الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث فى أحوال [الفصل
،]
والوصل، وهو دقيق المجرى، لطيف المغزى، جليل المقدار، كثير الفوائد، غزير الأسرار، ولقد سئل بعض البلغاء عن ماهية البلاغة، فحدّها بمعرفة الفصل، والوصل، وجعل ما سواه تبعا له، ومفتقرا إليه، وقاعدته العظمى حروف العطف، وينعطف عليها حروف الجر، وتكون تابعة لها، فإنه يتعلق بكل واحد منهما أسرار ولطائف ننبه عليها بمعونة الله تعالى، ولسنا نريد بتلك الأسرار واللطائف ما يكون متعلقا بعلوم الإعراب من كون الأحرف العاطفة تلحق المعطوف فى الإعراب، ولا أن الحروف الجارة تجر الاسم، وتعدى الأفعال اللازمة، بل نريد أمرا أخص من ذاك، وأغوص على تحصيل الأسرار الغريبة واللطائف العجيبة فى كتاب الله تعالى وفى غيره، وإن كان لا بد من التصرفات الإعرابية والإحاطة بالمعانى النحوية، فهذان بحثان يحيطان بالبغية من ذلك بمعونة الله تعالى.
البحث الأول فيما يتعلق ب [الأحرف العاطفة]
اعلم أن العطف على نوعين، عطف مفرد على مفرد، وعطف جملة على جملة، فأما عطف المفرد على المفرد فيستفاد منه مشاركة الثانى للأول فى الإعراب فى رفعه ونصبه وجره، بالفاعلية، أو بالمفعولية، أو بالإضافة وحروف الجر، فأما الصفات فالأكثر أنه لا يعطف بعضها على بعض كقولك: مررت بزيد الكريم العاقل الفاضل، وإنما قل العطف فيها؛ لأن الصفة جارية مجرى الموصوف، ولهذا فإنه يمتنع عطفها على موصوفها فلا يجوز أن تقول: جاءنى زيد والكريم، على أن الكريم هو زيد، لاستحالة عطف الشىء على نفسه، ويجوز عطف بعضها على بعض باعتبار المعانى الدالة عليها، فلهذا تقول: مررت بزيد الكريم، والعاقل، والعالم، باعتبار ما ذكرناه، كأنك قلت. مررت بشخص اجتمع فيه الكرم، والعقل، والعلم، فقد اجتمع فى الصفة دلالتها على ذات الموصوف ودلالتها على معنى فى الذات، فلأجل تلك المعانى التى تدل عليها جاز فيها العطف، ولأجل كونها دالة على الذات قل فيها عطف بعضها على بعض، وتعذر عطفها على الموصوف كما أشرنا
إليه، فأما الأوصاف الجارية على الله تعالى فقلما يأتى فيها العطف، وما ذاك إلا لأنها أسماء دالة على الذات باعتبار هذه الخصائص لها ووافقت الذات فى عدم الأولية لها، فلأجل هذا جرت مجرى الأسماء المترادفة كقوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
[الحشر: 22] ثم قال: الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
[الحشر: 23] الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ
[الحشر: 24] وقال غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ
[غافر: 3] فجاء بها على جهة التعديد من دون الواو لما ذكرناه، وإنما جاءت معطوفة فى قوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
[الحديد: 3] لأنها متضادة المعانى فى أصل موضوعها، فلهذا جاءت الواو رافعة لتوهم من يستبعد ذلك فى ذات واحدة؛ لأن الشىء الواحد لا يكون ظاهرا باطنا من وجه واحد، فلأجل هذا حسن العطف، ولهذا جاء العطف فى قوله تعالى ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً
[التحريم: 5] بخلاف ما تقدمه من الصفات، فإنها معدودة من غير واو، وذلك لأجل تناقض البكارة والثيوبة، فجىء بالعطف لرفع التناقض بخلاف الإسلام، والإيمان، والقنوت، والتوبة، وغيرها من الصفات، ومنه قوله تعالى التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ
[التوبة: 112] إلى آخرها بغير واو، وقال فى آخرها الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ
