الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لقد صبرت فى الذل أعواد منبر
…
تقوم عليها فى يديك قضيب «1»
فهذا ذم لم يرتكب فيه شططا، ولا رام فيه فرطا بل وصفها بالذل لكونها حاملة له، لأن من هوانها كونه راكبا لها عاليا عليها، فهذا تقرير الأمثلة فيما جرى من الكلام على جهة الاقتصاد.
المرتبة الثانية فيما يجرى على جهة [التفريط]
فيورد على جهة التقصير فى المعبر عنه، والتضييع والإهمال له، فمن ذلك ما قاله الفرزدق:
ألا ليتنا كنا بعيرين لا نرد
…
على حاضر إلا نشلّ ونقذف
كلانا به عرّ يخاف قرافه
…
على الناس مطلى المساعر أخشف «2»
فما هذا حاله من جملة التفريط لكونه من جملة الأمنيات النازلة، والمقاصد السخيفة، التى لا ثمرة لها ولا جدوى عندها، فإن حاصل ما قال فى هذين البيتين أنه قصر أمنيته على أن يكون هو ومحبوبه، كبعيرين أجربين لا يقربهما أحد، ولا يقربان أحدا، إلا طردهما، نفارا منهما، وعيفة لمقاربتهما، لما فيهما من العر، وهو داء يصيب الإبل فى مشافرها، والأخشف بالخاء والشين المعجمتين. البعير الذى يجترىء على المسير بالليل، والقراف: المداناة والقرب، وغرضه من ذلك كله البعد عن الناس بمنزلة من به داء عظيم يتأفف منه ويبعد عنه، ولقد كان له مندوحة عن مثل هذه الأمانى السخيفة البعيدة، فأين هذا من قول من قال فى الأمانى الرقيقة، والطرائف الرشيقة:
يارب إن قدّرته لمقبّل
…
غيرى فللمسواك أو للأكؤس
وإذا حكمت لنا بعين مراقب
…
فى الدهر فلتك من عيون النرجس
فانظر ما بين الأمنيتين من التفاوت العظيم ومن أمثلة التفريط ما قاله أبو تمام يمدح رجلا:
يتقى الحرب منه حين تغلى
…
مراجلها بشيطان رجيم «3»
فما هذا حاله فى المديح، من التفريط والإهمال والتضييع الذى لا يمدح بمثله بحال، لما فيه من مقابلة الممدوح بأقبح الأسماء، وأسوإ الصفات وكقوله أيضا يمدح رجلا:
ما زال يهذى بالمكارم والعلا
…
حتى ظننا أنه محموم «1»
وكقوله أيضا:
أنت دلو وذو السماح أبو مو
…
سى قليب وأنت دلو القليب
فما هذا حاله من المدائح التى نزلت فى الركة وكانت معدودة فى التفريط البالغ، ومن أمثلة التفريط ما قاله البحترى يمتدح الفتح بن خاقان فى قصيدته المشهورة ويذكر فيها لقاءه للأسد وقتله له:
شهدت لقد أنصفته حين تبترى
…
له مصلتا عضبا من البيض مقضبا
فلم أر ضرغامين أصدق منكما
…
عركا إذا الهيّابة النّكس كذّبا «2»
فقوله: إذا الهيابة النكس كذبا. ليس فيه مدح، وقد فرط فى إيراده مدحا لهذا الرجل، وكان الأخلق بالمدح أن يقول، إذا البطل كذب، لأنه الأمدح فى إقدام المقدم فى الموضع الذى يفر منه الجبان، إذ لا فضل فى مثل هذا، وإنما الفضل فيما قاله أبو تمام:
فتى كلما ارتاد الشجاع من الردى
…
مفرا غداة المأزق ارتاد مصرعا
ومن التفريط ما قاله بعض الشعراء:
وتلحقه عند المكارم هزة
…
كما انتقض المحموم من أم ملدم
فهذه الأمثلة كلها من المدائح التى وقع التفريط فيها ولا يجوز استعمالها، فالمعنى فيها وإن كان حسنا جيدا، ولكنه لأجل العبارة كان مستقبحا مسترذلا، تعافه الطباع، وتمجه الأسماع، وليس من التفريط شىء فى كتاب الله تعالى:، ولا فى السنة النبوية، ولا ورد فيه شىء من كلام أمير المؤمنين، حراسة من الله تعالى: لها وكلاءة منه عنها، فأين ما ذكره هذا الشاعر مما قاله ابن الرومى يمدح أقواما:
ذهب الذين تهزهم مدّاحهم
…
هزّ الكماة عوالى المرّان
كانوا إذا مدحوا رأوا ما فيهم
…
فالأريحية منهم بمكان