الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الحادى عشر فى [التأكيد]
اعلم أن التأكيد تمكين الشىء فى النفس وتقوية أمره، وفائدته إزالة الشكوك وإماطة الشبهات عما أنت بصدده، وهو دقيق المأخذ، كثير الفوائد، وله مجريان.
«المجرى الأول» عام وهو ما يتعلق بالمعانى الإعرابية
،
وينقسم إلى لفظى ومعنوى، وليس من همنا إيراده ههنا لأمرين، أما أولا فلانحراف ما يتعلق بمقاصد الإعراب عما يتعلق بمقاصد البلاغة، وما نحن فيه إنما هو كلام فى مقاصد البلاغة، وأما ثانيا فلأن كتابنا إنما يخوض فيه من له ذوق فى علم العربية وكانت له حظوة وافرة فيها.
«المجرى الثانى» خاص يتعلق بعلوم البيان
،
ويقال له التكرير أيضا، وليس يخفى موقعه البليغ ولا علو مكانه الرفيع، وكم من كلام هو عن التحقيق طريد، حتى يخالطه صفو التأكيد، فعند ذاك يصير قلادة فى الجيد، وقاعدة للتجويد، ثم ما يكون متعلقا بعلوم البيان قد يكون تأكيدا فى اللفظ والمعنى، وقد يتعلق بالمعنى دون اللفظ، فهذان قسمان
القسم الأول ما يكون تأكيدا فى اللفظ والمعنى جميعا
اعلم أن ما نورده فى هذا القسم ينبغى إمعان النظر فيه لغموضه ودقة مجاريه، ومن أجل ورود التأكيد من جهة اللفظ والمعنى والتكرير فى كتاب الله تعالى ظن بعض من ضاقت حوصلته، وضعفت بصيرته عن إدراك الحقائق، والتطلّع إلى مآخذ الدقائق أنه خال عن الفائدة، وأنه لا معنى تحته إلا مجرد التكرير لا غير، وهذا خطأ وزلل، فإن كتاب الله تعالى لم يبلغ حد الإعجاز فى البلاغة والفصاحة سواه من بين سائر الكلمات، ولو كان فيه ما هو خال عن الفائدة بالتكرير لم يكن بالغا هذه الدرجة ولا كان مختصا بهذه المزية، وأيضا فإن سائر الكلمات التى هى دونه فى الرتبة قد يوجد فيه التكرير مع اشتمالها على الفائدة فكيف هو؟! ونحن الآن نعلو ذروة لا ينال حضيضها فى بيان معانى الألفاظ المكررة، فى لفظها ومعناها فى كتاب الله تعالى، ونظهر أنها مع أن تكريرها، إنما كان لمعان
جزلة، ومقاصد سنيّة بمعونة الله تعالى، فمن ذلك قوله تعالى فى سورة الرحمن: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (13)
[الرحمن: 13] فهذا تكرير من جهة اللفظ والمعنى، ووجه ذلك أن الله تعالى إنما أوردها فى خطاب الثقلين الجن والإنس، فكل نعمة يذكرها، أو ما يئول إلى النعمة، فإنه يردفها بقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (13)
تقريرا للآلاء، وإعظاما لحالها، ومن ذلك فى سورة القمر قوله: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (18)
[القمر: 17- 18] وإنما كرره لما يحصل فيه من إيقاظ النفوس بذكر قصص الأولين، والاتّعاظ بما أصابهم من المثلات، وحل بهم من أنواع العقوبات، فيكون بمنزلة قرع العصا، لئلا تستولى عليهم الغفلة، ويغلب عليهم الذهول والنسيان، وهكذا ما ورد فى سورة المرسلات وغيرها، وإنما كرر ذلك لأنه لما ذكر يوم القيامة وأنه كائن لا محالة، ثم عدد هذه الأمور كلها، وأنها كالدلالة عليه، وما من واحدة منها إلا ويعقبها بقوله: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (19)
[المرسلات: 19] مبالغة فى الإنكار عليهم وتأكيدا لوقوع السخط والغضب لأجل تكذيبهم، وحذارا عن الإتيان بمثل ما أتوا به من إنكار هذا اليوم العظيم، وهكذا القول فيما ورد من الآيات المكررة، فإنها لم تتكرر إلا لمقصد عظيم فى الرمز إلى ذلك المعنى الذى سيقت من أجله، فليحكّ الناظر قلبه فى إدراك تلك اللطائف، وليجعلها منه على بال وخاطر، ولا يتساهل فى إحرازها فيلمحها بمؤخر عينه، فإنها مشتملة على أسرار ورموز، ومن أحاط بها فقد أوتى من البلاغة مفاتيح الكنوز، هذا كله فيما تكرر لفظه مرات كثيرة، من آى التنزيل، فأما ما كان تكريره مرتين فهو غير خال عن فائدة ظاهرة، وهذا كقوله تعالى: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ
