الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث فى ذكر [الاستدراجات]
الاستدراج، استفعال من قولهم: استدرجته إلى كذا إذا نزلته درجة درجة حتى تستدعيه إليك وينقاد لما قلته من ذلك، قال الله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44)
[القلم: 44] فالاستدراج لهم إنما هو بإعطاء الصحة والنعمة والإمهال ليزدادوا فى الكفر والفسوق، وهذا اللقب إنما يطلق على بعض أساليب الكلام، وهو ما يكون موضوعا لتقريب المخاطب والتلطف به والاحتيال عليه بالإذعان إلى المقصود منه ومساعدته له بالقول الرقيق والعبارة الرشيقة، كما يحتال على خصمه عند الجدال والمناظرة بأنواع الإلزامات، والانتماء إليه بفنون الإفحامات، ليكون مسرعا إلى قبول المسألة والعمل عليها، وكمن يتلطف فى اقتناص الصيد فإنه يعمل فى الحبالة كل حيلة ليكون ذلك سبيلا إلى ما يقصده من الاصطياد، فهكذا ما نحن فيه، إذا أراد تحصيل مقصد من المقاصد فإنه يحتال بإيراد ألطف القول وأحسنه، فما هذا حاله من الكلام يقال له الاستدراج، ولنضرب له أمثلة بمعونة الله تعالى.
المثال الأول من كتاب الله تعالى:
وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)
[غافر: 28] فانظر إلى حسن مأخذ هذا الكلام، وما تضمنه من النزول فى الملاطفة، فصدر الكلام بالإنكار عليهم فى قتله واستقباحه، لأمرين: أما أولا فلأنه قائل بالتوحيد لله تعالى، وأما ثانيا فلأنه قد جاءكم بالمعجزات الواضحة فى هدايتكم إلى الخير، فمن هذه حاله كيف يقدم على قتله، هذا مما لا يتسع له العقل ولا يقبله، ثم أخذ بعد ذلك فى الاحتجاج عليهم على جهة التقسيم فقال: ليس يخلو حاله إما أن يكون كاذبا فضر كذبه يعود عليه، وأنتم خالصون عنه، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذى يعدكم إن تعرضتم لقتله، وفى سياق هذا الكلام من الملاطفة وحسن الأدب وكمال الإنصاف ما يربو على كل غاية، وبيانه من أوجه: أما أولا فلأنه صدر الكلام بكونه كاذبا على جهة التقدير ملاطفة واستنزالا للخصم عن نخوة
المكابرة ودعاء له إلى الإذعان والانقياد للحق، وقدمه على كونه صادقا دلالة على كونه صادقا دلالة على ذلك، وأما ثانيا فلأنه فرض صدقه على جهة التقدير مع كونه مقطوعا بصدقه، تقريبا للخصم وتسليما لما يدعيه من ذلك، وهضما لجانب الرسول زيادة فى الإنصاف ومبالغة فيه، وأما ثالثا فإنه أردفه بقوله يصبكم بعض الذى يعدكم، وإن كان التحقيق أنه يصيبهم كل ما يعدهم به لا محالة من أجل الملاطفة أيضا وأما رابعا فإنه أتى «بإن» للشرط، وهى موضوعة للأمور المشكوك فيها، ليدل بذلك على أنه غير مقطوع بما يقوله على جهة الفرض، وإذعانا للخصم على التقدير لإرادة هضمه لحقه وأنه غير معط له ما يستحقه من التعظيم، وأما خامسا فقوله تعالى: فى آخر الآية إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب، إنما أتى به على التلطف والإنصاف مخافة أن يبعدوا عن الهداية ومحاذرة عن نفارهم عن طريق الصواب فرضا وتقديرا، وإلا فلو كان مسرفا كذابا، لما هداه الله إلى النبوة، ولما أعطاه إياها، وفى هذا الكلام من الاستدراج للخصم وتقريبه وإدنائه إلى الحق ما لا يخفى على أحد من الأكياس، وقد تضمن من اللطائف ما لا سبيل إلى جحده، ومن هذا قوله تعالى: فى قصة خليله إبراهيم صلوات الله عليه فى خطابه لأبيه وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (41) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (42) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (43) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (44) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (45)
