الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع فى [التقديم والتأخير]
اعلم أن الألفاظ تابعة للمعانى كما سنقرره فى خاتمة هذا الكتاب بمعونة الله تعالى، والمعانى لها فى التقديم أحوال خمسة:
الحالة الأولى [تقدم العلة على معلولها] عند القائلين بها
، وهذا كتقدم الكون على الكائنية، والعلم على العالمية، وهكذا سائر العلل والمعلولات عند من أثبتها، وهم أكثر المعتزلة وطوائف من الأشعرية، فأما نحن فلا نراها، بل الكون هو نفس الكائنية، والعلم هو نفس العالمية، من غير أمر وراء ذلك، واستقصاء الرد على من أثبتها قد قررناه فى الكتب الكلامية، وأنهينا فيه القول نهايته، ونحو تقدم الأسباب على مسبباتها، وهذا نحو تقدم السراج على ضوئه، فإن تقدم هذه الموجبات على موجباتها يكون تقدما ذهنيا، لا زمانيا، لأن الموجب لا يتراخى عن موجبه.
الحالة الثانية [التقدم بالذات]
،
وهذا نحو تقدم الواحد على الاثنين على معنى أن الوحدة لا يمكن تحقق الاثنينية إلا بعد سبقها، وليس من باب العلة والمعلول، فإن الوحدة ليست علة فى الاثنينية بخلاف ما قررناه فى الحالة الأولى.
الحالة الثالثة [التقدم بالشرف]
،
وهذا نحو تقدم الأنبياء على الأتباع، والعلماء على الجهال، فهذا تقدم معقول يخالف ما تقدم.
الحالة الرابعة [التقدم بالمكان]
، وهذا نحو تقدم الإمام على المأموم، ونحو تقدم من يقرب إلى الحائط دون من تأخر عنه، فمن يلى الحائط فإنه يقال: إنه سابق على من تأخر عنه، وهكذا القول فى غيره من الأمكنة.
الحالة الخامسة [التقدم بالزمان]
، وهذا نحو تقدم الشيخ على الشاب، والأب على الابن، فإن الوالد
وجد فى زمان لم يوجد فيه الابن، فهذه المعانى كلها عقلية، فما كان منها متقدما على غيره بأحد هذه الاعتبارات كان فى العبارة كذلك إتباعا للمعانى بالألفاظ، ومن التقدم بالزمان قوله تعالى: وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ
[العنكبوت: 38] وهكذا قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
[الأنعام: 1] فإن الظلمة سابقة على النور؛ لأن الحق أن الظلمة هى عدم النور، وليست أمرا ثبوتيّا، فإذا كان الأمر فيها كما قلناه فلا شك أن عدم الشىء سابق على وجوده، لأن العدم بلا أول والوجود يتلوه، فلهذا كان تقدم الظّلم على الأنوار، من باب تقدم الأزمنة، وهكذا القول فى الظلمة المعنوية؛ لأنها إذا أريد بها الجهل والكفر فإنها تكون سابقة على النور المعنوىّ، وهو العلم، والإسلام، ويؤيد ما قلناه قوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ
[النحل: 78] فانتفاء العلم ظلمة معنوية مجازية، فهى متقدمة بالزمان على نور الإدراكات الخمسة كلها، وقوله تعالى: فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ
[الزمر: 6] يريد ظلمة البطن والرحم والمشيمة.
ومن التقدم بالذات قوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
[النساء: 3] وقوله تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ
[المجادلة: 7] وهكذا القول فى مراتب الأعداد كلها، فإن كل واحدة منها سابقة على ما بعدها من المراتب سبقا ذاتيا، ومن التقدم بالسببية قوله تعالى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[الحشر: 24] ؛ لأن العزيز هو الغالب، ولأنه تعالى لما عز فى ذاته بالغلبة حكم على كل شىء، فلم يخرج عن حكمة ملكه خارج، ونحو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
[البقرة: 222] فالتوبة هى سبب التطهير من دنس الآثام كلها. وقوله تعالى وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
[الجاثية: 7] فالإفك يكون سببا للإثم، فلهذا قدم عليه، فأما قوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ
[الحج: 27] فتقديم رِجالًا
فيه وجهان؛ أحدهما أن يكون تقدما بالرتبة، فإن الغالب أن الرجالة إنما يأتون من الأمكنة القريبة، والركبان يأتون من الأمكنة البعيدة، فلهذا قدم الرجالة، وثانيهما أن يكون تقديم الرجالة لأجل الفضل، فإن من حج راجلا أفضل ممن حج راكبا، فلهذا قال ابن عباس رضى الله عنهما: وددت لو حججت راجلا، فإن الله قدم الرجالة على الركبان فى القرآن. فدل ذلك على أنه فهم من التقديم فى الآية الفضل، فالمعنيان محتملان فى الآية كما
ترى، ومن التقديم فى الرتبة قوله تعالى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ
[القلم: 11] فإن الهماز هو المغتاب، وهو لا يفتقر إلى مشى، بخلاف النميمة فإنها تفتقر إلى نقل الحديث من شخص إلى شخص، وما كان مجردا فهو سابق فى الرتبة على ما كان له تعلقات بغيره، وقوله تعالى مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ
[القلم: 12] إنما قدم على قوله: مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
[القلم: 12] لما كان المنع مقصورا على نفسه والعدوان له تعلق بغيره، وهكذا قوله عُتُلٍ
فإنه الفظّ الغليظ، والزنيم له تعلق بالغير من جهة أنه الدعى وهو المنسوب إلى غير أبيه فله تعلق بالغير.
