الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تنبيه
اعلم أنا لما فرغنا من تقسيم المقابلة وبيان أمثلتها فلنذكر على أثره الكلام فى المؤاخاة بين المعانى، والمؤاخاة بين الألفاظ، فأما المؤاخاة اللفظية فإنه ينبغى ويحسن مراعاتها، كالإفراد والتثنية والجمع وغير ذلك من الأحكام اللفظية، فإذا كان الأول مفردا استحب فى مقابله أن يكون مفردا مثله، وهكذا إذا كان مجموعا، ومن ثم عيب على أبى تمام قوله فى وصف الرماح «1» :
مثقّفات سلبن العرب سمرتها
…
والروم زرقتها والعاشق القصفا
فلما ذكر العرب الروم كان الأخلق به أن يقول «والعشاق» ليوافق الأول فى كونها جموعا كلها، وكذلك لما ذكر الزرقة والسمرة كان الأولى أن يقول «دقّتها» أو يقول «قصفها» ليطابق ما سبق من ذلك، وهكذا ورد فى قول أبى نواس فى وصف الخمر قال «2» :
صفراء مجّدها مرازبها
…
جلّت عن النّظراء والمثل
فجمع ثم أفرد فى معنى، فكان الأحسن أن يقول «والأمثال» ليطابق النظراء، أو يقول «النظير» ليطابق «المثل» وهكذا ورد قوله أيضا على مثل ذلك «3» :
ألا يابن الذين فنوا فماتوا
…
أما والله ما ماتوا لتبقى
وما لك فاعلمن فيها مقام
…
إذا استكملت آجالا ورزقا
وكان الأحسن أن يقول: إما أجلا ورزقا فيفردهما جميعا، وإما أن يقول: آجالا وأرزاقا، فيجمعها جميعا من غير مخالفة بينهما، وهذا الذى ذكرناه من هذه المراعاة ليست على جهة الوجوب، بل المراد من ذلك طريقة الحسن والإعجاب، ولهذا ورد فى كتاب الله تعالى كقوله تعالى: طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ
[النحل: 108] وقوله تعالى:
شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ
[فصلت: 20] وقوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
[البقرة: 7] فلو كان ركيكا لما ورد فى القرآن، وهو أفصح
الكلام كله، هذا كله فى اعتبار المؤاخاة اللفظية، وأما المؤاخاة المعنوية فهى واردة فى القرآن كثيرا، وهذا إنما يكون فى فواصل الآى، فإنها تأتى مطابقة على ما سبق من معنى الآية ومثاله قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63)
[الحج: 63] وكقوله تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64)
[الحج: 64] وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (65)
[الحج: 65] فالآية الأولى إنما فصلها بقوله: لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63)
لما فيه من المطابقة لمعناها، لأنه ضمّنها ذكر الرحمة للخلق بإنزال الغيث لما فيه من المعاش لهم ولأنعامهم، فكان لطيفا بهم خبيرا بمقادير مصالحهم، وأما الآية الثانية فإنما فصلها بقوله الغنى الحميد، ليطابق ما أودعه فيها، لأنه لما ذكر أنه مالك لما فى السموات والأرض لا لحاجة، قابله بقوله لهو الغنى، أى عن كل شىء لأن كل غنى لا يكون نافعا بغناه إلا إذا كان جوادا به منعما على غيره فإنه يحمده المنعم عليه، فذكر الغنى ليدل به على كونه غير مفتقر إليها، وذكر «الحميد» لما كان جوادا بها على خلقه، فلا جرم استحق الحمد من جهتهم، وأما الآية الثالثة فإنما فصلها «برؤوف رحيم» لأنه لما عدّد جلائل نعمه وكانت كلها مسخّرة مدبّرة وكانوا لولا رحمته متعرضين بصددها لمتالف عظيمة من الأهوال البحرية والآفات السماوية، فلما كانت فى أنفسها متعرضة لهذه الأمور عقبها بذكر الرأفة والرحمة لينبه على كمال لطفه وعظيم رحمته بالخلق، وهكذا القول فى سائر الفواصل القرآنية، فإنك لا تزال تطلع منها على فوائد مناسبة لتلك الفاصلة كما أشرنا إليه.