[مريم: 41- 45] فهذا كلام يهز الأعطاف ويأخذ بمجامع القلوب فى الاستدراج والإذعان والانقياد بألطف العبارات وأرشقها، وهو مشتمل على حسن الملاطفة من أوجه: أما أولا فلأن إبراهيم صلوات الله عليه لما أراد هداية أبيه إلى الخير وإنقاذه مما هو متورط فيه من الكفر والضلال الذى خالف فيه العقل، ساق معه الكلام على أحسن هيئة، ورتبه على أعجب ترتيب، من حسن الملاطفة والاستدراج والرفق فى الخصمة والحجاج، والأدب العالى وحسن الخلق الحميد، وذلك أنه بدأ بطلب الباعث له على عبادة الأوثان والأصنام، ليتوصل بذلك إلى قطعه وإفحامه، ثم إنه تكايس معه بأن عرض إليه بأن من لا يسمع ولا يبصر لا يغنى شيئا من الأشياء لا يكون حقيقا بالعبادة وأن من كان حيّا سميعا بصيرا مقتدرا على الإثابة والعقاب متمكنا من العطاء والإنعام والتفضل، من الملائكة وسائر الأنبياء من جملة الخلق فإنه لا يستحق العبادة ويستسخف
عقل من عبده، فكيف من هذه حاله فى عدم الحياة والسمع والبصر من جملة الجمادات والأحجار التى لا حراك لها ولا حياة بها، وأما ثانيا فلأنه دعاه إلى التماس الهداية من جهته على جهة التنبيه والرفق به وسلوك جانب التواضع، فلم يخاطب أباه بالجهل عما يدعوه إليه، ولا وصف نفسه بالاطلاع على كنه الحقائق، والاختصاص بالعلم الفائق، ولكنه قال: معى لطائف من العلم وبعض منه، وذلك هو علم الدلالة على سلوك طريق الهداية، فاتبعنى أنجك مما أنت فيه، وقال له، أهدك صراطا سويا، ولم يقل أنجيك من ورطة الكفر وأنقذك من عماء الحيرة، تأدبا منه، واعتصاء عن مباداته بقبيح كفره، وتسامحا عن ذكره ما يغيظه، وأما ثالثا فلأنه ثبطه عما كان عليه ونهاه عنه، فقال إن الشيطان الذى عصى ربك وكان عدوا لك ولأبيك آدم، هو الذى أوقعك فى هذه الحبائل، وورطك فى هذه الورط وألقاك فى بحر الضلالة، وإنما خص إبراهيم ذكر معصية الشيطان لله تعالى فى مخالفته لأمره واستكباره، ولم يذكر عداوته لآدم وحواء، وما ذاك إلا من أجل إمعانه فى نصيحته فذكر له ما هو الأصل تحذيرا له عن ذلك وعن مواقعته، وأما رابعا فلأنه خوفه من سوء العاقبة بالعذاب السرمدى، ثم إنه لم يصرح له بمماسة العذاب له إكبارا له، وإعظاما لحرمة الأبوة، ولكنه أتى بما يشعر بالشك فى ذلك تأدبا له فقال له: إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ
ثم إنه نكر العذاب تحاشيا عن أن يكون هناك عذاب معهود يخاف منه، كأنه قال وما يؤمنك إن بقيت على الكفر أن تستحق عذابا عظيما عليه، وأما خامسا فلأنه صدر كل نصيحة من هذه النصائح بذكر الأبوة، توسلا إليه بحنو الأبوة واستعطافا له برفق الرحمية، ليكون ذلك أسرع إلى الانقياد، وأدعى إلى مفارقة ما هو عليه من الجحود والعناد، فلما سمع كلامه هذا وتفطن لما دعاه إليه، أقبل عليه بفظاظة الكفر، وجلافة الجهل، وغلظ العناد، فناداه باسمه ولم يقل يا بنى كما قال إبراهيم، يا أبت، إعراضا عن مقالته وإصرارا على ما هو فيه، ثم إنه قدم خبر المبتدأ بقوله: أَراغِبٌ أَنْتَ
[مريم: 45] اهتماما بالإنكار وتماديا فى المبالغة فى التعجب عن أن يكون من إبراهيم مثل هذا، فانظر ما بين الخطابين من التفاوت فى الرقة والرحمة وحسن الاستدراج، فلله در الأنبياء! فما أسجح خلائقهم، وأرق شمائلهم، وفى القرآن سعة من هذا، ومملوء من حسن الحجاج والملاطفة، خاصة لمنكرى المعاد الأخروى، وعبادى الأوثان والأصنام، فإن الله تعالى نعى عليهم فعالهم، وسجل عليهم، فانظر إلى حجاجه