فى بلادهم وعلى أكتافهم وبجهودهم.
لقد تجنب الشعوبيون العداء السافر مع العرب أولا، وانتهزوا الفرصة المواتية للأساليب الخفية الأخرى، فقد عمد بعضهم إلى وضع كتب فى مثالب العرب والحط من شأنهم، حتَّى قال قائلهم إسماعيل بنُ سيار، الذى لم يشكر تكريم الخلفاء له.
أصلي كريم ومجدى لا يقاس به
…
ولى لسان كحد السيف مسموم
(1) سورة الأنبياء: 99.
من مثل كسرى وسابور الجنود معا
…
والهرمزان لفخر أو لتعظيم
أسد الكتائب يوم الروع إن زحفوا
…
وهم أذلوا ملوك الترك والروم
هناك إن تسألى تنبى بأن لنا
…
جرثومة قهرت غر الجراثيم
وقد رأينا فى خطبت زياد بن أبيه ما يشير إلى هذه الفتنة الشعوبية: إياكم ودعوى الجاهلية، فإني لا أجد أحدًا دعا بها إلَّا قطعت لسانه، كما كان للحجاج موقفه الشديد إزاءها أيضًا.
لقد انتهز قوم من "راوند" فرصة قيام أبي مسلم الخرسانى بالدعوة إلى العباسيين فروجوا معتقداتهم القديمة القائلة بالحلول والتناسخ. وأرادوا أن يستغلوها فى التقرب إلى أولى الأمر، فزعموا أن روح الله انتقلت إلى على وأبنائه من بعده، حتَّى وصلت أخيرًا إلى أَبى مسلم الخرسانى الثائر. ضد الأمويين. واستمروا فى فتنتهم حتَّى نادوا بأن المنصور العباسى هو ربهم الأعلى.
ثم أخمدت هذه الفتنة، كما أخمدت فتنة الخرمية -نسبة إلى خرما زوجة مزدك زعيم الإباحية القديمة عند الفرس- عندما استعان هؤلاء بالبيزنطيين للنيل
من الدولة الإسلامية، وكذلك قضى على جماعة الحشاشين بالظاهر والباطن والذين قادوا حركة اغتيالات سرية، كما أخمدت حركة القرامطة التى سعت فى الأرض فسادا، ولم تنج منها الأراضى المقدسة.
وقد لعب الزنادقة أيضًا دورًا خطيرًا ضد الإسلام وضد العرب، عن طريق التشكيك فى الأصول الثابتة والدعوة إلى التحلل من القيود.
واعتمدوا على المانونية إحدى الديانات القديمة، وجرحوا رجال العرب وفقهاء الإسلام، ومجدوا الفرس وتاريخهم. ووجد هؤلاء مسرحًا لنشاطهم بيوت البرامكة الذين شجعوا للهو ومجالس الغناء بما فيها من منكرات. حتَّى قال قائلهم:
يبكى على طلل الماضين من أسد
…
لا در درك قل لى من بنو أسد
ومن تميم ومن قيس ولفهما
…
ليس الأعاريب عند الله من أحد
دع ذا، عدمتك، واشربها معتقة
…
صفراء تفرق بين الروح والجسد
وإلى جانب هذه الحركات التى ظهرت فى وسط المجتمع الإسلامى وجدت حركات خطيرة فى الخارج