[الأنفال: 7] ثم قال بعد ذلك لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ
[الأنفال: 8] فهذا وإن تكرر لفظه ومعناه، فلا يخلو عن حال لأجله وقع التغاير، وذلك من وجهين، أما أولا فلأن الأول وارد على جهة الإنشاء، والثانى وارد على جهة الخبر، وأما ثانيا فلأن الأول وارد فى الإرادة، والثانى وارد فى الفعل نفسه، ولأن الأول الغرض به إظهار أمر الدين بنصرة الرسول بقتل من ناوأه، ولهذا قال بعده وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (7)
[الأنفال: 7] والغرض بالثانى التمييز بين ما يدعو الرسول إليه من التوحيد، وإخلاص العبادة لله، وبين أمر الشرك وعبادة الأصنام، ولهذا قال بعده وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)
[الأنفال: 8] ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
[الحجرات: 15] ثم قال بعد ذلك إِنَ
الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
[النور: 62] فظاهر هذه الآية التكرير، وليس الأمر كذلك فإن الحصر وإن كان شاملا لهما، لكنه مختلف، فالآية الأولى إنما وردت فى حصر الإيمان، وأنه لا إيمان حقيقة إلا الإيمان بالله ورسوله، وما عداهما لا يعد من الإيمان، ولا يكون داخلا فى ماهيته، وتعريضا بحال من أنكر التوحيد والنبوة، فإنه غير داخل فى هذه الصفة بحال، والآية الثانية فإنما وردت على جهة الحصر فى المستأذنين، كأنه قال صفة الاستئذان مقصورة على كل من آمن بالله ورسوله، فلا يتأخر إلا بأمر من جهتك، ولا يقدم ولا يحجم إلا عن رأيك، لاطمئنان نفسه بالإيمان، ورسوخ قدمه فيه، فهذا هو المستأذن حقيقة، فأما من كان غير مؤمن بالله ولا معرج على التصديق بك، فليس من استئذانك فى ورد ولا صدر، فقد ظهر بما ذكرناه تغاير الآيتين بما أبرزناه من معناهما، فهكذا تفعل فى كل ما ورد عليك من الآى القرآنية، فإن التكرير فيه كثير، ورب كلام يكون الإطناب فيه أبلغ من الإيجاز، وتصير البساطة له كالعلم والطراز، ولولا خشية الإطالة لأوردنا جميع التكريرات كلها، وأظهرنا تغايرها، وفيما أشرنا إليه كفاية لما نريده من ذلك، ومن التكرير الفائق ما ورد فى السنة الشريفة كقوله صلى الله عليه وسلم فى وصف يوسف الصديق عليه السلام «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم» يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، يعنى أنه نبى ابن نبى ابن نبى ابن نبى، فقد تنوسخ من الأصلاب الشريفة إلى الأرحام الطاهرة، فهذا تكرير بالغ دال على نهاية الشرف، وإعظام المنزلة، ورفع الرتبة عند الله، ومنه قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه «اللهم إنى أستعديك على قريش ومن أعانهم، فإنهم قطعوا رحمى وصغّروا عظيم قدرى، وأجمعوا على منازعتى أمرا هو لى ثم قالوا ألا فى الحق أن نأخذه، وفى الحق أن نمنعه» وإنما كرر قوله فى الحق، مبالغة فى التوجّع، وإعظاما فى التهكّم بهم، حيث اعتقدوا أن منعه هو الحق بزعمهم، فهذا من التكرير الذى قد بلغ فى الفصاحة أعلاها، وأصعد فى ذروتها وحل أقصاها كما ترى، ومن الأبيات الشعرية ما يليق ذكره ههنا، فمن ذلك قول المتنبى «1» :
العارض الهتن بن العارض الهتن ب
…
ن العارض الهتن بن العارض الهتن
فهذا من باب التكرير، ثم من الناس من صوبه فى تكريره هذا. ومنهم من قال إنه قد