ومن التقدم فى الشرف قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ
[المائدة: 6] وقوله: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
[المائدة: 6] فإن الوجه أشرف من اليد، والرأس أفضل من الرجل، ومنه قوله النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ
[النساء: 69] فإن النبى أشرف من الصديق وقوله: وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ
[النساء: 69] فإن الشهداء أعلى درجة من غيرهم من أهل الصلاح، ومن هذا قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ
[الملك: 23] وقوله إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ
[الإسراء: 36] وقوله: سَمِيعٌ بَصِيرٌ
[المجادلة: 1] وقوله تعالى: فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ
[الأحقاف: 26] فأما تقديم الإنس على الجن فهو الأكثر الوارد فى القرآن من أجل شرفهم على الجن كقوله تعالى لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ
[الرحمن: 74] وقوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ
[الرحمن: 39] وقوله تعالى: وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً
[الجن: 5] وغير ذلك، فأما قوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[الرحمن: 33] فإنما ورد مقدّما ههنا على الإنس، من أجل اشتمالهم على الملائكة كما قال وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً
[الصافات: 158] حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وكما قال الأرحبى «1» :
وسخّر من جنّ الملائك سبعة
…
قياما لديه يعملون بلا أجر
فحيث كان متناولا للملائكة قدموا لفضلهم، وحيث كان الخطاب مقصورا على الثقلين قدم الإنس لفضلهم، والأجود أن يقال: إنما قدم الجن ههنا لما كان المقام مقام خطاب بامتثال الأوامر فى العبادة فى قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[الذاريات: 56] فقدمهم لما كانت المخالفة منهم فى ترك العبادة أكثر من
الإنس وقوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[الرحمن: 33] إنما قدمهم لما كان المقام مقام تسلط واجتراء والجن، بذلك أحق فلهذا قدمهم، فأما قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ
[آل عمران: 14] فلأن الله تعالى لما صدّر الآية بذكر الحب، وكان المحبوب، مختلف المراتب متفاوت الدرج، اقتضت الحكمة الإلهية تقديم الأهم فالأهم من المحبوبات، فقدم النساء على البنين لما يظهر فيهن من قوة الشهوة ونزوع الطبع وإيثارهن على كل محبوب وقدم البنين على الأموال لتمكنهم فى النفوس واختلاط محبتهم بالأفئدة، وهكذا القول فى سائر المحبوبات، فالنساء أقعد فى البيوت، والبنون أقعد فى المحبة من الأموال، والذهب أكثر تمكنا من الفضة، والخيل أدخل فى المحبة من الأنعام، والمواشى أدخل من الحرث، فأما قوله تعالى: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
[التغابن: 15] فإنما قدم الأموال ههنا لأنه فى معرض ذكر الافتتان، ولا شك أن الافتتان بالمال أدخل من الافتتان بالأولاد، لما فيه من تعجيل اللذة والوصول إلى كل مسرة والتمكن من البسطة والقوة، بخلاف آية القناطير، فإنه إنما قدم البنين فيها لما ذكرها فى معرض الشهوة وتمكين المحبة، ومما ينتظم فى سلك هذا العقد النفيس قوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
[الحج: 26] فإنما قدم الطائفين لأن سياق الآية فى عظم العناية بالبيت والطائفون أقرب ما يكونون إليه، فلهذا قدمهم، ثم ثنى بالقائمين لأنه يلى الطواف فى الرتبة لأن القيام يشملهما جميعا، وإنما جمعا لأن الجمع أدل على العموم من المفرد، وإنما جمعا جمع السلامة لأن فى لفظ اسم الفاعل إشعارا بالتجدد والحدوث، كالفعل، فالطائفون والقائمون فى معنى يطوفون ويقومون، وإنما عدل إلى لفظ اسم الفاعل تجريدا له عن تعلق الأزمنة التى يدل عليها الفعل، وكان اسم الفاعل أحق لما فيه من الإشعار بالحدوث والتجدد، وتجرده عن الدلالة على الأزمنة، ثم ثلث بالركع السجود، وإنما جمعه جمع التكسير وعدل عن مشاكلته لما قبله من جمع السلامة، لما ذكرناه من أن جمع السلامة فى الطائفين والقائمين، فيه تنبيه على تجدد الطواف المختص بالبيت، والقيام، لأنه نوع منه، بخلاف الركوع والسجود، فإنهما لا يختصان بالبيت، بل كما يكونان فيه يكونان بغيره، ثم وصف الركع بالسجود، ولم يعطفه بالواو كما فعل بالقائمين. لأن الركع هم السجود، والشىء لا يعطف على نفسه، كما لا تقول: جاءنى زيد والكريم، على أن