الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الثالث فى بيان الإيجاز من غير حذف فيه
اعلم أن من الإيجاز ما لا يكون فيه حذف يقدر، من مفرد ولا جملة، ويقال له إيجاز البلاغة، وينقسم إلى ما يساوى لفظه معناه من غير زيادة، ويسمى التقدير، وإلى ما يزيد معناه على لفظه، ويسمى القصر، فهذان ضربان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما، وهذا القسم من الإيجاز له فى البلاغة موقع عظيم، دقيق المجرى، صعب المرتقى، لا يختص به من أهل الصناعة إلا واحد بعد واحد «ومهما عظم المطلوب قل المساعد» .
الضرب الأول فى بيان [الإيجاز بالتقدير]
وهو الذى تكون ألفاظه مساوية لمعناه لا يزيد أحدهما على الآخر بحيث لو قدر نقص من لفظه لتطرق الخرم إلى معناه على قدر ذلك النقصان، ولنشر منه إلى أمثلة خمسة.
المثال الأول: ما ورد من كتاب الله تعالى وهذا كقوله تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (23)
[عبس: 17- 23] فقوله قتل الإنسان، أبلغ دعاء على الإنسان، لما فيه من إذهاب الروح بسرعة وفجأة، وهو أعظم فى الفجيعة وقوله ما أكفره، تعجّب من شدة الإفراط فى كفره لنعم الله، فلا يكاد يقرع السمع أسلوب أغلظ من هذا الدعاء والتعجب، ولا أبلغ فى الملامة ولا أقطع للمعذرة، ولا أعظم دلالة على السخط مع تقارب أطرافه وقصر متنه، ثم أخذ فى صفة حاله من مبدإ حدوثه إلى منتهى زمانه فقال. من أى شىء خلقه؟ استفهام وارد على جهة التهكم والتقرير، ثم قال من نطفة خلقه، كأنه قال تأمل وانظر من أى شىء خلقتك على عظم هذه المخالفة وكفران أنعمى عليك، إنما خلقتك من نطفة وأى نطفة فى الغلظ والبشاعة ونتن الرائحة، فقدره، فأحكم قوام خلقته وسواها على جهة التعديل فى مطابقة المنافع، ثم السبيل يسره، إما سهّل خروجه من بطن أمه، وإما يسر سبيله إلى ثدى أمه، وإما يسر سبيله من سلوك طريق الخير والشر، كما قال: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (10)
[البلد: 10] ، ثُمَّ أَماتَهُ
نزع منه ما ركّب فيه من الروح، لما يريد من إعادته «فأقبره» أى جعله فى قبره يوارى فيه جيفته كيلا تمزقه السباع
وتقطع أوصاله «ثم إذا شاء أنشره» فى الآخرة للجزاء على الأعمال «كلا» ردع وزجر، عقّبها فى آخر الكلام تنبيها على أن الإنسان على ما هو فيه مما وصف من حاله «لما يقض» شيئا مما أمره الله وأنه مقصر فى حق الله لا يألو جهدا فى الإصرار والمخالفة، فقد حصل هذا الكلام على نهاية المطابقة للمقصود منه، فلو أردت زيادة عليه لكانت فضلا، ولو أردت نقصانا منه لكان إخلالا، ومنه قوله تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ
[البقرة: 236] وقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ
[الروم: 44] وقوله تعالى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (21)
[الطور: 21] وقوله تعالى: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ
[البقرة: 275] ومواقعه فى التنزيل كثيرة.
المثال الثانى: ما ورد من السنة الشريفة كقوله صلى الله عليه وسلم: «الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك مشتبهات» فهذا من أجمع ما يكون للمعانى البالغة، ومن هذا قوله عليه السلام «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى» وقوله صلى الله عليه وسلم:«الضعيف أمير الركب» وفى حديث آخر «سيروا بسير أضعفكم» وقوله لمعاذ «صلّ بهم صلاة أضعفهم» وقوله صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ومن ذلك ما قاله خطابا لقريش «يا ويح قريش لقد نهكتهم الحرب ما ضرهم لو ماددناهم مدة ويدعوا بينى وبين الناس فإن أظهر عليهم دخلوا فى دين الله وافرين وإلا كانوا قد حموا وإن أبوا فو الذى نفسى بيده لأقاتلنهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتى هذه أو لينفذن الله أمره» وهذا الحديث قد جمع من المحاسن والإحاطة فى بلاغة المعانى وفصاحة الألفاظ ما لا يقدر على وصفه قائل، ولا يستولى على حصر لطائفه مجيب ولا سائل.