[التوبة: 112] لما كانت هاتان الصفتان متضادتين، فلا جرم وجب فيهما العطف كما ترى، لا يقال فإنا نرى الأوصاف فى قوله تعالى: غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ
[غافر: 3] جاءت كلها بغير حرف عطف إلا قوله وَقابِلِ التَّوْبِ
[غافر: 3] فإنها جاءت بالواو مع اشتراكها كلها فى كونها من الأوصاف الفعلية، فما السر فى ذلك، لأنا نقول: أما مجىء غافِرِ
عقيب قوله: الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
[غافر: 2] من غير واو مع أنهما من صفات الذات و «غافر» من صفات الأفعال: فإنما كان كذلك لأنها فى معناهما؛ لأن العزيز هو الغالب، والعالم هو المحيط بكل المعلومات، ومن كان غالبا بالقدرة على كل شىء وعالما بحسن العفو ومزيد الإحسان فهو الأحق بالستر، وإسقاط العقوبة وأن لا يستوفى له حقّا من العباد، فلهذا جاءت من غير واو؛ لانتظامها مع ما قبلها فى سلك واحد كما أوضحناه، وأما مجىء قوله: وَقابِلِ التَّوْبِ
بالواو مع كونها من صفات الأفعال لأمرين؛ أما أولا فلأن المرجع بالمغفرة إلى السلب؛ لأن معنى «الغافر» هو الذى لا يفعل العقوبة مع الاستحقاق، والمرجع بقبول التوبة إلى الإثبات؛ لأن معناه أنه يقبل العذر والندم، فلما
كانا متناقضين بما ذكرناه، وجب ورود الواو فصلا بينهما كما ذكرناه فى الأول والآخر، وأما ثانيا فلأنهما وإن كانا من صفات الأفعال لكنه جمع بينهما بالواو لسر لطيف، وهى إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين، بين أن تقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات، وأن يجعلها إمحاء للذنوب، كأن لم يذنب، كأنه قال: جامع المغفرة والقبول، ومن وجه آخر، وهو أنهما وإن كانا من صفات الأفعال خلا أن المغفرة مختصة بالعبد، وقبول التوبة مختص بالله تعالى، فلما تغاير أمر هذا الوجه لا جرم وردت الواو منبهة على تغايرهما، وإنما وردا على وزن اسمى الفاعل دون ما بعدهما وما قبلهما من الصفات، ولم يقل:
الغفار والتواب، كما ورد فى موضع من التنزيل، دلالة على أن الغرض ههنا إحداث المغفرة والتوبة من جهته تعالى للعبيد لمزيد الرحمة واللطف، بخلاف قولنا: التواب والغفار، فإن الغرض بهما هو الثبوت والاستمرار دون الحدوث، فافترقا، وإنما جاء قوله: شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ
من غير واو لكون الأوصاف ملتئمة متناسبة يجمعها كونها من صفات الأفعال، كما جاء قوله: الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ
[الحشر: 24] من غير واو لكونها جميعا من الصفات الفعلية، فنبه بلفظ اسم الفاعل على أنه تعالى فاعل للأمرين جميعا، محدث لهما من جهته، ليكون ذلك لرجاء الرحمة من عنده والأمل للعفو برحمته وكرمه، ثم عقّبه بقوله: شَدِيدِ الْعِقابِ
[غافر: 3] تحذيرا عن مواقعة الخطايا وملابسة المعاصى وزجرا عن الاتّكال على ما سلف من الغفران وقبول التوبة، ثم ختم هذه الصفات بأحسن ختام وأعجب تمام بالوصف «بالطول» رحمة للخلق، وتسلية للعبيد، وعدة لهم بأن منتهى الأمر فى حقهم، الطول عليهم بالكرم، واندراجهم فى غمار الرحمة الواسعة واللطف العظيم، اللهم اجعلنا ممن شملته رحمتك، وأدخلته فى عبادك الصالحين، لا يقال: فعلام يحمل قوله تعالى: شَدِيدِ الْعِقابِ
فإن حمل على الصفة فهو نكرة؛ لأن الصفة المشبهة باسم الفاعل لا تتعرف بإضافتها إلى المعرفة، وإن حملتموه على البدلية مما قبله، حصل هناك تنافر فى نظام الآية وسياقها؛ لأن ما قبله صفة وما بعده صفة، فلا يجوز حمله على البدلية لما ذكرناه؛ لأنا نقول حكى عن أبى إسحق الزجاج أنه حمله على البدلية، وما ذاك إلا لأنه اعتاص عليه تنزيله على وجه يتعرف به، فعدل إلى هذه المقالة، وهذا لعمرى أسرع وأخلص لكن غيره أدق وأغوص، والأقرب حمله على الصفة، ليطابق ما قبله وما بعده، فأما تعريفه ففيه تأويلات، التأويل الأول ذكره الزمخشرى فى تفسيره أن
