الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصاحة. ومن الإيجاز بالتقدير ما قاله على بن جبلة:
وما لامرىء حاولته منك مهرب
…
ولو حملته فى السماء المطالع
بلى هارب لا يهتدى لمكانه
…
ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع
ومن ذلك ما قاله النابغة الذبيانى «1» :
فإنك كالليل الذى هو مدركى
…
وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
ومن ذلك ما قاله الأعشى فى اعتذاره إلى أوس بن لأم لما هجاه:
وإنى على ما كان منى لنادم
…
وإنى إلى أوس بن لأم لتائب
وإنى إلى أوس ليقبل عذرتى
…
ويصفح عنى ما جنيت لراغب
فهب لى حياتى والحياة لقائم
…
بسرك منها خير ما أنت واهب
سأمحو بمدح فيك إذ أنا صادق
…
كتاب هجاء سار إذ أنا كاذب
ولقد أتى الأعشى فى شعره هذا بالعجب العجاب وحير فيه الأفئدة وسحر الألباب، لما ضمنه فيه من رقة الألفاظ، التى تولّع بها كلّ ذكى حفّاظ.
الضرب الثانى فى بيان [الإيجاز بالقصر]
،
وهو الذى تزيد فيه المعانى على الألفاظ وتفوق، وكتاب الله تعالى مملوء منه، ولنورد فيه أمثلة خمسة كما فعلنا بالضرب الأول بمعونة الله تعالى.
«المثال الأول» قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (199)
[الأعراف: 199] فقد جمع فى هذه الآية جميع مكارم الأخلاق؛ لأن فى العفو الصفح عمن أساء، والرفق فى كل الأمور، والمسامحة والإغضاء، وفى قوله وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
صلة الأرحام، ومنع اللسان عن الكذب والغيبة، وغض الطرف عن كل مّحرم، وغير ذلك، وفى الإعراض عن الجهال، والصبر والحلم، وكظم الغيظ. فهذه الألفاظ وإن قلّت فقد أنافت معانيها على الغاية، ولم تقف على حد ونهاية، وهذا النوع هو أعلى طبقات الفصاحة مكانا، وأعوزها إمكانا. ومن هذا قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[البقرة: 179] فانظر إلى هذه اللفظة الجميلة كم يندرج تحتها من المعانى التى لا يمكن حصرها، ولا ينتهى أحد إلى
ضبطها، فأين هذه عما أثر عن العرب من قولهم «القتل أنفى للقتل» . وقد تميزت الآية عنه بوجوه ثلاثة، أما أولا فلأن قوله: الْقِصاصِ حَياةٌ
لفظتان، وما نقل عنهم فيه أربع كلمات. وأما ثانيا فالتكرير فيما قالوه، وليس فى الآية تكرير، وأما ثالثا فلأنه ليس كل قتل نافيا للقتل، وإنما يكون نافيا إذا كان على جهة القصاص، وكم فى القرآن من هذا القبيل.
«المثال الثانى» ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا كقوله عليه السلام «الخراج بالضّمان» .
والسبب فى ذلك هو أن رجلا اشترى من غيره عبدا فأقام عنده مدة ثم وجد به عيبا فخاصمه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنى أستغل عبدى. فقال:«الخراج بالضمان» ومعنى هذا أن غلّته تكون للمشترى، لأنه لو تلف قبل الرد كان تالفا من ضمانه، فلهذا كان ضمانه عليه، ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم:«لا ضرر ولا ضرار فى الإسلام» ومعنى قوله: «لا ضرر» أى لا ينبغى لأحد أن يضر غيره، ومعنى قوله:«لا ضرار فى الإسلام» أنه لا ينبغى لك أن تضر أحدا، ولا ينبغى له أن يضرك. ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم:
«المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء، وعوّدوا كلّ جسم ما اعتاد» فهذه الألفاظ الثلاثة قد جمعت من المعانى الحكمية، والأسرار الطيبة، ما لا يحيط بوصفه إلا الله. ومن هذا قوله عليه السلام «الطمع فقر واليأس غنى» فهذا من جوامع الكلم التى خصّ بها.
«المثال الثالث» ما ورد من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه من الكلام القصير كقوله عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف قدره، من فكّر فى العواقب لم يشجع، الناس أعداء لما جهلوا، من استقبل وجوه الآراء عرف وجوه الخطاء، من أحدّ سنان الغضب لله قوى على قتل أسد الباطل، وقوله: إذا هبت أمرا فقع فيه، فإنّ وقوعك فيه أهون من توقّيه، آلة الرّياسة سعة الصدر، الطمع رق مؤبّد، ثمرة التفريط الندامة، وقال عليه السلام أغض على القذى، وإلّا لم ترض أبدا، وقال: لكل مقبل إدبار، وما أدبر كان كأن لم يكن، لا يعدو من الصبور الظّفر وإن طال به الزمان، إلى غير ذلك من الكلمات القصيرة التى قصرت أطرافها وفاتت العد فى معانيها.
«المثال الرابع» ما أثر عن أهل البلاغة قال بعض الأعراب: اللهم هب لى حقك، وأرض عنى خلقك، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: هذا هو البلاغة، وكما أثر عن الحريرى فى مقاماته استعمال المداراة، توجب المصافاة، وقوله ملك الخلائق شين الخلائق، التزام الحزامة ذمام السلامة، تطلب المثالب من المعايب، عند الأوجال، يتفاصل الرجال،
موجب الصبر، ثمرة النصر، إلى غير ذلك ولا يكاد يوجد إلا على القلة فى كلام الفصحاء، والقرآن يوجد فيه كثير، وما ذاك إلا لأنه قد حاز معظم البلاغة.
المثال الخامس ما ورد فيه من المنظوم وهذا كقول السموأل بن عادياء الغسانى «1» :
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها
…
فليس إلى حسن الثناء سبيل
فهذا البيت قد اشتمل على مكارم الأخلاق من سماحة، وشجاعة، وتواضع، وحلم، وصبر، وتكلّف، واحتمال المكاره، فإن هذه الأمور كلها مما تضيم النفوس لما يحصل فى تحملها من المشقة والعناء، ومن ذلك ما قاله أبو تمام:
وظلمت نفسك طالبا إنصافها
…
فعجبت من مظلومة لم تظلم
وأراد بقوله: ظلمت نفسك طالبا إنصافها، أنك أكرمتها على تحمل الأثقال فى مشاق الأمور، فإذا فعلت ذلك فقد ظلمتها، ثم إنك مع ظلمك إياها فقد أنصفتها؛ لأنك جلبت إليها أشياء حسنة تكسبها ذكرا جميلا، ومجدا مؤثّلا، فكنت منصفا لها فى صورة ظالم، ومعنى قوله فعجبت من مظلومة لم تظلم، أنك ظلمتها وما ظلمتها فى الحقيقة، فقد أعجب فى بيته هذا بجمعه فيه بين النقيضين الظلم، والإنصاف كما ترى، ولنقتصر على هذا من حقائق الإيجاز ففيه كفاية.