الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فى اخضرار من اللباس على اص
…
فر يختال فى صبيغة ورس
أراد على فرس أصفر فحذفه للعلم به.
الوجه الثانى [حذف الصفة وإقامة الموصوف مقامها]
، وهذا يكون على القلة، ولا يكاد يقع فى الكلام إلا نادرا، فمن ذلك ما قاله شيخ الصناعة فى الإعراب «سيبويه» حكاية عن العرب «سير عليه ليل» وهم يريدون، ليل طويل، ومن ذلك أن يتقدم مدح إنسان والثناء عليه فتقول بعد ذلك، «كان والله رجلا» أى فاضلا جوادا كريما، وهكذا تقول «سألناه فوجدناه إنسانا» أى عالما خبيرا بالعلوم، والتفرقة بين الصفة والموصوف حيث كان حذف الموصوف أكثر دون صفته، هو أن الصفة من حقها أن تأتى من أجل إيضاح الموصوف وبيانه، فلما كانت الصفة مختصة بالإيضاح والبيان، كثر لا شك قيامها مقام الموصوف، بخلاف الموصوف، فإنه يكثر إبهامه من غير ذكر الصفة، فلا جرم كان قيامه مقام الصفة قليلا نادرا يرد حيث ذكرناه.
النوع الرابع حذف الحروف
،
ولما كانت أحرف المعانى كثيرة الدور والاستعمال فى الكلام، توسعوا فى الإيجاز بحذفها، وذلك يأتى على أوجه.
أولها [حذف «لا» ] من الكلام وهى مرادة
، وذلك كقوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ
[يوسف: 85] أراد لا تفتأ ومعناه لا تزال، فحذفت توسعا وإيجازا وهى مرادة، وعلى هذا ورد قول امرىء القيس «1» :
فقلت يمين الله أبرح قاعدا
…
ولو قطّعوا رأسى لديك وأوصالى
أى لا أبرح، فحذفت وهى مرادة، وكقول أبى محجن الثقفى لما نهاه سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه عن شرب الخمر وهو يومئذ فى قتال الفرس بالقادسية:
رأيت الخمر صالحة وفيها
…
مناقب تهلك الرجل الحليما
فلا والله أشربها حياتى
…
ولا أسقى بها أبدا نديما
وثانيها [حذف الواو] وإثباتها فى الكلام
فمتى وجدت فى الكلام فإنها تؤذن بالتغاير بين الجملتين، لأن الواو تقتضى المغايرة، ومتى كانت محذوفة فإنها تدل على البلاغة بالإيجاز،
وتصير الجملة جملة واحدة، ويصدّق ما قلناه حديث أنس بن مالك رضى الله عنه قال:
«كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون لا يتوضئون» وفى حديث آخر بإثبات الواو. وفى قوله: «ولا يتوضئون» فالواو دالة على انفصال الجملة عما قبلها وعلى مغايرتها له، وحذف الواو فيه دلالة على اتصال الجملة الثانية بالأولى والتحامها بها، حتى كأنها أحد متعلقاتها؛ لأنها إذا كانت الواو محذوفة فيها كانت فى موضع نصب على حال، وكان الجملتان كأنهما أفرغا فى قالب واحد، كأنه قال:«ينامون ثم يصلون غير متوضئين» ومع هذا يكون الكلام أشد إيجازا وأعظم بلاغة. ومن أعجب مثال فيما نحن بصدده قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ
[آل عمران: 118] لأن التقدير وودوا ما عنتم وقد بدت البغضاء من أفواههم، فلما حذفت هذه الواو كان الكلام مع حذفها أدخل فى الإعجاز، وأحسن فى الاختصار والإيجاز، وأبلغ فى تأليفه ونظمه، وأحلى فى سياقه وعذوبة طعمه، لا يقال: فإن الواو قد جاءت ثابتة فى قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (4)
[الحجر: 4] وجاءت محذوفة فى مثل قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ (208)
[الشعراء: 208] فهل من تفرقة بين إثباتها وحذفها، وما ضابط الحذف والإثبات فيما هذا حاله، لأنا نقول: أما التفرقة فهى ظاهرة: فإن الواو إذا كانت محذوفة فهى فى حكم التكملة والتتمة لما قبلها، تنزل منزلة الجزء منها كما أوضحناه، وإذا كانت الواو موجودة كانت فى حكم الاستقلال بنفسها، فعلى هذا تقول:
ما جاءنى زيد إلا وهو ضاحك وما لقيته إلا وهو راكب، فتثبت الواو وتحذفها على التنزيل الذى ذكرناه، وما هذا حاله فهو تفريغ فى الصفات فى الاستثناء كما ورد فى الآيتين جميعا بالواو وحذفها على الجواز فيهما، وأما الضابط لدخولها فى الصحة والامتناع فنقول: كل اسم نكرة جاء قبل «إلا» فإنك تنظر إلى العامل فى تلك النكرة، فإن كان ناقصا فإنه يمنع الإتيان بالواو، وهذا كقولك ما أظن درهما إلا هو كافيك، ولا يجوز بالواو فلا تقول: إن رجلا وهو قائم لما كان العامل الأول يفتقر إلى تمام؛ لأن الظن يفتقر إلى مفعولين ويحتاج إلى خبر فلهذا استحال وجود الواو ههنا لما قررناه، وإن كان العامل فى النكرة تاما، فإنه يجوز الإتيان بالواو وتركها، وعلى هذا تقول: ما جاءنى رجل إلا وهو ضاحك بإثبات الواو وحذفها كما أشرنا إليه.