تعريفه إنما هو باللام لكنها اطّرحت لأجل الازدواج، وليطابق قوله تعالى: ذِي الطَّوْلِ
فلا جرم قضينا بتعريفه باللام لما ذكرناه ولكنها اطرحت لمراعاة الازدواج، التأويل الثانى أن يقال: إنه فى نية الإضافة، والمعنى فيه أنه يكون تقديره:«ذى العقاب الشديد» ومع هذا يحصل التعريف المعنوى، والازدواج اللفظى، وما ذكره الزمخشرى وإن كان جيدا لكن هذا أدق وأحسن، هذا كله فى عطف المفردات، وهذا كله إنما يتقرر على رأى من يجعلها كلها دالة على الثبوت، فأما على ما تأولناه من أن غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ
دالان على الحدوث، فهى كلها أبدال، فلا يكون هناك تنافر بينها؛ لأنها كلها نكرات على هذا التقرير، وأما عطف الجملة على الجملة فهو على وجهين؛ أحدهما أن يكون العطف على جملة لها موضع من الإعراب فتكون المعطوفة كذلك أيضا، وهذا كقولك: مررت برجل خلقه حسن، وخلقه قبيح. فيكون مشتركا بين الجملتين فى القضاء عليهما بالحسن، حملا على الصفة، وثانيهما أن تعطف جملة على جملة لا موضع لها من الإعراب. وهذا كقولك:
زيد أخوك، وبشر صاحبك. فالجملة الأولى لا موضع لها من الإعراب، لكونها ابتدائية، وعلى هذا تكون الثانية لا موضع لها من الإعراب أيضا، وهل يكون للواو ههنا فائدة أو لا، فظاهر كلام الشيخ عبد الكريم أنه لا فائدة لها ههنا بحال، فأما الزمخشرى فقد قال إنها تجمع بين مضمونى الجملتين فى الحصول، وهذا هو الأقرب، فإنها كما تجمع بين الرجلين فى المجىء فى نحو قولك: جاء زيد وعمرو، فهكذا تجمع بين الجملتين فى الوجود والحصول، فإذا تمهدت هذه القاعدة فلننعطف على بيان المقصود، ونعكر عكرة على بيان الأسرار المعنوية المتعلقة بالحروف العاطفة، فمن ذلك قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
[آل عمران: 7] فالواو فى قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
هل تكون للعطف، أو للاستئناف، قد وقع فيها تردد بين العلماء، فمنهم من قال: هى للعطف، ويقف على قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
وهو الذى عول عليه الزمخشرى فى تفسيره ومنهم من قال هى للاستئناف ويقف على قوله: إِلَّا اللَّهُ
ومنهم من توقف فى ذلك وجوز الأمرين جميعا، فمن ذهب إلى العطف قال: إن التأويل معلوم لله وللراسخين، ومن قال بالاستئناف قال: إن تأويل
القرآن لا يعلمه إلا الله وحده، فأما من توقف فهو شاك فى الأمرين، فتردد فيهما جميعا، فلا مذهب له فى الحقيقة؛ لأنه غير قاطع بحكم فى الآية، والمختار عندنا فى الآية أن الراسخين مرفوع على الابتداء ويَقُولُونَ
[آل عمران: 7] خبره، وأن الواو عاطفة لجملة على جملة، فيكون التقرير: فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، وأما الراسخون فيقولون: آمنا به كل من عند ربنا، ويدل على ما اخترناه أوجه؛ أما أولا فلأن ظاهر الواو للعطف، فلا يجوز العدول عنه من غير دليل، وإذا وجب العطف فلا يجوز عطف الراسخين على قوله: إِلَّا اللَّهُ
لأن الراسخين جملة، واسم الله مفرد، فلا يجوز عطفه عليه، وأما ثانيا فلأن الراسخين لو كان معطوفا على اسم الله، لم يحسن الوقوف على اسم الله دونه، إذ لا يحسن الوقف على المعطوف عليه دون المعطوف، فلما حسن ذلك دل على امتناع عطفه عليه، وأما ثالثا فلأن وضع «أما» للتفصيل بين الأجناس المتعددة، ولم يسبق إلا أحد الجنسين، وهو قوله فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