المثال الثالث: من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه يخاطب فيه معاوية: «فاتّق الله وانظر فى حقه عليك، وارجع إلى معرفة مالا تعذر بجهالته، فنفسك نفسك، فقد بين الله لك سبيلك، وحيث تاهت بك أمرك فقد أجريت إلى غاية خسر ومحلة كفر، وإنّ نفسك قد أوصلتك شرا وأقحمتك عيا وأوردتك المهالك، وأوعرت عليك المسالك» . وقال عليه السلام: «عليكم بطاعة من لا تعذرون بجهالته، قد بصرتم إن أبصرتم، وهديتم إن اهتديتم، عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شره بالإنعام عليه، من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومن من أساء به الظن، لا ينال العبد نعمة 7 لا بفراق أخرى، ولا يستفيد يوما من عمره إلا بفراق آخر من أجله، من أين ترجو البقاء وهذا الليل والنهار لم يرفعا من شىء شرفا إلا أسرعا الكرة فى هدم ما بنيا وتفريق ما جمعا» . فهذا الكلام ما ترك للإيجاز غاية إلا وصلها، ولا نكتة
شريفة إلا حازها وحصّلها، ومن أعجب ما فيه أنه مشتمل على هذه الأسرار بألفاظه، ولو حذفت واحدة منها أخللت بمعناها الذى جاءت من أجل الدلالة عليه.
المثال الرابع: ما أثر فى ذلك من كلام البلغاء. فمن ذلك ما كتبه طاهر بن الحسين إلى المأمون، وكان واليه على عماله بعد لقائه بعيسى بن ماهان وهزمه لعسكره وقتله إياه، فكتب إلى المأمون يخبره بما كان منه فى ذلك فقال:«كتابى إلى أمير المؤمنين ورأس عيسى ابن ماهان بين يدى وخاتمه فى يدى، وعسكره مصرّف تحت أمرى والسلام» . وهذا من عجائب الإيجاز وبليغ الاختصار التى حوت المطلوب، وحازت المقصود. ولما أرسل المهلّب بن أبى صفرة أبا الحسن المدائنى إلى الحجاج بن يوسف يخبره أخبار ما هو عليه فى ولايته فقال له الحجاج:«كيف تركت المهلّب» فقال له: «أدرك ما أمّل، وأمن مما خاف» فقال: «كيف هو تجده بجنده» . فقال: والد رءوف، فقال:«كيف جنده» له فقال: «أولاد بررة» ، قال:«كيف رضاهم عنه» . فقال: «وسعهم بفضله، وأغناهم بعدله» ، قال:«كيف تصنعون إذا لقيتم العدو» . قال: «نلقاهم بجدنا ويلقونا بجدهم» قال: «كذلك الجد إذا لقى الجد» . قال: «فأخبرنى عن بنى المهلب» قال: «هم أحلاس القتال بالليل حماة السّرح بالنهار» ، قال:«أيهم أفضل» . قال: «هم كحلقة مبهمة مضروبة لا يعرف طرفاها» قال الحجاج لجلسائه: «هذا والله الكلام الفصل الذى ليس بمصنوع ولا متكلف» .
المثال الخامس: ما ورد من الأبيات الشعرية. وهذا كقول أبى نواس فى صفة الخمر فى أوعيتها «1» :
تدار علينا الراح فى عسجدية
…
حبتها بأنواع التصاوير فارس
قرارتها كسرى وفى جنباتها
…
مها تدّريها بالقسىّ الفوارس
فللراح ما زرّت عليها جيوبها
…
وللماء ما دارت عليه القلانس
فما هذا حاله من الشعر الفائق والنظم الجيد الرائق. وحكى عن الجاحظ أبى عثمان أنه قال: «لا أعرف شعرا يفضل هذه الأبيات لابن هانىء، ولقد أنشدتها أبا شعيب القلال، فقال: والله يا أبا عثمان إن هذا هو الشعر الذى لو نقر لطنّ، ومهما حركت أو تار نغماته لحنّ» . وحسبك به إعجابا اعتراف الجاحظ بحسنه، فإنه الماهر فى البلاغة والخريت فى