إلى آخر صفاتهم، فيجب أن يتلوه الجنس الآخر المقابل له، وهم الراسخون فى العلم، فتحصل «أما» الأولى «وأما» الثانية على مقصود التقابل، كما قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا
[هود: 106] ثم عقبه بقوله:
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا
[هود: 108] فيكون تقدير الآية: فأما الزائغون فيتبعون وأما الراسخون فيقولون: آمنا به، لا يقال: لو كان الراسخون عطفا على قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ
لوجب إثبات الفاء فى قوله: يَقُولُونَ
كما جاءت فى قوله: فَيَتَّبِعُونَ
ليتطابق الكلامان ويتسق نظامهما، لأنا نقول. هذا هو الوجه اللائق، لكنا نقول: إنما ترك المجىء بها لأن الفاء إنما يجب الإتيان بها: إذا كانت (أما) مذكورة فى الكلام لأنها مشعرة بالشرط، فأما إذا كانت محذوفة فلا يلزم الإتيان بالفاء، فلما حذفت فى قوله: وَالرَّاسِخُونَ
استغناء عنها بالواو، لا جرم لم يأت بالفاء فى قوله: يَقُولُونَ
من أجل ذلك، ومن ذلك قوله تعالى:
وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81)
[الشعراء: 79- 81] فعطف السقى على الإطعام بالواو إرادة للجمع بينهما، وتقديم أحدهما على الآخر جائز، إذ لا ترتيب فيهما، خلا أن مراعاة حسن النظم والمشاكلة أوجب ذلك،
ثم عطف يَشْفِينِ
بالفاء؛ لأن الشفاء يتعقب المرض، وتنبيها على عظم المنة بالعافية بعد المرض من غير تراخ، ثم عطف الإحياء بعد الإماتة بثم؛ لأن الإحياء بعد الموت إنما يكون بمهلة وتراخ، ولو عطفت الجمل فى هذه الآية بعضها على بعض بالواو لتم المعنى المقصود، ولكن الذى ورد به التنزيل أدخل فى المعنى وأعجب فى النظم، وأليق ببلاغة القرآن وفصاحته، ومن ذلك قوله تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (22)
[عبس: 17- 22] فانظر إلى نظام هذه الآية، ما أدخله فى الإعجاب، فجاء قوله: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ
من غير واو؛ لأنها واردة على جهة التفسير لقوله: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18)
والخلق هو الإيجاد، خلافا لما يحكى عن المعتزلة من أنه التقدير؛ لأنه لو كان التقدير لكان قوله: فَقَدَّرَهُ (19)
يكون تكريرا لا حاجة إليه، وهكذا قوله: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً
[الفرقان:
2] يكون مكررا على مقالتهم، وقوله: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (49)
[القمر: 49] فهذه كلها مع غيرها تبطل كون الخلق بمعنى التقدير، وهذا عارض، فعطف قوله: فَقَدَّرَهُ
بالفاء تنبيها على أن التقدير مرتب على الخلق، وعلى عدم التراخى بينهما، وعطف السبيل بثم، لما بين الخلق والهداية من التراخى والمهلة الكثيرة، ثم عطف الإماتة بثم، إشارة إلى التراخى بينهما بأزمنة طويلة، ثم عطف الإقبار بالفاء، إذ لا مهلة هناك، ثم عطف الإنشار بثم، لما يكون هناك من التراخى باللّبث فى الأرض أزمنة متطاولة، فأكرم بهذه اللطائف الشريفة، والمعانى الرائقة التى لا تزداد على طول البحث وكثرة التنقير إلا غوصا على الأسرار ودخولا فى التحقيق، ولله سر التنزيل، ما أحواه للغرائب، وأجمعه للأسرار والعجائب. ومن ذلك قوله تعالى فى بديع خلقة الإنسان: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[المؤمنون: 12- 14] فتأمل هذه الآية كيف بدأ بالخلق الأول، وهو خلق آدم من طين، ولما عطف عليه الخلق الثانى الذى هو خلق التناسل، عطفه بثم، لما بينهما من